You are here:الرئيسية>مكتبة الديمقراطية>نصوص كتب>نص كتاب: غالي شكري، ثقافة النظام العشوائي

علي الرجال: عن الحلم والوعد السياسي في العملية الانتخابية في الإسكندرية

الثلاثاء، 24 حزيران/يونيو 2014 عدد القراءات 1975 مرة
الكاتب  علي الرجال

تدخل الثورة المصرية مرحلة حرجة فى تاريخها حيث إعادة بناء الدولة و هيكلة مؤسساتها. فالانتخابات البرلمانية تعد المولود الأول للثورة. ولا تقتصر اهميتها على هذا الحد فقط، بل أن الانتخابات ستكون مقياس حقيقي لمدى تغلغل ونجاح الثورة على عدة مستويات:

أولا: هيكلة العملية الانتخابية ومدى اتساقها مع تطلعات الثورة.

ثانيا: أنماط التفاعل بين الناخب والمرشح وتفاعلات القوى السياسية والاجتماعية المختلفة مع بعضها البعض.

ثالثا: تعكس العملية الانتخابية مستوى الممارسة السياسية ودرجات الوعي المختلفة التي ستفرز نوعية المرشح القادم.

وتأتي خطورة هذه الانتخابات لأنها تحمل في طياتها أفاق مستقبل البنية التشريعية في مصر. بل وستتحكم في مسار الحياة النيابية وطبيعتها والتي سيسفر عنها دستور البلاد القادم. ويترتب على هذا إعادة هيكلة الحياة السياسية ومستقبل العلاقات بين المؤسسات والسلطات المختلفة التي تتحكم في مقاليد الأمور. وستكون هذه الانتخابات محورا رئيسيا في القطيعة مع النظام القديم؛ حيث تتغير قنوات وآليات اللعبة السياسية واستراتيجيات السلطة وتعاملها في مصر. أو تكون الباب الرئيسي لإعادة إنتاج النظام القديم وإعادة بناء نفس البنية التشريعية والسياسية التي قادت إلي كارثة برلمان 2010 في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك.

تحاول هذه المقالة تحليل جانب كبير من العملية الانتخابية في محافظة الإسكندرية التي تتسم بوجود قوي لكثير من الفاعلين السياسين. حيث يوجد بها حضور شديد لجماعة الأخوان المسلمون والتيار السلفي الممثل حالياً في حزب النور بالإضافة لحفاظه على الدعوة السلفية التي تمتد جذورها في الإسكندرية منذ ثمانينات القرن الماضي وبزوغها في مطلع الألفية الحالية، هذا إلي جانب فاعلية القوى الثورية المختلفة التي تتمثل في خلايا متنوعة أثبتت حضورها بقوة في سباق المليونيات المختلفة بعد خلع الرئيس السابق مبارك التي غاب عنها كل الأخوان والسلف وبعض الأحزاب القديمة. فهي محافظة بها سباق وصراع سياسي بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

تتناول المقالة بحث العملية الانتخابية من خلال منهجية مركبة حيث لا تنظر فقط للفاعلين السياسين وقدراتهم على الحشد والتعبئة، ولكنها تحاول التعمق في درجات الوعي لدى الناخب ومايقدم له من وعود سياسية ومدى تلاقيها مع الحلم الاجتماعي لدى قطاعات واسعة من الجماهير. لأن النظر في درجات الحلم الأجتماعي والتخيل السياسي ربما يعطي صورة أعمق عن إمكانية التغير الجذري في المجتمع. حيث يؤكد ماركوزة أحد رواد مدرسة فرانكفورت على أن تغير الواقع فقط لا يكفي. حيث أنه ما لم تتغير الأحلام في مخيلاتنا سرعان ما تحدث ردة ليست فقط للواقع الجديد ولكن للواقع الذي قد تم تغيره.

الوعي الجماهيري والعملية الانتخابية

شكلت مسألة الوعي الجماهيري ودورها في العملية الانتخابية مسار جدل كبير لدى الباحثين والسياسين. الأمر الذي دعى البعض لتسفيه الجماهير صراحة واتهامهم بالجهل. وذلك لأن العمليات الانتخابية السابقة المتمثلة في انتخابات 2005 و2010 كانت كارثية بكل المقايس. حيث أتسمت بشراء الأصوات والنزاعات التي وصلت إلي حد سفك الدماء ووصول سفهاء –على حد قول كثيرين- إلي أهم مؤسسة تشريعية في مصر.

إلا إن التعجل في مثل هذه الإتهامات به كثير من المغالطة والتعجرف على وعي قطاعات كثيرة من الناس. ومن هنا سأحاول تحليل بعض النقاط في العمليتين الانتخابيتن السابقتين التي قمت بتغيطتهم ومراقبتهم أيضاً.

وسؤال البحث المحوري هنا: ما هو الحلم الاجتماعي والوعد السياسي في العمليتين السابقتين؟

من متابعة كل منهما يمكن القول أن الحلم الأجتماعي تمحور بشكل رئيسي حول نقطتين. الأولى هى تأمين وظيفة عمل والثانية هى الخدمات العامة للمنطقة والتي من المفترض أن تقوم بها الدولة وليس مجلس الشعب بشكل عام.

فغياب دور الدولة في التوظيف والمحور الاقتصادي بشكل عام وتوحش سياسات الخصخصة بالأخص قام بتحويل جذري في العملية الانتخابية حيث تمحور حلم قطاعات واسعة من المجتمع من الطبقات المعدمة وغير المعدمة حول تأمين وظيفة عمل. فالأهالي –من مختلف الطبقات- التي تحملت معاناة كبيرة في تعليم الأبناء أصبحت أمام عبء آخر أكثر ثقلاً من العملية التعليمية ذاتها وهو توظيف هذه الأعداد المهولة من الخرجين. ولقد تخلت الدولة عن هذا الدور تقريبًا بالكلية مع اكتمال مشروع الخصخصة وتبني السياسات النيوليبرالية مع حلول الألفية. وصارت عملية التوظيف في يد رجال الأعمال إما بشكل مباشر عن طريق التعيين فيما يملكون من مؤسسات وشركات اقتصادية أو من خلال الوساطة في شركات أجنبية ومؤسسات دولية تربطهم بها شبكة علاقات واسعة من المصالح الاقتصادية والاجتماعية. ولقد ضم الحزب الوطني أغلب رجال الأعمال في مصر. أضف إلي هذا هيمنته الكاملة على النظام العام حيث كان يمثل النظام السياسي والاقتصادي والدولة معًا.

ومن هنا نستطيع فهم شيئين. أولا،ً حرص مرشحي الوطني من رجال الأعمال للوصول إلي البرلمان لضمان أستمرار مصالحهم الاقتصادية من خلال احتلال البنية التشرعية في الدولة. ثانيًا، نجاح أغلب هؤلاء المرشحين ودعمهم من قطاعات جماهيرية واسعة. فلقد تم اختزال الجانب الاقتصادي في رجال الأعمال وتم اختزال الدولة في الحزب الوطني. فهذا التماهي بين النظام السياسي والدولة والحزب الوطني جعلنا أمام الدولة متجسدة في كيان واحد من بداخلها يحظى ببعض ما يمكن أن تقدمه له الدولة من خدمات ومن خارجها فهو خارج العملية بالكلية وعليه البحث في منافذ أخرى لا علاقة لها بالدولة. ومن هنا حدث تزاوج بين الحلم الاجتماعي والوعد السياسي. والحقيقية أن الوعود المقدمة من مرشحي الحزب الوطني المنحل لم تكن تمثل وعود مرشحين سياسين على الأطلاق. بل كانت وعود دولة. ومن هنا نستطيع أيضًا فهم صعوبة منافسة أحزاب أخرى للحزب الوطني باستثناء الأخوان المسلمون، لعدة أسباب.

أولاً: تغلغلهم داخل البينة الاجتماعية وتواجدهم الدائم مع الجماهير من خلال مؤسساتهم الممتدة من التعليم إلي الصحة وبساطة الأفكار وقدرتهم على فهم الواقع اليومي المعاش للجماهير.

ثانيًا: خطابهم الممزوج بين الديني والخدمي.

ثالثًا: شبكة المصالح الاقتصادية القادرة على منح خدمات للمواطن بشكل يومي.

رابعًا، قدرتهم على الوفاء بالوعد السياسي إلي الجماهير.

خامسًا: ثقة قطاعات واسعة من الجماهير في هذه الخدمات؛ حيث لا تنقطع بعد الانتخابات ولا ترتبط بالمكسب أو الخسارة السياسية. فمثلاً المؤسسات الطبية المختلفة المتواجدة في الإسكندرية التابعة للإخوان المسلمين لا تتوقف عن تقديم خدماتها بل تتسم في كثير من الأحيان بالجودة.

سادساً، تشابه بنية تنظيم الجماعة ومحاكته لفكرة وتنظيم الدولة وتملكهم لبنية تحتية موازية. وبهذا تستطيع الجماعة مناورة الحزب الوطني حيث لا يتفاعل كلاهما كأحزاب أو حركات ولكن كدول مع فارق الأمكانيات والقدرات وتفوق كل منهم على الآخر في مواقع مختلفة.

وبهذا يتضح أن وعي الناخب أكثر عمقًا وتركيبًا من وعي السياسين وكثير من الباحثين. فهو يعلم علم اليقين أن الانتخابات لا علاقة لها بالتشريع وأن الحزب الوطني يكسبها إما عن طريق تمثيل دور الدولة أو من خلال التزوير. وبالتالي كان يحاول الناخب الخروج بأكبر المكاسب الممكنة. ولذلك كان نجاح كثير من أعضاء الحزب الوطني في الإسكندرية مثل طارق طلعت مصطفى صاحب شركات المقاولات ورجل الأعمال الشهير ومحمد مصليحي مسألة شبه مضمونة على الرغم من الشوائب والفساد الذي يمكن أن يتهمهم به الكثيرون. أضف إلي حرص الأثنين تحديدًا على تقديم خدمات عامة في كثير من الأوقات وتوظيف الكثيرين في شركاتهم الخاصة. فمثلاً مصيحلي لديه أكثر من توكيل ملاحي وهو متوغل داخل عمليات الأستيراد والتصدير وهما مدخل رزق لكثيرين في مدينة ساحلية بها أكبر ميناء بمصر. أضف إلي سيطرته على نادي الاتحاد السكندري وهو النادي الرئيسي في المحافظة وذو جماهيرية واسعة. وفي حقيقية الأمر أنه قدم الكثير من الخدمات وقام بتطوير نسبي في فترته للنادي. وهو ما كان يدفع الكثير من مشجعي النادي لدعمه مع الأخذ في الأعتبار أن النادي يقع جغرافيًا في دائرته الانتخابية. وكذلك بالنسبة لطارق طلعت مصطفى، حيث تمتد مشاريع عائلته وشركاتهم بطول وعرض كورنيش الإسكندرية. وبالتالي أنحسرت العملية الانتخابية في هذا النطاق الممتد بين الحلم الأجتماعي والوعد السياسي.

ماذا عن الحلم الاجتماعي والوعد السياسي بعد الثورة؟

يعد قياس هذا الأمر مسألة صعبة في ظل التمخض الدائم للوضع العام في مصر والذي لم يسفر عن شيء حقيقي حتى الآن. حيث مازالت العملية الثورية في تفاعل مستمر. إلا أنه يمكن تلمس بضعة أمور حول موضوع البحث وتفاعله مع درجات وعي الجماهير.

فانتخابات 2012 التي وصفها الكثيرون ببرلمان الثورة تعكس تغيرات مهمة ولكنها ليست جذرية. وهى ليست جذرية لأنها لم تعكس أي تغير حقيقي في أنماط التفاعل السياسي ولا في الوعود السياسية ولا حتى في الحلم الأجتماعي العام كما سأوضح في هذا الجزء من البحث. وبالتالي نعت هذا البرلمان ببرلمان الثورة يعد مقولة معلبة وكليشيه كبيرة وغير منضبطة من الناحية الأكاديمية. إنما تعد هذه الانتخابات إستكمالاً لفراغ الحزب الوطني وتواصلاً مع البنية القديمة.

فالملاحظات العامة التي أوردها كثير من المتابعين والمراسلين –وكما رأينا على الهواء مباشرة- أن العملية تمت دون نزاعات دموية ودون تزوير ودون أنتهاكات يمكن أن تفضي ببطلان العملية الانتخابية. لا شك أن هذا كله يعد أمرًا إيجابيًا للغاية على الرغم من وجود بعض الانتهاكات التي تتمثل أغلبها في الدعاية يوم الأقتراع من قبل مرشحي وأنصار التيار الأسلامي بشكل عام وبعض المناوشات والمشادات بينهم وبين بعض النشطاء السياسين. واللافت للانتباه هو غياب أي عملية من عمليات البلطجة التي أتسمت بهما انتخابات 2005 و2010. وهو ما ينم عن أن هذه العمليات ممنهجة وليست عشوائية وأنها أيضاً مرتبطة إرتباط وثيق برغبة السلطة الحاكمة لا بقدرتها. مما يعني وجود تنسيق بينها وبين بعض المؤسسات الأمنية مثل الشرطة وجهاز أمن الدولة المنحل التي أوردت كثير من التقارير علاقتهم وتجنيدهم للبلطجية. أي أن الأمر متعلق ببساطة برغبة السلطة المتحكمة في مثل هذه المؤسسات.

وعلق الكثيرون بفرحة عارمة عن نسبة المشاركة في الانتخابات. مما دفعهم بتحليل هذا الأمر على إن الجماهير صارت أكثر إيجابية وفاعلية وأنها بدأت تمسك بزمام الأمور وأنها تطلع لبناء مستقبل مصر فيما بعد الثورة. إلا أن هذا الأمر ربما لا يكون بمثل هذه الدقة. حيث انخفضت نسبة المشاركة في جولة الإعادة بشكل كبير. بالأخص بعد تصريحات بعض المسئولين عن عدم تحقيق الغرامة الأنتخابية التي كانت 500 جنيه مصري عن تغيب الفرد عن الإدلاء بصوته.

جاءت نتائج الانتخابات في الإسكندرية بتفوق حزب العدالة والحرية الممثل لجماعة الأخوان المسلمون ثم يتبعه حزب النور الممثل للدعوة السلفية ثم نسب ضئيلة من الكتلة المصرية وقائمة الثورة مستمرة التي سمحت بها العملية الانتخابية من خلال القوائم النسبية. ويلاحظ التفوق الملحوظ للحرية والعدالة في منافسات المستقلين. حيث تفوقت على الجميع وبالأخص مرشحي حزب النور باستثناء دائرة العجمي والعامرية التي تعد بعيدة عن مركز المدينة. وهذا يعكس تفوق الأخوان في مراكز المدينة في مقابل هوامشها. ويرجع هذا للفارق في البينة التنظيمية لكل منهما. فجماعة الأخوان إذا تواجدت في مكان ما تتواجد بشكل الجماعة والتنظيم المحكم. أما السلفية فبامكانها التواجد من خلال أفراد وأفكار وتشكيلات خفيفية لا تستتبع وجود تنظيم محكم في منطقة جغرافية معينة. فبعض شيوخ السلفية لهم تواجد ومكانة أجتماعية فريدة من نوعها في تلك المنطقة. هذا بالإضافة لبعض التفاصيل الاستراتيجية في هذه الدائرة بالتحديد حيث كان نهج السلفين أكثر إستيعاباً للقبلية الموجودة في تلك المنطقة وتواصلهم مع كبائر القبائل وإرضائهم من خلال الإقناع والتواصل السياسي بدلاً من المنافسة وفرض أمر المرشحين عليهم. ومن الملاحظ أيضًا خسارة الشباب في مواقع كثيرة في منافسات المستقلين. وكان من المبهر هزيمة جميع فلول الحزب الوطني. حيث لم يتمكن واحد منهم لا من خلال القوائم أو منافسات المستقلين من الوصول إلي البرلمان.

وسأقوم يتحليل هذه النتائج وتقديم تفسير لها من خلال المنهجية التي طرحتها في أول البحث.

فخسارة الفلول بهذا الشكل العنيف وتفوق التيار الأسلامي لا يعد إنقلابًا جذريًا في جوهر العملية الانتخابية وإنما ملأً لفراغ البنية القديمة بنفس ثنائيتها إما الفلول وإما الإسلاميين.

فأولاً: لم يترشح أي من المرشحين الأقوياء لدى الحزب الوطني باستثناء طارق طلعت مصطفى الذي خاض معركة شرسة مع الخضيري مرشح الأخوان المسلمون. حيث تفوق عليه الخضيري في الإعادة بفارق تسعة الآف صوت. مما يعني التقارب الشديد. ولقد كانت النتائج والاستطلاعات الأولية تؤشر بتفوق نسبي لصالح طارق طلعت مصطفى. وهذا ينم عن أن قطاعات كبيرة لم تتغير لديها التوجهات الرئيسية الحاكمة للعملية الانتخابية. أضف إلي النهج المتأسلم الذي يتبعه طارق طلعت مصطفي جعله لا يختلف كثيرًا من الناحية العاطفية ولا التشريعية عند الكثيرين. فالجانب التشريعي في هذه العملية الانتخابية تمثل لدى قطاعات كبيرة في الحفاظ على المادة الثانية من الدستور. وعلى الرغم من أن الجدل حول هذه المادة يبدو مصطنعا؛ حيث أن الجميع بما فيهم مرشحي الكتلة المصرية أكدوا عدم المساس بها، إلا أنه كان مؤثرا إلي درجة كبيرة في حشد وتعبئة كتل جماهيرية كبيرة للتصويت للإسلاميين.

ثانيًا، لقد شنت القوى الثورية والإسلامية بشكل عام هجومًا شرسًا على بقايا الحزب الوطني في الإسكندرية وصلت إلي حد حملات تمزيق للوح وملصقات طارق طلعت مصطفى من قبل بعض الحركات الثورية.

ثالثًا: وتعد هذه هي النقطة الأهم، غياب دور الدولة في مساندة فصيل على الآخر وتفكك الحزب الوطني. فالدولة غائبة حتى الآن ثم أن الحزب هو إيضًا غير موجود والفلول يشن عليهم حرب ضروس، ولا يوجد مرشحون أقوياء من الحزب، ومن هنا أدرك الناخب عدة عناصر. أولاً: القوى الإسلامية ستحافظ على هوية الدولة من خلال التشريعات القانونية والدستورية –الهاجس الأكبر منذ خلع مبارك. ثانيًا: قدمت هذه القوى الإسلامية خطابا ثلاثي الأبعاد قادر على مخاطبة الحلم الاجتماعي لدي الناخبين المتمثل في 1- الخدمات 2- الوعد بتوفير وظائف 3- الأمن وهو أصبح حاجة ملحة مؤخرًا بالأخص مع التضخيم الإعلامي لتلك الأزمة. ولقد تم اختبار هذه القوى في تلبية حلمين على الأقل من الثلاثة. ففي أثناء أيام الموجة الأولى من الثورة قام السلفيون والأخوان المسلمون بدور بارز في تأمين الأحياء المتجذرين بها وبعض المنشئات. وقاموا أيضًا بتوفير السلع وضبط أسعار اللحوم والخضروات في المدينة عن طريق شبكة علاقاتهم الممتدة بالريف والمناطق الزراعية القريبة من الإسكندرية. وقاموا بمواجهة محاولات بعض التجار من استغلال الموقف بشكل دعم ورسخ من وجودهم الاجتماعي.

ولقد كانت هناك عدة أسباب أخرى أدت إلي تفوق التيار الإسلامي الإصلاحي على بعض القوى الثورية المتمثلة في قائمة الثورة مستمرة وبعض المستقلين. يعد تردد القوى الثورية من خوض الانتخابات من عدمها أول وأهم العوامل. حيث دار نقاش موسع بين كثير من القوى الشبابية تحديداً حول جدوى خوض الانتخابات ورأى البعض أن هذه المعركة ليست معركتهم الآن وأن الإنخراط في العمل السياسي سيؤثر كثيرًا على دورهم الثوري وأن المعركة الثورية لم تستكمل بعد وأن الانتخابات بمثابة استنزاف لقواهم الثورية، بالإضافة إلي عدم إستعدادهم من الناحية الاستراتيجية لخوض هذه المعركة وما تطلبه من أدوات ورأس مال ضخم لا تملكه أغلب القوى الثورية. ورأى البعض الآخر أهمية وجود القوى الثورية في البرلمان لتمثيل تطلعات الثورة وأنه على الرغم من غياب رأس المال فالشارع سيدعم الشباب والثورة في مواجهة القوى القديمة. إلا أن بعض الذين أعلنوا نيتهم لترشح مثل حسن مصطفى ومحمد صفوان وهما من أبرز النشطاء السياسين في الإسكندرية لم يقوموا بالإعداد الازم لهذه المعركة. ولقد أنغمست أغلب القوى الثورية في فعاليات وتحركات جماهيرية وميدانية ثورية استنزفت كل قواها السياسية الازمة لخوض المعركة الانتخابية بالأخص أحداث محمد محمود في التحرير ومديرية الأمن في الإسكندرية. ولم يقم المرشحون الثوريون بالتخطيط الاستراتيجي المطلوب من دعاية وتواصل جماهيري والانخراط الازم في دوائرهم بوضع برامج وأفكار واضحة. حتى أنه يمكننا القول أن الوعد والحلم السياسي لدى هذه القوى الثورية لم يكن بالوضوح الكافي الذي يدفع الناخب لترك مرشح الحرية والعدالة أو النور اللذين تم إختبارهم في متطلبات الحياة اليومية العادية لحلم يدعوا لآفاق التغير الثوري الراديكالي في المستقبل.

ومن هنا فشل الثوار في تصوير حلمهم الثوري للناخب، ونجح الإسلاميون في تصوير حلمهم الإصلاحي من خلال التواصل والتأكيد على قدراتهم في تنفيذه. حتى ملصقات حزبي النور والعدالة والحرية تمكنت من إيصال الوعد في المقابل لم يكن هناك ملصق ثوري معبر عن حلم ما يوعد به في المستقبل. وإذا قمنا بتحليل الصورتين الأبرز وهما صورة حزب الحرية والعدالة المتمثلة في طفل نظيف يبدو عليه الرخاء والإشراق وهو جالس داخل مدرسة حديثة على طاولة مجهزة وفي فصل فسيح وصورة قائمة الثورة مستمرة التي اتسمت بلون غامق وفي الخلفية جماهير ثائرة، سنجد أن الثوار لم يستوعبوا الفارق بين الثورة والسياسة. فالثورة تعنى بمفردات المعركة والنضال والتضحية والاشتباك. أما السياسة فهى تعنى بالوعود التي تفرضها معطيات القوة والقدرة على التنفيذ المباشر وتتزامن مع الاحتياجات العامة للمواطن. أضف إلي أن مفردات الخطاب بين الفريق الثوري والإسلامي كانت عاملاً مهما في الوصول إلي مداعبة الحلم الاجتماعي. ففي الوقت الذي أصيب فيه الكثيرين بهوس الأمن والإستقرار تخاطبهم القوى الثورية في معركتها الانتخابية عن ضرورة إستكمال الكفاح الثوري. ومن هنا لعب كل من الخطاب والصورة على أوتار مختلفة لدى الناخب جعل كثيرين أقرب إلي القوى المختبرة سابقاً في مفردات السياسية وجعل دعمهم للشباب في ميدان المعركة الثورية الذي تم إختبارهم فيه ونجحوا. وأتذكر تعليق أحد الناخبين لي على الأحداث قائلاً أن الثوار أثبتوا أنهم الأجدر في ميدان المعركة الثورية لا المعركة السياسية. ويجب التأكيد على أن أحد أهم الفوارق بين حزبي النور والحرية والعدالة والقوى الثورية في المعركة الانتخابية في الإسكندرية هى غياب العمل الممنهج والدءوب والمعد إستراتيجيًا بشكل جيد عند الأخير في العملية الانتخابية.

في الأخير يتضح أن العملية الانتخابية لم تتغير تغيرًا جذريًا. حيث أوضحت المقالة عدم تغير الحلم الإجتماعي ولا حتى تغير الوعد السياسي المقدم للجماهير. ولم يقم أحد من خلال العملية الانتخابية بمحاولة تغير الحلم الاجتماعي. ولم تتغير قنوات وأنماط التفاعل السياسي بين الناخبين والمرشحين. ولقد ظلت نفس استرتيجيات وأدوات الحشد والتعبئة باستثناء شراء الأصوات –إلا فيما ندر- هى المهيمنة على العملية الانتخابية.

إلا أن النموذج القائم عليه البحث ربما يكون به خلل كبير في التفسير من مدخل واحد وهو تجربة محمد صفوان في دائرة المنتزة. فلقد قامت حملت صفوان بشكل حقيقي قبل عملية الاقتراع بأسبوع ونصف فقط. إلا أنه في هذا الوقت الوجيز تمكن حشد الكثير من الأصوات في صالحه. علماً بأن هذه الدائرة ربما تعد الأصعب في الإسكندرية لعدة أسباب. أولا ضخامة الدائرة من الناحية الجغرافية والتعداد السكاني. ثانيا: التنوع والأختلاف الشديدين في نوعية السكان وتطلعاتهم وأشواقهم واحتياجتهم؛ فهي تضم مناطق ريفية وعزب على أطرافها وتضم عشوائيات في عمقها وتختلف بها الطبقات والشرائح الوظيفية ومعدلات الدخول والأوضاع الاجتماعية. ومع ذلك فبالتواصل والتخطيط مع مجموعات مثل السادس من إبريل والحملة الشعبية لدعم البرادعي والكثير من المستقلين تمكن من إثبات قدرته على المنافسة ضد مرشحي النور والحرية والعدالة. وهنا يجب التساؤل عما يمكن أن تكون عليه النتائج في حال التخطيط والتحضير الجيد من قبل صفوان؟

ومن هنا فإن الإشكالية الرئيسية التي يتمحور حولها فشل الثوريين في الوصول للبرلمان في الإسكندرية هى قدرتهم على التعاطي وتغير الحلم السياسي والتقصير في التخطيط والإعداد. وهو أيضًا ما يعكس عجز الثورة بشكل عام من التجذر العميق في المجتمع من خلال أنماط وممارسات أخرى غير العمل الثوري المباشر الذي يتعارض أحيانًا كثيرة وإيقاع الحياة اليومية للمواطن.

* باحث وناشط مصري.

 

المواد المنشورة لا تعبر عن رأيموقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة