You are here:الرئيسية>نوافذ الباحثين>نوافذ الباحثين

علي الكواري - مقدمة الدراسة

الأربعاء، 25 حزيران/يونيو 2014 عدد القراءات 2686 مرة

إنّ لقاء هذا العام هو مواصلة لما سبقه من لقاءات في السبع عشرة سنة السابقة، غير إن منهجنا في هذا اللقاء هو دراسة تجارب الآخرين ومقارنتها بالتجارب العربية لأجل معرفة الأسباب التي أعاقت الانتقال إلي نظم حكم ديمقراطية في الدول العربية.

فيلاحظ أنه حتى الدول التي تشير دساتيرها إلى الانتقال إلى نظام حكم ديمقراطي نجدها عند الممارسة مع الأسف لا تحترم دساتيرها. لهذا كان السؤال الذي أردنا طرحه هذا العام..

هو لماذا انتقلت الكثير من دول العالم الثالث ومنها دول مجاورة تتشابه أوضاعها مع أوضاع بعض الدول العربية ولم تنتقل الدول العربية؟ وذلك بالرغم من أن بعض الدول العربية مثل المغرب ومصر والكويت كانت متقدمة بشكل كبير ولكن ظلت تراوح مكانها في مرحلة الانتقال الأولي في أحسن الأحوال.

في ضوء هذه القراءة كان لابد وأن نطّلع علي تجارب الآخرين، ونبحث الأسباب الضمنية التي أدت لانتقال الآخرين وأهم المعطيات التي سمحت بهذا الانتقال. في تقديرنا أنه لابد أن يكون هناك شيئاً مشتركاً بين هذه التجارب كان دوره حاسماً في الانتقال, ونحن نبحث عن هذا الشيء المشترك في هذا اللقاء.

والفرضية التي ننطلق منها هي أنه لو أخذنا كل الاعتبارات في الحسبان ومع اختلاف ظروف كل دولة، فإن أهم مدخل للانتقال هو التوافق بين القوي التي تنشد التغيير علي نظام حكم ديمقراطي بديل للنظام القائم. فيلاحظ أنه لم تنتقل أي دولة من حالة إلي حالة أخري أفضل منها إلا بهذا التوافق.

وهذا حدث عندنا في مراحل الاستقلال حيث أن كل حركات الاستقلال كانت حركات وطنية جامعة أهدافها وطنية مشتركة يناضل فيها كل التيارات والقوي، وبالتالي كانت لها من القوة ومن الزخم ما جعلها تحقق قدراً من النجاح. والديمقراطية مثلها، مثل أي شيء آخر، تحتاج إلى توافقات وطنية وإلى اتفاق على قواسم مشتركة، وهذه التوافقات غالباً ما تتجسد في دستور ديمقراطي يلجأ إليه الجميع في إدارة شؤونهم المستقبلية.

وبدون هذه التوافقات فإن أي تحرك، يُكوّن تحرك جزئي يخص تيار أو فصيل معين يتوجس الآخرون منه وأحيانا يجدون في النظام القائم أماناً لهم أكثر من الانتقال لنظام لا يعلمون إلي أي مسار سيؤدي إليه.

هنا نميّز بين مراحل للانتقال من الاستبداد إلي الديمقراطية حيث إن الاستبداد هو حكم الفرد المطلق أو حكم القلة التي تفرض سلطتها وسيادتها علي الناس. غير أنه نتيجةً للضغوط المختلفة وأيضاً بسبب تآكل الشرعية التقليدية، بدأت الدول تلجأ إلى نوع من الانفتاح السياسي فتتبنى كثيراً من مظاهر الديمقراطية لكن دون جوهرها.

إن هذه هي مرحلة الانفتاح السياسي وهي مرحلة تتسم بأن الحاكم يكون غير قادر على الاستمرار في الحكم بأسلوب حكمه السابق نظراً لأن هناك ظروف استجدت لا يستطيع معها أن يستمر دون تغيير في أسلوب حكمه. وقد يستمر هذا الانفتاح السياسي فترات طويلة (شد وجذب)، غير أن الحكم يكون غير جاد للوصول إلي الانتقال، وفي نفس الوقت تزيد مطالب الناس بمزيد من الانفتاح السياسي الحقيقي.

وهذه المرحلة إذا نجحت تؤدي إلي توفر شروط معينة تجعل المطالبين بالانتقال إلي الديمقراطية يشكلون كتلة قادرة وفاعلة سواء كانت هذه الكتلة من المعارضة أو من المعارضة والقوى الإصلاحية داخل النظام نفسه.

وهنا تحدث حالة الانتقال النوعي من نظام إلي آخر، من نظام يقوم علي سيادة وسيطرة الفرد أو القلة إلي نظام تكون فيه الكثرة صاحبة القرار، أي إلى نظام يكون فيه الشعب مشارك بشكل فعّال في اتخاذ القرارات وفي تحديد الخيارات العامة في مسيرته. وما يجسد مرحلة الانتقال إلي حد كبير هو الوثيقة الأساسية أو التعاقد المجتمعي المستمر أو ما يسمي الدستور الديمقراطي، وسنجد دولة جنوب إفريقيا حالة واضحة تماماً، وأيضا الهند في انتقالها.

وقد تتم إرهاصات كثيرة قبل الانتقال، لكن قبيل الانتقال يحدث تفاوض اجتماعي بين القوي التي تنشد التغير - خارج النظام وربما داخله أيضا - حتى تصل هذه القوى إلي دستور تحترمه، وبالتالي تستمر في العمل به. و بعد ذلك الانتقال تبدأ عملية التحول الديمقراطي التي هي عملية طويلة تكاد تكون أزلية.

فكل مجتمع مهما وصل من الديمقراطية يشهد تحولات جديدة وبالتالي ينمو، وهذه مرحلة مختلفة عن الانفتاح السياسي، لأن مرحلة الانفتاح قد يحدث خلالها تغيير ما دون أن يكون هناك تحول مستمر إلى مزيدٍ من الممارسة الديمقراطية. لذلك نود أن نركز في مناقشاتنا علي اللحظة التاريخية وهي لحظة الانتقال من نظام حكم الفرد أو القلة إلي نظام الحكم الديمقراطي مهما كان في ذلك من التعسف.

ولقد اعتمدنا علي كلمتين أو مصطلحين هما: (transition) و(transformation)، والمقصود بالأولى انتقال من حالة إلي حالة، من حالة الاستبداد إلي حالة المشاركة السياسية الفعالة من قبل الشعب، في المجتمع، أما الثانية فتعني الاستمرارية بشكل عام في الممارسة والتحول ضمن مسار واضح إلى مزيد من المكاسب الديمقراطية.

هذا هو موضوع اجتماعنا، وسوف يكون اجتماعنا القادم يوم 25 يوليو 2009، وإذا كان هناك نوع من الاتفاق على أهمية بناء الكتلة التاريخية على قاعدة الديمقراطية من أجل الانتقال إلى نظم حكم ديمقراطية، ووصلنا إلى قناعة حول ذلك فسوف نطرح في الاجتماع القادم موضوع أهمية وإمكانية بناء كتلة تاريخية في كل قطر عربي على قاعدة الديمقراطية، كتلة قادرة على تنمية حركة ديمقراطية فاعلة.

وربما يكون هذا اللقاء الثامن عشر هو ما قبل الأخير لمشروعنا هذا، لأننا ننوي في اللقاء العشرين ختام هذا المشروع الدراسي. ونأمل أن يكون هناك شيئاً آخرا يتابع هذا الجهد ويحافظ على استمراريته بشكل أكثر مؤسسية، كإنشاء مركز دراسات، أو منتدى. كما أن هناك نية لعمل دراسة مسحية لكل ما قُدم في المشروع.

لدينا الكثير من الإنتاج والحوارات والأوراق التي قدمت خلال العقدين الماضيين, سوف نجمعها كلها ونطرحها أمام باحثين لعمل تحليل مضمون والخروج بدراسة معينة عن مساهمة المشروع في الفكر والوعي الديمقراطي، وسوف تُقارن هذه الدراسة أيضاً إنتاج االمشروع بما تم في المنطقة العربية وغيرها من تطور في الفكر والممارسة.

ونأمل أن يتم الاتفاق مع إحدى الجامعات العربية للقيام بهذه الدراسة من خلال باحثين قادرين على القيام بهذا الجهد من أجل رؤية مستقبلية لتعزيز المساعي الديمقراطية في البلاد العربية.

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها.

ويرحب الموقع بأي تعليقات على الأفكار المطروحة في الورقة.

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة