You are here:الرئيسية>روابط>مواقع فكرية

كارثة أزمة مالي على أمن مصر القومي

الثلاثاء، 24 حزيران/يونيو 2014 عدد القراءات 1972 مرة
الكاتب  كريم حسين

كارثة أزمة مالي على أمن مصر القومي
(حرب فرنسا على مالي .. إعادة غزو العالم الإسلامي.. الركن الأفريقي)

ألاحظ مع أي خطاب للرئيس المصري تجاه قضية في محيطنا الإقليمي من غزة إلى سوريا وأخيراً مالي يكون التهكم والسخرية من البعض مرددين انه يترك الأزمات الداخلية واحتياجات شعبه ليتحدث عن أمور لشعوب أخرى وبما يخدم أهله وعشيرته (في إشارة لجماعة الإخوان المسلمين او لعله التيار الإسلامي بشكل عام) , وهنا أنا لا انكر الأزمات الداخلية ولا ادافع عن الرئيس , لكن من البديهيات أياً ما كان الوضع الداخلي ان يكون من المهام الرئيسية للرئيس أمن حدود الوطن وإعادة بناء مكانته وصورته الخارجية الفاعلة في محيطها الإقليمي والدولي, وانه لا يمكن ان نربط بين خطاب حماسي في أزمة غزة ودعماً لشعب سوريا المناضل لحريته ورفض العدوان الفرنسي على مالي ان يكون هذا عيباً نهاجمه عليه بل على العكس هذا أقل القليل الذي يمكن لرئيس مصر الثورة التحررية ومصر التاريخ من خطاب رسمي يوضح فيه الموقف الرسمي لنصرة الحق والعدل والحرية والكرامة الإنسانية وأمننا وطننا وإقليمنا.

وهنا أركز على أزمة مالي والتي كانت أزمة منذ عدة أشهر أثناء الحديث عن احتمال توجيه ضربة عسكرية إليها والنقاش حول إمكانية حل سلمي وهو ما كان يحدث وتسير الامور في اتجاهه لولا انفراد فرنسا باستكبارها بتوجيه ضربة عسكرية منفردة لترسخ على الأرض أمراً واقعاً على الجميع ان يتعامل معه.

شعب مصر وشبابها المخلص الذي قام بثورة عظيمة كتبت لجيلنا في تاريخ البشرية علينا ان نعي مفهوم أمن قومي مصري ومحيطنا الإقليمي الذي فيه يبدأ تأثيرنا وبناء مكانتنا ونمائنا الاقتصادي والثقافي ونفوذنا التاريخي, إن نظريات الأمن القومي المصري التي تستطيعون ان تسألوا عنها أي ضابط وجندي مصري في الجيش لابد أن يدرسها فهي تاريخياً تقول ان أمن مصر دائماً ما يهدد عبر الشرق منذ الهكسوس وحتى قيام دولة إسرائيل وحروبها ضدنا واستنزافها المستمر لطاقاتنا والذي يؤثر على قدرتنا في التنمية الداخلية والتأثير الإقليمي, وتتحدث كذلك النظريات مجالنا الحيوي الجنوبي حيث منابع النيل وان التهديد المحتمل منه لا يمكن انتظاره فهو امر يتعلق بالماء وحياة الشعب المصري، أما الجبهة الغربية المصرية حيث الصحراء الأفريقية الكبرى التي تبدأ بليبيا وتمر بدولاً كمالي والنيجر وتشاد وموريتانيا فإنها غالباً ما تكون جبهة آمنة وبالتالي غالباً ما كانت توجه جهودنا الأمنية تجاه الشرق ثم الجنوب إلا ان الفشل الإداري للقيادة والنظام المصري الذي حكم مصر في ظل حملة دولية لإعادة تطويقنا أدى إلى فشلنا في الجبهة الشرقية والجنوبية ولم يبقى لنا إلا الجبهة الغربية للاستناد عليها لكسر محاولة تطويقنا والآن نرى ما يجري في مالي ومن قبله عملية تسييل ليبيا فأصبحت الجبهة الغربية من أخطر الجبهات الامنية لكننا لا نعي هذا .

شعب مصر العظيم وشبابها الثائر جميعنا يتفق على فشل الإدارة المصرية للنظام السابق داخلياً وخارجياً إلا إنني أشير إلى المشروعات الدولية التي ضربت إقليمنا لتطويقنا في العقد الماضي لنرى خطورة الأمر فكان اولها مشروع الشرق الأوسط الكبير العملية العسكرية الامريكية لأفغانستان ثم العراق وتطويقنا من الجبهة الشرقية ولتأمين وتعزيز قدرة إسرائيل في إقليمنا وهو امر لابد أن يتواجد به مصالح اقتصادية نفطية كما تعلمون والقاعدة الذهبية الغربية ان التواجد العسكري هو اهم شيئ لتامين مصالحهم على الأرض خاصة ونحن نرى الصعود الاقتصادي للصين ومد نفوذها الاقتصادي لهذه المناطق لم يكن لنظم غربية مواجهته اقتصادياً إلا بالتواجد العسكري المباشر محاولة لتأمين وإحكام السيطرة على تلك الموارد والتحكم في التصرف فيها كما يشاءون .

قبيل مشروع الشرق الأوسط الكبير كان مشروعاً آخر تم تدشينه اسمه القرن الأفريقي الكبير الذي يهدف إلى إحكام السيطرة على البحر الأحمر وثرواته التي تصل حتى جنوب السودان فقد ربط المشروع بين الصومالي وحتى جنوب السودان وكان من نتائجه وعمله الممنهج أدى إلى انفصال جنوب السودان , والذي اعقبه توافد لخبراء عسكريين أمريكيين وبالقطع نعرف التنسيق الامني الأمريكي الإسرائيلي, ومع بدأ إعلان دولة جنوب السودان كنت أضحك باكياً على تصريحات المسئوليين الجنوبيين من انهم مع القضايا العربية ولن يتعرضوا لامن مصر على حساب علاقة مع إسرائيل , ثم رأينا زخم الزيارات والتعاون الإسرائيلي مع جنوب السودان خاصة الامني وهو ما يعنيني في مداخلتي هنا , ولعلني أربط هذا مباشرة مع تصريحات كبار مسئولين إثيوبيين بطريقة غير مبررة وفجاءة بعد إعلان دولةجنوب السودان من ان مصر لن تستطيع الدخول في حرب مع إثيوبيا وقد تعجب الكثيرين من هذا الكلام الغريب دون سابق إنذار, لكن الامر استراتيجي وامني بمعنى ان المسألة تتعلق بالقدرة بمعنى أن امتداد مصر الجنوبي في السودان وقدرتها لنقل قوات برية جنوباً من الناحية النظرية كان يصلح في الماضي عندما كانت السودان واحد أما الآن فأصبح بينهم وبين مصر دولة أخرى تميل للموقف الجنوبي الامني وتاريخياً نقلت قاتلت قوات مصرية في تلك المنطقة لتامين منابع النيل كما نعرف جميعاً, كل هذه التصريحات والامور تسارعت وتيرتها في محيطنا الإقليمي مع بداية ثورتنا ومرحلتها الانتقالية التي لم تنتهي وانشغالنا بالداخل على حساب ثوابت أمننا القومي، بل أصل إلى أبعد من ذلك غن أردتم فلتعودوا إلى ذاكرة الصفحات الإلكتروينة لتروا أن ساركوزي رئيس فرنسا السابق زار اثيوبيا في 25 يناير 2011 أي يوم اندلاع الثورة المصرية لتستشعروا العلاقة الأمنية بين كل هؤلاء على حساب أمننا القومي فبدءاً من السودان غرباً وحتى دول الشريط الصحراوي الأفريقي بدوله كان يطلق عليه في الحقبة الاستعمارية السودان الفرنسي فلنا أن نرى موقع فرنسا من الاحداث وعلاقتها بامن مصر القومي, فمصر تاريخياً كان لها دوراً كبيراً بمكانتها وإمكاناتها من نقل ثقافة عربية إسلامية إلى تلك الصحراء أدت إلى تأسيس ممالك إسلامية تتحدث اللغة العربية كان من بين مراكزها مالي ثقافياً واقتصادياً بل وعسكريا وسياسياً لذا فإن فرنسا سعت في سياستها الاستعمارية التاريخية ان تمحو كل أثراً عربي وأن تتغلغل بثقافتها بلاقوة العسكرية لتفرضها على شعوب هذه المنطقة إلا أنه مازالت الاطر التقليدية الأفريقي في تلك المناطق من قبائل وعلماء وتجار يعرفون قدر مصر وارتباطهم التاريخي بها.

مشروعاً جديداً يضرب جبهة أمننا القومي من الناحية الغربية ويمتد لشمالنا في البحر المتوسط ليكون التطويق لمصر كاملاً تمهيداً لاحتواء نفوذنا التاريخي بل وضربنا عسكرياً إذا اقتضى الامر وقد يسبق هذا حصار اقتصادياً فأي مشروع دولي استراتيجي لابد أن يمكن لمصالحه تدريجياً لتصل إلى الذروة في مناطق حيوية له, إننا الىن أمام مشروع جديد لا يعرف عنه كثير ليس فقط من الناس بل من المفكرين والباحثين, مشروع البحر المتوسط الكبير وهو ذلك المشروع الذي يربط امن البحر المتوسط بامن الصحراء الأفريقية الكبرى، هو ذلك المشروع الذي تقوده فرنسا وتم الإعلان عنه قبل عام، هو ذلك المشروع الذي يهدف لإيجاد تواجد عسكري مباشر في منطقة الصحراء الأفريقية الكبرى لتأمين مشروع خط الغاز العابر للصحراء من شمال نيجيريا مروراً بالصحراء الأفريقية الكبرى ودولها كالنيجر ومالي إلى ان يصل للجزائر ومنه إلى أوربا, إنه ذلك المشروع الذي يؤمن مشروعات اقتصادية أخرى كمشروع توليد الكهرباء من الصحراء الذي يبدأ من غرب مصر حتى يصل إلى مالي , هو ذلك المشروع الذي يؤمن بقاء احتياطي يورانيوم النيجر تحت الهيمنة الفرنسية في مواجهة الزحف الصيني, هو ذلك المشروع الذي يحافظ على بقاء ثروات غير مكتشفة في الصحراء الأفريقية الكبرى اكتشفها باحثون صينيون إلا ان فرنسا تريد بقاء هذه الثروات التي تسرقها دون ان يعلم أحد او تريدها كاحتياطي لها في المستقبل, حتى إن تلك الصحراء التي يسخر منها الكثيرين بها مناجم للذهب واحتياطي من النفط والغاز.

من الممكن ان نتفق او نختلف حول ما يسمى بالمجموعات الإسلامية المسلحة في تلك المنطقة إلا إنني على قناعة انه يمكن احتواء الجماعات المسلحة أياً ما كان توجهها عبر الإطار الإقليمي الأفريقي واغلب هذه الحركات سواء في مالي أو حتى في نيجيريا والصومال إنما تحمل مطالب سياسية واقتصادية وتمردهم جاء من التهميش ومرجعيتهم الإسلامية طبيعية نتجية للجذور الإسلامية الحاضرة في تلك المنطقة بل لابد ان نفرق بين هذه الجماعات وبين تنظيم دولي فيما يسمى القاعدة أرى ان هناك مبالغات حوله بهدف إعطاء مبرر للتدخلات الاجنبية وحتى هذا التنظيم في رأيي يمكن احتوائه بجهود إقليمية فنحن نعيش في دولاً لديها قدرات عسكرية واقتصادية وثقافية وحضارية إلا أن التدخل العسكري الغربي في إقليمنا هو ما يدفع إلى مزيد من التطرف بل ويؤدي إلى عموم الفوضى في إقليمنا وهو ما يريدوه كما حدث في الصومال حتى يستمر سبب تواجدهم وهو أمر معروف يستطيع ان يقوله أبسط المحللين السياسيين .

خلاصة القول إن ما يحدث في مالي هو كارثة على أمننا القومي وإن كنا في الماضي بعد نكسة 1976 استطعنا أن ندرب قواتنا في السودان امتدادنا الامني الجنوبي ولم ينسى اعدائنا ذلك وفعلوا ما فعلوا في السودان فإن هذه الصحراء الأفريقية الكبرى نستطيع عبرها وعبر ثرواتها الطبيعية من انهار ورعي وغيرها نستطيع الإرتكاز عليها لبناء نماء ومكانة لمصر لذا لا تستهينوا بمالي وتقولون وأنا مالي فالهم هنا مصري مصري مصري.

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

** كريم حسين - باحث في الشأن الأفريقي.

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة