You are here:الرئيسية>نوافذ الباحثين>نوافذ الباحثين

قاسم العياشي: حول الأسس الأولى لنجاح الانتقال الديمقراطي في تونس

الثلاثاء، 02 أيلول/سبتمبر 2014 عدد القراءات 1800 مرة

موقع الجماعة العربية للديمقراطية، 22 اغسطس 2012.

بعد أن نجحت أول ثورة عربية سلمية في القضاء على نظام الإستبداد في تونس أكدت الإنتخابات التأسيسية ليوم 23 أكتوبر 2011 أن الثورة في استمرار وأنه لا تراجع في تحقيق انتقال ديمقراطي يكفل حرية الفرد وكرامته وحقوقه ويرقى بشعب تونس الى المنظومة الديمقراطية العالمية.

غير ان المتأمل في الشأن التونسي اليوم يلاحظ تراجعا نسبيا في امكانية ادراك تحول ديمقراطي فعال يعكس طموحات الشعب ويلبي رغبته في الفصل نهائيا مع الماضي. ففي حين وصف البعض هذا التراجع بأنه مرحلة طبيعية تمر بها كل الثورات يخشى آخرون من ظهور بوادر الثورة المضادة. وفي كل الحالات فان مناخ المزايدات السياسية وغياب الثقة قد يلعبان دورا سلبيا في تأجيل تحقيق الأهداف العاجلة للثورة التي تتعلق أساسا بارساء مؤسسات النظام الديمقراطي من صياغة لدستور جديد, والتشريع لنظام انتخابي شفاف و تنظيم قطاعات أساسية أخرى كالاعلام والقضاء والعدالة الانتقالية هذا بالاضافة الى ضرورة التسريع في الخروج بالبلاد من الأزمة الاجتماعية والاقتصادية التي تجلت خطورتها بعد الثورة.

إن الاستقرار السياسي في أي نظام ديمقراطي يقوم على ثلاث ركائز أولها التوافق بين جميع الأطراف على الخطوط الكبرى للنظام السياسي والاقتصادي ثانيا تواجد ثقافة سياسية مشتركة لا تتعارض مثلا مع مبادئ الديمقراطية وثالثا توفيرآليات مختلفة يمكن للمواطن من خلالها أن يبدي آراءه في سياسة البلاد أو أن يؤثر فيها...

فمن حيث الاتفاق على النظام السياسي لا يزال الجدل قائما بين أطراف المجلس التأسيسي حول طبيعة نظام الحكم )برلماني أم رئاسي( كما لا تزال بعض الخلافات المتعلقة بكيفية انتخاب الرئيس وغيرها من المسائل. أما على الصعيد الاقتصادي فالعديد من الاختيارات الاستراتيجية كدور البنك المركزي وسياسة التداين لدى البنوك العالمية والتنمية الجهوية لا تزال محل وجهات نظر مختلفة ان لم نقل متضاربة. وحتى لا يتفاقم هذا الاختلاف ويهدد مشروع الدستور الجديد لا بد من حصر تبعاته والتعجيل في الاجماع على منظومة سياسية واقتصادية تحضى بموافقة الجميع وتضمن أكثر استقرارا على المدى البعيد.

واذا رجعنا الى مسألة الثقافة السياسية نلاحظ أن مرحلة ما بعد الثورة قد اتسمت بالاقتصارعلى فهم الديمقراطية "كأداة" لتحسين الوضع المادي للأفراد والمجموعات ¨instrumental approach¨ وليس كقيمة إنسانية سامية¨ intrinsic value¨ نتحلى بها من جملة القيم الأخرى. فالرجل الديمقراطي لا يربط مبادئه السياسية "بالمنفعة المادية" بقدر ما يتوق الى ارساء مؤسسات وسن قوانين تكفل له العدالة والحقوق والحريات. غير أنه منذ أن هدأ غبار الثورة عمت الإحتجاجات وتوالت المطالب بزيادة الأجور وتشغيل العاطلين وتعميم التنمية وغيرها من الاستحقاقات المادية... إن مشروعية هذه المطالب بعد عقود من الإستغلال والفساد المالي والإداري لا يعارضها أحد, لكن أن نحصر فهمنا للديمقراطية في كونها وسيلة لتحسين الوضع المادي قد يعطل بدوره الوصول إلى استقرار ديمقراطي دائم لأن تبني القيم الديمقراطية السامية وتركيز مؤسساتها أهم وأجدى على المدى البعيد من اعتبارها وسيلة للخروج الآني من الفقر والبطالة. ان الوضع الاقتصادي في بلد ما يضل من أهم الأسباب التي تساهم في دفع التجربة الديمقراطية واستمرارها فالعديد من الدراسات المتعلقة بالانتقال الديمقراطي أثبتت أن مستوى الدخل الفردي للمواطن له تأثير مباشر على نجاح تجربة التحول الى نظام ديمقراطي فارتفاع الدخل الفردي مثلا قد يخفف من انعكاس الوضع الاقتصادي سلبا على نجاح التجربة الديمقراطية. لكن هذا لا يعني أن الدول الفقيرة لن تصبح ديمقراطية وأن الدول الغنية مؤهلة أكثر لأن تدرك الديمقراطية فالعديد من الأنظمة الديكتاتورية الثرية توفر دخلا هاما وامتيازات طائلة لمواطنيها لكنها رغم ذلك لم تحقق أبسط الخطوات نحو نظام أكثر حرية. أما على صعيد النخبة فان أهم ما يحتاجه الفاعلون في تونس اليوم هو التمسك بالمبادئ السامية لمفهوم الديمقراطية والالتزام بثقافة سياسية ترجح البناء والتشييد وتقلل من تأثيرالحسابات الضيقة التي أصبحت تعطل مسارالتنمية السياسية في البلاد.

وفيما يتعلق بحرية المواطن في التعبير عن رأيه وتشريكه في صنع القرار فان هذا الاستحقاق هو أبرز ما أنتجته الثورة في تونس اذ تحررت العديد من منابر المشاركة فكثرت الأحزاب والجمعيات غير أن العديد من القطاعات لا تزال تحتاج الى تنظيم أكثر لهياكلها وتأطير قنوات المشاركة الشعبية وتصحيح مهمة مؤسسات المجتمع المدني حتى لا يطغى عليها الطابع السياسي.

ان التجربة التونسية تعتبر مثالا فريدا يحتذى به في قدرة الشعوب على أخذ مصيرها بيدها كما أنها تمثل مفصلا تاريخيا هاما في التحولات الديمقراطية في العالم, لكن بقدر ما سرَعت هذه الثورة في زعزعة العديد من الأنظمة العربية المجاورة ومهدت لاندلاع ثورات مشابهة في مصر اليمن ليبيا وسوريا, بقدر ما قد يؤدي إخفاق هذه التجربة الديمقراطية الى كوارث سياسية أهمها رجوع الديكتاتورية الى دول الربيع العربي وأخطرها استفحال الأنظمة الاستبدادية في المنطقة. فالثورة جاءت من أجل تحقيق كرامة المواطن التي تتمحور أساسا في ضمان حرياته وتحقيق العدل واَلرَفاه. لكن هذه الأهداف لن تتحقق الا في اطار منظومة تستند أساسا إلى مبادئ الديمقراطية التي في جملتها تعمل على التوزيع العادل للثروة وتكافؤ الفرص وكذلك التداول على السلطة وتشريك المواطن في تسيير دواليب البلاد.

ان الانتقال الديمقراطي¨ democratization process¨ هو بالأساس حراك ديناميكي مستمرذو أبعاد مجهولة يصعب التكهن بنتائجه مسبقا لأنه قد يؤدي الى تحولات عديدة بما فيها امكانية العودة الى الاستبداد . كما أن هذه التجربة قد تطول أو تقصر بحسب المعطيات والظروف التي تمر بها البلاد وطريقة التعامل مع المستجدات. وعليه فانه لا يمكن أن نقر بأن النظام في تونس أصبح يوما ما ديمقراطيا الا بعد التأكد من أن الديمقراطية هي " قانون اللعبة والمقياس الوحيد" االذي يحتكم اليه الجميع في أخذ القرار والتعامل في شتى المجالات.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو مدى استعداد الطبقة السياسية وعامة الشعب الى الالتزام بقانون اللعبة الديمقراطية. فالرهان كبير ولا بد أن نعي جميعا أن الثورة لن تدلي بثمارها حتى تصبح ثقافتنا السياسية وتعاملنا مع المستجدات ينبعان من ايماننا بان الارتقاء بتونس الى بلد ديمقراطي هو مسؤولية الجميع .فهو مسؤولية اولئك الذين تمردوا على أعتى الأنظمة البوليسية في العالم العربي بالسهر على تحقيق أهداف الثورة والحفاظ على مكتسباتها. وهو أيضا مسؤولية الأحزاب السياسية التي لم يتسن لها الوصول الى الحكم والتي ضحت سنين طوال من أجل رفع الاستبداد لكنها صارت اليوم تتثاقل في الالتزام بمبادئها التاريخية فاقتصرأداؤها على التهويل والتشكيك بما يهدد الاستقرار السياسي. كما أن هذا الارتقاء مسؤولية من حكموا تونس قبل الثورة وبالغوا في كبت حرية التعبير لعقود فكان لا بد أن يفسحوا المجال لمن انتخبهم الشعب حتى يؤسسوا لعهد جديد نحوالحرية واحترام الانسان ورد اعتباره.

وأخيرا تبقى المسؤولية الكبرى ملقاة على عاتق أطراف الائتلاف الحاكم في هذه المرحلة الجنينية للتحول الديمقراطي في تونس. فالتأسيس لنظام ديمقراطي قد يكون أصعب من ممارسة الديمقراطية في حد ذاتها لأن ذلك يستوجب بعدا للنظر وعملا دؤوبا لتحقيق التوافق والانسجام والتركيزعلى ما يوحد وترك ما قد يفرق. ان القيادة الحاكمة أمام مسؤولية تاريخية تطرح عليها ارساء مؤسسات تضمن ولادة أول نظام ديمقراطي عربي يستمد شرعيته من الشعب ويعمل من أجله. فالحكومات والائتلافات قد تتغير لكن مؤسسات العدل والحرية والمساواة تضل راسخة على مر العصورو الأجيال.

*أستاذ جامعي في العلوم السياسية
تكساس - الولايات المتحدة الأمريكية

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة