You are here:الرئيسية>نوافذ الباحثين>نوافذ الباحثين

عبد الفتاح ماضي - ملخص تنفيذي للدراسة

الأربعاء، 25 حزيران/يونيو 2014 عدد القراءات 2729 مرة

يطيب لي أن أكتب الملخص التنفيذي لهذا الكتاب الذي يضم بين دفتيه الدراسات والتعقيبات والمداخلات والمناقشات التي شهدها اللقاء التاسع عشر لمشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية، الذي انعقد في كلية سانت كاثرين في جامعة أكسفورد، في 25 تموز/ يوليو 2009.

عالج اللقاء موضوع "متطلبات بناء كتلة تاريخية على قاعدة الديمقراطية في الدول العربية" وذلك بهدف الإستفادة من التجارب العربية المختلفة وتنمية فهم مشترك أفضل لمتطلبات الإنتقال إلى نظم حكم ديمقراطي في البلدان العربية، وذلك على اعتبار أن بناء كتلة تاريخية على قاعدة الديمقراطية هو الطريق السلمي، والمجرب تاريخيًا، لإحداث انتقال الى نظم حكم ديمقراطية.

في افتتاح اللقاء أشار الدكتور رغيد كاظم الصلح، منسق مشارك مشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية، إلى أن الاقتناع الظاهري بضرورة التغيير الديمقراطي لدى الأنظمة الحاكمة منذ قمة تونس عام 2004، ما لبث أن توارى.

ولم تنجح النخب السياسية الحاكمة خلال العقود الأخيرة في إنتاج ثقافة سياسية جادة تصلح أساسًا لقناعات مشتركة تجمع أطياف المجتمع المختلفة. هذا فضلا عن أن النخب المضادة العربية لم تنجح في ملء هذا الفراغ وفي إنتاج ثقافة التغيير المنشودة. ومن هنا تأتي أهمية الدعوة إلى بناء كتلة تاريخية على قاعدة الديمقراطية ومن أجل الانتقال الى حكم ديمقراطي.

وتحدث الدكتور علي خليفة الكواري، منسق اللقاء التاسع عشر ومنسق مشارك مشروع دراسات الديمقراطية، عن اللاعبين الثلاثة الرئيسيين في النظم السياسية العربية: الحكام، والخارج، والشعوب، مشيرًا إلى أن الحكام غير معنيين بانتقال ديمقراطي حقيقي بل ويتجنبونه في كل الأحوال. أما الخارج فليس من مصلحته تأييد الانتقال إلى الديمقراطية في الدول العربية.

ولهذا يخلص الكواري إلى أنه لا يتبقى سوي الشعوب التي تعاني من مشكلة أساسية هي الشقاق العنيف، مؤكدًا أن التغيير لن يتأتي إلا بتجسيد فكرة الكتلة التاريخية على قاعدة الديمقراطية في كل دولة عربية، وبدورها التي تحتاج الى التوافق حول قواسم مشتركة تسمح ببناء نظام حكم ديمقراطي.


الكتلة التاريخية على قاعدة الديمقراطية:

مقاربة للخروج من حالة الشقاق المدمر بين التيارات المختلفة

في الفصل الأول كتب كل من الدكتور علي خليفة الكواري والدكتور عبدالفتاح ماضي دراسة حول "مفهوم الكتلة التاريخية على قاعدة الديمقراطية"، مشيرين، في مطلعها، إلى أن الدراسة ليست محاولة لتطبيق نظريات مسبقة على الدول العربية، وإنما هي "دراسة استقرائية تستهدف ترجمة الواقع العربي المعاش (بأبعاده المختلفة وبمخاطره المتنوعة وبإمكانات النهوض المتوفرة فيه) إلى رؤية عامة وخطط عمل مناسبة لكل حالة انتقال تُسهم في تغيير هذا الواقع".

ويشير المفهوم الذي قدمه الكواري وماضي إلى مجال أضيق من مجال مصطلح الكتلة التاريخية لدى جرامشي والجابري وخيرالدين حسيب، إذ يعني الائتلاف من أجل الديمقراطية بين التيارات والقوى السياسية التي تنشد التغيير السلمي وتعمل مجتمعة من أجل الانتقال الى نظام حكم ديمقراطي في دولة معينة، ملتزمة في ذلك بممارسة الديمقراطية داخلها (أي داخل هذه التيارات والقوى) وفيما بينها. وذلك على اعتبار أن الديمقراطية - إلى جانب كونها أحد الأهداف الوطنية الكبرى - هي أيضًا وسيلة أساسية لتحقيق بقية تلك الأهداف.

وتنطلق الدعوة إلى قيام كتلة تاريخية على قاعدة الديمقراطية في كل دولة عربية من عدة حقائق، أبرزها عدم قدرة معظم الحكومات في المنطقة على تحقيق معظم الأهداف التي حددتها هذه الحكومات كالتصدي للهيمنة الأجنبية أو تحقيق التنمية أو العدالة الاجتماعية لسبب رئيس هو فشل تلك الحكومات في تطوير أنظمة حكم رشيدة تعمل من أجل مصالح شعوبها، وهيمنة مصالح ضيقة لأفراد وفئات معينة على حساب المصالح الوطنية.

كما أنّ واقعية التوافق على الديمقراطية كهدف ووسيلة لتحقيق أهداف أخري, تستند إلى حقيقة أنه وبعد عقود من الصراع بين التيارات الأساسية، ثمة شبه إجماع بين هذه التيارات على الديمقراطية كنظام للحكم ومنهج لإدارة الصراع السياسي بطرق سلمية.

وهذا الهدف المشترك، أي الديمقراطية، صار في وقتنا الحاضر لا يتعارض مع المباديء والثوابت الأساسية لمعظم التيارات السياسية من قومية وإسلامية ويسارية وليبرالية. والمشكلة الأساسية هي في تشتت جهود هذه التيارات وعدم وضع الديمقراطية على رأس أولوياتها الأمر الذي أضعف إرادة العمل المشترك من أجلها.

وانصب اهتمام الدراسة في قسمها الأخير على المهام التي يجب على أطراف الكتلة القيام بها تجاه بعضهم البعض. فبهدف توسيع قاعدة من يرون في الديمقراطية مصلحةً لهم والإتفاق على قواسم مشتركة لابد من تنقية الخطاب السياسي للأطراف، ولابد من الإعتراف بأن التوافق على المشترك الديمقراطي لا يعني القضاء على التباينات بين الأطراف حول المرجعيات أوالسياسات،

هذا بجانب ضرورة ضبط مفهوم الديمقراطية والمفاهيم المتصلة به، والعمل على تصفية نقاط التوتر في فهم هذه القوى للديمقراطية والنظام التي سيقوم عليها، وبخاصة علاقة الإسلاميين بالديمقراطية، وقضايا العدالة الاجتماعية، وسبل حماية الأقليات.

أما تحرك الكتلة تجاه النخب الحاكمة فيستهدف، عند الكواري وماضي، تفكيك أسس الاستبداد عن طريق دفْع النخبة الحاكمة إلى مزيد من التنازل وتوسيع الإنفتاح وتطويره إلى منتهاه الطبيعي.

ويستلزم هذا توفر إرادة سياسية للتغيير والنهوض، والقناعة بأن التغيير ممكن وأن قوى ديمقراطية ونشطاء ديمقراطيون آخرون قاموا بإنجاز التغيير المطلوب في دول ومجتمعات أخرى، ويستلزم أيضًا مقاومة كل أشكال الترهيب والترغيب من قبل الحكومات، والتحلي بسياسة النفس الطويل والعمل المرحلي والإصرار على الإنجاز والمداومة على رفض كل ما يتعارض مع الديمقراطية أو يؤثر بالسلب على الكتلة التاريخية.

وانتهت الدراسة بالتأكيد على ضرورة الإنفتاح على الخارج بهدف دفع القوى الدولية الداعمة للنظام القائم إلى التخلي عن هذا الدعم ومساندة المطالب الديمقراطية، أو على الأقل عدم الممانعة في الإنتقال.

ويتطلب هذا التواصل مع المفكرين والأكاديميين وأنصار الديمقراطية في الخارج ومع المنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني التي تتمتع بحياد نسبي, وذلك كوسيلة للضغط من أجل الديمقراطية في الداخل.

فمعاداة القوى الدولية الكبرى كفيل بإفساد كل المهام الأخرى التي قد تنجح أطراف الكتلة في انجازها في الداخل. والحكمة تقول أن لكل مقام مقال.

وقد أثارت الدراسة الكثير من المناقشات، فالدكتور جورج القصيفي تحدث، مشيرًا إلى التجربة الفلسطينية، عن أن الحديث عن ظهور قيادة ديمقراطية برجماتية يطرح تساؤلا مهمًا حول أين تبدأ البراجماتية وأين تنتهي؟.

كما تساءل القصيفي، مسترشدًا بالتجرية العراقية، عن مخاطر عملية التحول إلى الديمقراطية على استقرار المجتمع ووحدته. كما اعتقد أن الإنفتاح على المجتمع الأهلي الخارجي يتطلب العمل على التمييز بين المجتمعات الأهلية ذات الأجندة الإنسانية الواضحة وتلك التي لديها أجندة الدولة التي تتبعها.

أما الدكتور سالم النجفي فقد أعلن أنه لا يختلف مع أهداف الدراسة بشكل عام، لكنه رأى أنه من غير الممكن تنفيذها لأن أنظمة الحكم العربية أثّرت في بنية المجتمع العربي بصورة ليس من السهولة معها بناء كتلة عربية تاريخية، فالفئات الاجتماعية العريضة فقدت اهتماماتها بالشأن السياسي وتسعى نحو الاهتمام بأوضاعها المعاشية والابتعاد عن خط الفقر.

كما أن التناقض القائم بين الأطراف المرشحة لبناء الكتلة وتضارب المصالح بينها تقودهم جميعًا الى رؤى ذاتية بعيدة عن المنظومة القيمية العربية الإسلامية ومتطلباتها الحداثية في مسألة الديمقراطية. ولهذا يرى النجفي أن من الشروط الضرورية لقيام وتنامي "الكتلة التاريخية" إعادة تكوين الفئات المجتمعية على المدى البعيد نحو سيادة الفئة الوسطى في المجتمع العربي، التي هي صاحبة المصلحة في مسألة الديمقراطية الحقيقية.

وبينما اعتبر الدكتور منصور يوسف العجب أن فكرة التحالفات صعبة جدًا، وأيدت الدكتورة منيرة فخرو فكرة الانفتاح على الخارج، تساءل الدكتور أحمد الشاهي عن كيفية التوافق حول الديمقراطية في ظل التعددية الحضارية القائمة في معظم الدول العربية.

أما الأستاذ صباح المختار فقد توقف عند ملائمة فكرة "عفا الله عما سلف" بالسبة لمايجري الآن في بعض الدول العربية.

وفي الوقت الذي تطرقت فيه الأستاذة سميرة رجب إلى عاملين سلبيين في شأن تشتت التيارات المختلفة وعرقلة المساعي الديمقراطية، هما الإعلام والخارج، اعتبر الأستاذ عبدالعزيز الصاوي أن أزمة الديمقراطية هي أزمة استنارة.

وهذه الأزمة هي المسؤولة، عند الصاوي، عن ظهور قوى وتيارات غير ديمقراطية في الأساس. ولذلك لابد أن يرافق السعي إلى تكوين الكتلة عربيًا جهد وعمل حول كيفية إستعادة وتنمية رصيد العقلانية والإستنارة، وذلك من خلال "إصلاح النظم التعليمية في البلدان العربية، وإطلاق عملية إعادة صياغة عقل الإنسان العربي بحيث يكون قادرًا علي التفكير والتصرف الحر المستقل والتفاعل مع منتجات العقل البشري".

أما الدكتور رفيق عبدالسلام فقد طرح التساؤل التالي: "إلي أي مدي يمكن الجمع بين هذه القوي المتناقضة ونحن نعرف أن المشروع الديمقراطي هو ضرب من ضروب المغالبة والصراع خاصة في المنطقة العربية التي تشهد تعقيدات جغرافية وسياسية وتدخلات خارجية؟" مشيرًا إلى أن العمل السياسي ليس بالضرورة محكوم بعنصري الإرادة والوعي. كما شددت الدكتورة نبيلة حمزة على مسألة التواصل مع الخارج وتساءلت عن كيفية وضع حدود فاصلة بين المبادئ والبراجماتية.

التكتل من أجل الديمقراطية في اليمن: فرص وتحديات

كتب الدكتور عبدالله الفقيه، في الفصل الثاني، عن تجربة الكتلة التاريخية في اليمن، مشيرًا إلى أن المحاولتين الأولى والثانية لقيام تكتل على قاعدة الديمقراطية (1990 - 1994) انتهتا بالفشل بسبب غياب القناعات لدى النخب السياسية في السلطة بأفضلية الديمقراطية كنظام للحكم على النظام الاستبدادي، وعدم بروز الديمقراطية كمصلحة حقيقية لتلك الأطراف، وعدم وجود مصلحة للخارج في قيام نظام ديمقراطي حقيقي. أما المحاولة الأخيرة - اللقاء المشترك - (2003 - 2009) فقد اتسمت، عند الفقيه، بظهور قناعات لدى القوى السياسية الفاعلة في المعارضة - في ظل أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية كبيرة - بأن تغيير النظام الاستبدادي القائم بنظام ديمقراطي يمثل أولوية وطنية وحجر الزاوية لأي تغيير اقتصادي أو اجتماعي.

ولهذا انتظمت هذه القوى في "اللقاء المشترك"، وعبرت عن القواسم التي تجمع بينها وعن قناعاتها بالديمقراطية من خلال مشروع الإصلاح السياسي والوطني الشامل الذي أعلنته في نوفمبر 2009.

وشدد الفقيه على أن أطراف اللقاء المشترك تمكنوا من تأكيد إلتزامهم بالديمقراطية من خلال التطبيق العملي لبعض جوانب الديمقراطية الداخلية في أطر اللقاء المشترك، ومن خلال التطور الملحوظ في مؤشرات الديمقراطية الداخلية في إدارة الأحزاب لشؤونها، وإنْ اختلفت الدرجة من حزب إلى آخر ومن قضية إلى أخرى، بجانب الانفتاح على كافة مكونات الواقع السياسي اليمني بما في ذلك الحزب الحاكم.

غير أن نقطتي الضعف الرئيسية للتحالف، عند الفقيه، هما قلة الموارد المادية، وموقف الخارج منها. فما زال الخارج، ونتيجة لعلاقة التخوف من القوميين والإسلاميين واليسار، ينظر بعين الشك للقوى الرئيسية المكونة للتكتل.

ويضيف الفقيه أن التمرد الحوثي في الشمال والحركة الانفصالية في الجنوب وتنامي نفوذ القاعدة والحركات المتشددة الأخرى تمثل جميعها تحديات صعبة لأي تكتل تاريخي يمكن أن يقوم على قاعدة الديمقراطية في مواجهة النظام القائم.

ويقرر الفقيه أنه إذا كانت تداعيات الأزمة المالية العالمية تضعف قدرة النظام على القمع، فإنها، وبذات القدر، تضعف وحدة المجتمع وتهدد بإعادة المجتمع اليمني إلى حالة الفطرة الأولى وحرب الكل ضد الكل.

وانتهت الدراسة إلى التأكيد على أن التكتل على قاعدة الديمقراطية هو الخيار الوحيد الذي يمكن أن يحافظ على الاستقرار النسبي للبلاد في مواجهة الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أضحت تهدد ليس فقط النظام السياسي القائم ولكن أيضًا الوحدة الجغرافية والوطنية للبلاد.

ويرى الفقيه أنه لكي يتحقق ذلك التكتل لا مفر من أن يجلس أطراف العمل السياسي - من سلطة ومعارضة وقادة الحراك الجنوبي وقادة التمرد الحوثي وغيرهم - على المائدة وأن "يتفقوا، برعاية ودعم دولي وإقليمي، على عقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة المتساوية والمشاركة الفاعلة ويتبنى نظام ديمقراطي حقيقي قادر على مساعدة اليمنيين على الخروج من المأزق الذين يجدون أنفسهم فيه".

وفي المناقشات التي درات، أشار الأستاذ ضياء الفلكي إلى أهمية العامل الخارجي نظرًا لأن اليمن يقوم بدور محوري فيما سمى الحرب على الإرهاب.

واعتبر الشيخ الغنوشي أن تجربة اليمن تجربة فريدة لأنه لم يكن متصورًا أن يلتقي الحزب الإشتراكي (الشيوعي سابقًا) مع الإخوان المسلمين، وأطراف أخرى كالناصريين والشيعة. كما اهتم الغنوشي بالحديث عن أهمية القبيلة والتسلح كعاملين مؤثرين. فالحرية في اليمن، عند الغنوشي، يدافع عنها قبائل مسلحة الأمر الذي يشكل عامل توازن بين الدولة والقبيلة. غير أن الغنوشي تساءل عن ما إذا كان للتكتل مطالب واضحة، وعن إمكانية اللجوء إلى الشارع لإحداث التغيير هناك.

أما الدكتور رفيق عبدالسلام فقد أضاف أن هناك ثقافة سياسية يمنية مستمدة من روح الوفاقات العامة داخل القبيلة وداخل التركيبة الاجتماعية اليمنية المعقدة، وأن الاستقطاب الاجتماعي والثقافي والأيديولوجي ليس بالعمق المتصور في اليمن.

وفي الوقت الذي تساءل فيه الباحث عبدالرزاق التكريتي عن إمكانية التغيير في ظل قوة القبائل خاصة في الشمال، اعتبر الدكتور منصور العجب أن الشيء الأساسي في القبيلة هو الوفاقية، مؤكدًا أن القبيلة حدث لها تشوهات سياسية واقتصادية واجتماعية بسبب الإستعمار الذي وظّف بعض قيادات القبيلة لتحقيق مصالحه.

وتساءل الأستاذ محمد سعيد الشهابي عن طبيعة التحرك الحوثي ومن يقف ورائه ومدى التدخل الإقليمي في الوضع اليمني وتأجيجه وخاصة من السعودية.

السودان: لا للإقصاء

وجاء الفصل الثالث عن السودان، حيث كتب الدكتور عبدالوهاب الأفندي عن "التعدد والتعددية ومزالق الخطاب السياسي في السودان: البحث عن ديمقراطيين بلا ديمقراطية؟" مؤكدًا في البداية قبوله أطروحة غسان سلامة وزملائه بإمكانية قيام نظام سياسي ديمقراطي حتى في بيئات معادية، وبدون وجود محامين متحمسين للدفاع عنه، وبدون عملية "أدلجة" مسبقة للقيم الخاصة به، باعتبار أن الديمقراطية يمكن أن تكون "ثمرة للضرورة وليس للإرادة"، و"وليدة الضرورات الضاغطة وليست وليدة برامج محددة".

كما رفض الأفندي الإفتراض القائل بأن أزمة الديمقراطية العربية ناتجة من سيادة ثقافة معادية للديمقراطية ومن "قبول الشعوب بالحكم الدكتاتوري كنتيجة لتشربها بهذه الثقافة"، منتيهًا إلى أن الديمقراطية "حالة وليست منتجًا ثقافيًا أو بضاعة أيديولوجية". وهنا يؤكد الأفندي على أهمية توفر عوامل الاستقرار للعملية الديمقراطية، وهو استقرار يأتي من التوافق على توازنات واقعية ذات سند أخلاقي.

وأكد الأفندي أن التحولات الديمقراطية في السودان جاءت نتيجة لتوازنات بين الأطراف المتصارعة، وأن السودانيين أتقنوا لعبة التوازنات منذ مرحلة ما قبل الاستقلال. وتحدث الأفندي عن أن السودان من الدول العربية النادرة التي شهدت فترات ازدهار ديمقراطي متعددة، كما أنه شهد "إسقاط نظامين من أنظمة الدكتاتورية العسكرية عبر ثورات شعبية كان من سماتها التلاحم والتكاتف بين كل القوى السياسية الرئيسة في المجتمع".

وأردف الأفندي قائلا أنه، من الناحية التاريخية، كان هناك دومًا إجماع بين القوى السياسية ذات السند الشعبي الأكبر على الديمقراطية كمنهج ومبدأ.

وعن أسباب تعثر التجارب الديمقراطية برغم وجود مثل هذا الدعم بين الكتل السياسية الأكبر، وأسباب النجاح في "استعادة الديمقراطية" والفشل في "الاحتفاظ بها ودعمها"، تطرق الأفندي إلى "العوامل التي أدت إلى قلة حماس بعض القوى السياسية للديمقراطية أحيانًا، ولجوء بعضها إلى الانقلاب على الديمقراطية أو دعم المنقلبين عليها"، مشيرًا إلى أن هذه الأمور تحتاج إلى مزيد من البحث.

وتحدث الكاتب عن عامل آخر هو التنوع الديموغرافي الكبير، منوهًا إلى أن السودان يتسم بقدر كبير من الاختلاف والتنوع والتعدد لا نظير في أي بلد عربي آخر. هذا بجانب إشكال آخر هو غياب التوافق على كيفية الخروج من القضايا الشائكة الأخرى التي يواجهها السودان وعلى رأسها قضية دارفور.

وانتهى الأفندي إلى القول أن أي تشكيل لكتلة وطنية داعمة للديمقراطية ومستقرة "لا بد أن يضم قوى جنوبية فاعلة"، كما أن هناك حاجة إلى جهد جبار "من أجل إعادة بناء الثقة بين السودانيين، وإزالة الأحقاد والشكوك المتبادلة عبر خطاب جديد بديلاً عن الخطاب الإقصائي والرفض المتبادل، وعبر بناء مؤسسات دستورية وسياسية وحزبية تضطلع بهذا الواجب".

وأكد الأفندي على ضرورة وأهمية الإستفادة من تجارب الدول الأخرى وخاصة التي تتسم بالتعددية الثقافية والعرقية والدينية، وكذا على أنه "لا بديل عن الوصول إلى صيغ طمأنة متبادلة تشتمل بدورها على خطوط عريضة لشكل النظام السياسي المرتضى من الجميع. وقد وضعت اتفاقية السلام الشامل اللبنة الأساسية لبناء مثل هذا النظام والأسس التي ينبغي أن يقوم عليها".

وفي ختام الدراسة قدم الأفندي مسألة أخرى اعتبر أنه من الضروري طرحها للنقاش الواضح والصريح، وهي "مستقبل من بيدهم الحكم في حال فقدهم للسلطة في الانتخابات القادمة".

وفي المناقشات التي دارت حول هذه الدراسة، تحدث الدكتور علي خليفة الكواري عن أن استخدام مفهوم "الكتلة التاريخية" يأتي استنادًا إلى أهمية التواصل مع المصطلح القائم، بجانب أن كلمة التاريخية تشير إلى المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق القوى السياسية الحالية وقادتها. هذا فضلا عن أن الكتلة المنشودة، أضاف الكواري، هي كتلة تاريخية "علي قاعدة الديمقراطية"، بمعنى أننا لا نتحدث عن الاتفاق علي جميع الأهداف، وإنما عن تأسيس نظام ديمقراطي يكون فيه مكان للجميع.

وأنهى الكواري مداخلته بسؤال: "هل يستطيع أهل السودان أن يرتفعوا إلى مستوي المسؤولية ويصلوا إلى نوع من التوافق حول تأسيس نظام جديد يمنع الاحتراب القائم ويحول دون تفكك السودان (وليس فقط لتغيير النظام كما حدث في السابق)؟"

أما الدكتور عبدالله الفقيه فقد أضاف أن مفهوم الكتلة التاريخية يحمل معنى محايدًا ويمكن استخدامه في دولنا العربية، كما اعترض الفقيه على القول أن هناك أمور غير قابلة للحسم الديمقراطي.

أما الدكتور منصور العجب فقد تحدث عن ما أسماه "الديمقراطية الاقتصادية" منوهًا إلى أن الإستعمار دمر العلاقة بين القطاع التقليدي والقطاع الحديث، ومضيفًا أن الفهم القاصر من قبل النخب لموضوع الفيدرالية والمنافسة السياسية أضر بكل التكتلات التي حاول السودانيون الوصول إليها. وقلل العجب من عامل الإثنية كعامل معرقل للتوافق، معتبرًا أن العامل الأهم هو افتقاد النخب والقيادات السودانية إلى سمات رجال الدولة.

وبينما تحدثت الدكتورة خديجة صفوت عن وجود الكثير من الاستقطابات الضارة في دولنا العربية، وتطرق الأستاذ صباح المختار إلى أهمية التوافق أولا على المباديء والثوابت كموضوع الشريعة والعلمانية، شدد الأستاذ عبدالعزيز الصاوي على أن مجيء النظام الحالي بهذا الشكل هو في الحقيقة انعكاس لضعف الثقافة الديمقراطية وسط القوي الحديثة، وأضاف أنه من المستحيل تكوين كتلة تاريخية لأن تكوين المعارضة تكوين غير ديمقراطي، وأن البديل هو التدخل الخارجي بأي شكل من الأشكال.

واستعرض الأستاذ على ربيعة التجربة البحرينية، منتهيًا إلى القول أن الدول الغربية، وخاصة الولايات المتحدة، تطرح أطروحات تدعو للتغيير والدمقرطة في العلن، غير أنها لا تفي بهذه الوعود.

أما الشيخ راشد الغنوشي فقد أثنى على ورقة الأفندي متحدثًا عن فكرة الوصاية باسم الحداثة، بمعنى وجود نخب تمارس الوصاية علي الناس باسم الحداثة، ومن ضمن هؤلاء نخب إسلامية. والأخطر، يؤكد الغنوشي، أن الذي يفرض الوصاية علي الآخرين يفرض الوصاية علي أصحابه أيضًا، وبهذا يفسر الغنوشي تمزق النخبة التي قامت بانقلاب 1989 من داخلها.

ويقرر الغنوشي أن الدرس الخطير هنا هو أن هؤلاء لم يقبلوا التفاوض إلا مع من حمل السلاح، وفي النهاية تقاسموا البلاد بين الشماليين والجنوبيين، وأعطوا رسالة واضحة قوامها أن من لا يحمل السلاح لن يتم التفاوض معه. ولهذا كانت مسألة دارفور هي نتاج لهذه العقلية. ويخلص الغنوشي إلى أن التدخل الدولي في السودان أمر سيء، فالخارج يتدخل لا لمصلحة أحد وإنما لمصلحته الخاصة، وذلك على الرغم من أن التدخل الدولي الأخير في السودان أدى إلى بعض النتائج الجيدة.

وعن الاستثمارات في السودان، تساءلت الدكتورة منيرة فخرو عن لماذا يحدث كل هذا التكالب على الاستثمارات في السودان؟ أما الأستاذ جمعة القماطي فقد اعتبر أن الدراسة تحتاج إلى معالجة مفصلة لمسائل مثل: لماذا انتكس التحول الديمقراطي في السودان؟ وهل الإنتكاس كان بسبب عدم حسم قضايا كبرى مثل الجنوب والشريعة؟ وهل كان من الضروري حسم هذه الأمور قبل التحول إلي الديمقراطية؟ أم هناك عوامل أخرى خارجية أو اقتصادية؟


تونس: قمع مستمر وأولويات مختلفة

وجاء الفصل الرابع من الكتاب، لصاحبه الدكتور رفيق عبدالسلام، بعنوان " في الحاجة إلى بناء الكتلة التاريخية: الحالة التونسية نموذجا". وقدم فيه الكاتب قسمين، تناول أولهما مناقشة عامة حول مفهوم الكتلة التاريخية ومعوقات الانتقال الديمقراطي في الدول العربية، حيث تحدث الكاتب عن طبيعة الدولة العربية، العامل الخارجي كمعرقل للانتقال، والإنقسام الأيدولوجي الحاد بين التيارات الفكرية والسياسية المعارضة، وأخيرًا الإنقسام الطائفي والعرقي.

واعتبر عبدالسلام أن "دولة الانقسام العربي التي كانت منتج الخيار الامبريالي للقرنين التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وبحكم ما يطبعها من هشاشة مزمنة واهتزاز في عرى الشرعية، تبدو مصادمة للمجتمع ومولدة بطبعها للأزمات السياسية والاجتماعية".

وإنطلاقًا من قناعة الكاتب بأن بناء الوفاقات السياسية والمساومات الاجتماعية يعد عنصرًا لازمًا لضمان نجاعة المنظومة الديمقراطية نفسها، ينتهي إلى القول أن إدارة الشأن العام في الدول العربية لا يجب أن يخضع إلى ثنائية الأقلية والأكثرية وإلى مقياس الوزن الشعبي دون غيره من العناصر الأخرى، داعيًا إلى الأخذ بعين الإعتبار توازن القوى والمصالح في نفس الوقت.

وعن أطراف الكتلة التاريخية المنشودة، يرى عبدالسلام أن الكتلة التاريخية هي كتلة تاريخية في مواجهة أنظمة الحكم القمعية، ومن ثم فليس من المحتمل أن تقوم هذه الكتلة على ضرب من الشراكة مع النخب الحاكمة، إلا بعد "تخضيد شوكتها وحملها حملا على التخلي عن لغة النفي والاستفراد".

وعن الحالة التونسية، استهلت الدراسة بعرض مقتضب عن السمات العامة لنظام الحكم التونسي بعد الإستقلال واستهداف أي شكل من أشكال المعارضة السياسية، ثم تناولت الحراك السياسي التي شهدته تونس في نهاية التسعينيات وبداية الثمانينيات جراء تصادم الإتحاد العام التونسي للشغل مع نظام بورقيبة، ثم ظهور المعارضة السياسية الرسمية بعد التصدع الذي حدث داخل الحزب الدستوري الحاكم بقيادة الجناح الليبرالي، الذي تزعمه أحمد المستيري، وقبول بورقيبة الإضطراري بنوع من التعددية الحزبية الجزئية والمحدودة عام 1981.

ثم استعرضت الدراسة الحراك السياسي في الثمانينيات التي كانت واعدة بإمكانية انتقال حقيقي في تونس، كما قرر عبدالسلام، غير أن قمع النظام الجديد للحريات وللمعارضة السياسية كان لها بالمرصاد.

ثم ركزت الدراسة على هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات والوثائق الثلاث التي أصدرتها. وعرضت الدراسة التحديات التي تواجه كل من المعارضة التونسية ونظام الحكم، والتي أبرزها ظهور توجهات عنفية جامحة بين الشباب التونسي الغاضب تحت وطأة الاحتلال الأمريكي للعراق وبشاعة العدوان الإسرائيلي، ووجود تعبيرات احتجاجية عفوية وغير مؤطرة مدفوعة بالشعور بالحرمان والنقمة على السلطة.

واستعرض عبدالسلام أهم المكاسب التي حققتها الهيئة ومنها التخفيف من حالة الاستقطاب السياسي والأيديولوجي بين أطراف المعارضة السياسية، وترسيخ روح التعايش الوطني والشراكة السياسية بين مختلف الفرقاء السياسيين وخاصة بين اليساريين والإسلاميين، ومحاصرة المنهج الذرائعي والتوظيفي الذي ألفته السلطة والذي يقوم على "استخدام القوى السياسية ضد بعضها البعض واستغلال مناخات الخوف والعداء المتبادل بينها لإضعاف جبهة المعارضة".

أما عن العقبات التي تواجه الهيئة فقد أشار عبدالسلام إلى أن حالة الاستبداد والقمع الأمني حالت دون تحول هذا التوجه التحالفي إلى كتلة تاريخية فاعلة ونشيطة. هذا بجانب الاختلاف الواضح على سلم الأولويات وحتى التنافس بين بعض الأطراف المكونة للهيئة، الأمر الذي أضعفها وحال دون ارتقائها إلى مستوى الجبهة السياسية، وانشغال مجمل الأطراف السياسية المكونة لمبادرة 18 أكتوبر بشؤونها الداخلية وتضميد جراحها المفتوحة، بسبب ثقل آثار عمليات الاعتقال والقمع.

وفي المناقشات التي درات حول هذه الدراسة أشار الدكتور أحمد الشاهي إلى ضرورة دراسة المجتمعات الريفية العربية ودورها في التغيير. أما الأستاذ جمعة القماطي فقد نوه إلى أنه برغم أن منطقة المغرب العربي هي من أقل المناطق في العالم من حيث وجود استقطابات وتناقضات طائفية ومذهبية وعرقية واثنية، إلا أن البعد الخارجي عامل مهم في عرقلة الانتقال في دول المغرب، فالغرب يعتبر أن له مصالح مع الأنظمة القائمة وأن البديل الإسلامي خطر عليها.

وطرح القماطي التساؤل التالي: هل قيام ديمقراطية حقيقية في المنطقة ودخول الإسلاميين إلى السلطة سيضر بمصالح الغرب وبالتوازنات الإقليمية والمصالح الإستراتيجية للغرب في المنطقة؟

وحول التحركات الاحتجاجية الجديدة، تحدثت الدكتورة نبيلة حمزة عن تراجع الأحزاب السياسية التقليدية والأحزاب السياسية الإسلامية وظهور حركات اجتماعية جديدة عفوية، معتبرةً أن الورقة تقوم على "نظرة أحادية للأشياء، وكأن التغيير سيأتي من جهة محددة".

وطالبت حمزة بدراسة بعض الحركات والأحزاب التي ميزت تونس، كحركة آفاق اليسارية التي عانت، كما غيرها من الحركات اليسارية، من القمع الحكومي، وكذا إبراز الخصوصية التونسية، وخاصة الخصوصية الإسلامية والتغيير الذي حدث داخل الحركة الإسلامية في تونس وتحديدًا داخل حركة النهضة.

وفي المقابل، أشار الأستاذ ضياء الفلكي إلى أن الحزب الدستوري الحاكم هو من أقدم الأحزاب في تونس والدول العربية، ولم يصاب بانشقاقات مماثلة لما حدث للأحزاب في المشرق، وبه عناصر عروبية وتقدمية، ومن ثم فليس من المتصور، في رأي الفلكي، قيام كتلة تاريخية في تونس بدونه.

أما الدكتورعبدالفتاح ماضي فقد طرح تساؤلا حول موقف الأطراف المشكلة لهيئة 18 أكتوبر من العامل الخارجي، وبالأخص منها مواقفها من قضيتي فلسطين والعراق، وكذا موقف المثقفين والأكاديميين ومنظمات المجتمع المدني من الهيئة؟ وشدد الشيخ راشد الغنوشي على أهمية العامل الخارجي والصراع التاريخي بين ضفتي المتوسط، والتمويل الغربي لآلة القمع التونسي. كما تحدث الغنوشي عن الإعتدال االمبكر لحركة النهضة التونسية وقبولها الديمقراطية وقضية العدالة الاجتماعية، مقارنة بنظيراتها في دول عربية أخرى.

كما رأى أن الفارق بين اليمن وتونس يجعل امكانات نجاح اللقاء المشترك في اليمن أكبر من فرص نجاح حركة 18 أكتوبر في تونس، وذلك نظرا لأن المشترك الثقافي أكبر بين الأطراف اليمنية والدستور اليمني ينص علي الشريعة نصًا كاملاً، "والمرأة اليمنية تشارك في الحياة السياسية مشاركة فعالة ليس بالحجاب ولكن بالنقاب، وما طلب أحد التخلص من النقاب ولا من الحجاب" حسب قوله. أما الوضع التونسي فمختلف نظرا لاستناده إلى تجربة علمانية متطرفة في التحديث.


مناقشة عامة حول عقبات بناء كتل تاريخية في دول عربية

وفي الفصل الخامس من الكتاب، طُرحت مداخلات رئيسية ثلاث حول معوقات بناء الكتلة التاريخية في كل من العراق وليبيا ومصر.

العراق: لا ديمقراطية مع الإحتلال والجيش هو الملاذ الأخير

تحدث الدكتور سعد ناجي جواد عن العراق، مشيرًا إلى أن هناك أقلية تفكر بالديمقراطية الحقة، برغم أن الكل يتحدث عن الديمقراطية. وبرغم أن العراقيين يعانون من نقص الخدمات ومن الاقتتال الطائفي وغياب الأمن، إلا أن صناديق الانتخابات ظلت – في رأي جواد - تُوصل نفس الأحزاب ونفس الوجوه "التي تسببت في هذه الحالة المزرية إلى سدة الحكم، لا لسبب إلا لكون المرشحين مدعومين من قبل جهات دينية أو إقليمية أو دولية، وبالذات دولة الاحتلال الولايات المتحدة".

والأخطر، يشير جواد، أنه بعد فشل الولايات المتحدة في العراق، بدأ الأمريكيون يروجون لمقولات، مثل: "أن المشكلة في العراق وفي العراقيين"، و"أن التاريخ العراقي هو تاريخ العنف والقتل ورفض الآخر وهو تاريخ التشرذم الطائفي والعرقي والديني". ويقر جواد أنه تاريخيًا فشلت الدول الاستعمارية في بناء ديمقراطية حقة، "فما شكلته الإدارات الاستعمارية هو أنظمة تسلط فيها الإقطاع والأقليات والنخب التي وافقت على التعاون مع تلك الإدارات".

واعتبر جواد أن العامل الخارجي هو - وبصورة شبه قاطعة - أهم معوقات الديمقراطية في العراق وخاصة أن الإحتلال مرر الدستور الحالي الذي يحمل كل بذور الفرقة والتشرذم. وكشف جواد أنّ مطالب البعض بإصلاحات ديمقراطية بعد انتهاء الحرب العراقية - الإيرانية وكارثة الكويت والحصار الأمريكي قوبلت برفض رسمي بدعوى أن العراق مستهدف من قبل قوى إقليمية ودولية لا تسمح بإجراء مثل هذه الإصلاحات، وقوبلت أيضًا بعدم المبالاة الشعبية بسبب الحالة الاقتصادية المزرية للغالبية العظمى من الشعب.

وأشار جواد أن النظم الثورية والوطنية استغلت العامل الخارجي والتهديدات الصهيونية لكي تقف ضد الديمقراطية، والعراق هو المثال الأبرز هنا. وانتهى جواد إلى الحديث عن عدة عوامل يراها من الأمور التي تعقد مهمة العراقيين في هذا الصدد، منها: الوجود والاحتلال الأمريكي، تشتت المعارضة وأطراف المقاومة الوطنية وفرقتها، عدم إيمان الأطراف الوطنية العراقية المعارضة والمقاومة للاحتلال بالديمقراطية، ضعف السلطة المركزية مقابل قوة الأطراف، وعدم وجود قيادات وطنية عراقية قادرة على تمثيل العراقيين والعراق كوطن واحد.

واختتم الكاتب مداخلته بالتأكيد على أهمية المؤسسة العسكرية، مشيرًا إلى إمكانية أن تقوم بدور إيجابي ضمن الحركة الوطنية باعتبارها الملاذ الأخير والبعيد المدى لتحقيق التغيير المرتقب في العراق. وطرح جواد التساؤلين التاليين: "هل سيظهر قائد عسكري عراقي قادر على فعل ذلك ويلغي كل ما أرادت له الإدارة الأمريكية أن يستمر إلى ما لا نهاية؟ والأهم هل سيضمن مثل هذا العمل الديمقراطية للعراق؟"

ليبيا: بعد الأربعين يبدأ الحراك السياسي

وعن ليبيا تحدث الأستاذ جمعة القماطي، منوهًا في البداية إلى أن قوى المعارضة الليبية في الخارج لا تطلب من الأمريكيين التدخل لإحلال الديمقراطية في ليبيا لسبب أساسي هو وجود الأمريكيين في ليبيا.

واستعرض القماطي التاريخ القريب لنظام الحكم في ليبيا منذ الإستقلال وحتى اليوم مؤكدًا على أن النظام الحالي قضي على بذور عملية التحديث التي بدأها النظام الملكي بعد الإستقلال مباشرة، وأعاد ليبيا إلى نقطة الصفر حينما ألغي الدستور وكل المؤسسات السياسية القائمة، وضرب كل التيارات السياسية ووضعها أنصارها في السجون، ومنع جميع أشكال التجمع والالتقاء، وألغى جميع مؤسسات المجتمع المدني، وأمم الصحافة المستقلة والأهلية بالكامل وجرّم الأحزاب والحزبية.

وأردف القماطي أن الحديث عن الديمقراطية داخل ليبيا اليوم هو حديث عن الديمقراطية المباشرة وحكم الشعب والمؤتمرات الشعبية، مشيرًا إلى أن هناك عملية أدلجة قوية ولا مثيل لها منذ 1969.

ومن هنا، يرى القماطي، أنه لم تتح للشعب الليبي فرصة تكوين كتلة تاريخية من أجل الديمقراطية خلال الأربعين سنة الماضية، نظرًا لأنه لم تتح له فرصة تأسيس ثقافة مجتمع مدني أو مؤسسات مدنية أو صحافة مستقلة أو أحزاب سياسية.

ولهذا ظهر العمل السري واستتبعه دومًا عمليات قمع واعتقال مكثفة. وأشار القماطي إلى أن تغيير الأوضاع الدولية وعلاقة النظام مع القوى الدولية الكبرى أدى إلى عودة البعض إلى ليبيا وبدء طرح الكثير من القضايا للنقاش العلني والتي كانت في السابق من المحرمات مثل التعددية، الدستور، المجتمع المدني، الصحافة المستقلة، القضاء المستقل والنزيه، بناء دولة مؤسسات.

وهذه التطورات، كما يرى القماطي، قد تشكل نوعًا من أنواع الحراك في الخارج حيث لا يوجد قيود كالتي بالداخل. كما أن هناك ظاهرة جديدة هي الحوار بين هذه التيارات المختلفة وحاجة كل طرف إلي الالتقاء والوفاق على ما نسميه مشروع وطني أو رؤية بديلة لليبيا في المستقبل.

مصر: أدوار غائبة لأطراف الكتلة المنشودة

ثم تحدث الدكتور عبدالفتاح ماضي عن عقبات تكوين كتلة تاريخية في مصر مستهلا بالقول أن آليات الاستبداد وطرق البقاء متجذرة ومتجددة في الدول العربية، غير أن جوهرها واحد ونتائجها متشابهة في المجتمعات العربية.

وأضاف أن مصر تخصصت اليوم في ابتكار آليات الإلتفاف على المطالب الديمقراطية وطرق البقاء والإستمرار في الحكم وسط كل أنواع الأزمات والمشكلات.

وأوضح ماضي عقبات الكتلة التاريخية في مصر في في إطار عام ينطلق من خصائص "الدولة" المصرية الحالية، والتي أفرزت – ولاتزال - كيانات ومؤسسات تقوم بوظائف وأدوار وممارسات تختلف اختلافًا بينًا عن ما تقوم به نظائرها في الدول الديمقراطية الحديثة في غرب أوروبا وشمال أمريكا وفي الكثير من الديمقراطيات الناشئة في أرجاء الأرض الأربعة.

وأول هذه السمات/ العقبات هو ما يمكن تسميته "الدولة الأمنية"، ففي إطار تجديد آليات السيطرة والبقاء، تحولت المؤسسة الأمنية – التي هي في الأصل مؤسسة من مؤسسات الوطن مهمتها حماية الوطن ومقدراته البشرية والطبيعية – إلى الداعم الأول للنظام والمتحكم في كثير من الأمور.

أما السمة الثانية فهي القدرات الكبيرة للحكومة علي الالتفاف علي الأزمات الاقتصادية بطرق في غاية السوء، أبرزها تقنين الفساد، وتشويه كل من يدعو إلى الإصلاح والشفافية والديمقراطية من الإسلاميين أو من التيارات الأخرى.

هذا بجانب عدم قيام التيارات السياسية القائمة بالأدوار التي قامت بها المعارضات الوطنية خلال موجات التحول الديمقراطي في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين. ولعل التيار الأبرز هنا هو حركة الإخوان المسلمون، التي برغم أنها تمتلك قدرات تنظيمية وتعبوية وشعبية مؤثرة بيد أن تحركاتها ومواقفها السياسية، عند ماضي، تعاني من أوجه قصور متعددة أبرزها خطابها تجاه الأقباط والمرأة وعلاقتها بالخارج.

واعتبر ماضي أن على الإخوان واجب إصلاح بيتهم من الداخل أولا، وذلك من حيث خطابهم السياسي، ومن حيث قواعد العمل السياسي المتعارف عليها في عالمنا المعاصر. وربما تجربة حزب العدالة والتنمية في تركيا في غاية الأهمية في هذا المقام.

وتطرق ماضي أيضًا إلى دور الحركات الإحتجاجية والمثقفين. وشدد على أهمية دور العامل الخارجي، داعيًا إلى التعامل الواع معه حتى يمكن كسب دعمه لمسألة الديمقراطية. واختتم الكاتب حديثه بالقول أن الحلول الجزئية لن تكون ذات جدوى في مصر الآن، نظرًا لأن النظام يمتلك آليات متجددة لإحباط هذه الحلول والإلتفاف عليها.

ومن هنا اعتبر أن الحل في مصر لابد أن يتجه إلى بناء توافق بين القوى الوطنية على هدف مشترك هو إنشاء حكومة انتقالية تشرف علي مرحلة انتقالية، يتم خلالها انتخاب هيئة تأسيسية ممثلة لكل الفئات والتيارات، تكون مهمتها التوافق على دستور ديمقراطي يضع أسس نظام ديمقراطي جديد.
*****
وفي نهاية هذا الملخص أسأل المولى، عز وجل، أن يمثل هذا الكتاب دعوة إلى كل من يتطلع إلى رؤية أنظمة حكم مسؤولة أمام شعوبها في الدول العربية - من الأكاديميين والمثقفين والنشطاء السياسيين والمهتمين - إلى قراءة فصول هذا الكتاب والتعليق عليها وإثراء الحوار حول مضامينها، والإستفادة من الأفكار الأولية التي وردت بها والبناء عليها.

فالهدف النهائي من الكتاب هو المساهمة في التوعية بمسؤوليات كل الأطراف في هذه المرحلة التاريخية، وإدراك خطورة استمرار الأوضاع الراهنة على هُوية واستقلال وبقاء الدول العربية، والتعرف على سبل وإمكانية الخروج من هذه الحالة واللحاق بركب الحضارة والتطور من خلال التكتل وتوحيد الجهود ونبذ الفرقة والإختلاف.

وأخيرا تجدر الإشارة إلى أن النصوص الأصلية للدراسات والتعقيبات والمداخلات تُركت كما عرضها ونقحها أصحابها من حيث الموضوع والترتيب، حرصًا على الحفاظ على أفكار ورؤى كل مشارك.

ومن هنا فقد اقتصرت مهمة التحرير على ترتيب الدراسات والتعقيبات والمداخلات والنقاشات التي وردت في فصول الكتاب ومراجعتها للتنسيق بينها على وضع تصلح معه للعرض في كتاب يتضمن مضامين ما دار في جلسات اللقاء التاسع عشر لمشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية.

والله تعالى نسأل أن تستمر نشاطات المشروع في خدمة المعرفة العربية بوجه عام ومسألة الديمقراطية بوجه خاص. والله وحده الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها.
ويرحب الموقع بأي تعليقات على الأفكار المطروحة في الورقة.

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة