You are here:الرئيسية>دول عربية>دول>الأردن>دساتير وقوانين - الأردن

ميلاد الحراثي - شمال أفريقيا وقضايا التحول الديمقراطي

الثلاثاء، 24 حزيران/يونيو 2014 عدد القراءات 2031 مرة
الكاتب  ميلاد الحراثي

إن التطلع إلي مسألة الديمقراطية في اقطار شمال افريقيا الثائرة، أصبح من القضايا المشتركة لكل الساكنة فيها، صحيح إن كل قبيلة او عشيرة وشريحة نخبوية تفهم بطريقة قد تتميز عن فهم الآخرين من الساكنة الليبية، ولكن الجميع علي استعداد للتطلع، ومن مواقع متعددة، إلي الديمقراطية، ذلك المصطلح والمفهوم المستورد والغير متواجد في لغتنا وثقافتنا العربية! ولكن نقبله لأننا في عصر لا نملك التأثير فيه.

التعبيرات عن الديمقراطية في هذه الاقطار متفاوتة، وجديدة عن هذا التطلع المستحدث في ساحة التداول الديمقراطي فيها، بالرغم من تمتع بعضها للمؤسساتية، لكنها تعبيرات تهدف إلي قيام الإصلاحات السياسية والاجتماعية والاقتصادية ودستوريتها، من أجل استبعاد آليات الانقضاض ومصادرة الحقوق والحريات، إن كانت انقلابا سياسيا أو عسكرياَ.

بالطبيعة، فان هذه الضرورة ليست بدون أثمان وبدون خسائر، وإنما التغيير يقتضى دفع الثمن الوطني للوصول إلي ذلك. بمعني أخر استمرار الأوضاع علي حالها في الحالة الليبية مثلا، سيكلف الجميع خسائر فادحة، وأثمان باهظة الثمن. بينما الانخراط في مشروع وطني جماعي فأنه لن يكلف الليبيين خسائر فادحة، وهو الثمن الذي ينبغي أن يدفع في اى ثورة ربانية وتجديدية. هذه المجتمعات مارست حقوقها المغتصبة من طرف الدولة التسلطية وهي جزء من الموجة الديمقراطية الثالثة، والتي يعيشها الوطن العربي، تدفع هذه المجتمعات إلي بلورة خيارها التحولي الديموقراطي في مجالها الوطني. لذلك التأكيد علي وجودها الديمقراطي في المشهد العالمي والعربي حديث له شجون:

الوعي بالفعل الديمقراطي:

الهبة الربانية التي اجتاحت الاقليم ونجاحاتها مرهون إلي حد كبير علي مدي انتشار الوعي الديمقراطي المتحضر والمتزن، وغير المنحاز إلي ثقافة العقل السبعيني والثمانيني والتسعيني من القرن الماضي. انه العمق والوعي بما هي فيه من ضرورتها، ودورها في وخروجها السلمي من المآزق ألكبري التي تعانيها علي مختلف الُصُعد والمجالات.

الوعي الديمقراطي يبدأ بالاهتمام بكثافة واليات وطرق ومنهجية إدارة أمورنا وقضايانا، بمعني مدي انسجام سلوكنا الوطني، العام والخاص، مع متطلبات المشهد الديمقراطي الوطني. وتظل مهمة النخب "الوطنية" في هذه الاقطار والمؤمنة بنتائج الديمقراطية، وإفرازاتها هو العمل علي تعميم هذا الوعي وتعميقه بمختلف الوسائل والأدوات المجتمعية.

ثقافية الديمقراطية:

إذا الواقع الوطني يحتاج إلي تخليق معمار لثقافية الديمقراطية في اقطار شمال افريقيا الثائرة، ركيزته القيم الكبيرة والحاضنة للشأن والوعاء الديمقراطي المنشود، وإلي قيم ثقافة عملية تحترم الأخر بكل تجلياته وعناوينه، وتسعي إلي تأكيد قيم التنوع والاختلاف والتعدد ألمواطني، حقوقا وواجبات.

للديمقراطية بوابة، يعرفها الجميع، وهي تجذير الخيار الوطني في ثقافية الديمقراطية في الواقع المجتمعي، وذلك لان الديمقراطية أسلوب للحياة ولتلاقي المختلف مع غير المختلف، وهي ليست شكلا سياسيا أو إجراء قانوني، أو الاستيلاء علي المغانم، أو تغيير إفراد واستجلاب إفراد جُدد فحسب، وإنما هي، قبل كل شىئ، ثقافية تقبل المُغاير وتحترمه، تؤمن به بأن الحقيقة الإنسانية للسياسة نسبية، ولا يمكن احتكارها من أي طرف، طال الزمن أو قصر.

وثقافية الديمقراطية المنشودة في هذه الاقطار هي ثقافة تُشجع وتدفع الكل للمشاركة في المجال الوطني والسياسي، باعتباره مجالا عاما وليس خاصا، ومن حق المواطنة إن تشارك فيه، وتتبوأ مواقع الإفراز والتقدم الديمقراطي. الوضع الحالي لا يزال يحتاج إلي ثقافية عملية للتحول الديمقراطي وبشكل مستمر، من اجل البحث عن المزيد من الروافد للواقع المتأزم وتصورات ناضجة تعمل علي احتضان الخيار الديمقراطي، وتدافع عنه ضد الأنانية والجهوية والنزاعات الشوفينية والقبلية التي تحول دون تطوير المشهد الديمقراطي الوطني في مجتمعنا الصاعد.

الإرادة و ثقافية الديمقراطية:

التحول الديمقراطي في أي كيان مجتمعي قائم لا يمكن انجازه صدفة أو بعيداَ عن الإرادة الوطنية، بل هو وليد مخاض مواطني وللجهد نحو الانجاز لهذا التحول. انه وليد لإرادة الإنسان الباحث عن التغيير والرافض والمقاوم لكل الاحباطات والمؤامرات، ضد إرادة التغيير، والتي منها تتم ولادة عملية التحول الديمقراطي. إرادة التغيير ليست حكرا علي فئة نخبوية أو جمعوية أو طائفية أو قبلية، أو حني طبقة المحاربين، فهي الدور المركزي في كل المجتمعات التي مرت بالتحولات ألكبري.

الإيمان بتفضيل الأنظمة الديمقراطية علي أنظمة الاستبداد والقمع والديكتاتورية لا يكفي، وإنما ثقافية الديمقراطية لا تزال بحاجة إلي إرادة التغيير والفعل الحقيق التي تمتلك الاستعدادات الوطنية المخلصة لترجمة التضحيات، ومجابهة ثقافية الخنوع والاستبداد والفردانية السياسية.

أنها الإرادة الاجتماعية (Social Will) تعمل مخلصة لصالح التحول الديمقراطي وإدراك أهميته. التحول الديمقراطي لا يتحقق بالخطب الرنانة وتعطيل المصالح والمظاهرات والاعتصامات والشعارات المستلفة من القرن الماضي، بل من خلال التواصلية والمصالحة مع الوطن، يتجه نحو المأسسة للبني التحتية للمشهد الديمقراطي وواقعه المجتمعي.

وفي ظل غياب السالف الذكر من المنطق، فالتحول الديمقراطي سوف لن يتم بعيدا عن الإرادة الاجتماعية والشعبية للمواطنة، لأنها سوف تفتقد إلي العمق السياسي والوطني والذي يُجذر قواعدها، لا يمكن بعدها والتراجع عن خياراتها. ألديمقراطية كما أسلفنا مشروع اجتماعي بواجهات سياسية،(Social Enterprise) تستبعد في مشهديتها مظاهر الانقلاب السياسي أو الاستيلاء علي السلطة بقوة السلاح، الأمر الذي يعرقل استمرار دولة القانون وتأمين الحريات الافتراضية، وقيام أحزاب متنافسة، وبناء توافقية اجتماعية-سياسية كحد مقبول لفكرة التداول السلمي للسلطة.

هذه المجتمعات الفتية في أمس الحاجة إلي الامتزاج العاقل الرشيد بين هذه المنظومة من قيم التحول والتغير الاجتماعي، يوفر إمكانيات الصعود في خطوات عملية في مشروع وطني ديمقراطي. ممارسة التغيير المجتمعي ليس الكل يمتلك مقوماتها، لأنها تتطلب وعيها وعمقها وقبول نتائجها، ثقافية تعمل علي ترجمة الوعي بالتحول والتغيير إلي برامج مشرعنة سلوكا وعقيدة. والأمر ليس كذلك وبهذه البساطة، فالأمر يتطلب إلي المزيد من التراكم من العمل المضني الصادق السياسي والاجتماعي والحضري، لكي تتحول ثقافية الديمقراطية إلي كثافة وسلوك إلي جزء لا يتجزأ من النسيج المجتمعي بكل عناوينه ومشاربه. إذا الوعي والإرادة وثقافية الديمقراطية دروب لابد من الوعي بها.

شمال افريقيا الثائر وجدلية الحرية والقوة

ما يجري في ألان من مخاض بعد الثورات الثلاث أنهي في وفترة قصيرة حكم الفرد الواحد الحاكم والأوحد في رسم صور المستقبل لهذه الشعوب. هذا المخاض لا يزال يثير العديد من الأسئلة المتعلقة بتاريخ وطبيعة القوة، التي تمتلكها الحكومات والنظم السياسية، التي تتبجح بقوتها الأمنية والعسكريتارية، وقدرتها الدائمة علي إنهاء اى انتفاضة أو أي هبة شعبية في ثواني قليلة.

إن الهبة التي قادتها المواطنة في كل من مصر وتونس وليبيا بكل أيامها وتطوراتها، ألغت كل ما تم التعامل معه بوصفه بديهية سياسية، التي لا يمكن تجاوز تأثيراتها. فثورة الشهيد الليبية وثورة ميدان التحرير المصرية وثورة البوعزيزي التونسية أعادت الاعتبار إلي دور المواطنة في هذه الاقطار، وأهميتها في صنع وصياغة وضعها المستقبلي.

فكبت وتكميم الأفواه والاستبداد، ضد قوي الحراك الاجتماعي والمدني والتي ضد المغاير من الرؤى والفكر والتطلع للانظمة التسلطية التي كانت سائدة، لم تتمكن كل هذه الوسائل من إنهاء دور المواطنة. نعم إن جبروت سلطة الدولة التسلطية قد تتمكن في فترة زمنية من إنهاء كل مكامن التغيير، ولكن قدرتها تبقي مؤقتة. وحينما تتمكن المواطنة من كسر حاجز الخوف والرهبة، فان كل الأسلحة الاخري، لن تتمكن من التأثير في المواطنة الواعية، حتى ولو لم تمتلك شيء للدفاع عن نفسها.

قوة الدولة التسلطية نعم مأهولة بالرغم من هرم واضمحلال وخور، ولكن حينما المواطنة تكسر حاجز الخوف، وتحذف من عقلها إمكانية إن تفرض عليها تلك الدولة التسلطية أجهزتها القمعية، حينذاك ستتمكن المواطنة المظلومة إن تجترح المعجزات.

لذلك في تجربة الدولة التسلطية كما قررتها التجربة المصرية والليبية والتونسية، هو كسر حواجز الخوف. لان كل أجهزة التسلط والقمع ومهما أوتيت من قوة وجاه، فأنها لن تتمكن من الصمود إمام المواطنة القادرة علي تجاوز رياح الخوف، وصممت علي المواجهة.

إن ما جري في هذه الاقطار هو إن الفئات الشبابية، في ظل التعداد السكاني السابق لسنة 2005 إنها تصل إلي ما نسبته 75% من مجموع عدد سكان ليبيا، وفي مصر وتونس تزداد القوة الفتية الشبابية، وان هذه المجتمعات فتية التكوين، بسبب طبيعة مكونها الديموغرافي، وهي التي قادت التغيير. أنها الفئات الشبابية المسحوقة والمهانة في رزقها وكرامتها، وليس لها إلا تجاوز حواجز الخوف، وقررت الوقوف والاحتجاج ضد كل ما يمس كرامتها ومستقبلها.

ان ما يميز هذه الثورات لم تكن مؤدلجة، أو تحت قيادة تيارات إيديولوجية أو سياسية، يسارية أو يمنية متطرفة، وإنما مشروع اجتماعي سياسى وطني، عبرت فيه المواطنة الفتيةعن أمالها وآلامها المجتمعية بعيدا عن التأطير العقائدي الاستهلاكي المبتذل. وبكل الاعتقاد إن كل التنظيمات السياسية الوطنية في المهجر أو في الداخل لم تكن تتوقع ما حصل في بلدانها، وإنما هي التي التحقت بحركة الشارع العربي وتفاعلت معه.

لابد من الإقرار إن المواطنة في هذه الاقطار قد سبقت كل التنظيمات السرية العلنية فيها، وهي التي قادت مبادرات التغيير منذ اليوم الأول من إطلاق شرارتها. لذلك الإنصات إلي المواطنة وتلبية حاجاتها، هي البيئة المناسبة لتخليق القوة بمعاني الحرية القادرة علي إحداث التغيير وتحقيق المشروع الوطني.

لذلك نعتقد إن قوة الدولة الوطنية المستقلة ليس في امتلاكها للأجهزة الأمنية القوية (وشاهدنا كيف تلك الأجهزة سقطت في أول شرارة، في معظم مناطق مصر وتونس وليبيا) والمتغطرسة، وإنما القوة الحقيقية تكمن في مدي انسجام إرادة الدولة مع إرادة مجتمعها، وحين يكون المجتمع هو الذي خلق دولته، وعندما تعمل الدولة كخادم للمجتمع والمواطنة.

وعندما تتناقض الإرادات وتبتعد الدولة عن المواطنة، حينذاك ستكون العلاقة المتبادلة بين الطرفين هي علاقة أمنية وقمعية ومنعية، الأمر الذي يؤدي إلي المزيد من التباعد بين الطرفين. وعندما تصل علاقة المواطنة مع دولتها إلي هذا من النفور، لأنها مهما كان عنفها وغطرستها متهرئة وهرمة من الداخل كما حصل في حالات تونس ومصر وليبيا، ليس للمواطنة من خيار إلا النزول الي الشارع.

القوة الحقيقية دائما مرهونة بمدي الانسجام بين الخيارين المجتمعي والدولاتي. ومن هنا فأن السكوت علي الفساد ورفض المعيارية الشفافة للمواطنة، فدولة المواطنة ائلة الي السقوط، لأنها ابتعدت عن الاهتمام برزق المواطنة وأمنها الاجتماعي والاقتصادي، في الوقت الذي فيه أنها من صلب اهتماماتها.

إن سكوت النظام السياسي وصمته المستمر عن إفساد الذمم وشرائها، والرشاوى كسياسة وطنية، وتشجيع النهب المالي وإعدام القروض، ومنح الاعتمادات المزاجية، وتهريب العملة، والتعامل معهم من خلال مواقعهم في جسم الدولة بالعمولات، يقود حتما إلي سقوط الدولة الحاضنة للفساد باختلاف أنواعه. ففي ليبيا وتونس ومصر لم انظمتها لم تتواني في السماح لإطرافها بممارسة الفساد والاستفادة من قوة الدولة وسلطاتها والاستفادة من السلطة في عمليات الإثراء غير المشروع.

وبالنتيجة إن نموذج الدولة التسلطية المنهار في هذه الاقطار لا تزال تتحمل وزر وتداعيات ملف الفساد، الأمر الذي قاد إلي تفاقم ملف الفوارق الاجتماعية والطبقية واحتكار الثروة وزيادة معدلات الفقر. هذه هي دلالات القوة والحرية في حالة دول شمال افريقيا الثائرة.

كلمات لكنها لا تحتاج إلي تثنية:

الذين قادوا التغيير في هذه الاقطار، لم يتم تأطيرهم في أيديولوجيات نافقه ومغلقة، ولم يتربوا في خلايا لممارسة التخريب المجتمعي، وإنما حركهم الوعي الوطني ورفعوا شعارات "الحرية" "والمشاركة في صنع همهم الوطني" "والكرامة" ورفضهم للفردانية السياسية والفكرية لقيادة مجتمعهم، ورفض إيوائهم في ألسجون بعيدا عن السجال العقائدي المتعلق بالمفاهيم السابقة الذكر، فعبروا عن ذاتهم والذات الوطنية، وما يختلج في صدر وطنهم وعقله، فكانت تلك اللحظة التاريخية الاستثنائية للتاريخ السياسي لشعوب شمال افريقيا الثائرة، التي أدخلتها إلي حركة التاريخ. فالمواطنة فيها التي حملت لواء التغيير الاجتماعي، وخرجت إلي الشوارع والميادين وفي القرى والأرياف والنجوع والمدن، وبلورة مطالبها في التغيير، هي التي قادت مشعل التحول والتغيير، وهي التي فكت ارتباطها مع كل مؤسسات الأبحاث والدراسات لمقولات الإصلاح والثورة.

فالتغيير تحقق في هذه الاقطار دون سيطرة احد علي احد، فقامت انتفاضة ليس هناك من يدعي قيادتها أو ملكيتها، لأنها هبة لا احد يمتلك تبني انجازها، ولا يمتلك صكوك ولادة قيامها، ولأنها تعمل علي رفع الظلم والاستبداد وتفكيك مخزن الاستئثار والاحتكار السياسي. لذلك التاريخ سوف يحتضنها كهبة ربانية.
---------------------
الدكتور ميلاد مفتاح الحراثي- أستاذ العلوم السياسية بجامعة بنغازي - ليبيا.


المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة