مراجعة كتاب: عمار علي حسن، التغيير الآمن: مسارات المقاومة السلمية من التذمر إلي الثورة

الأحد، 07 أيلول/سبتمبر 2014 عدد القراءات 2368 مرة
الكاتب  عمار علي حسن

 المؤلف:  د.عمار على حسن
القاهرة: دار الشرق، الطبعة الأولي 2102
 
تتمثل أهمية هذا الكتاب في محاولته تقديم مفهوم المقاومة بمعناه الواسع. فيؤكد  المؤلف علي أن المقاومة ليست مرهونة فقط بالعنف والرصاص والدم، ولا محصورة في خوض المعارك وممارسة القتال. فهناك جبهات أخري تدور عليها المواجهة لا تقل أهمية عن التصدي للمستعمر، وصيانة استقلال الوطن وحريته. وأولي جبهات المقاومة، مقاومة الحاكم الجائر لرده عن الظلم والطغيان، ودفعه إلي إقامة العدل الذي هو أساس الملك، فالعدل تتقدم به أمم حتى ولو كانت فاسقة، بينما تتردي من دونه أمم حتى ولو كانت مؤمنة. ويوضح المؤلف أن المقاومة تأخذ  أشكالا متعددة عبر التاريخ، منها ما لجأ إلي أقصي درجات العنف والدم كالثورتين الفرنسية والبلشفية، ومنها ما كان مقاومة سلبية نجحت في تحقيق الغرض منها من دون أي عنف مثل حركة المقاومة التي قادها الزعيم الهندي غاندي  ضد الاحتلال الإنجليزي لبلاده.


والجبهة الثانية للمقاومة هي مقاومة الأفكار المتخلفة والتقاليد البالية والأعراف المتحجرة المغلوطة، وهذه الجبهة هي الأكثر تأثيرا علي مدي التاريخ الإنساني، فعطاء المفكرين والعلماء لا يحدث تغييرا فوريا، ولكن يكون تأثيره متتاليا ومتراكما علي مدي زمني طويل علي حركة المجتمع نحو التقدم الأخلاقي والاجتماعي. ويحفل التاريخ البشري بمقاومين من هذا النوع. وإذا كان البعض منهم لم يجد صدي سريع لأفكاره علي قيد حياته، فإن ما تركه لم يذهب جفاء، بل مكث في الأرض، وانتفع به الناس، حين ساعدهم علي التخلص من عادات سيئة وأفكار خاطئة.

ويشمل التغيير من وجهة نظر المؤلف مقاومة الأفكار التي لا تنتمي للمستقبل والتقاليد المعطلة لحركة التقدم والتي يسميها (الأعراف المتحجرة) التي لا تقل خطورة عن الانتفاضات والتمردات العنيفة والتي ربما تحدث أثرا سريعا ولكنها لا تؤدي إلى تغيير اجتماعي حقيقي أو ديمقراطية تمكن الجماهير من صنع القرار. ويؤكد المؤلف علي أن معطيات التاريخ تقول إن النخب التي تقفز إلى الأمام في ظل الأوضاع التي تعقب الثورات والهبات يمكن أن تعود إلى ممارسة أشكال مختلفة من الاستبداد والفساد.


أما الجبهة الثالثة فهي مقاومة أو مجاهده النفس التي هي أماره بالسوء، والحرص علي ألا تفقد النفس نخوتها فتسقط في التبلد واللامبالاة، والعمل علي بناء النفس الواثقة الثابتة الوفية الصابرة، مما يجعل صاحبها سويا وايجابيا بما يمكنه من أن يؤدي دوره باقتدار علي جبهات المقاومة الأخرى.


ويوضح المؤلف أن الكثيرين يعتقدون أن المقاومة والسلام خصمان لدودان، وطريقان متوازيان لا يلتقيان أبدا. ومثل هذه الرؤية تنحدر بالسلام إلي مستوي الاستسلام، أو الخمود والقعود الكاملين، وهما ما ليس من السلام في شئ. ويري المؤلف أن السلام لا يمكن تحقيقه من خلال (قوة القهر المنفرد) تحت دعوى أن هذا من قبيل الواقعية السياسية، ولا من خلال ( قوة القانون) لان القوانين في النهاية يسنها الأقوياء لتحقيق مصالحهم، ولا حتى عبر ( قوة الاتصال) مهما قام الداعون للسلام بتنمية مهارات تحليل الصراعات وصياغة إستراتيجيات للتواصل والتحاور والتفاوض.


ويتناول المؤلف جوانب من ثورات الربيع العربي مؤكدا علي أنها تثبت للعالم أن العرب مازالوا أحياء بدليل نجاح الثورة التونسية في خلع الرئيس زين العابدين بن علي (بعيدا عن أعين الكاميرات) بسبب منع وسائل الإعلام من متابعة الاحتجاجات التي انطلقت من مدينة سيدي بوزيد. وينفي المؤلف عن الثورات العربية  أنها صناعة أجنبية أو تم تدبيرها والتخطيط لها في دوائر المخابرات الغربية أو أنها جزء من سياسة الفوضى الخلاقة التي تحدثت عنها وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس، ويشير إلي أن الثورات العربية قد أسقطت بعض التصورات التي شاعت في العلوم السياسية والاجتماعية عن ( نهاية عهد الثورات) والتي قامت علي مقولات متسرعة تري أن صندوق الانتخابات بات بديلا عن الثورة. ويؤكد المؤلف أن الشعوب بوسعها أن تغير حكامها في عمليات منتظمة ومحددة إذا وجدت فيهم تقاعسا عن الإنجاز أو فسادا واستبداد.


ويري المؤلف اختلاف كل ثورة عن الأخرى، فكل منها حالة فريدة في ذاتها وليس بوسع أحد أن يعتقد أن للثورات طريقا واحدا في التطور والارتقاء وأن غاياتها ومقاصدها مأمونة ومضمونة في كل الأحوال. إلا انه هناك عدة أمور مرتبطة بالثورات، رسخت من تكرارها إلي درجه أنها أصبحت قواعد عامة، ومنها:
إن التعريف البسيط والمباشر والدال للثورة هي أنها (عملية تغيير جذري)، كما أن الثورة هدم وبناء.


الثورة عمل حتمي لأنها لا تقوم إلا إذا كان المجتمع مهيأ لها تماما، فأي ثوره تسبقها فترة تخمر يصل فيها الاستياء من أداء السلطة إلي منتهاه ويكون المجتمع مستعدا للانفجار في وجه أهل الحكم.


لا تقوم ثورة في أي مكان وأي زمان إلا وقامت ضدها حركات وتدابير تهدف إلي إفشالها عبر احتوائها تدريجيا وتفريغها من مضمونها أو حتى من خلال ممارسه العنف المفرط ضد الثوار. وحين تفشل الثورة تدفع قيادتها ثمنا باهظا
الثورات موجات، فلا يحكم علي الثورة نجاحا أو فشلا  بمجرد تقيم موجه واحده لها
لم يكن ولن يكون الثوار علي درجه واحده من الولاء للثورة ولا يقفون منها عاطفيا وعقليا علي قدم المساواة
قد تختلف الأسباب التفصيلية والصغيرة التي تؤدي إلي اندلاع الثورات، لكن  الأسباب العامة والأساسية تتشابه إلي حد كبير .


كما حاول المؤلف أن يوضح انه لا توجد دولة واحده في العالم تتمتع بتجانس اجتماعي تام، فكل الدولة تكونها أشتات من البشر، إن لم تكن قبائل فهي طوائف أو أعراق أو طبقات أو مذاهب أو شرائح أو لغات ولهجات مختلفة، ناهيك عن تعدد الهويات والثقافات الفرعية داخل كل ثقافة أصلية. بل إن الدولة الأقوى عسكريا واقتصاديا في عالمنا المعاصر– وهي الولايات المتحدة الأمريكية- عبارة عن «متحف أجناس بشرية «. وحتى تتم عملية الاندماج  بشكل صحيح، وتؤدي دورها في دفع المجتمع إلي الأمام فلابد من توافر عدة شروط ذكرها المؤلف علي النحو التالي:


الطوعية: فالاندماجات التي تتم قسراً لا يمكنها أن تعيش طويلا. فضلا عن الخصائص البنيوية المشتركة: وهي تتوزع علي مسارات متعددة تؤدي جميعا إلي تماسك « التيار الاجتماعي العريض».


الإطار العادل: فالدستور الذي يحكم التصورات والممارسات داخل الدولة يجب ألا يفرق بين المواطنين علي أي من الاختلافات القائمة بينهم، بل تسوي نصوصه بين الجميع في الحقوق والواجبات. ولو حمل دستور بلد أو قوانينه ما يميز بين مواطنيه علي أي من أسس الاختلاف فإن هذا أمر  خطير.


الرابطة العاطفية: فمن الضروري أن تكون هناك نقطه موحده تنجذب إليها مشاعر الجماهير، وهي تتطلب إجراءات ملموسة في الواقع تغذي الانتماء.


المشروع السياسي والحضاري المشترك: فحضور هذا المشروع بشكل طوعي، واشتماله علي القواسم المشتركة والمصالح المتبادلة بين مختلف طوائف وطبقات وشرائح وفئات المجتمع، يؤدي بهؤلاء جميعا إلي التوحد والانصهار.

المصدر: مكتبة الديمقراطية

 موقع  الجماعة  العربية للديمقراطية غير مسؤول عن محتوى المواقع الخارجية

 

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة