You are here:الرئيسية>مكتبة الديمقراطية>مراجعات كتب>عرض كتاب: فتنة طائفية أم شرارة الصراع على الهوية؟

مراجعة كتاب: جورج طرابيشي، ثقافة الديمقراطية

الإثنين، 23 حزيران/يونيو 2014 عدد القراءات 2336 مرة
الكاتب  جورج طرابيشي

1- مختارات من الكتاب:
" في جميع الأنظمة الأخرى يكون الإنسان مخلوقا للقانون ، بينما في الديموقراطية وحدها يكون القانون مخلوقا للإنسان " ص62 .( الكاتب التشيكي الأصل النمسوي المهجر (فرانز كافكا، 1882-1924).
"والحال أن السياسة هي انطلاق من معرفة الواقع : علم عقلنة الواقع" ص44.


"السياسة فن صيانة الوجود وحفظ الحق في الحياة والفرحة" ص60.


"السياسة مسألة بشرية ودنيوية خالصة" ص 108.


" كيف نتغير في عالم متغير ونبقى نحن؟ أو بتعبير أكثر تناقضاً : كيف يمكن أن نتغير بدون أن نتغير؟ " ص147.


1-تقـديم:
في رواية (خريف البطريق) للروائي الكولومبي العالمي ماركيز يسأل القس الكاثوليكي – القادم من روما داعيةً للنصرانية – يسأل أحد حكام إحدى دول أمريكا الجنوبية عن تاريخ وصوله إلى الحكم، يستعين الحاكم بذاكرته فتخذله ولا تسعفه ، لأنه لطول مدة حكمه طال عليه الأمد فنسي متى ابتدأ فقال غير عابئ بصمت ذاكرته – لم يتعود أن يعبأ بشيء – منذ مئة سنة أو مئتين إلا ثلاثين عاما!!!


ولو عكسنا السؤال منذ متى لم يحكم الإسلام أكثر هذه الأرض لما كان الجواب بعيدا عن المدة التي بدأ فيها الحاكم فترة حكمه في إحدى دول أمريكا الجنوبية.


ليس وارداً هنا الحديث عن حكم الشخص بل عن حكم النص أو نص الحكم المؤسس لشرعيته الذي انتهى أو تآكلت أجزاء كثيرة من شرعيته بسقوط الدولة العثمانية في نهاية الربع الأول من القرن الماضي، هذا السقوط الذي وضع العرب المسلمين أمام تجربة غير مسبوقة لشرعية الدولة، وذلك عندما ارتأى كل تيار أن يوجد دولة تكون على مقاسه، وأن يكون حضور الإسلام – أحد أهم أعمدة الشرعية للدولة العثمانية – أن يكون حضوره – كليا أو جزئيا – حسب ظروف ومصلحة الحكم الداخلية والإقليمية والعالمية.


ولكن ما أن يستقر الحكم على النموذج الذي يريده الحاكم حتى يطلق العنان لورش الحكم المختلفة لحشد أدلة التراث والمعاصرة كيما تمنح الشرعية الإسلامية أو الدستورية – أو كليهما – للنموذج المقترح.


وما أن يتحقق ذلك حتى يسدل الستار على المقومات الشرعية أو الدستورية، فلا تنقح ولا تراجع ، بل تنقل إلى المدارس لتحفظ ، وإلى وسائل الإعلام لتمجد ، وإذا ما استجدت ظروف تدعو إلى التطوير أو التغيير في الوسائل والأساليب ردّ حزب الحكم قائلا:


أيها الناس: اتهموا عقولكم ، فهذه مسائل لا مجال للاجتهاد فيها وستظل قابلة للتطبيق دون أن تمس حتى يوم القيامة!!!


ولئن كان التغيير من داخل التراث عصيا، كان ذلك ولم يزل ، فما بالكم بالتغيير من خارج التراث وتجربته التاريخية كالدعوة إلى الديموقراطية مثلا.


إن هذه الأوراق تدعو القراء إلى قراءة متأنية لهذه الكلمة ابتغاء أن يكون الموقف منها على علم فلا نقرأ عنها فقط ، بل أيضا تقتضي منا التسلح بالمعرفة ، وأن نكون مدججين بالثقافة للدفاع عن المبادئ الثابتة التي تشكل منها هويتنا، إن المبادئ ثابتة، ولكن سبل الدفاع عنها متغيرة، ولعل من أعظم سبل الدفاع عنها تحريرها ممن يريد اختزال نصرتها بالرصاص الذي يخترق جسم الضحية ليستقر في قلب واقع الدعوة ومستقبلها.


هذه الأوراق استراحة للقارئ لتعريفه ببعض ما قد يفيده عن هذا المصطلح ليكون الموقف منه – سلباً أو إيجاباً – قائما على المعرفة ونابعا من القراءة.


2-تمرينات ومقاربات للديموقراطية:
يورد الكاتب في مواضع مختلفة السياقات تعريفاً أو تقريباً لمكونات كلمة الديموقراطية.
يقول ص 10:


" الديموقراطية تعريفا هي بكل تأكيد حكومة العدد الأكبر ، أو بتعبير أدق الحكومة التمثيلية للعدد الأكبر".


" أعطيت الأولوية في تعريف الديموقراطية لمعيار الحد من السلطة، وجاء تحديدها في الغالب تحديدا سلبيا باعتبارها نقيض الدكتاتورية " ص 37.


وفي ص41 " إن الديموقراطية قابلة للتعريف بأنها: إرادة التركيب بين الفكر العقلاني والحرية الشخصية والهوية الثقافية ".


وفي ص50/51 "الديموقراطية تتحدد بأنها مجهود للمؤالفة بين الوحدة والتنوع بين الحرية والاندماج".


" ليست هي أحسن أنظمة الحكم فحسب،بل أكثرها عقلانية واستجابة لشروط الوجود الإنساني" ص60.


" أول ما تعنيه هو أن الحكم ليس للشعب بما هو كذلك ، بل لممثلى الشعب المنتخبين" ص78.


وفي ص86-87: " الديموقراطية نظام لتبادل السلطة، وأول بند في العقد الديموقراطي هو أن يحتفظ الخصم لخصمه بالحق في الوصول إلى السلطة بدوره".


"وصحيح أن العيب الكبير للديموقراطية التمثيلية أنها تختزل سلطة المحكومين، ولكن ميزتها الكبرى أنها تحد على الأخص من سلطة الحاكمين" ص92.
" الحاكم الديموقراطي حصراً :


هو من يستطيع الذين يحكمهم أن يضعوا حدا لخدماته شاكرين أو غير شاكرين، وهذا دون أن يض

طروا إلى العنف أو للخروج على القانون" ص103.
ويقول عن المقاومة المدنية بوصفها إحدى ثمار الديموقراطية ص131:


" لا تهدف إلى أن تنتزع من الطغاة شيئا بقدر ما تحاول أن تمتنع عن إعطائهم شيئا، إنها القدرة على الرفض وقول : لا ".


3-أكلاف الديموقراطية:
والكاتب لا يقدم الديموقراطية وصفة سحرية أو وجبة سريعة تخرج المجتمعات من مآزقها كلمح بالبصر وبثمن بخس من التضحيات والضحايا.
" لا تعد بأي فردوس ، ولا تندر الحالات التي تكون فيها ممارستها جهنمية " ص 9. ويرى أنها يجب أن تكون ثقافة عامة وخياراً شعبياً وإلا " فليس لشعب أن يكون ديموقراطياً رغماً عن ألفه" ص 15.
إذن هي لا تسقط بالبراشوت " المظلة" ولا تكون بثرثرة بعض أمشاج المثقفين ؛ لأنها ما " في الرؤوس وليس فقط في صناديق الاقتراح ، وثقافة الديموقراطية لا تستقر في الرؤوس دون ثمن باهظ ، ولو أن التعبير بات ممجوجاً لتكلمنا عن ضرورة ثورة ثقافية فهي لا يمكن أن تكون نظاما للحكم دون أن تكون نظاماً للمجتمع ، وليس لها أن تسيّر العلاقات بين الحكام والمحكومين دون أن تسيّر العلاقات بين المحكومين أنفسهم ، ولئن تكن الحرية الديموقراطية تنتهي لا محالة إلى صندوق الاقتراع ، فإن الصندوق الأول الذي تنطلق منه هو جمجمة الرأس " 16/17.
وإذا أردننا الديموقراطية مجاناً فنحن نستهلها ونريد وردتها بلا شوكتها – ومن الاستسهال – كما من الاختزال – ما قتل " ص 18.

 

4- مأخـذ وتعقيب:
لم يكن الحديث عن الديموقراطية ممكناً دون الحديث عن الأصولية والأصوليين ، وإذا كان الكاتب قد أورد نماذج لمن حاول استقلال الديموقراطية عن دعاتها ولم يُحابِ الديموقراطيات الكاذبة والديموقراطيين المزيفين فهو لم يتخل عن المنهج عينه مع الأصوليين.


وابتداءً لا بد من التفريق بين الأصوليين والإسلام ، فإذا كانت طوائف شتى تستظل بهذا الاسم فإن من يحمل الإسلام عقيدة صحيحة ومقاصد مخلصة ووعي بالذات والواقع المحلي والعالمين ، إن من يفعل ذلك قلة في العالم ، وهذا مثال هجوم الكاتب على الأصوليين " فأي تهافت منطق في موقف من يعتبر المرأة بنصف عقل ودين ومن يصر على حرمانها من نصف حقها في الإرث(1)وفي الأهلية القانونية ويطالب لها مع ذلك بحق التصويت تاماً غير منقوص ولا مشروط ص 20.


المشكلة مع هذا المنهج في الكتابة أن الكاتب يخلط بين آراء من يسميهم " الأصوليين " وبين الأحكام الشرعية ، يسوس المسيحية – في حرية رفض ما يشاء عنها – بالإسلام متغافلاً عن تحريف الأولى مراجع ونسخها شرائع.


ولم يقبل من البابا أن يستغل موقفه الكاثوليكي للدعم المطلق لحركة التضامن البولندية بقيادة ليخ فاونسا وجعل كنسية " فر صوفيا " منبراً للثقافة الديموقراطية ، ويصف مجتمعاتنا بأنها " تخضع لغزو صحراوي وأصولي توظف فيه دولارات النفط بتمويل مكتبات " الثقافة الصفراء " ص 23.
هل يريد أن نوظف الدولارات لنشر "الثقافة الخضراء" ؟.


إننا نخشى كما قال الباكستاني المسلم ثم الأمريكي جنسية إقبال أحمد " يُطلب من المسلمين التخلي عن دينهم ليكسبوا الحضارة ، أخشى أن نخسر ديننا وألا نكسب الحضارة".
الكاتب يمثل بكتابته إحدى مشكلات الفكر العربي الحديث وهي افتقار دعاة هذا الفكر أكثرهم إلى فهم الإسلام بعيداً عن النظارة الشيوعية والمجاهر الاستشراقية وكذلك افتقار أكثر دعاة الفكر الإسلامي الحديث إلى الاحتكاك العميق المنهجي بالفكر الحديث.


إن تبادل الإدانات لا يفضي إلى شيء أما تيار الأفكار فإنه يفضي إلى المستقبل ، وتجسير الجسور بين الحضارات لبحث إمكانات التلاقي والتلاقح البناءين ، إن الوظيفة الأسمى للكتابة أن تعمل بوصفها مجسات لاكتشاف مواطن القصور والتصدع للعمل على إعادة تأهيلها وتفعيلها.

 

5- خاتمـة:
كنت أدرّس طلبة التخرج في قسم الأدب في الجامعة لمحات عن الإبداع الروائي وقراءة الرواية ، فرأيت بعض الطلبة تمعرت وجوههم فقلت لهم:


"لكم مطلق الحريّة أن تقبلوا مضمون هذه الرواية أو ترفضوه وأن تقدموا الشعر وتؤثروه ،ولكن لا عذر لكم -بوصفكم طلاب أدب-أن تتجاهلوا أصول الرواية وطرائق قراءتها تجاهل الديموقراطية أو جهلها الأمران كلاهما ممنوع،أما قبولها ورفضها فإن أبسط صور الديموقراطية لا تمنح الحق بذلك فحسب بل وتضمنه أيضاً"(1) للأسف فقد سف محمد عباد الجابري ، وذكر مثل هذا الهراء.

المصدر: بيروت: دار الطليعة، 1998

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة