You are here:الرئيسية>نوافذ الباحثين>نوافذ الباحثين

تسليح ( المجتمع الأعزل) في الشرق الأوسط الجديد

الإثنين، 02 آذار/مارس 2015 عدد القراءات 2989 مرة
الكاتب  فاضل الربيعي

كيف يجري ( تسليح المجتمع الأعزل )؟ إن مراجعة وقائع تجربة احتلال العراق عام 2003 ، سوف تبيّن بجلاء حدود ووظائف هذه الاستراتيجية التي طبقتها الولايات المتحدة الأمريكية في وقت مبكر، وقد تساعد في فهم استرتيجية التفكيك المتوحش؛ إذ قام الأمريكيون بأول وأكبر اختبار ميداني لإمكانية إحداث صدام طائفي عنيف في الشرق الأوسط، يترافق ويتلازم مع ارتكاب جرائم قتل وحشية ضد كل الطوائف. كان المجتمع العراقي تحت حكم الرئيس الأسبق صدام حسين مجتمعاً أعزل، تمّ تجريد أفراده وقواه وركائزه الاجتماعية كلياً من السلاح. وكان السلاح بطبيعة الحال،حكراً على الدولة وحدها. وهذا هو الوضع الطبيعي في كل بلدان المنطقة. وبصرف النظر عن توصيفنا لهذه السلطة أو تلك بأنها ديمقراطية أو دكتاتورية، فقد كانت مجتمعات المنطقة بمجملها، تتصف بكونها مجتمعات مجرّدة من السلاح، لأن الدولة لعبت دور الضامن في تسوية وضبط التناقضات العنيفة. فكيف حدث هذا التحوّل وما هي وظائفه؟ قبيل الاحتلال بأشهر، قام الأميركيون بتدريب ما يزيد على عشرة آلاف عراقي معارض، داخل معسكرات سرية في بودابست (هنغاريا)،ثم في وارسو (بولونيا). وفي وقت لاحق، جرى توزيعهم على شكل مجموعات صغيرة زاد عددها عن 44 مجموعة، سوف تعُرف في الإعلام الأمريكي باسم ( مقاتلون من أجل الحرية) ثم، ومع الاحتلال باسم «فرق الموت». وبعد وقت قصير فقط من سقوط العاصمة العراقية، كان هؤلاء يديرون عمليات القتل والخطف والسلب التي شهدتها بغداد والمدن العراقية الأخرى.

ويكشف كل من الكاتب الأميركي ماكس فولر في مقال نشره على شبكة الإنترنت، في 10 تشرين الثاني (نوفمبر) 2005 وتحت عنوان (Media Disinformation and Death Squads in Occupied Iraq التضليل الاعلامي وفرق الموت في العراق المحتل) والضابط السابق وعضو الكونغرس جون مارتا، والكاتب الأمريكي روبرت درايفوس في مقالته الرائعة «وحوشنا في العراق Our Monsters in Iraq » أن «فرق الموت» كانت مجموعات مسلحة ظل الأميركيون يديرونها طوال الفترة من 2004-2006 لتفجير العنف الطائفي، أي لنقل المجتمع العراقي نهائيا من ( العزلة ) إلى ( التسلح).

كانت ( فرق الموت ) هي الخميرة اللازمة لإنضاج عملية ( تسليح المجتمع الأعزل) ونقله إلى طور جديد من تشكلّه، وبحيث يصبح مجتمع محاربين ينغمسون لوقت طويل في حروب داخلية ومعارك لا سبيل لوقفها. منذ اليوم الأول للاحتلال، تدفقت ( الوحوش ) المدّربة في بودابست ووارشو إلى شوارع بغداد، وراحت تفترس العراقيين في كل مكان. وللمرة الأولى، شاهد العراقيون أنماطاً غير مألوفة من جرائم القتل، قطع رؤوس، شواء الجثث، تقطيع الضحايا ورميهم في براميل النفايات. إن التاريخ الجنائي العراقي لا يعرف هذا النمط من الجرائم العشوائية ضد الأبرياء . لقد كانت هناك جرائم من نوع غير مألوف. ها هو ( مجتمع مسلح) يظهر فجأة ليفتك ب(مجتمع أعزل).وسرعان ما تضاعف عدد المنتسبين إلى فرق الموت، خلال سنوات الاحتلال الأولى وزادت عن 20 الفاً، قام الأمريكيون بتوزيعهم على النحو التالي: الأفراد (الشيعة) سوف يرتدون ملابس الشرطة ويصبحون جزء من وزارة الداخلية ( التي يديرها وزير شيعي ). وعليهم أن يقوموا بأعمال القتل والخطف والتفجير في المناطق السنية فقط. أما الأفراد ( السنة ) فيرتدون ملابس الجيش العراقي ويصبحون جزء من وزارة الدفاع التي يديرها وزير (سني) وعليهم أن يقوموا بأعمال القتل والخطف والتفجير في مناطق الشيعة فقط. لقد أخفى الأمريكيون هذه المجموعات داخل وزارتي الداخلية والدفاع بطريقة بارعة، وتمكنوا من حمايتها بأساليب معقدّة.وقد كشف النقاب في وقت تالٍ عن وجود مستشارين عسكريين أميركيين في الوزارتين، كانوا يعملون فعلياً تحت إمرة نيغروبونتي الذي أصبح سفير واشنطن في بغداد، وهو صاحب تجربة (فرق الموت) في السلفادور.طبقّ نغروبونتي - السفير وزعيم عصابات فرق الموت في السفادور- تجربته الجديدة في العراق، ونجح في وقت قصير في دفع المجتمع العراقي بأسره نحو الهاوية، وتلاشت صورتة القديمة نهائياً كمجتمع أعزل، مع تلاشي الدولة واضمحلال دور مؤسساتها، حتى تلك التي اعيد ترميمها جزئياً مثل قوات الأمن أو جهاز مكافحة الإرهاب، لم تكن قادرة على ضبط إيقاع العنف المتفجرّ، وبدا أن تحوّل المجتمع العراقي إلى ( مجتمع محاربين) بات أشبه بقدر روماني أسطوري.

وهكذا، جرى على نحو غير مسبوق، تسارع في درجة ( تسلح) المجتمع، ولم يبق حزب واحد تقريباً إلا وشكل ( مليشيا) صغيرة أو كبيرة، بحجة حراسة المقرات والممتلكات أو الحمايات
الشخصية، ثم سرعان ما أتخذ التسلّح طابعاً جديداً مع انخراط العشائر في برنامج أمريكي عرف باسم ( البرنامج الأمريكي لتسليح العشائر) وهو ما أنتج تالياً ما عُرف ب( الصحوات) لمواجهة القاعدة. ومن الواضح أن استراتيجية التفكيك المتوحشّ، تطلبت في هذه المرحلة، خلق ( تصنيع ) فرق الموت، أي خلق (وحوش) واطلاقها في الشوارع، ثم العمل على تنظيم عملية ( تسليح المجتمع) عبر برنامج أمريكي رسمي بالتعاون مع الحكومة العراقية، يقتضي بالدرجة الأولى تسليح العشائر، وحتى الجماعات التي انخرطت في مقاومة الاحتلال الأمريكي.
في هذه الأجواء، ظهرت ( الوحوش الكاسرة).

اليوم، وبعد أن أدّت فرق الموت وظيفتها وكفتّ عن تبرير وجودها،تحللّت إلى عناصرها الأولية، لتعاود الظهور في أشكال جديدة أكثر شراسة وعنفاً. لم يعد الصراع محصوراً في مسرحه القديم: قتال طائفي شيعي- سنيّ؛ بل أصبح حرباً شاملة ينخرط فيها المجتمع بكل مذاهبه وطوائفه.

والآن لنبدأ بتحليل مراحل ( تسليح المحتمع الأعزل):
في المرحلة الأولى : جرى فعلياً، اعتباراً من حقبة ما قبل احتلال العراق وصولاً إلى 2004، خلق عدو محلي (ديني- مذهبي). لقد أطلق الأمريكيون ( وحوشهم ) في العراق، وتركوها تفترس الناس في الشوارع. أدّى ذلك وبسرعة إلى استنفار طائفي، وسعت كل طائفة إلى تسليح نفسها في مواجهة ( طائفة أخرى مسلحة). ولأن العنف كائن قابل للنموّ والتطور، فقد ولدت داخل المجتمعات الطائفية المسلحة الجديدة، جماعات جديدة تشكلت بسرعة وحظيت بدعم إقليمي. لم تعد هذه المجموعات مجرد مجموعات محلية تصارع مجموعات محلية أخرى؛ بل أصبحت أذرعاً محلية لقوى إقلييمة- دولية. وهذا بالضبط ما سعت إليه واشنطن ورغبت في رؤيته، أي تحوّل الحالة المحلية إلى حالة إقليمية .لقد ولدت القاعدة، ثم القاعدة في بلاد الرافدين، وأخيراً داعش في هذا المخبر الميداني الأمريكي الذي أسسّه الأمريكيون في العراق المحتل. إن الوحوش التي خرجت من أقفاصها، وجدت أشكالاً لا حصر لها للتخفيّ و( التنكرّ) . في المرة الأولى أظهرهم الأمريكيون في صورة ( مقاتلين من أجل الحرية). وفي المرة الثانية ( كعدو دينيّ) مشبّع بروح التمددّ والتوسع.

---------------
موقع شبكة الوحدة الإخبارية - 2015/01/24

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة