You are here:الرئيسية>أقسام الموقع>الأرشيف>الأعمال الكاملة لمشروع دراسات الديمقراطية

علي خليفه الكواري: الديمقراطية طريق الإتحاد والأمن والتنمية مقاصده

الأربعاء، 03 أيلول/سبتمبر 2014 عدد القراءات 1937 مرة

موقع الجماعة العربية للديمقراطية، 5 ديسمبر 2012.

الإتحاد المنشود

إن انتقال مجلس التعاون من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد - والتي أكد عليها خادم الحرمين الشريفين والمجلس الأعلى أخيرا - هي مطلبا شعبيا بحق، ونتطلع أن يكون التزاما رسميا أيضا. وذلك لأن إتحاد دول مجلس التعاون ليس هو وسيلتها للأمن والنماء فحسب، وإنما هو قبل ذلك طوق النجاة لمجتمعاتها التي – والعياذ بالله - ينذر بعضها بالنكوص ويهددها الضياع الاقتصادي بعد نفاذ الثروة النفطية واستشراء التفكك الاجتماعي بسبب ضعف الاندماج الوطني وغياب العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص. هذا فضلا عن ما أكدت عليه ديباجة النظام الأساسي للمجلس منذ ثلث قرن من كون التعاون بين دول المنطقة هو من أجل تحقيق طموحات شعوبها "نحو مستقبل أفضل وصولا لوحدتها".

من هنا علينا في هذا المؤتمر الشعبي وفي غيره من المجالات، أن نكون صادقين مع أنفسنا وأن نُصدق حكامنا القول، الذي يتوقف عليه أمن وتنمية المنطقة بعد أخذها بناصية الإصلاح الجذري المنشود في كل دولة من دولها.

والصدق يتطلب منا أن نقول وبشكل صريح وقوي أن الاتحاد الذي تطالب به شعوب المنطقة هو إتحاد يمكنها من المشاركة السياسية الفعالة ويحقق الأمن والتنمية. ولذلك فإن الانتقال إلى نظم حكم ديمقراطية في كل دولة من دول المنطقة هو سبيل قيام إتحاد فدرالي ديمقراطي بين دولها . كما أن توفير شروط الأمن القومي للمنطقة واستكمال متطلبات التنمية الحميدة هما غايتا الاتحاد الذي تطالب به الشعوب.

الديمقراطية

وجدير بالتأكيد أن انتقال دول المنطقة من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد لا يمكن منطقيا أن يتحقق إلا بتوافق الحكومات و شعوبها على قيام إتحاد ديمقراطي بين دول مجلس التعاون. إتحاد يؤمن فيه كل مسئول كما يؤمن فيه أفراد وجماعات كل شعب من شعوب المنطقة، على أن الاتحاد لن يضعه تحت هيمنة حاكم فرد مطلق أو رؤية مجتمع من مجتمعات المنطقة المتنوعة حضريا ومناطقيا وقبليا ومذهبيا وطائفيا، وإنما يشارك جميع المواطنين في تحديد الخيارات واتخاذ القرارات العامة.

ولعل تجارب العصر الحديث الناجحة تفيد أن الاتحادات التي نجحت واستمرت وتطورت هي الدول الاتحادية التي أسست نظام حكم ديمقراطي في نفس الوقت الذي أنشأت فيه إتحادا بينها. ولعل ماليزيا الدولة المسلمة ذات الممالك والمقاطعات هي من بين التجارب الاتحادية الناجحة والتي ما كان لها أن تنجح وتستمر في العصر الحديث لو لم يكن قرار الاتحاد قد صاحبه قرار الانتقال إلى نظام حكم ديمقراطي في الدولة الاتحادية.

من هنا أقول أن مطالبتنا الشعبية لانتقال مجلس التعاون إلى مرحلة الاتحاد يجب أن تكون مقرونة بمطالبة كل دولة فيه بالانتقال إلى نظام حكم ديمقراطي حتى يكون خيار الإتحاد معبرا عن رغبة الحكومات والشعوب.

ولعل نقطة البداية في ذلك تكون بتطبيق دستور الكويت لعام 1962 نصا وروحا والعودة عن تكرار تغيير قانون الانتخابات من قبل السلطة التنفيذية منفردة كلما أوشك مجلس الأمة على أن يمارس صلاحياته التشريعية والرقابية بوجود أغلبية معارضة تمارس دور المعارضة الفاعلة في نظام حكم ديمقراطي.

ولعل عودة البحرين لدستور 1973 وتطبيقه نصا وروحا ومن ثم التوافق على قانون انتخابات ديمقراطية هي المخرج للأزمة السياسية الراهنة. ويمكن في هذه الحالة تعديل دستور 1973 وفق آلياته لتلبية ما تم الاتفاق عليه في الميثاق.

كما أن تنقيح دستور قطر والامارات والنظام الأساسي في كل من السلطنة والمملكة العربية من قبل جمعيات تأسيسية منتخبة وفق قانون انتخابات ديمقراطية لتصبح دساتير ديمقراطية شبيهة على الأقل بدستوري الكويت والبحرين لعام 1973 هي الخطوة الضرورية لانتقال مجلس التعاون إلى مرحلة الإتحاد المطلوب شعبيا والمطروح رسميا. وذلك بتأهيل دول المنطقة للانتقال من مرحلة التعاون إلى مرحلة إتحاد فيدرالي غير مركزي ديمقراطي بين دول مجلس التعاون يوفر شروط الأمن ويحقق متطلبات التنمية المستدامة.
ولتأكيد الحاجة لمشاركة شعبية في قيام الاتحاد المنشود، أشير إلى نتائج استقصاء يقوم به موقع سياسات الخليج اعتبارا من 12 مايو 2012 حيث تلقى فيه الإجابات التالية على العبارة المذكورة أدناه من المشاركين في التصويت البالغ عددهم 234 مشاركا:

الانتقال إلى مرحلة الاتحاد بين دول مجلس التعاون يتطلب بالضرورة:
استفتاء كل دولة لشعبها: 70 صوتا – 29.9%
الاتحاد مطلوب في كل الأحوال: 69 صوتا – 29.5%
انتقال دوله إلى الديمقراطية: 53 صوتا – 22.6%
الاتحاد مرفوض في كل الأحوال: 42 صوتا – 17.9%

وهذا الاستقصاء، على بساطته وصغر العينة فيه، يشير إلى أن الاتحاد بين دول المنطقة مطلبا شعبيا إذا كان معبرا عن إرادة الشعوب (52,5)% . بينما قال 29,5 من المصوتين أن الاتحاد مطلوب في كل الأحوال كما قال 17,9% أن الاتحاد مرفوض في كل الأحوال.

الأمن

الأمن أول مقاصد الإتحاد. ومن شروط تحقيق الأمن القومي في المنطقة هو الاعتماد الذاتي لدول المنطق عسكريا وأمنيا على قدراتها المشتركة – في إطار التكامل العربي - والتخلص تدريجيا من القواعد العسكرية والاتفاقيات الأمنية وتبعاتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية المجحفة. وهذا أمر ممكن إذا أخذنا عدد سكان الإتحاد المنشود وحجمه الاقتصادي وطموحات أهل المنطقة في الاعتماد على الذات. هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى، العودة عن السياسات والتشريعات التي تطبقها كل من السلطنة والإمارات وقطر والبحرين والتي أدت إلى تفاقم الخلل السكاني في المنطقة، ومنها ربط تحفيز الأجانب على شراء العقارات بمنح إقامات دائمة لمشتريها وأسرهم بصرف النظر عن حاجة العمل إليهم. وللعلم يتوقع أن تضيف هذه السياسات والتشريعات حوالي 4,5 مليون مقيم دائم – إضافة إلى العمالة الوافدة - في الدول الأربع التي تأخذ بها. هذا في حين يقدر في عام 2010 عدد مواطني هذه الدول ب4,3 مليون نسمة.

ومن ثم وضع إستراتيجيات وطنية لإصلاح الخلل السكاني المزمن، تعيد للمواطنين دورهم الرئيسي في كل بلد بزيادة نسبة المواطنين في السكان وفي قوة العمل تدريجيا دون زيادة في حجم الوافدين بل تخفيض حجمهم وتحسين نوعيتهم المهنية وتعديل تركيبهم لصالح الناطقين باللغة العربية تدريجيا. هذا مع نمو عدد المواطنين وزيادة نسبتهم في السكان وقوة العمل تدريجيا لتصبح قوة العمل المواطنة 51% من إجمالي قوة العمل ونسبة المواطنين لا تقل عن 75% من إجمالي السكان خلال العشرين عام القادمة. وذلك دون إضرار بحقوق الوافدين التعاقدية والإنسانية وإنما ضمان حقوقهم العادلة وتحسين مستوى حقوقهم الإنسانية ليكون الوافدين والدول التي قدموا منها أصدقاء للمنطقة بعد أن يصبح المواطنون في بلدانهم هم التيار الرئيسي، يستعينون بالوافدين بقدر حاجتهم الضرورية المرحلية وفي حدود طاقتهم كمجتمع على استيعاب المقيمين.

إن تدني نسبة المواطنين في السكان وتراجع نسبة مساهمتهم في قوة العمل بشكل مستمر في جميع دول المنطقة ووصولهم إلى حوالي 10% من إجمالي السكان وحوالي 6% من قوة العمل في قطر والإمارات هو أمر خطير جدا ينبئ بعواقب وخيمة ويتطلب مواجهة جادة وعاجلة تعيد للمواطنين تدريجيا دورهم الرئيسي في المجتمع.

ولعل هذه الحاجة تتأكد، لمن لا يدركها، عندما يلاحظ أن دولا كبرى مثل بريطانيا وفرنسا وسائر الدول الديمقراطية أوقفت الهجرة وأصدرت الأحزاب المتنافسة فيها وعودا انتخابية بتخفيضها في وقت مازالت فيه نسبة المواطنين في السكان تفوق 90%.

وجدير بالتأكيد أن بلوغ نسبة المواطنين في السكان 75% وفي قوة العمل 51% خلال عقدين من الزمن هي من الأهداف الكمية التي يمكن تحقيق قفزة فيها. هذا إذا أخضع إنتاج تصدير النفط والغاز لاعتبارات التنمية الحميدة وتم اعتماد التقنيات كثيفة رأس المال بدل كثيفة العمالة في النشاطات العامة وفي القطاع الخاص، وإذا عملت دول المنطقة على تحقيق التوظيف الكامل والفاعل لقوة العمل المواطنة. و ذلك من خلال الارتقاء بتوجهات نظام التعليم الوطني ونظام التوظيف والتدريب فيها والإفادة من مواردها البشرية المتعلمة التي يتم هدرها نتيجة سوء توظيف المواطنين خاصة المتعلمين منهم في وظائف غير مناسبة لتأهيلهم، و بسبب البطالة الظاهرة والمقنعة والمرفهة وتدني نسبة مشاركة النساء في قوة العمل.

ولا أبالغ إذا قدرت أن نسبة مشاركة المواطنين في قوة العمل المواطنة تقل عن 25% في المنطقة بينما يمكن رفعها إلى 45% أسوة بالدول الأخرى. وإذا قمنا بالحد من البطالة المقنعة والمرفهة والاجتماعية واعتمدنا على الكوادر الوطنية في قيادة النشاطات وفق رؤية وطنية لإصلاح الخلل السكاني فسوف تقل حاجتنا تدريجيا للعمالة الوافدة. وبذلك نتمكن من مواجهة الخلل السكاني المزمن، أحد أصعب التحديات الأمنية والوجودية الكبرى التي تهدد اليوم وحاضر ومستقبل مجتمعات المنطقة وإستقرارها.

التنمية

وأخيرا وليس آخرا، التنمية المستدامة هي غاية الإتحاد بين دول مجلس التعاون. فالتنمية المستدامة هي الغاية والمقصد لكل نشاط إنساني. والدول والتجمعات الاقتصادية اليوم تتعاون وفق اعتباراتها التنموية. والاتحاد المنشود بين دول المنطقة مناط به توفير متطلبات التنمية المستدامة في المنطقة قبل فوات الأوان. وهنا أرجو أن تسمحون لي أن أعود بكم إلى "مشروع الملامح العامة لإستراتيجية التنمية في إطار أقطار مجلس التعاون" التي أعدت عام 1983 بناءً على طلب الأمانة العامة لمجلس التعاون من قبل فريق عمل وعبر ندوتان شارك فيهما حوالي 100 من أبناء المنطقة، ففيها نجد من الأهداف الإستراتيجية للتنمية الحميدة ما يكفينا عن الإعادة. فهذه الأهداف الإستراتيجية التي جاء بها "مشروع الملامح العامة لإستراتيجية التنمية في إطار أقطار مجلس التعاون" عام 1983، ونشرت في كتابي "نحو إستراتيجية بديلة للتنمية الشاملة" عام 1985 من قبل مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت، ومازالت صالحة ويمكن أن يضاف إليها أو يحذف منها بما يناسب معضلات التنمية اليوم في المنطقة ويذلل عقباتها.

وفيما يلي أعرض عناوين الأهداف الإستراتيجية الثمانية العاجلة كما وردت في المشروع والتي يمثل كل منها إستراتيجية في مجاله:

أولاً: تخفيض الاعتماد على النفط وإخضاع إنتاجه لاعتبارات التنمية.
ثانياً: تخفيض حجم قوة العمل الوافدة وتعديل تركيبها وتحسين نوعيتها.
ثالثًا: إخضاع النفقات العامة لمعايير الجدوى الاقتصادية.
رابعاً: إصلاح الإدارة الراهنة وتنميتها.
خامساً: بناء قاعدة اقتصادية بديلة.
سادساً: بناء قاعدة علمية – تقنية ذاتية متطورة.
سابعاً: إصلاح التعليم وربطه بمتطلبات التنمية.
ثامناً: توفير البيئة الملائمة لتنمية ثقافة اجتماعية مستمرة.

تلك كانت الأهداف الإستراتيجية العاجلة "لمشروع الملامح العامة لإستراتيجية التنمية في إطار أقطار مجلس التعاون"، وهي أهداف في جوهرها ما زالت صالحة لعملية التنمية التي تشكل اليوم إحدى غايات المطالب الشعبية بالإتحاد بين دول مجلس التعاون.

ومما لاشك فيه أن هذه الأهداف تحتاج إلى مراجعة وتطوير وملائمة لمواجهة معضلات التنمية والعقبات التي تحول اليوم دون بدء دول المنطقة عملية تنمية حميدة مستدامة، والتي لم تتمكن دول المنطقة منفردة من حلها نتيجة صغر حجم الدول وغياب إرادة التنمية التي تتطلب بالضرورة مشاركة سياسية فعالة. كما تتطلب انتقال دول المنطقة من مرحلة التعاون إلى مرحلة إتحاد قادر على توفير شروط الأمن القومي لدول المنطقة ومتطلبات التنمية المستدامة فيها.

خاتمة

وفي الختام علينا -في هذا المؤتمر وفي غيره من التجمعات الشعبية التي تنشد الإصلاح الجذري لأوجه الخلل المزمنة في دول المنطقة- واجب تكوين جماعة تضم المنتديات والجمعيات والشخصيات الشعبية المعنية بالإصلاح الجذري، يناط بها وضع رؤية مشتركة لانتقال دول المنطقة من مرحلة التعاون إلى مرحلة إقامة إتحاد ديمقراطي يوفر شروط الأمن ومتطلبات التنمية. ومن ثم طرح مطالبنا الشعبية المشتركة، من خلال شخصيات شعبية حكيمة، على حكومات المنطقة وحكامها مباشرة. إضافة إلى توعية وتعبئة الرأي العام حول شعار مؤتمرنا هذا "الإتحاد بين دول مجلس التعاون مطلب شعبي". وبذلك ننتقل بالعمل الشعبي من مجرد دعوة الانتقال من التعاون إلى الاتحاد بين دول المنطقة إلى المطالبة الشعبية السلمية الفعالة بقيام إتحاد ديمقراطي يوفر شروط الأمن ويهيئ متطلبات التنمية المستدامة.

الدوحه في 29 نوفمبر 2012 

** محاضرة أعدها وألقاها الدكتور/ علي خليفة الكواري في مؤتمر تجمع الوحدة الوطنية المنعقد في البحرين من30-11إلى 1-12-2012 تحت شعار "الإتحاد الخليجي مطلب شعبي". 
www.dr-alkuwari.net 

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة