You are here:الرئيسية>أقسام الموقع>النشر>بحوث وأوراق عمل>ملف الحركات القومية والتقدمية في دول الخليج

مراجعة كتاب : بول كولير، البنادق والانتخابات: التحولات الديمقراطية في المناطق الخطرة

الأحد، 07 أيلول/سبتمبر 2014 عدد القراءات 2407 مرة
الكاتب  بول كولير

علي امتداد عقود من الزمن، مثلت مشكلات الدول النامية موضع اهتمام العديد من الدراسات، فهذه الدول تحظي بإرث ضخم من التخلف الاقتصادي والاختلالات المجتمعية الناجمة عن غياب مفهوم الانتماء للأمة في هذه المجتمعات، وطغيان الانتماءات الإثنية الضيقة، وتوجت هذه الحالة بأوضاع سياسية كرست لنمط الاستبداد والفساد السياسي. ومن ثم، كانت المحصلة النهائية لكل هذه الأوضاع انقلابات عسكرية وحروبا أهلية، وفقرا مدقعا، وهذه القضايا كانت موضوع كتاب "بول كولير".

يقدم الكتاب خلال فصوله العشرة، والمقسمة علي ثلاثة أجزاء، رؤية متعددة الأبعاد للدول النامية، مستندا إلي دراسات إمبريقية وتحليل لبيانات تم تجميعها بالتعاون مع فريق من الباحثين. ويرتكز "كولير" علي فرضية رئيسية، مفادها أن الأوضاع المتدهورة التي تعانيها دول مليار القاع - كما يطلق عليها - كانت بمثابة بيئة مواتية لإفراز العنف الداخلي. ومن هذا المنطلق، رأي أن الديمقراطية الحقيقية المدعومة بتدخل دولي هي الحل.

الانتخابات .. الحل أم المشكلة؟

تعاني دول مليار القاع - بحسب تعبير "كولير" - أزمة الديمقراطية، فهذه الدول يبلغ عدد سكانها نحو مليار نسمة ومن أشد الدول فقرا. ومع موجة التحول الديمقراطي التي شهدتها هذه الدول وإجراء الانتخابات بها، رأي البعض أن هذه الدول ستتحول إلي واحات للازدهار، ولكن سرعان ما تبددت الآمال، وانزلقت هذه المجتمعات إلي ساحات للعنف. وهنا، أثير تساؤل مفاده: هل الديمقراطية وما نتج عنها من انتخابات هي السبب في اندلاع العنف أم لا?.

وفي هذا الصدد، يشير "كولير" إلي أن الديمقراطية ترتبط بأوضاع المجتمع. ففي الدول المتقدمة ذات الدخول المرتفعة، أسهمت الانتخابات في التخفيف من حدة العنف الداخلي، إذ إن الانتخابات ترسخ من قيمتي الشرعية والمساءلة، فيما أصبحت الديمقراطية بدول مليار القاع أداة شكلية، يحاول الحاكم من خلالها الاحتفاظ بالسلطة عبر انتخابات تخلو من أدني معايير النزاهة والعدالة. ومن ثم، يصبح العنف الطريق الوحيد لانتزاع السلطة، وهكذا يدخل المجتمع في حلقة مفرغة من العنف. فالديمقراطية لا تحقق سلاما داخليا، لأنها لا تنتج حكومات شرعية خاضعة للمساءلة.

معضلة الهوية والإنفاق العسكري:

وينتقل كولير إلي تحليل أعمق لأوضاع هذه المجتمعات، حيث أشار إلي أن اقتصادها يتسم بتدهور معدلات النمو وانخفاض في الدخول، وعدم قدرة الدولة علي توفير احتياجات المواطنين، وهنا يبدو التناقض. ففي ظل هذا الوضع المتردي، تتزايد معدلات الإنفاق العسكري، بل وجزء من هذا الإنفاق يكون عبر المساعدات الأجنبية. فبحسب "كولير"، تقدر المساعدات الخارجية لدول مليار القاع ب- 34 مليار دولار، يتسرب منها نحو 3.7 مليار دولار للإنفاق العسكري. وحيث إن إجمالي الإنفاق العسكري بهذه الدول نحو 9 مليارات دولار، بما يعني أن 40% من الإنفاق العسكري يمول عبر المساعدات الخارجية، فإن الإنفاق العسكري المتزايد أدي إلي سباق تسلح وحروب بين هذه الدول، كما في حالة القارة الإفريقية.

ويضيف الكاتب أن التنوع الإثني داخل تلك المجتمعات أفضي إلي معضلة حقيقية، حيث تصبح الهوية الإثنية الأساس في حين تغيب الهوية القومية. وبالتالي، تنتفي من الأساس فكرة الدولة. فضلا عن هذا، يستشري الفساد السياسي وتزوير الانتخابات، في الوقت الذي يصبح فيه الانتماءالإثني معيار التصويت في الانتخابات. فالمعضلة الحقيقية في هذه المجتمعات تكمن في أن العملية السياسية تسير في اتجاه معاكس لمثيلتها في الدول المتقدمة، حيث تجري الانتخابات قبل بناء الهوية القومية وتعميق قيمة المساءلة، بما يعني أن الانتخابات عبثية، إذ تصبح القوة والهوية الإثنية وسيلة الوصول إلي السلطة.

الحل يأتي من الخارج:

يطرح "كولير" استراتيجية لتعاطي مجتمعات مليار القاع مع أزماتها، تستند إلي الخارج، حيث رأي أن التدخل الدولي وسيلة فعالة لتخفيف وطأة العنف وترسيخ قيم الديمقراطية بهذه الدول. وهنا، تثار إشكالية التعارض بين التدخل الدولي وسيادة الدول. ويري "كولير" أيضا أن التدخل الدولي لا يتعارض مع سيادة دول مليار القاع، ويعده كمصل الملاريا الذي تنتجه الدول المتقدمة وتستخدمه الدول النامية. ويمكن القول إن التدخل الدولي - وفقا لما ذكره "كولير" - يقوم علي التزامات متبادلة، ويرتكز علي ثلاثة محاور:

أولا- دعم التحول الديمقراطي، بحيث يسعي المجتمع الدولي لتشجيع الدول النامية علي الالتزام بمعايير الديمقراطية الحقيقية، وإجراء انتخابات، وفي المقابل يقدم المجتمع الدولي ضمانات لحماية النظام في مواجهة الانقلابات العسكرية، بما في ذلك التدخل العسكري السريع. فالتزام الحكومة بالديمقراطية والانتخابات يضفي عليها صفة الشرعية، ويجعلها تحظي باحترام المانحين، بما يترجم عبر المزيد من المساعدات الخارجية.

ثانيا- ترشيد الإنفاق العام، حيث يشكل المال العام مصدرا لإفساد السلطة، نظرا لافتقار هذه الدول لأدني قواعد الرقابة والمساءلة. وإزاء هذا الوضع، يتعين علي المجتمع الدولي التدخل لضمان نزاهة وحسن استغلال المال العام، لاسيما أن نسبة كبيرة من المال العام لدول مليار القاع تأتي من خلال المساعدات الخارجية.

ثالثا- بناء منظومة الأمن، فالدول النامية - بحسب "كولير" - تفتقد منظومة أمنية مناسبة علي خلفية تزايد الإنفاق العسكري، وسباق التسلح بين هذه الدول الذي يزيد من معدلات التهديد المتبادل، وهو ما يفرض تحديا علي المجتمع الدولي لمساعدة هذه الدول كي تصبح أكثر أمنا،بحيث يتم ربط المساعدات بمعدل الإنفاق العسكري. والمقاربة السائدة لدي "كولير" تتلخص في أن تحقيق الأمن يتم من خلال تخفيض الإنفاق العسكري والتعاون بين هذه الدول، عبر منظمات إقليمية ودولية، والشروع في مفاوضات جادة لإرساء السلام والأمن

المصدر :  السياسة الدولية

 موقع  الجماعة  العربية للديمقراطية غير مسؤول عن محتوى المواقع الخارجية

 

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة