You are here:الرئيسية>نوافذ الباحثين>نوافذ الباحثين

برهان غليون: الديمقراطية في المجتمع

الثلاثاء، 24 حزيران/يونيو 2014 عدد القراءات 3290 مرة
الكاتب  برهان غليون

قدمت هذه الورقة في اللقاء الثاني لمشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية المنعقد في أكسفورد (25 كانون الثاني/ يناير 1992) حول "الممارسة الديمقراطية في الأحزاب العربية". و نشرت في كتاب "حوار من أجل الديمقراطية" الذي حرره الدكتور علي خليفه الكواري، وصدر عن دار الطليعة، بيروت، 1996.

الديمقراطية في المجتمع

المسألة الأولى، في إشكالية الديمقراطية من وجهة النظر المجتمعية، تتعلق بموضوع الديمقراطية داخل الحركات السياسية، أي بتحليل نوعية العلاقة التي تربط، داخل الأحزاب السياسية، بين القيادة والقاعدة، وتُشكِّل هذه العلاقة الشكل الأول من أشكال تكوُّن السلطة السياسية في المجتمع وممارستها من قِبل النخبة القائدة.

المسألة الثانية، تتعلق بتحليل العلاقة القائمة بين الأحزاب السياسية العاملة في ساحة وطنية ما، ومعرفة مدى قدرتها على التعامل فيما بينها بوصفها ممثِّلةً لمصالح فئات اجتماعية متميزة، تعاملاً ديمقراطيًا، أي قائمًا على الحوار والتنافس البنَّاء، وليس على العنف والتنابذ والإنكار المتبادل والعداء.

المسألة الثالثة، هي تحليل نوعية العلاقة القائمة بين الأحزاب والمجتمع، وكيف تنظر هذه الأحزاب إلى الجمهور، وما هي الوسائل التي تطورّها من أجل تعبئته وجذبه: هل تنظر إليه كمواطن أم كمجموعات مهنية أو طائفية أو قبلية أو كتلة هلامية لا تتمتع بأية بنية محدّدة أو مواصفات واضحة سياسية؟ وهل تتعامل معه من خلال المصارحة والتوعية السياسية أم تستخدم بشكل موسع الديماغوجية والتلاعب والكذب والخداع؟ وفيها يتبلور أيضًا المفهوم السائد للقيادة الاجتماعية ووسائل تحقيق السلطة وممارسة الصلاحية.

المسألة الرابعة، تتعلق بنوعية العلاقة القائمة بين الأحزاب والدولة أو السلطة المركزية، وما هي السمات العامة لهذه العلاقة وبنيتها الحقيقية؟

المسألة الخامسة، تتعلق بالإجابة على سؤال عام هو: كيف يُمكن معالجة التوترات التي تسم هذه العلاقات التي تتكوّن منها في الواقع الشبكة السياسية وتتجسد فيها بنية السلطة؟

1- من الأمور الأساسية المُلاحَظة في موضوع العلاقة الداخلية للأحزاب: غياب الممارسة الديمقراطية سواء أكان ذلك فيما يتعلق باختيار القيادات العليا والإطارات الحزبية على مختلف المستويات، أم بعملية اتخاذ القرارات داخل صفوف هذه القيادات نفسها. لكن بعد الإشارة إلى هذه السمة العامة لابد من القول إنه من غير الممكن فهم طبيعة هذه العلاقة على حقيقتها من دون إدخال عوامل عديدة أخرى في التحليل.

إن طبيعة العلاقة التي تربط القيادة بالقاعدة تختلف، وإنْ اتسمت عمومًا بغياب الطابع الديمقراطي، باختلافٍ كذلك حسب الموقع الذي تحتله الأحزاب إزاء الدولة أو السلطة المركزية. ومن المؤكد أن تعرُّض الأحزاب للقمع في إطار دولة استبدادية يُقلِّل من ميل الأحزاب إلى احترام قواعد العمل الديمقراطي داخل صفوفها، بل يدفع بعضها إلى التخلّي تمامًا عن فكرة المناقشة المفتوحة والاجتماعات والانتخابات والمؤتمرات الحزبية. وهو يختلف كذلك حسب المرحلة التاريخية التي يمر فيها الحزب. فمن الممكن لحزب من الأحزاب، حسب الموقع الذي يحتله والجمهور الذي يستند إليه والشعبية التي يحظى بها، أن يتحول من حزب شبه ديمقراطي أو مفتوح أو يعتمد التعددية إلى حزب فاشي مغلق ومعادٍ لأية مبادرة ذاتية لأعضائه.

أما العامل الثاني والأهمّ فهو ضرورة ملاحظة أنه ربما كان النموذج المسيطر حتى وقت قريب على علاقات السلطة داخل الأحزاب العربية هو نموذج ما يُمكن أن نسميه "السلطة الزعامية" المستمدّة من القيم الأخوية ومونة الأخ الأكبر. وهو نموذج يختلف عن السلطة الأبوية التي كانت سائدة في التشكيلات الأوروبية اللاتينية، كما يختلف عن السلطة الهرمية والطبقية التي نبع منها نموذج السلطة الحديثة. فهو يستمد قوته إذن من وجود علاقات خاصة وشخصية مرتبطة بأنماط التنظيم الماضية ولا تدخل بالضرورة في مفهوم الديكتاتورية أو الديمقراطية الحديثة. ففي إطار استمرار علاقات التماهي والتفاعل الجماعي القديمة وغياب التمايز الطبقي العميق، من الممكن مثلاً أن لا يشكل غياب القواعد الديمقراطية الحديثة، مثل الانتخابات والمؤتمرات، عائقًا كبيرًا أمام تفاعل القيادة والقاعدة. وفي بعض الحالات، تدفع النزعة القوية إلى التضحية لدى الجميع التنظيم إلى نسيان المسائل التنظيمية نفسها، وتطويرها ما يُمكن أن نسميه "الحزب- الجماعة". وتدلّ التجربة على أن بعض هذه الأحزاب التي نشأت في المناخ الشعبي والقومي للستينيات كانت تعمل كأسرة أو منطلقات السلطة القائمة على المونة والحماس والتعبئة النفسية أكثر مما كانت تعكس تقاليد ديكتاتورية. وبالرغم من غياب الآليات الديمقراطية في نظام السلطة الأخوية الزعامية، إلا أنها تختلف كثيرًا عن السلطة الديكتاتورية في أنها، مثلها مثل نمط السلطة الكارزمية، لا تؤمِّن خضوع القاعدة للقمَّة عن طريق القسر بشكل رئيسي، وإنما من خلال تنمية الطاعة المستمدّة من جاذبية القيادة وأخلاقيتها وحسّها الكبير بالمسؤولية. وينطبق ذلك على الأحزاب كما ينطبق على السلطة المركزية. ومن خصائص هذا النمط من التنظيم السلطوي أنه لا يقوم إلا بوجود شخصية استثنائية جامعة، فكرية أو سياسية، أو زعامة. فإذا ضعفت أو غابت، انقسم الحزب إلى زعامات لا حصر لها. ومن هنا يزداد الميل كذلك إلى تحوّل الأحزاب العقائدية أو المنظمة إلى تجمعات شخصية حول هذا الزعيم الصغير أو ذاك. إن نمط الزعامة الأخوية يتحوّل عند انحطاطه بالضرورة إلى نمط للسيطرة المستمدّة من فرض أخوّة كتعبير عن الطاعة والولاء، أي إلى سلطة الاستتباع والاستزلام التقليدية المعروفة.

وبشكل عام تعكس العلاقة داخل الأحزاب السياسية العلاقات بين النخبة والمجتمع عمومًا وتعبِّر عنها. وهذا لا يمنع من القول إن هناك نخبًا متنوعة في المجتمع الواحد يُمكن أن تعمل على إرساء قواعد للعمل وعلاقات متنوعة أيضًا بينها وبين جمهورها الخاص.
2- حول المسألة الثانية، يمكن القول إن الأحزاب العربية الكبيرة الرئيسية قد نشأت جميعها تقريبًا في غمرة الكفاح ضد الاستعمار، وكان برنامجها الحقيقي برنامج الوحدة الوطنية أو الجبهة الواسعة سواء أطلقت على نفسها هذا الاسم أم لا. هذا هو وضع حزب الكتلة الوطنية في العديد من الأقطار، وحزب الوفد في مصر، وحزب الاستقلال في المغرب...إلخ. ومن الممكن القول إن التعدّدية الحزبية قد وُلدت في الأقطار العربية من جراء الانشقاقات المتتالية لهذه الجبهة الوطنية، أي من انفراط عقِد الإجماع الوطني الذي كان يبرره الكفاح ضد الأجنبي. وفي فترة ما بعد الاستقلال، أصبح الصدام بين التيارات الفكرية والسياسية المتباينة التي أخذت تتبلور مع تطوّر الدولة الحديثة وتبلور المصالح الاقتصادية والاجتماعية المتميزة والمتناقضة، أمرًا حتميًا. وربما كانت هذه الولادة هي العامل الأهم في تفسير طبيعة العلاقات التي تربط بين الأحزاب العربية والقائمة على المشادّات والتوتر الدائم ورفض الآخر وغياب القدرة على التفاهم وتكوين الأحلاف أو العمل المشترك. فقد احتفظت من هذا السياق بمواقف ومشاعر قائمة على انعدام الثقة والشكّ المتبادل والاتهام وعدم الاعتراف بالمشروعية. وفي ما وراء ذلك وبسببه تزايد الميل إلى تغطية العجز عن التفاهم السياسي بين الأطراف المتنافسة بالانغلاق العقيدي والتشديد على التمايز الفكري وتحويل الأحزاب إلى ما يُشبه الطوائف الدينية المتنافية والمتنابذة. ومن الطبيعي أن يؤثِّر ذلك على نوعية العمل في الساحة السياسية بأكملها وأن يحوِّل السياسة إلى مهاترات ومؤامرات ومزايدات شعارية واتهامات أكثر مما يدفع إلى تطوير نقاشات وطنية عقلانية وجدّية حول مشاكل الخلاف والقضايا المطروحة على الدولة والشعب. ومَنْ يدرس الحياة السياسية العربية يكتشف أن خطابات الأحزاب أو زعاماتها تتركز على التجريح الشخصي وتركّز على النواحي الأخلاقية أكثر مما تثير مسائل عملية وتشرح الاختلاف في وجهات النظر ونوعية الحلول المقدمة لمشاكل موضوعية وعملية قائمة. ولعل هذه الممارسة هي التي دفعت إلى الخلط العميق الذي نلمسه في الوعي السياسي العربي الحديث بين الأخلاق والسياسة. أو بالأحرى، هي التي تمنع من تبلور مفهوم عملي حديث للممارسة السياسية.

والقصد أنه إذا كان التنافس بين الأحزاب هو قاعدة العمل في كل ديمقراطية، فإن ما نلحظه هنا هو غياب أي مفهوم للتآلف والتحالف والتعاون لتحقيق أهداف ومصالح وبرامج مشتركة، أي تحويل التنافس إلى حرب يخوضها الجميع ضد الجميع، ويتصوّر كل حزب فيها أنه الوحيد الذي لديه الحق في الحياة وأنه دون سواه الوطني. وبدل أن يشعر كل حزب بأنه يُعبِّر عن مصالح اجتماعية محدّدة، وبالتالي فهو مضطر للتعامل مع أحزاب تجسِّد مصالح أخرى، يتماهى الحزب مع مصالح الأمة كلها بصرف النظر عن التمايز داخلها ولا يقبل بأن يكون أقلّ من حزب الأمة. وهذا هو في الواقع منطق الحزب الواحد، بينما تقوم الفكرة التعدّدية على مشروعية وجود تعبيرات سياسية مختلفة، وبقدر الاعتراف بمشروعية وجود تعبيرات سياسية مختلفة بقدر الاعتراف بمشروعية وجود مصالح طبقية أو اجتماعية متمايزة. وهذا يفسّر كذلك من أحد الوجوه كيف أن التعدّدية الوحيدة التي تفرض نفسها في المجتمع السياسي العربي هي تلك المستندة إلى عقائديات لا تعطي المصالح الاجتماعية وتمايزها قيمة بقدر ما تلحّ على الهوية العامة أو الخاصة، أو إلى تمايزات أقوامية أو جهوية أو لغوية.

3- وفيما يتعلق بمسألة علاقة الأحزاب بالمجتمع، هناك أطروحتان: الأولى هي تلك التي تسعى إلى إيجاد علاقة مباشرة بين غياب الديمقراطية داخل الأحزاب وغياب المفهوم الديمقراطي داخل المجتمع، أي أنها تبرر غياب الديمقراطية بنوعية الثقافة السياسية العربية التي لا تلائم الديمقراطية. أما الثانية فإنها تسعى إلى الكشف عن العلاقة بين غياب الديمقراطية وطبيعة الظروف الاقتصادية والسياسية التاريخية التي تعيشها المجتمعات العربية، وهي الظروف التي لا يمكن عزلها عن النظام العالمي وتأثيراته الاقتصادية والسياسية والجيوسياسية، كما لا يمكن فصلها عن السيرورة التي تكوّنت خلالها هذه المجتمعات كدول أو ككيانات سياسية. وإذا كان من غير الواقعي إنكار نصيبِ ما للثقافة السياسية في نمو القيم الديمقراطية، فإنه من غير المنطقي اعتبار الديمقراطية الأوروبية النتاج المباشر والتلقائي لثقافة الإقطاعية التي عرفتها أوروبا في القرون الوسطى. لكن حتى فيما يتعلق بالثقافة السياسية، فليس من الصحيح أن هذه الثقافة في بلادنا هي اليوم الثقافة السياسية العربية الإسلامية التقليدية. إن مشكلة الثقافة السياسية عندنا هي غياب أي مفهوم محدّد وواضح للسياسة والعمل السياسي، وذلك بالضبط بسبب تحريم مثل هذا العمل ومن أجل الحفاظ على السلطات القائمة. وبالمقابل، فإن الثقافة السياسية الموجودة عندنا هي ثمرة التربية العملية والنظرية التي يتلقاها المواطن يوميًا في أجهزة الإعلام والممارسات السياسية، والقائمة على تعميم نزع الشعور بالمسؤولية الوطنية، والتخويف من المشاركة في التفكير أو العمل بالمسألة الوطنية، ومعاقبة كل من يحاول أن يحوِّل السياسة إلى تضحية أو عمل من أجل المصلحة العامة، وعبادة الرئيس وتبجيل الحاكم والتسليم له والاعتماد على إلهامه وعبقريته، وليس لهذا أي علاقة بالثقافة السياسية القديمة أو العربية الحديثة. إن ما تعلمته مجتمعاتنا حول السياسة في العقود القليلة الماضية هو ارتباط السياسة بالأمن، أمن النظام وأمن الدولة وأمن المجتمع، أي بالتعامل مع أجهزة المخابرات والمباحث والميليشيات المرتبطة بالحكم. ومن الصعب أن تقود مثل هذه الثقافة السياسية إلى تكوين علاقة سليمة وديمقراطية بين السياسة ممثلةً بالأحزاب وبين المجتمع ممثلاً بالأفراد العاملين والمنتجين.

إن الديمقراطية ثمرة تطوُّر تاريخي واجتماعي طويل، هو ما نُطلق عليه اسم الثورة السياسية والدولة–الأمة التي نشأت عنها. وهذه الثورة نفسها لا يمكن فصلها كذلك عن الثورة الرأسمالية التي قلبت علاقات الإنتاج. وتفترض هذه الثورة تحلّل العصبيات التقليدية ونشوء الفردية الحرة والمسؤولة، كما تفترض الاندماج الاجتماعي على أسس جديدة وطنية لا علاقة لها بنموذج التوزيع العصبوي الإقطاعي أو الحرفي، وبالتالي تمايز المصالح الاجتماعية والاعتراف بهذا التمايز، وهو أصل التعددية. وتفترض أيضًا نشوء سلطة وطنية تستمد شرعيتها من السيادة الشعبية، ولا يمكنها بالتالي أن تستمر إذا لم تجهد لإرضاء حاجات المجتمع والاهتمام بمصالحه العامة والخاصة، وهو أصل المصلحة الوطنية. وتفترض كذلك حرية التعبير والتنظيم التي تسمح ببلورة المصالح الاجتماعية الخاصة بكل فئة والوعي الطبقي المرتبط بها، وهو أصل التعددية. وتفترض أخيرًا نشوء مفهوم ومنطق تداول السلطة بالطرق السلمية بين جماعات المصالح المختلفة، أي ما يمكن أن تُطلق عليه تسمية "سوق سياسية" للسلطة تسمح عن طريق الاقتراع العام بإعطاء كل قوة سياسية وزنها الحقيقي في المجتمع وتحدّد طبيعة المشاركة في السلطة وقاعدة هذه المشاركة. فبما أن السلطة لم تعد هبة ربانية ولا شأنًا خاصًا حكرًا على أبناء طبقة أو قبيلة أو أسرة ما، بل تحوّلت إلى شأن عام يُشارك فيه كل فرد، لم يعد من الممكن إنتاج السلطة الشرعية إلا عن طريق تحقيق مشاركة جميع الأفراد في تكوين هذه السلطة. وليست التعدّدية، في واقع الأمر، إلا وسيلة للمشاركة الجمعية. وهذه المشاركة والحق فيها، وما تفترضه من مساواة كاملة أمام القانون، وما يرتبط بها من سيادة مشتركة بين جميع المواطنين، هي التي تكوِّن جوهر مفهوم المواطنة بالمقارنة مع مفهوم الرعية والرعاع القديم... وهو الذي بُنيت عليه فكرة الجمهورية، التي تعني الدولة التي تقوم على سيادة الجمهور وإرادته.

وإذا كانت المجتمعات العربية لم تعد تلك المجتمعات التقليدية التي عرفناها في الماضي، فإن الحداثة التي عرفتها ليست عينها الثورة السياسية. بل إن هذه الحداثة تعمل في العديد من أوجهها على خلق قيم مناقضة تمامًا للقيم التي كانت تقوم عليها في مكان نشأتها. وينطبق ذلك على الحداثة السياسية كما ينطبق على الحداثة الثقافية والاقتصادية. فالرأسمالية، وهي نموذج ومصدر الحداثة الاقتصادية، قد فرضت نفسها على مجتمعاتنا ولكنها لا تفرز قيم الإنتاج والتراكم والاستثمار بقدر ما تدفع إلى نمو قيم الاستهلاك والتبعية والاعتماد على الخارج وتصدير الرساميل إلى الدول الصناعية الكبرى. والسلطة المركزية المرتبطة بالدولة الحديثة وإدارتها وخدماتها لا تعمِّق من آلية الاندماج والمساواة والمشاركة الشعبية في الحكم بقدر ما تعمل على خلق نخبة متميزة وتوسيع الهوّة بينها وبين الأغلبية الساحقة. وهي لم تعمل على خلق شروط الحرية والتداول السلمي للسلطة، ولكنها عمَّقت في كل الأقطار النامية النزعات الاستبدادية بما أعطته للدولة من آليات للسيطرة والتحكّم الاقتصادي والعسكري والأمني. وقد بيَّنت التجربة التاريخية، ومثال الجزائر الأخير خير معبِّر عن ذلك، على أن العائق الأول للتحوّل الديمقراطي في العالم العربي هو هذا الشرخ الاجتماعي بين النخبة والطبقات الوسطى وبقية أبناء الشعب، وهو الشرخ الذي يقود نحو تنمية مفهومين ومنظورين متناقضين للحكم والحياة والمجتمع، ويصبح من الصعب معه إيجاد أي تسوية ممكنة، وبالتالي أية ممارسة سياسية سلمية. وهكذا، أدى خوف الطبقات الوسطى في الجزائر من سيطرة الجبهة الإسلامية إلى وضع نفسها تحت حماية الجيش وبالتالي الموافقة غير المعلنة، وأحيانًا المعلنة، على قطع المسار الديمقراطي.

إن الديكتاتورية ونظام القهر السياسي لا يجدان تفسيرهما إلا في نمط التنمية الاقتصادية والاجتماعية ذاته بما يشمله من تمايز أو تقسيم اجتماعي بين نخبة متميزة لا حافز عندها إلا التميّز في المكانة ونمط الاستهلاك والموقع والفكر والعقيدة، وشعب مهمَّش لا حافز لديه للعمل والنضال إلا الدفاع عن حقه في الاندماج الوطني ورفض التهميش ومقاومة النزعات التميُّزية للنخبة الجديدة.
وليس من الممكن تحرير دينامية التحوّل الديمقراطي التي بدأت تفرض نفسها في مجتمعاتنا في إعادة النظر الجدّية في نمط التنمية هذا، واختارت منطق الاندماج الوطني بدل منطق نظام "الأبرتايد" الداخلي. ولا يمكن لعلاقات الأحزاب المختلفة بالمجتمع أن تقوم، بأية صورة من الصور، بمعزل عن موقعها هي نفسها من هذا النضال، والقوى التي تمثّلها، والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها.

4- أما فيما يتعلق بالعلاقة بين الأحزاب والدولة، فإنها مرتبطة بنوعية هذه الأحزاب وبالدولة ذاتها. فالحزب، مثله مثل تنظيمات المجتمع المختلفة، لا يعيش خارج الدولة ولا يستطيع أن يقاوم التأثر بها وبالقيم التي تتداولها وتفرضها على المجتمع. وهو ليس نقيض الدولة، ولكنه الأداة المكمِّلة للدولة الحديثة، أو هو جزء من أدوات تحقيق السياسة التي تقوم عليها وتعيش منها هذه الدولة بالمقارنة مع الدولة القديمة التي لم تكن تعرف أي شكلٍ من أشكال السياسة الوطنية، أي الشعبية الجماهيرية. ومن الصعب أن نتصوّر وجود الحزب من دون التطوّر المسبق للقيم والبنيات الأساسية التي تشكّل جوهر الثورة السياسية الحديثة. كما أنه من الصعب أن يتجاوز الحزب الدولة التي يعمل فيها، فهو مصغّر الدولة في المجتمع، ولابد له من أن يعكس نمط ممارسة السلطة عامةً. إن علاقة الأحزاب بالدولة مرتبطة بشكل رئيسي بالمفهوم الذي تطبّقه وتمارسه الدولة في السياسة، سواء كانت دولة ديمقراطية تقبل التعددية أم لا.

إن مشكلة الأحزاب مرتبطة بمشكلة الدولة ولا يمكن فصلها عنها. وهي لا يمكن أن تنمو بدون نمو الدولة التي تشكِّل مثالها ونموذجها. فالمجتمع والنظام السياسي ليسا ثمرة عملية تلصيق لماهيات وكيانات مختلفة، ولكنهما نتاج دينامية وقيم واحدة تحرّك جميع الأدوات والتنظيمات التي تدخل في تكوينهما. إن نمو النزوعات المتطرفة والعنيفة في حضن الأحزاب المعارضة ليس إلا رد فعلٍ على نمو التطرّف والعنف لدى أحزاب السلطة أو الدولة مباشرة. ولا يُمكن أن نحلم بنشوء أحزاب قوية ديمقراطية في نظام عام يقوم على التعسف والقهر وانعدام الحرية وسحق الفردية. ولو جنحت بعض الأحزاب إلى ذلك لبدت غير فاعلة وفقدت شعبيتها. إن الأحزاب لا يمكن أن تقوم وتؤدي وظيفتها وتتطوّر إلا إذا كان النظام السياسي الاجتماعي يقدّم لها فرص هذا التكوين ويحدّد لها دورًا وصلاحيات محددة. وهذا ما يقتضي أساسًا وجود فسحة من الحرية التي تسمح بتكوُّنها وممارستها لدورها، وإلا فإنها سوف تتحول بالضرورة إلى أحزاب هدفها الوحيد تأكيد نفسها ووجودها ضد السلطة وبالرغم من القانون.

والمشكلة أن الدولة العربية سواء كانت ملكية أو جمهورية، ترفض مفهوم التعدّدية من الأصل وتعتبره تهديدًا لمشروعيتها وسيطرتها. ولا يغير من ذلك وجود بعض الواجهات الانتخابية أو الحزبية، فهي إما تكون أحزابًا منزوعة الشوكة ومسلوبة الإرادة، أو تضطر للدخول في صراع مستمر مع السلطة المركزية حتى تعلن خضوعها الرسمي أو تنجح السلطة في تدميرها وإجبارها على العيش تحت الأرض. ورفض التعدّدية هو جزء من رفض الفكرة الديمقراطية نفسها باعتبارها تشكّل تهديدًا لاحتكار السلطة وبالتالي لاحتكار المنافع المرتبطة بها من قِبل النُخب الحاكمة.

ويرتبط رفض السلطة الحاكمة لوجود الأحزاب ذات الفاعلية والسيادة برفض الأحزاب نفسها -مهما بلغ صغرها- لهذه السلطة، حتى وإن تعاملت معها وتزلفت لها. والحقيقية أن هذه العلاقة السلبية بين الأحزاب والسلطة المركزية ليست، في النهاية، إلا نوعًا خاصًا من العلاقات بين الأحزاب المختلفة، الحاكمة وغير الحاكمة. الأولى لهذه العلاقة السلبية هي الدولة ذاتها، فهي تتحوّل بالضرورة في هذا المناخ من التنافس والرفض المتبادل إلى أداة لتأكيد وتعظيم سلطة حزبية، وتفقد شيئًا فشيئًا كل طابعها الوطني، أي محتواها كدولة قانونية وكأساس لعلاقة مساواة جوهرية هي أصل المواطنة.

5- في إطار الردّ على هذا الوضع المسدود للتحوّل الديمقراطي، أو ما يمكن أن نسميّه باختطاف الدولة ومصادرتها وتحويلها إلى إطار لتنظيم المصالح الخاصة، تطورَّ في العقد الأخير مفهوم جديد للعمل الاجتماعي يلح على ضرورة التركيز على إحياء المجتمع المدني. وفي هذا الإطار سعت بعض فئات المثقفين من الطبقات الوسطى إلى تنمية العمل في مجال حقوق الإنسان والمنظمات الحقوقية والقانونية المشابهة، في حين انكفأت القوى الاجتماعية الأقلّ نفوذًا على التكوينات القديمة للمجتمع المدني ونجحت من خلال تعبئتها في بناء حركة اجتماعية دينية ما لبثت أن تحوّلت إلى أهم حركة سياسية في كل الأقطار العربية. ولكن، كما وَجدت جمعيات حقوق الإنسان نفسها محاصرة من قِبل السلطة وغير قادرة على القيام بأي عمل جدي في اتجاه فرض المسار الديمقراطي، وتحوّلت ببساطة إلى إدارة ضحايا العسف المستمر، وجدت الحركة الإسلامية نفسها بالمثل في مواجهة سلطةٍ مصمّمةٍ على القضاء عليها بأي ثمن. وهكذا، لم تستطع البوادر الجديدة للتعدّدية أن تقاوم دبابات العسكريين الذي اضطروا -وسوف يضطرون أكثر من قبل- إلى الحكم بصورة مباشرة وعلنية منذ الآن، بعد أن انهارت الواجهات المدنية أو بالأحرى المكونة المدنية للحكم المطلق.

والخلاصة، أن مشكلة الأحزاب كامنة في انعدام وجود السياسة الوطنية واستمرار سلوك الدولة وتصرّفها كدول سلطانية تستبعد السياسة الشعبية من اللعبة العامة، وذلك في الوقت الذي لم تعد فيه الدولة مجرد أداة لحفظ الأمن، وإنما أصبحت -خاصةً مع نمو الريع المحليّ- أداة جبارة للسيطرة والتحكّم في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتغيير المواقع وتوزيع الثروة كما لم يحصل في أي حقبة من حقب التاريخ.

وتحتاج الحزبية، بوصفها أداة من أدوات السياسة الوطنية الحديثة، أي كمكون من مكونات السلطة الديمقراطية، إلى نمو الشروط الرئيسية لقيام مثل هذه السياسة. ومن هذه الشروط: نشوء المواطنية، أي الفردية الحرة التي تحمل في ذاتها فكرة المسؤولية الجماعية والمشاركة العملية في إنتاج السلطة السياسية أو العامة، ووجود وسوق حقيقية للسلطة، أي وجود منافسة حرة ونزيهة بين فئات النخبة الاجتماعية على احتلال موقع القيادة، وهو هنا الدولة. ومن الصعب تصوّر وجود الفرد الحرّ المبادر أو الحزب السياسي الحديث الذي يُعبِّر عنه ويجسِّد حريته من دون وجود هذه الفسحة الأساسية من الحرية التي نسميها حرية العمل السياسي الفكري والتعبيري والتنظيمي، أي وجود الدولة الديمقراطية.

والحال أن ما حصل في مجتمعاتنا هو أن نشوء هذا الفرد الحر، أي المسؤول، المستعد للقيام بدوره كمواطن، لا يجد مرتكزًا له في مكان؛ لأن الدولة لا تزال عصبوية عائلية أو ديكتاتورية معادية للسياسة ولمفهوم العمل الشعبي المستقلّ. بل إن الفرد الذي تحرّر فعلاً من شروط التبعية التقليدية غالبًا ما يجد نفسه مضطرًا لحماية نفسه من الدولة العسفية أو من مراكز القوى ومجموعات الضغوطات والعصبويات المتجددة الحديثة، والانطواء من جديد تحت راية القبيلة والعائلة والوجاهة.

وهذا هو الذي يجعل من التحرر الفعلي في بلادنا، وهو غير الانحلال الذي يعني التخلي عن كل مسؤولية، محنةً حقيقيةً. ومن الطبيعي أن يعيق هذا الوضع عملية بناء الأحزاب الحديثة بوصفها شكل التنظيم الجديد للأفراد باعتبارهم أفرادًا أحرارًا ومسؤولين. فشرط تطوّر تنظيم هذه الفردية الحرّة هو وجود دولة الحرية. والأصل أن الفرد لا يستطيع أن يعيش بدون إطار تضامن جماعي، والدولة الأمة (أو دولة الحرية والديمقراطية) هي هذا الضامن للفرد الحرّ، في مقابل القبيلة والعائلة في التنظيم المدني القديم.

وفي حال غياب إمكانية بناء هذه الأحزاب، أي بناء نظام يجمع الأفراد المتحرّرين وينسّق فيما بينهم ويشكّل إطارًا جامعًا لهم، لا يعود من الممكن بناء فضاء الحرية الذي تتغذى منه السياسة الحديثة، أي الديمقراطية، وإنْ كان من الممكن التقدم بسرعة على طريق حلّ وتفكيك العصبيات المتعددّة، وهو ما حصل بالفعل. لكن نتيجة ذلك لن تكون تحرّرًا سياسًا، وإنما انخلاعًا فرديًّا بالمعنى الحرفي للكلمة. ولابد لهذه الفردية الحرّة من أن تجد نفسها ضحية تلاعب الدولة أو العصبيات "المافيوزية" التي تنمو على هامشها. إن غياب هذه الحرية السياسية الأساسية يعني أن الأحزاب حتى لو وُجدت كتنظيمات للأفراد، فإنها لن تجد هذا الرأسمال الأول الذي تحتاج إليه كل سياسة حديثة، في مستوى علاقة الدولة بالأحزاب وعلاقة الأحزاب بالمجتمع.

ومأساة الأحزاب العربية بالضبط، سواء في علاقتها مع السلطة أو مع بعضها البعض أو مع الفرد المنتمي إليها، نابعة من تشويش وضعها الوجودي ذاته ومقامها داخل بنية سياسية حديثة على أكثر من مستوى، ولكنها لا تزال تفتقر إلى الدينامية السياسية التي تضع المواطن والحزب والدولة في علاقة تبادل وتفاعل وتواصل. فهناك مواطن اليوم في العالم العربي، أي هناك فرد حرّ لا يتماهي ولا يقبل أن يكون امتدادًا لطائفة، وله بالتالي شخصيته وذاتيته التي يدافع عنها ويريد لها أن تجد مكانها في النظام القائم. وهناك أحزاب تجهد كي تبلور برامج ورؤى سياسية وعقيدة، وتضع نفسها في موضع الوسائل الجماعية التي تساهم في بناء السلطة، لا كسلطة سلطانية فردية ومطلقة ولكن كسلطة وطنية نابعة من مشاركة المجتمع المباشرة في تكوين السلطة المركزية. وهناك أيضًا الدولة الحديثة التي لم تعد تقبل أن تكون أداة الجماعة الدينية أو الأقوامية، وتقدّم نفسها على أنها دولة التدخّل الإيجابي في تسيير وإدارة الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. ولكن ليس هناك بعد أي مبدأ أو قاعدة مستقرة تسمح بتعامل هذه العناصر الثلاثة للحداثة السياسية فيما بينها وإتاحة الفرصة لها بالتالي كي تعبِّر عن نفسها وتحقّق ذاتها.

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما تعبر عن رأي أصحابها

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة