You are here:الرئيسية>دول عربية>دول>الأردن>دساتير وقوانين - الأردن

المشروع السياسي الإسلامي والارتهان لأخطاء التيارات الإسلامية

الثلاثاء، 24 حزيران/يونيو 2014 عدد القراءات 1995 مرة
الكاتب  سليمان محمد سيدينا

يدور الجدل دائما حول ظاهرة الإسلام السياسي سواء من حيث النشوء كظاهرة حديثة أسبابها ونتائجها وأهم الفاعلين فيها، أو من حيث السمات الإيديولوجية لها كمشروع سياسي جديد يختلف كليا عن النماذج السياسية القائمة، غير أن هذا الجدل سواء ما كان منه فكريا أو ما كان منه سياسيا، تتناوله مختلف الأطراف (إسلامية وغيرها) من خلال أطروحات قد لا تكون هي الأنسب له مما يولد نتائج قد لا تكون تمثل الواقع كما هو ولا الحقيقة كما هي وهذا يُنْشِأُ سوء فهم لدى مختلف الأطراف ويولد منظومة من المعلومات تسري في أذهان العامة والخاصة كمسلمات تميل إلى هذا الطرح أو ذلك، يصعب عليهم الفكاك منها، مما يجعل مخرجات الحراك الفكري والإيديولوجي معروفة مسبقا ومحسومة النتائج سلفا.
إن مسألة الإسلام السياسي حتى توضع في موضعها المناسب يجب أن تجرد من (قدسيتها الدينية) بوصفها نسق من المعارف والمواقف والظروف والثقافات تؤلف مكونا واحد يختلف باختلاف منظومة ذلك النسق، وهذا البعد (القدسي) في الظاهرة المؤدي إلى انحرافها، لا يتحمل مسؤوليته تيار الإسلام السياسي متعاطي هذه الأنساق بقدر ما تشترك معهم تيارات أخرى تنظر مسألة الإسلام السياسي من زوايا دينية هي الأخرى لكن من منظور سلبي.

وحول هذا الموضوع يرى فرانسوا بورجا "أن الإسلام – التاريخي المدون في النصوص المقدسة – ليس هو وحده المولد لظاهرة الإسلام السياسي، كما يحلوا لزعماء الاتجاهات الإسلامية أن يقولوا، بل إن الظاهرة متولدة عن واقع مركب معقد، هو الذي يصنع الإسلام السياسي الراهن"، وهو يرى أن استخدام "شفرة الإسلام" في خطاب الإسلام السياسي هي عملية تتم على مستوى اللغة لمناهضة شفرة أخرى غربية استعمارية أساسا، وهي شفرة قامت الأنظمة الحاكم بإعادة إنتاجها في خطابها القومي العلماني وإذا كان الصراع يدور على مستوى الشفرة – في مستوى الخطاب- لمناهضة الاستعمار الغربي من جهة ولمناهضة القومية العلمانية التابعة له من جهة أخرى، فالإسلام في هذه الحالة مجرد "هوية" يتسلح بها الإسلام السياسي، هوية تتجاوز العقيدة وتعلو عليها.1

إن انطلاقنا من هذا الطرح سوف يُبِينُ لنا مكامن الخلل الذي أدى إلى الإرتهان لمسلمات في الفهم تجعلنا أسرى تصور محدد ونحن نتتبع آثار ونتائج هذه الظاهرة السياسية، من هذا المنطلق يمكننا توجيه الإشكالية - حول التجربة السياسية للإسلاميين- لتخرج من إطار محاكمتها من منطلق قدسية الخلفية التي نستند إليها وتتخلل تجلياتها لتصبح اجتهادا بشريا يجوز في حقه الخطأ والصواب والتراجع والتقدم والفشل والنجاح.

إن الارتهان للقدسية الدينية من الأخطاء البنيوية التي ميزت الخطاب الإسلامي السياسي نتيجة افتقاره إلى ترشيد مصاحب له، مما جعله ينساق نحو سلاسة البلاغة العاطفية ذات البعد التجميعي المشهود، وفي هذا الإطار استصحب هذا الخطاب أغلب مميزاته التي يفاخر بها، فهو لم يميز بين الحماس المستند إلى استجاشة العاطفة الدينية عبر استثمار مفردات الخطاب الديني، وبين الواقع المتعلق بالفرد في بعده الإنساني غير المعصوم ليصبح من الوارد محاكمة ساسة هذا التيار حين تصديهم للعمل السياسي انطلاقا من قدسية الخطاب العاطفي الذي أسس لصعودهم وهو خطا يشترك فيه التيارالإسلامي الذي ارتهن نجاحاته لذلك البعد القدسي ولم يضع في الحسبان ضرورة الفصل بين النموذج الحالم المُؤَطَّرِ بعبق النبوة المعصومة وبين النموذج المدافع "العاض على الجمر"2 كما وصفه الرسول (ص) فمثلا في قضية سياسية مثل الديمقراطية المعاصرة يصر الإسلاميون على التفريع لها في الأصول الشرعية، والترحيب بها والالتزام كمنهج للتغيير يقطع الطريق على الطرق الغير المشروعة، كما أنها منهج للحكم لا يقصي أي تيار أو صاحب فكرة، وذلك على أساس مبدإ المواطنة وما تخوله لكل المواطنين من حقوق متساوية بما يرفع كل دعوى وصاية على الناس ولا يبقى للسلطة ولتداولها من مصدر غير الاقتراع العام والقبول بنتائجه باعتباره المترجم الوحيد عن إرادة الشعب. إن هذا الطرح المتوازن لا يحتاج إلي بعد ديني يخرجه عن إطاره الإنساني العادي ليجعل منه تمثلا للحق المطلق، الذي يشكل صدمة لشركاء العملية الديمقراطية عندما يكتشفون تمثل الإسلاميين قواعد اللعبة السياسية وما بها من مراوغات تتناقض مع طهر المبادئ التي دخل بها الإسلاميون وراهنوا عليها، لتبدأ حملة التشكيك المضادة ويحاسب أولـــئك الساسة الإسلاميون على جريمة خرق الفضاء القدسي الذي رسموا من خلاله أحلام جمهورهم، ويرجع هذا للبعد الديني في المسألة السياسية لا بوصفه فضاء مشتركا بين الجميع يجب المساواة فيه ولكن بوصفه معيارا كلف هؤلاء الساسة أنفسهم الخضوع له.

ومثل العملية الديمقراطية يتم تفصيل البرامج السياسية بكل تجلياتها من خلال البعد الديني بدءا بالوعود الانتخابية وانتهاء بشخصية المرشح. لتكون المحصلة النهائية محاكمة الإخفاقات السياسية على اعتبار أنها آثام شرعية يدفع المشروع الإسلامي ضريبتها، في حين أن ترشيدا بسيطا للخطاب السياسي وتنقيته من الشحن الديني وتنزيل الأشخاص منزلتهم الحقيقية مع التقدم ببرامج يشفع لها وضوحها و واقعيتها وقابليتها للتطبيق بالوسائل المتاحة تنطلق من مبادئ اقتصادية سليمة وتراعي حدود البلد و إمكانياته .

إن رهن المشروع الفكري السياسي الإسلامي لنموذج سياسي محدد يعتبر خطأ منهجيا، ترتكبه أغلب الحركات والتيارات الإسلامية ، سعيا منها إلى التميز الإيديولوجي عن بقية المشاريع السياسية، أكثر منه تمثلا لمشروع متميز فعلا.

لقد أدى رهن مشاريع فكرية سياسية كبيرة كالمشروع الشيوعي أو الاشتراكي أو القومي إلى أنظمة حكم تطبق برامج سياسية متقلبة تتحكم بها زمرة مستبدة إلى زوال هذه المشاريع الفكرية بزوال هذه الأنظمة في حين نجد المشروع الفكري السياسي الغربي حافظ على وجوده كنموذج على الاستقرار رغم تباين تطبيقاته في الدول الغربية، لأنه لم يرهن نفسه لنظام سياسي محدد فقد تمثله الفاشيون واليمين المتطرف ومختلف الأنظمة السياسية التي زالت بفعل فسادها ليظل هو نموذجا للبقاء والاستمرار بل واكتساب القدرة على تصحيح المسار.

----------

1- د.نصر حامد أبو زيد مقدما لكتاب فرانسوا بورجا"الإسلام السياسي صوت الجنوب" مرجع سابق، ص، 10

2- الحديث يقول رسول الله صلى الله وسلم "( يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ ) رواه الترمذي (2260) . صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (957"


* سليمان محمد سدينا، مدرب دولي وباحث في العلوم السياسية

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة