You are here:الرئيسية>مكتبة الديمقراطية>نصوص كتب>نص كتاب: حلمي سالم، ثقافة كاتم الصوت

حق التقاضي وتحصين القرارات الإدارية في قطر

الأربعاء، 03 أيلول/سبتمبر 2014 عدد القراءات 3657 مرة
يوسف أحمد الزمان
 

المحامي/ يوسف أحمد الزمان

الدوحه  12/6/2013

أعد البحث للقاء الاثنين  (24) للسنة الثالثة وقدم للمناقشة  بتاريخ 3/6/2013



حقوق الإنسان قيمة إنسانية رفيعة، بمقتضاها يتمتع كل كائن إنساني بحقوق طبيعية تنبع من إنسانيته.
وأصبح مبدأ استقلال القضاء وكفالة حق التقاضي من المبادئ المستقرة في الضمير الإنساني، ولا يكاد يخلو إعلان من إعلانات حقوق الإنسان من النص عليه وتقريره.
والواقع أن استقلال القضاء وحيدته ونزاهته، وضمان حق الإنسان في التقاضي غدت من القواعد المغروسة في الضمير الإنساني وأصبحت جزءاً من التراث القانوني المتحضر للإنسانية.
ويُنظر إلى تقدم الدول وتطورها بمقدار حرصها على استقلال القضاء فيها، إذْ أن احترام حقوق وحريات الأفراد لا يتأكد إلاّ باحترام استقلال القضاء، وتصبح هذه الحقوق والحريات لغواً ما لم يكن في الدولة قضاءً مستقلاً محايداً يلجأ إليه الأفراد طلباً لحمايته.
وقد أبدى الدستور القطري عناية فائقة بكفالة الحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، واعتبرها من المقومات الأساسية للمجتمع القطري، مؤكداً على سيادة القانون، والمساواة واستقلال القضاء، وكفالة حق التقاضي للناس  كافة.

وتعتبر المساواة في ممارسة حق التقاضي من أهم وأخطر تطبيق لمبدأ المساواة المقرر دستورياً وقد نصت المادة (135) من الدستور الدائم على أن: «التقاضي حق مصون ومكفول للناس كافة». وسوف يتركز بحثنا لهذا الموضوع على بيان مضمون مبدأ كفالة حق التقاضي، وحالات انتهاك هذا المبدأ بمنع القضاء من نظر بعض المنازعات وتحصين بعض القرارات الإدارية من الطعن عليها أمام القضاء.
وسوف نقسم هذا البحث إلى ثلاثة مباحث وعدة فروع وخاتمة، على التفصيل التالي:

  •  المبحث الأول: مضمون مبدأ كفالة حق التقاضي.
  •  المبحث الثاني: كفالة حق التقاضي ومبدأ الفصل بين السلطات ومبدأ المشروعية.
  •  المبحث الثالث: موانع التقاضي في التشريعات الحالية.
  •  الخاتمة.

المبحث الأول
مضمون مبدأ كفالة حق التقاضي


منذ أن اضطلعت الدولة بمهمة العدالة، وهي لا تبيح للأفراد أن يقتضوا حقوقهم بأيديهم بالقوة بعضهم من بعض، بل أوجبت على من يدعي حقاً قِبلَ آخر أن يلجأ إليها، لتمكينه من حقه أو لحمايته له. وبذلك أصبح من أخص وظائف الدولة إقامة العدل بين الناس .
ومادام القضاء عملاً عاماً تستأثر الدولة بتنظيمه وممارسته فقد وجب أن يكون ميسوراً للأفراد من مختلف نواحيه، سهل الإجراءات، وأن يكون في متناول الكافة، وألا يكون باهظ التكاليف.

ويعتبر حق التقاضي من الحقوق الأساسية للإنسان فهو كذلك حق دستوري أصيل، لا يجوز لأي سلطة من السلطات مصادرته، أو منع أي فرد من اللجوء إلى القضاء للدفاع عن حقوقه والذود عن حرماته .

من هنا فإن حق التقاضي من الحقوق الطبيعية للإنسان، إذْ لكل فرد، وقع إعتداء على حقٍ من حقوقه، أن يلجأ إلى القضاء لطلب الحماية لرد ووقف ذلك الاعتداء.

فحق التقاضي من الحقوق التي بدونها يستحيل على الأفراد أن يأمنوا على أموالهم وحرياتهم، ويردوا ما يقع عليهم من اعتداء. ولا يمكن أن تدخل دولة ما في عداد الدول الديمقراطية، أو يكون نظام حكمها كذلك، إلا بتقرير وكفالة حق التقاضي لجميع الأفراد الذين يطمئنون إلى أن حقوقهم محفوظة، وحرياتهم آمنة، عندها تبتعد عن نفوسهم مشاعر الظلم.

وإذْ كانت السلطة القضائية، سلطة مستقلة من سلطات الدولة، طبقاً لمبدأ الفصل بين السلطات، فإنه لا يجوز للسلطة التنفيذية أن تتدخل في الشؤون الخاصة بالسلطة القضائية، ولا تملك القيام بنزع اختصاص من الاختصاصات المخولة لها، أو تقوم بمنع المحاكم من النظر في طعون محددة، أو سماع الدعوى بشأن منازعات معينة.

ولا تملك السلطة التشريعة الحق في إصدار تشريعات تمنع بها القضاء من النظر في قضايا بذاتها، أو تُخرج منازعات بعينها من اختصاصه، وتُوكل أمر البت في تلك المنازعات إلى جهات غير قضائية، أو تسلبه الحق في التصدي لنزاعات بعينها، لأن ذاك المنع، وهذا السلب، يُعتبران اعتداءً صارخاً على حقوق السلطة القضائية بوصفها إحدى السلطات الثلاث الرئيسية في الدولة من جهة، ومن جهة أخرى فإن ذلك يمثل انتهاكاً لحق التقاضي المكفول لجميع المواطنين عن طريق الدستور.

ويعتبر كل ذلك تعطيلاً لوظيفة السلطة القضائية، إذْ هي السلطة المخولة من قِبَل الدستور للفصل في المنازعات. والتشريع الذي يُصادر أو يقيد حق التقاضي يعتبر غير دستوري، ويجب على المحاكم الامتناع عن تطبيقه لأنه مخالف لمبدأ المشروعية الذي يعتبر عنصراً أساسياً من عناصر الدولة القانونية، كما أنه يُهدد مبدأ المساواة بين المواطنين الذي يُعد أهم دعامات الدساتير الحديثة.

وهكذا فإن حق التقاضي يعد حقاً من الحقوق العامة الطبيعية لكل إنسان، والتي استقرت في ضمير العالم المتمدن، والتي لا تحتاج إلى نص يقررها، ولأجل ذلك فإن التشريع الذي يصادره يعد غير دستوري.
وأخيراً، وإذا كان للمشرع سلطة تنظيم القضاء في الدولة، فإن هذه السلطة ينبغي ألا تصل إلى حد هدر التقاضي لأن حق الفرد في أن يجد لكل خصومة قاضياً هو حق استقر في الضمير الإنساني.

وقد أكد القضاء القطري – في بعض أحكامه – على المبدأ مقرراً: «أن الفصل في كافة المنازعات هو من اختصاص السلطة القضائية التي تتولاها المحاكم، إذْ لابد للفرد من أن يجد لكل خصومة قاضياً. فمن المسلّم به كأصل غير قابل لأي جدل أو خلاف أن لكل فرد المطالبة بحقه، والدفاع عنه، والتقاضي بشأنه، وبالتالي فلا يتصور أن توجد منازعة لا يكون لها قاضٍ يفصل فيها».

المبحث الثاني
كفالة حق التقاضي ومبدأ الفصل بين السلطات ومبدأ المشروعية


سوف نبحث بإيجاز في هذا المبحث ارتباط مبدأ كفالة حق التقاضي، بمبدأ الفصل بين السلطات، ومبدأ المشروعية الذي يعني سيادة حكم القانون وإخضاع الحكام والمحكومين لسلطانه، وهو من المبادئ الأساسية التي يقوم عليها النظام الديمقراطي لأنه ضمان لحقوق المواطنين وحرياتهم .


الفرع الأول
كفالة حق التقاضي ومبدأ الفصل بين السلطات


طبقاً لمبدأ الفصل بين السلطات الذي يحكم الدولة الحديثة فإن السلطة القضائية هي الجهة الوحيدة المخولة بالفصل في المنازعات التي تحدث بين الأفراد وبعضهم وبين الدولة وبينهم، وبالتالي لا يجوز للسلطة التنفيذية أن تتدخل في الشئون الخاصة بالسلطة القضائية وتقوم بمنع المحاكم من النظر في طعون محددة أو سماع الدعاوى بشأن منازعات معينة، ولا تملك السلطة التشريعية الحق في إصدار تشريعات تمنع بها القضاء من النظر في قضايا بذاتها أو تُخرج منازعات بعينها من اختصاصه وتُوكل أمر البت في هذه المنازعات إلى جهات غير قضائية.
والمعلوم أن السلطة التنفيذية في الدولة الحديثة تتولى مهمة تنفيذ القوانين وعليها أن تحترم نصوص القوانين التي يضعها المشرع بعدم الخروج عليها أو التنكر لها أو تُهمل في تطبيقها، أو الوقوف موقفاً سلبياً بترك الأفراد يخالفونها دون جزاء .

والقانون الذي يحكم السلطة التنفيذية هو القانون الإداري فهو ينظم السلطة الإدارية أو الإدارة العامة، ويحدد أوجه نشاطها، ويحكم العلاقات التي تنشأ بينها وبين الأفراد عندما تقوم بممارسة هذا النشاط بوصفها سلطة عامة في الدولة .

ويترتب على ذلك نتيجة بالغة الخطورة، تنحصر في أن كل قرار إداري يصدر من الإدارة يجب أن يكون مستنداً إلى نص قانوني بالمعنى العام أي بجميع القواعد الملزمة في الدولة، سواءً أكانت مكتوبة أم غير مكتوبة وأياً كان مصدرها، مع مراعاة التدرج في قوتها .
ويتميز النشاط الإداري بأنه يستهدف تحقيق المصلحة العامة أو النفع العام فاعترف المشرع للإدارة بمجموعة من الإمتيازات تتسم بطابع السلطة العامة إذْ تستطيع الإدارة إلزام الأفراد بإرادتها المنفردة بإصداراها لقرارات من جانب واحد لا تتوقف على قبول الأفراد وموافقتهم، ولها اللجوء إلى استعمال وسائل التنفيذ الجبري بالقوة عند الاقتضاء.

وخشيةً من أن تجور الإدارة حدودها وتنحرف أو تُسئ استعمال تلك الامتيازات لغير صالح الأفراد ولا تلتزم بالحدود التي أوجبها المشرع عليها، فينقلب نشاطها الذي يُراد به نفع الأفراد إلى نشاط تعسفي يهدر حقوق الأفراد وحرياتهم . أصبح من الضروري العمل على فرض الرقابة على نشاط الإدارة حتى لا تنحرف عن حدود اختصاصاتها وغايتها، وذلك بإلزامها باحترام القوانين والخضوع لأحكامها في كل ما تأتيه من أعمال وما تتمتع به من سلطات، وهو الأمر الذي لا يتحقق إلا بافتراض قيام التنظيم القانوني في الدولة على أساس مبدأ المشروعية .(2)

الفرع الثاني
كفالة حق التقاضي ومبدأ المشروعية


إن فرض الرقابة على أعمال الإدارة لضمان عدم خروجها على أحكام القوانين، يتأسس على مبدأ المشروعية أو سيادة القانون الذي غدا من المبادئ الأساسية لقيام الدولة القانونية، والمعول الرئيسي في تمييزها عن الدولة البوليسية أو الاستبدادية .

وقد إلتزم الدستور الدائم لدولة قطر بهذا المبدأ مؤكداً على قيام المجتمع القطري على دعامات العدل، والإحسان والحرية ، والمساواة ومكارم الأخلاق، وتصون الدولة دعامات المجتمع، وتكفل الأمن والاستقرار وتكافؤ الفرص للمواطنين ، والمواطنون متساوون في الحقوق والواجبات العامة ، والناس متساوون أمام القانون لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس، أو الأصل، أو اللغة، أو الدين . والحرية الشخصية مكفولة، ولا يجوز القبض على إنسان أو حبسه أو تفتيشه أو تحديد اقامته أو تقييد حريته في الإقامة أو التنقل إلا وفق أحكام القانون. ولا يُعَّرض أي إنسان للتعذيب أو للمعاملة الحاطة بالكرامة، ويعتبر التعذيب جريمة يعاقب عليها القانون ، ولخصوصية الإنسان حرمتها، فلا يجوز تَعّرُض أي شخص لأي تدخل في خصوصياته أو شؤون أسرته أو مسكنه أو مراسلاته أو أية تدخلات تمس شرفه أو سمعته إلا وفقاً لأحكام القانون وبالكيفية المنصوص عليها فيه ، ولا يجوز إبعاد أي مواطن عن البلاد، أو منعه من العودة إليها .

وأن سيادة القانون أساس الحكم في الدولة، وشرف القضاء ونزاهة القضاة وعدلهم ضمانٌ للحقوق والحريات ، والسلطة القضائية مستقلة وتتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها وتُصدر أحكامها وفق القانون ، والقضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، ولا يجوز لأي جهة التدخل في القضايا أو في سير العدالة ، والتقاضي حق مصون ومكفول للناس كافة، ويُبين القانون إجراءات وأوضاع ممارسة هذا الحق .

وإلتزام الإدارة بالعمل في دائرة حدود النظام القانوني المقرر في الدولة هو ما يطلق عليه مبدأ المشروعية ومبدأ (سيادة حكم القانون) أي خضوع الإدارة للقوانين المعمول بها، ويعتبر خضوع الإدارة في نشاطها للقانون تطبيقاً لمبدأ المشروعية وعنصراً من عناصر الدولة القانونية .

ونشير إلى أن النصوص التي يتضمنها الدستور تعتبر أعلى القواعد القانونية في الدولة، ولهذا فإنها تُوضع على رأس البناء القانوني للدولة، وتحكم بقية القواعد القانونية الأخرى التي يجب أن تدور في فلكها وتتقيد من حيث صدورها ومضمونها بما تقضي به تلك القواعد الدستورية .
وأن ما انعقد عليه الإجماع هو أن الدولة إذا كان لها دستور مكتوب وجب عليها إلتزامه في تشريعاتها وفي قضائها وفيما تمارسه من سلطات إدارية، وتعين اعتبار الدستور فيما يشتمل عليه من نصوص، وفيما ينطوي عليه من مبادئ هو القانون الأعلى الذي يسمو على جميع القوانين، والدولة في ذلك تلتزم أصلاً من أصول الحكم الديمقراطي هو الخضوع لمبدأ سيادة الدستور .
وحتى يتم تطبيق مبدأ المشروعية تطبيقاً صحيحاً يجب عدم الحد من الرقابة القضائية على أعمال الإدارة ذلك أن مخاطر الإنحراف وعدم احترام الإدارة لحقوق وحريات المواطنين وتسخير مراكز السلطة للقفز فوق القوانين واستغلال سلطات الحكم من قِبل المسؤولين لمرافق الأُمة، هو المظهر الأساسي لأزمة النُظم المعاصرة، فإذا لم تخضع كافة سلطات الإدارة لرقابة قضائية تنبسط على جميع أعمالها وتصرفاتها الصادرة من مختلف هيئاتها في حدود القانون، إنهارت المشروعية التي تعتبر هي الترجمة الصحيحة لآمال الشعوب وأمانيها...، ولا يمكن أن تستمر المشروعية في تحقيق قيمتها وأهدافها، وفي فاعليتها، واندفاعها، إذا لم تكن الرقابة القضائية شاملة لتصرفات الإدارة وإذا لم تكن المحاكم مفتوحة لمختلف المنازعات .

والمستقر عليه أن جزاء إخلال الإدارة بمبدأ المشروعية واتيانها تصرفات خارجة على حدوده ومخالفة لأحكامه هو بطلان التصرف الذي اتخذته والتعويض عن الضرر الذي قد يترتب عليه.
ولكن ما هي وسيلة الفرد الذي يكون التصرف الإداري المخالف - لمبدأ المشروعية – صادراً في مواجهته؟ وكيف له الدفاع عن حقه الذي مسه التصرف الإداري؟
أوضحنا بأن الفرد لا يستطيع أن يقتضي حقه بنفسه ويدرأ مباشرة الإعتداء الواقع عليه إذْ يتعين عليه اللجوء إلى الجهة المخولة بذلك وهي السلطة القضائية كما وأن الفرد – كمبدأ عام – لا يستطيع أن يقاوم تنفيذ أوامر السلطة العامة وإنما يجب عليه الخضوع لها، وله بعد ذلك أن يتظلم منها ويطعن عليها للتخلص منها ومن آثارها.

ومن ثم فلابد من وجود جهة يلجأ إليها الأفراد يستنصفونها، وتكون لديه الوسيلة الموصلة إلى تقرير بطلان التصرف المخالف لمبدأ المشروعية وإلغائه بناءً على ذلك، وتقرير التعويض المناسب في مقابل الضرر الذي يكون قد أحدثه.
إن سيادة القانون تتحقق بكفالة الرقابة القضائية وذلك بأن يكون لكل شخص يمكن أن تتأثر مصالحه بقرار إداري ما، الحق في أن يمثل أمام القضاء وأن يستمع إليه ويشترط أن يكون هذا القضاء مستقلاً استقلالاً كاملاً .
إن سيادة القانون لن تتحقق مالم تُفرض هذه السيادة على كافة السلطات في الدولة وأولها السلطات التي تملك التشريع، وأن يقوم النظام كله على اعترافٍ وتسليم أن هناك من المبادئ والقيم ما يستعصي على أية سلطة المساس بها في جميع الظروف، لا فرق بين ظروف عادية أو استثنائية .

المبحث الثالث
موانع التقاضي في ظل التشريعات الحالية


بالرغم من وضوح مبدأ كفالة حق التقاضي المقرر بالدستور القطري على النحو الذي شرحنا له، إلاّ أن هذا المبدأ الدستوري الهام ما زال يتعرض للمصادرة بالنسبة لبعض الأنزعة وذلك بإصدار بعض التشريعات التي تسلب القضاء اختصاصه بمنع الطعن أمامه في بعض القرارات الإدارية التي أخرجها المشرع من دائرة اختصاصات القضاء، وتحصين تلك القرارات الإدارية من الطعن عليها بالإلغاء، وكذلك إخراج بعض الأعمال الصادرة من السلطة التنفيذية من دائرة الرقابة الإدارية والمعروفة باسم الأعمال الحكومية أو أعمال السيادة.
وتجدر الإشارة إلى أن نظرية التحصين للتشريع تُعد من بين النظريات المعاكسة لمبدأ المشروعية الذي يفترض خضوع جميع القرارات الإدارية للقانون، والامتثال لضوابطه أياً كانت الجهة المصدرة للقرار ومضمونه.
ويُعرف الفقه القانوني التحصين التشريعي بأنه عبارة عن حصانة تشريعية يُسبغها المشرع على بعض القرارات الإدارية بهدف استبعادها من ميدان الرقابة القضائية، وبذلك يعمل المشرع على تجريد الأفراد من حق التقاضي، ومخاصمة القرار الإداري المُحصن تشريعياً أمام القضاء .
وسوف نتناول بالبحث الحالات التي استثناها المشرع القطري من الطعن عليها بالإلغاء أمام القضاء القطري، طبقاً لما جاء به القانون رقم 7 لسنة 2007 بشأن الفصل في المنازعات الإدارية، وذلك في المطالب الآتية.

المطلب الأول
مصادرة حق التقاضي بالتشريعات المانعة من دعوى الإلغاء والتعويض


تمهيد:
عرضنا فيما سبق في هذه الدراسة لنصوص الدستور الدائم لدولة قطر التي كرست وأكدت على مبدأ استقلال القضاء، وسيادة حكم القانون وكفالة حق التقاضي للناس كافة دون قيود أو شروط. وقلنا بأنه لا يجوز أن يهدر التشريع (القانون) ما يقرره الدستور. وأنه يجب أن تؤخذ مواد الدستور ككل وأن يُنظر إليها في مجموعها وهي قواعد تتكامل فيما بينها ويندرج تحتها نص المادة (135) الذي يكفل حق التقاضي.
من هنا فإن الدساتير التي تنص على أن التضامن الاجتماعي أساسي للمجتمع، وعلى إلزام الدولة بكفالة حق التقاضي والأمن والحرية والطمأنينة وتكافؤ الفرص لجميع المواطنين، والمواطنون متساوون في الحقوق والواجبات العامة، والناس متساوون أمام القانون. وبالتالي فإنه من غير المستساغ من الناحية الدستورية صدور تشريعات تمنع أو تُقيد بعض الأفراد من المواطنين من حق التقاضي أو تمنع القضاء من النظر في قضايا بذاتها أو تُخرج منازعات بعينها من اختصاصه، أو تسلب القضاء الحق في التصدي لنزاعات بعينها، إذْ أن مثل هذه التشريعات أبعد ما تكون عن دعامات العدل والإحسان والحرية والمساواة ومكارم الأخلاق (المادة 18 من الدستور) وصيانة دعامات المجتمع وكفالة الأمن والاستقرار وتكافؤ الفرص للمواطنين (المادة 19 من الدستور) وتوطيد روح الوحدة الوطنية، والتضامن والإخاء بين المواطنين كافة (المادة 20 من الدستور) .

لذلك فإن أي سلب أو منع أو إخراج أو تقييد لحق الفرد من اللجوء إلى قاضيه الطبيعي يمثل انتهاكاً لحق التقاضي المكفول لجميع المواطنين دستورياً، ويعتبر كل ذلك تعطيلاً لوظيفة السلطة القضائية المخولة من قِبل الدستور للفصل في المنازعات.
والتشريع الذي يصادر أو يقيد حق التقاضي يكون غير دستوري، ومخالف لمبدأ المشروعية الذي يعتبر عنصراً أساسياً من عناصر الدولة القانونية، كما أنه يهدد مبدأ المساواة بين المواطنين الذي يُعد أهم دعامات الدستور القطري.
وطالما أن النصوص الدستورية قد أوردت جميع تلك الحقوق دون تقييد أو تنظيم، فيترتب على ذلك أنه لا يجوز للمشرع أن يتناولها بالتقييد أو التنظيم، إذْ أن سلطته مقيدة في هذا الشأن، فإذا جاوز اختصاصاته وأصدر تشريعات معينة تنظم هذه الحقوق أو قيدها، فإن ذلك يمثل خروجاً على نصوص الدستور ومخالفة لأحكامه .

فرغم من أن الدستور الدائم لدولة قطر حرص بصياغات واضحة وصريحة على مبدأ استقلال القضاء وأن القضاة مستقلون، لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، ولا يجوز لأية جهة التدخل في القضايا أو في سير العدالة ، إلا أن المشرع القطري أصدر عدة تشريعات استثناءً على مبدأ المساواة أمام القضاء، وقيّد وحدّد وصادر حق التقاضي بشأن بعض المنازعات ومنع القضاء من نظرها وسلبه ولاية اختصاصه الأصيل المقرر دستورياً. وأنشأ جهات أخرى للنظر في منازعات معينة هي أصلاً من اختصاص السلطة القضائية صاحبة الولاية العامة في نظر جميع المنازعات التي تنشأ في الدولة.

وسوف أعتني في هذه الدراسة الموجزة ببيان ما تضمنه القانون رقم (7) لسنة 2007 بشأن الفصل في المنازعات الإدارية - وما تضمنه – هذا التشريع من تحصين لبعض القرارات الإدارية من الطعن عليها بالإلغاء أو التعويض عنها أمام القضاء، إذْ منع المشرع القطري القضاء من فرض رقابته القضائية على تلك القرارات وفحص مشروعيتها ومدى اتفاقها مع مبدأ المشروعية.

وهذا الأمر يُعد من وجهة نظرنا أمراً خطيراً يخالف مبدأ المشروعية الذي يعتبر عنصراً أساسياً من عناصر الدولة القانونية كما شرحنا، ذلك أنه إذا ما تحللت الإدارة من قيود القوانين فإن الرقابة القضائية هي التي تجبرها على التقيد بحدود القانون، فإذا انعدمت هذه الرقابة عندها تكون الإدارة حرة طليقة فيما تصدره من قرارات وتتحصن أخطاؤها وتنعدم وسائل تصحيحها فينال منها الأفراد أشد الأضرار في حقوقهم وحرياتهم.
والواقع أن مسلك المشرع القطري في هذا الصدد لا يمكن الدفاع عنه أو تبريره لتصادمه ولخروجه على اتجاه الدستور فيما يتعلق بضرورة تكافؤ الفرص للمواطنين والمساواة وكفالة حق التقاضي.
وحسبما أوضحنا فإن نصوص الدستور القطري كرست مبدأ المشروعية (سيادة حكم القانون) وكفالة حق التقاضي للناس كافة دون قيود أو شروط.

وبمراجعتنا لتلك النصوص الدستورية لم نجد أنها قيدت حق التقاضي بأي قيد، بما لازمه أن لكل فرد وقع اعتداء على حق من حقوقه أن يلجأ إلى قاضيه الطبيعي طالباً منه الحماية لرد ووقف ذلك الاعتداء.

وإذا كان المشرع القطري قد أسند للقضاء بمقتضى القانون رقم (7) لسنة 2007 النظر في المنازعات الإدارية، امتثالاً منه لنص المادة 138 من الدستور التي نصت على أنه: «يحدد القانون الجهة المختصة بالفصل في المنازعات الإدارية ويبين نظامها وكيفية ممارستها لعملها».

فإن هذا النص إضافةً إلى غيره من النصوص الدستورية الداعمة لاستقلال القضاء أكدت جميعها على أن ولاية الفصل في كافة المنازعات الإدارية إلغاءً وتعويضاً هي ولاية شاملة وكاملة للقضاء وبدون قيد أو تحديد، بما يترتب على ذلك أنه لا يجوز للمشرع أن ينتقص من هذه الولاية العامة، إعمالاً للقاعدة الأصولية التي تقضي بأن العام يُؤخذ على عمومه، ما لم يوجد ما يقيده نصاً أو دلالة وبالتالي لا يكون هناك أي مجال للتشريعات المانعة من التقاضي أو النصوص المُحصِنة لبعض القرارت الإدارية من الطعن فيها .


ومن المبادئ المستقرة أن النصوص الدستورية التي تتضمن صيانة الحقوق والحريات الفردية إذا جاءت مطلقة فإنها تنفذ من تلقاء ذاتها دون حاجة لصدور تشريع. فالهدف من النص على هذه الحقوق والحريات في الدستور وإطلاقها من كل قيد هو منحها قدراً أكبر على مواجهة التعدي واعتبارها قيداً على إرادة المشرع لصد كل أفعال الاستبداد، وليس الهدف من النص عليها في الدستور هو منحها مجرد قيمة أدبية مفرغة من كل مضمون .

والواقع أن جهة الإدارة ليست بحاجة إلى أن تحرم فئة من المواطنين من حق التقاضي أو أن يُمنع القضاء من النظر في بعض المنازعات المتعلقة ببعض التشريعات السارية في الدولة خوفاً من تصدي القضاء لتلك المنازعات وفرض الرقابة القضائية عليها بما قد يعرقل عمل الإدارة. لأن مبدأ المشروعية لا يهمل مقتضيات حُسن الإدارة ويضع في الاعتبار ما يواجه الإدارة من أزمات تقتضي خروجها على حدود المشروعية العادية ولهذا زُودت الرقابة القضائية ببعض صمامات الأمان تتمثل في أعمال السيادة ومجالها مرن يضيق ويتسع وفقاً للظروف الاستثنائية والسلطة التقديرية، وجميعها تُخول الإدارة حرية التصرف بقدر معقول وفي الحدود التي تكفل الحرية والأمن والطمأنينة لجميع المواطنين .

كان من المأمول بعد أن صدر الدستور الدائم للدولة وتقريره لمبادئ المساواة وتكافؤ الفرص للمواطنين، والمواطنون متساوون في الحقوق والواجبات العامة وأمام القانون، وسيادة القانون أساس الحكم في الدولة، والتقاضي حق مصون ومكفول للناس كافة. وتأكيده (الدستور) على ضرورة تحديد جهة للفصل في المنازعات الإدارية، دون قيد أو تحديد - كان من المأمول - أن يبادر المشرع فوراً إلى تفعيل تلك المبادئ الدستورية وإصدار تشريعات تصوغ تلك المبادئ وتتبناها، وتحافظ على وجودها الفعلي والعملي، من خلال صياغات منضبطة محددة وواضحة، تكفل استقلال القضاء في العمل وكفالة حق التقاضي وسيادة حكم القانون، دون عوائق أو حواجز، والإبتعاد عن الحيل التشريعية التي كثيراً ما تتدخل لإفراغ المبادئ الدستورية من معانيها بهدف تعطيلها.

وجاء القانون رقم 7 لسنة 2007 بشأن الفصل في المنازعات الإدارية مُحدداً الجهة التي تتولى نظر المنازعات الإدارية وهي المحاكم، على أن تنشأ بالمحكمة الابتدائية دائرة إدارية أو أكثر، تُشكل كل منها من ثلاثة قضاة تختص دون غيرها بنظر المنازعات الإدارية المحددة بهذا القانون.
وللأسف الشديد عمد المشرع في هذا القانون على النحو الذي سوف نوضحه إلى إخراج وتحصين الكثير من القرارات الإدارية من رقابة القضاء مخالفاً بذلك تلك المبادئ الدستورية التي قررها الدستور الدائم للدولة.

ولا نرى أن هناك ثمة مبرر موضوعي أو قانوني لتحصين الكثير من قرارات السلطة التنفيذية وإخراجها من دائرة خضوعها للرقابة القضائية خصوصاً في عصرنا الحالي الذي أصبحت فيه مبادئ استقلال القضاء وضمان حق الإنسان في التقاضي من القواعد المغروسة في الضمير الإنساني وأصبحت جزءاً من التراث القانوني المتحضر للإنسانية .

والمُلفت للنظر في صياغة مواد القانون رقم 7 لسنة 2007 وخاصةً المادة الثالثة منه التي خصت الدائرة الإدارية بالفصل في المنازعات الإدارية، أنها جاءت بصياغة معقدة وأحياناً مبهمة، وحددت اختصاص الدائرة الإدارية تحديداً فيه إخلال صريح بمبدأ المساواة بين المواطنين الذي يُعتبر من أهم دعامات الدستور القطري. وآية ذلك على سبيل المثال لا الحصر أنها حرمت طائفة من الموظفين العموميين من ذوي الدرجات الأعلى من الدرجة الوظيفية الأولى، من الطعن في القرارات الصادرة بترقيتهم أو إنهاء خدمتهم، أو القرارات التأديبية الصادرة بحقهم. بينما أتاحت هذا الطعن للموظفين من الدرجة الأولى فما دونها.

بما يكون معه القانون قد انطوى على تفرقة في المعاملة بين أشخاص تماثلت حقوقهم المعتدى عليها. ولما كان حق التقاضي من الحقوق العامة التي كفل الدستور المساواة بين المواطنين فيه، فإن حرمان طائفة معينة من هذا الحق مع تحقيق مناطه هو قيام المنازعة في حق من الحقوق، ينطوي على إهدار لمبدأ المساواة بينهم وبين غيرهم من المواطنين الذين لم يُحرموا من هذا الحق .

ومن المُسلم به أن الدائرة الإدارية بالمحكمة الابتدائية لم تنشأ إلا لكي تكون جهة متخصصة في نظر المنازعات الإدارية عموماً، وبالذات ليُعهد إليها بولاية إلغاء القرارات الإدارية المعيبة، ومن ثم لا يجوز أن يقوم المشرع بتصنيف القرارات الإدارية واستبعاد ما يشاء منها من الرقابة القضائية، وابقاء ما يشاء منها في دائرة الرقابة القضائية دون سند دستوري، إذْ الدستور لم يعطي المشرع هذا الحق وبالتالي يكون عمله غير دستوري.

ونستعرض في ثلاثة فروع متعاقبة القرارات الإدارية التي أخرجها المشرع من اختصاص القضاء الإداري وحصنها من الطعن عليها بالإلغاء على النحو الآتي:

  • الفرع الأول: أعمال السيادة.
  • الفرع الثاني: مسائل الجنسية.
  • الفرع الثالث: القرارات الإدارية المُحصنة.

الفرع الأول
أعمال السيادة


    نصت المادة 13 من قانون السلطة القضائية رقم (10) لسنة 2003 على أنه: «ليس للمحاكم أن تنظر بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في أعمال السيادة ومسائل الجنسية».
    لم يُعرف المشرع القطري أعمال السيادة التي تكون بمنأى عن الرقابة القضائية وبالتالي لا تكون محلاً للتقاضي ويمكن القول بأنه ليس ثمة معيار قاطع في التعرف على طبيعة عمل السيادة، وأن عمل السيادة هو كل عمل يقرر له القضاء هذه الصفة. وباستعراض أحكام القضاء في فرنسا وفي مصر يمكن أن تُرد أعمال السيادة إلى الطوائف الآتية:
    أولاً: الأعمال المنظمة لعلاقة الحكومة بالبرلمان وبضمان سير السلطات العامة وفقاً للدستور.
ثانياً: الأعمال المتعلقة بسير مرفق التمثيل الدبلوماسي.
ثالثاً: بعض الأعمال المتعلقة بالحرب.

رابعاً: بعض الأعمال المتعلقة بسلامة الدولة وأمنها الداخلي: منها الإجراءات التي تتخذها الإدارة لوقاية الصحة العامة في حالة الأوبئة، وإعلان الأحكام العرفية (الطوارئ) في حالة قيام اضطرابات تهدد سلامة الدولة وأمنها.
    ومن أعمال السيادة بعض إجراءات البوليس التي تُتخذ ضد الأجانب لاسيما في حالة الحرب كتصفية أملاكهم في حالة تبعيتهم لدولة من دول الأعداء ورفض تجديد التصريح لهم بالإقامة .
    وإذا ما تقررت صفة عمل السيادة لقرارٍ ما فليس أمام القاضي إلا أن يحكم بعدم الاختصاص أياً كانت طلبات المدعي في دعواه، أي سواءً تعلقت بالإلغاء أو بالتعويض ، وهناك رأي فقهي يقول بأن على القاضي أن يحكم بعدم جواز نظر الدعوى .
    نخلص مما سبق أن المشرع لم يُعرف أعمال السيادة لأن تعريفها أمر عسير، إن لم يكن مستحيلاً ، وهدفه من النص بصرف النظر عن طريقة صياغته هو منع القضاء من مناقشة أعمال السيادة ورقابتها.

    وإذْ كان المشرع لم يضع تعريفاً لأعمال السيادة فإنه بذلك ترك للقضاء هذه المهمة، ذلك أن المحاكم تكون هي المختصة بتقرير الوصف القانوني للعمل الصادر عن السلطات العامة وصاحبة القول الفصل في أنه من أعمال السيادة، وحينئذٍ لا يكون لها أي اختصاص بالنظر فيه، وتكييف قضاء الموضوع للأعمال الصادرة عن السلطات العامة خاضع لرقابة محكمة التمييز.
    ويقع على عاتق القاضي الإداري حماية المشروعية في الدولة خاصةً ضد تعسف الإدارة، ذلك أن القضاء الإداري هو الملإذْ الحقيقي الوحيد للأفراد وهو الحصن المنيع لحرياتهم وحقوقهم ضد انحرافات السلطة التنفيذية في قراراتها الإدارية. فإذا تبين للقاضي أن طبيعة العمل الذي يفحصه، أنه عمل إداري وجب عليه أن يقبل الدعوى الموجهة ضده على الفور إذا توافرت الشروط الأخرى لذلك، ويخضعه لرقابته الكاملة دون إلتفات إلى دفع الإدارة بأن هذا العمل أو غيره من أعمال السيادة. ذلك أن الإدارة لا تلجأ إلى الدفع بأن عملاً ما من أعمال السيادة إلا إذا كان مخالفاً للقانون وتبغي الإدارة من ذلك تحصينه والإبقاء عليه نافذاً في حق الأفراد وسارياً في مواجهتهم رغم عدم مشروعيته .

    ويرى الدكتور الفقيه سليمان الطماوي أن أعمال السيادة: «هي بطبيعتها أعمال إدارية، ولكنها بمنجاة من كل رقابة قضائية مهما كانت درجة عدم مشروعيتها، أو الآثار الضارة المترتبة عليها. وهي بهذه المثابة، تمثل نقطة سوداء في جبين المشروعية. ولهذا فإن هناك رغبة شبه اجماعية بين الفقهاء بزوالها من عالم القانون» .

الفرع الثاني
مسائل الجنسية


بيّنا أن قانون السلطة القضائية في المادة (13) منه أخرج من ولاية القضاء أعمال السيادة وهي الأعمال التي تقوم بها الحكومة مدفوعةً باعتبارات تتعلق بالسياسة العليا للدولة، وعليه فإن هذه الأعمال تخرج من نطاق اختصاص القضاء عموماً فلا تكون له بصددها ولاية إلغائها ولا ولاية التعويض عنها، فإذا رُفعت دعوى قضائية بشأنها تعين الحكم بعدم جواز نظر الدعوى، وليس بعدم الاختصاص كما ورد في كثير من الأحكام القضائية .
كذلك فإن المشرع القطري عمد إلى إخراج مسائل الجنسية من ولاية القضاء. والواقع أن مسائل الجنسية في دولة قطر وما يتعلق بها من قرارات تتسم بطابع خاص أملته عدة اعتبارات تقتضي المحافظة على كيان الدولة وهي قرارات تُعد في حكم أعمال السيادة التي تصدر من الحكومة باعتبارها سلطة حكم لا سلطة إدارة، وبالتالي فقد أخرج المشرع مسائل الجنسية والمنازعات الناشئة عنها من ولاية القضاء وحظر عليه التعرض لكافة المسائل المتصلة بالجنسية سواءً اتصل ذلك بأصل استحقاقها أو سقوطها أو سحبها أو اعادتها، ويشمل هذا الحظر دعوى الإلغاء ودعوى التعويض.
    من هنا فإنه بات للمشرع الحرية الكاملة بمقتضى القانون العام بتنظيم كافة مسائل الجنسية وتقديرها على الوجه الملائم والذي يتفق مع الصالح العام.


الفرع الثالث
القرارات الإدارية المُحصنة من الرقابة القضائية


    نصت المادة الثالثة من القانون رقم (7) لسنة 2007 بشأن الفصل في المنازعات الإدارية على أنه: «مع مراعاة حكم المادة (13) من قانون السلطة القضائية المشار إليه، تختص الدائرة الإدارية، دون غيرها، بنظر المنازعات الإدارية التالية:
1- المنازعات الخاصة بالمرتبات والمعاشات والمكافآت والعلاوات المستحقة للموظفين أو لورثتهم، أياً كانت درجاتهم الوظيفية.
2- الطلبات التي يقدمها ذوو الشأن بإلغاء القرارات الإدارية النهائية الصادرة بترقية الموظفين من الدرجة الأولى فما دونها وما يعادلها أو إنهاء خدمتهم، والقرارات التأديبية الصادرة بشأنهم.
3- الطلبات التي يقدمها الأشخاص الطبيعيون والمعنويون بإلغاء القرارات الإدارية النهائية، عدا الأوامر والقرارات والمراسيم الأميرية، والقرارات الصادرة بموجب القانون رقم (17) لسنة 2002 بشأن حماية المجتمع، والقرارات الصادرة بموجب القوانين المتعلقة بالجمعيات والمؤسسات الخاصة، والمطبوعات والنشر وتراخيص إصدار الصحف والمجلات، وتراخيص الأسلحة والذخائر والمتفجرات، ودخول وإقامة الأجانب وإبعادهم، ونزع الملكية للمنفعة العامة.
4- طلبات التعويض عن القرارات المنصوص عليها في البندين (2)، (3) من هذه المادة، سواء رفعت بصفة أصلية أم تبعية.
5- منازعات العقود الإدارية».
    وسوف نُبيّن القرارات الإدارية التي أُخرجت من اختصاص الدائرة الإدارية وحُصِّنت من الطعن عليها بالإلغاء على النحو الآتي:

أولاً: القرارات المتعلقة بالموظفين ذوي الدرجات الوظيفية العليا:

الثابت من مطالعة الفقرتين الأولى والثانية من المادة الثالثة من القانون رقم 7 لسنة 2007 سالفة البيان أنها تضمنت اختصاص الدائرة الإدارية بنظر المنازعات الخاصة بالمرتبات والمعاشات والمكافآت والعلاوات المستحقة للموظفين أو لورثتهم أياً كانت درجاتهم الوظيفية.
    وتضنمت الفقرة الثالثة اختصاص الدائرة الإدارية بنظر الطلبات التي يقدمها ذوو الشأن بإلغاء القرارات الإدارية النهائية الصادرة بترقية الموظفين من الدرجة الأولى فما دونها أو ما يعادلها أو إنهاء خدمتهم والقرارات التأديبية الصادرة بحقهم.

    ومؤدى الفقرة الثانية من المادة الثالثة من القانون رقم 7 لسنة 2007 أن المشرع القطري في قانون الفصل في المنازعات الإدارية المشار إليه قد أناط بالدائرة الإدارية بالمحكمة الابتدائية الاختصاص – وعلى سبيل الحصر – بنظر المنازعات الواردة تفصيلاً بالمادة (3) سالفة الذكر والتي ورد من بينها المنازعات الخاصة بالموظفين العموميين فيما يتعلق بإلغاء القرارات الإدارية النهائية الصادرة بترقيتهم أو إنهاء خدمتهم والقرارات التأديبية الصادرة بشأنهم شريطة أن تكون هذه المنازعات متعلقة بشاغلي الدرجة الأولى فما دونها.
    وبمفهوم المخالفة فإن منازعات الموظفين الخاصة بترقية أو إنهاء خدمة شاغلي الدرجات الأعلى من الدرجة الوظيفية الأولى والقرارات الصادرة بتأديبهم تخرج من الاختصاص الولائي للدائرة الإدارية بالمحكمة الابتدائية.

    والثابت أن المشرع أخرج من الاختصاص الولائي للدائرة الإدارية بالمحكمة الابتدائية المنازعات الخاصة بترقية أو إنهاء خدمة شاغلي الدرجات الأعلى من الدرجة الأولى مثل درجة وكيل وزارة مساعد أو درجة وكيل وزارة وغيرهم ممن تعلو درجتهم الوظيفية على الدرجة الأولى، من الاختصاص الولائي للمحكمة ولم ينظم المشرع ثمة طريق قضائي للفصل في المنازعات الخاصة بهذه الفئة من الموظفين.
    ويكون النص المذكور قد اقتطع من اختصاص الدائرة الإدارية أو القضاء على وجه العموم إلغاء القرارات الإدارية المتعلقة بشئون الموظفين ذوي الدرجات الوظيفية الأعلى من الدرجة الأولى وفقاً للدرجات الوظيفية بقانون الموارد البشرية رقم 8 لسنة 2009 وغيره من القوانين واللوائح التي تحكم الوظائف العامة في الدولة. والقرارات المتعلقة بترقياتهم وإنهاء خدمتهم والقرارات التأديبية الصادرة بشأنهم، بمعنى أن المشرع حصّن هذه القرارات من الطعن عليها بالإلغاء أو التعويض.
أما المنازعات المتعلقة بالمرتبات والمعاشات والمكافآت والعلاوات المستحقة لهم ولورثتهم فإن الاختصاص بها معقوداً للدائرة الإدارية وفقاً للفقرة الأولى من المادة الثالثة محل البحث.

والواقع أن استبعاد رقابة القضاء بالنسبة للقرارات الصادرة بترقية وإنهاء خدمات وتأديب الموظفين ممن تزيد درجتهم الوظيفية على الدرجة الأولى فيه إهدار لضمان استقرار هذه الفئة من الموظفين واستقرار حياتهم الوظيفية وبالتالي ضمان استمرار حُسن سير العمل في المرافق العامة، وإشاعة روح القلق والخوف على حقوقهم من انحرافات الإدارة.
وليس من قواعد العدالة أن يكون من يشغل الدرجة الأولى وما دونها في الوظيفة العامة هم أكثر حمايةً ممن هم في الدرجة الوظيفية التي تعلوها، ذلك أن القاعدة القانونية قاعدة عامة ومجردة لم تُخلق لفرد دون آخر، ومن ثم فإن الحماية القانونية للقاعدة تسري على الكافة دون استثناء، ولا يجوز الأخذ بالقاعدة التنظيمية وسيلةً لحرمان ذوي الدرجات المختلفة من قاضيهم الطبيعي واستبعاد حمايتهم من عسف الإدارة.
والقانون الذي يحرم فئة من الموظفين من حقهم في التقاضي عن شئون وظائفهم يتصادم مع القواعد الدستورية المقررة فيما جرى عليه نص المادة (35) من الدستور الدائم الذي قرر بأن الناس متساوون أمام القانون، وما نصت عليه المادة (34) أيضاً من أنهم متساوون في الحقوق.

والتفرقة التي جاءت بها الفقرة الثانية من المادة الثالثة من القانون رقم 7 لسنة 2007 فيما بين الموظفين العموميين وفقاً لدرجاتهم الوظيفية وحرمان فئة من حق التقاضي بالنسبة لبعض شؤونهم الوظيفية فيها إخلال بمبدأ المساواة – بين المواطنين– أمام القانون والقضاء، ذلك أن حرمان فئة من الموظفين من حق التقاضي يجب أن يستند إلى اعتبار موضوعي معقول وألا يتعارض هذا الحرمان مع مبدأ المساواة إذْ أنه من غير المستساغ اسباغ الحماية القانونية على الموظفين ذوي الدرجة الوظيفية الأولى ومن هم أدنى، بينما يُحرم من هذه الحماية من تفوق مراكزهم الوظيفية الدرجة الأولى، إذْ أن ذلك يؤدي إلى تجريد هذه الفئة الأخيرة من سلاح قانوني تتمتع به فئات أخرى من الموظفين وهو أمر يخلق الكثير من المنازعات بين أفراد المجتمع لإهداره مبدأ المساواة بين المواطنين كما أسلفنا.

صفوة القول، إن حرمان الموظفين ممن تفوق درجتهم الوظيفية الدرجة الأولى من النفإذْ إلى القضاء هو أمر مخالف للدستور وللمادة 135 التي كُفل بها حق التقاضي للناس كافة، وبالتالي فإنه لا يجوز للمشرع أن يحرمهم من هذا الحق إذْ يتوجب إتاحة الفرصة لهم أُسوةً بأقرانهم من ذوي الدرجة الأولى وما دونها طلب إلغاء القرارات الإدارية الصادرة في شئونهم أمام الدائرة الإدارية بالمحكمة الابتدائية، وكذلك ما ينازعون في مستحقاتهم من مرتبات ومعاشات مكافآت وتلك جميعها أمور ذات طبيعة إدارية وهي في صلب اختصاص الدائرة الإدارية التي أُنشأت لكي تكون جهة متخصصة في نظر المنازعات الإدارية عموماً وبالذات ليُعهد إليها بولاية إلغاء القرارات الإدارية المعيبة.

الخلاصة أن المشرع أناط بالدائرة الإدارية الفصل في كافة المنازعات الخاصة بالمرتبات والمكافآت والعلاوات المستحقة للموظفين ولورثتهم أياً كانت درجاتهم الوظيفية دون تفرقة بين درجاتهم الوظيفية، بينما منع الدائرة الإدارية ولم يختصها بنظر طلبات الموظفين ممن تزيد درجتهم الوظيفية على الدرجة الأولى فيما يتعلق بإلغاء القرارات الإدارية النهائية الصادرة بترقيتهم أو إنهاء خدمتهم والقرارات التأديبية الصادرة بحقهم.
ولم ينظم المشرع أو يخصص جهة لهذه الفئة من الموظفين يلجأون إليها أُسوةً بأقرانهم من موظفي الدرجة الأولى فما دونها، طلباً لحمايتهم مما قد يتعرضون له من إنتهاك لحقوقهم الوظيفية.

وقد أكدت الدائرة الإدارية بالمحكمة الابتدائية في أحكامها على هذه التفرقة، وقالت في حيثيات أحد أحكامها: «ومن حيث أن مفاد ماتقدم أن المشرع في قانون الفصل في المنازعات الإدارية المشار إليه قد نص على إنشاء دائرة إدارية بالمحكمة الابتدائية تُشكل من ثلاثة قضاة أو أكثر وناط بها الاختصاص – وعلى سبيل الحصر - بنظر المنازعات الواردة تفصيلاً بالمادة (3) سالفة الذكر والتي ورد من بينها المنازعات الخاصة بالموظفين العمومين فيما يتعلق بإلغاء القرارات الإدارية النهائية الصادرة بترقيتهم أو انهاء خدمتهم والقرارات التأديبية الصادرة بشأنهم شريطة أن تكون هذه المنازعات متعلقة بشاغلي وظائف الدرجة الأولى فما دونها وبمفهوم المخالفة فإن المنازعات الخاصة بترقية أو انهاء خدمة شاغلي الدرجات الأعلى من الدرجة الأولى تخرج من الاختصاص الولائي لهذه المحكمة ولم ينظم المشرع – بعد– ثمة طريق قضائي للفصل في المنازعات الخاصة بهم.

وتأسيساً على ما تقدم ولما كان الثابت من الأوراق أن المنازعة في الدعوى الماثلة تتعلق بالطعن على القرار الصادر من المؤسسة المدعى عليها بإنهاء خدمة المدعي والذي ثبت بالمستندات أنه ووفقاً لإقراره – يشغل الوظيفة التي تلي مباشرةً وظيفة العضو المنتدب وأنه كان يشغل إحدى وظائف كبير موظفي *** وأن راتبه الأساسي وقت إنهاء خدمته مبلغ 51825 ريالاً قطرياً وبالتالي فإنه وبالنظر إلى راتب المدعي الأساسي ومقارنته بجدول رواتب الموظفين المدنيين بالدولة والمرفق بقانون الخدمة المدنية ولائحته التنفيذية يبين أن الراتب الأساسي للمدعي يزيد عن الراتب الأساسي لشاغل وظائف الدرجة الأولى ومن ثم تخرج الدعوى الماثلة من الاختصاص الولائي لهذه الدائرة ولم ينظم المشرع ثمة طريق قضائي لنظرها، الأمر الذي يتعين معه والحال كذلك الحكم بعدم اختصاص هذه المحكمة ولائياً بنظر الدعوى» .

وأيدت محكمة الاستئناف، دائرة الاستئناف الإداري ذلك الحكم وجاء في حيثيات حكمها: «ومن حيث أنه في مجال دعاوى الإلغاء والتعويض المتعلقة بالموظفين فقد نصت المادة 3/2 من من القانون رقم 7 لسنة 2007 على اختصاص الدائرة الإدارية بالمحكمة الابتدائية بطلبات إلغاء القرارات الإدارية الصادرة بإنهاء خدمة الموظفين بالوزارات والأجهزة الحكومية والهيئات والمؤسسات العامة، من شاغلي الدرجة الأولى فما دونها وما يعادلها. وفي ظل خلو النصوص من بيان أسس التعادل فإنه لا مناص من تبني معيار للتعادل على أساس مقارنة متوسط ربط الوظيفة التي يشغلها الموظف بالكادر الخاص (ومنه الهيئات والمؤسسات العامة)، والعلاوات والبدلات المقررة للوظيفة، فإذا تبين أن متوسط الرابط والعلاوات والبدلات تجاوز الدرجة الأولى خرجت دعوى إلغاء قرار إنهاء الخدمة أو التعويض عنه من اختصاص القضاء عامة، ويكون حكم عدم الاختصاص الولائي في هذه الحالة منهياً للخصومة مستوجباً الفصل في المصروفات.

    ومن حيث إن المستأنف كان يشغل وظيفة رقم 22 ربطها 39900 – 74100، ومتوسطها 57000 ريال، وهو يجاوز أعلى رابط ثابت مقرر لوظيفة وكيل وزارة بقانون إدارة الموارد البشرية رقم 8 لسنة 2009 ومقداره 37000 ريال ومن قبله قانون الخدمة المدنية رقم 1 لسنة 2001 ومقداره 28000 ريال، وبإجراء التعادل تكون وظيفته التي كان يشغلها أعلى من الدرجة الأولى بالكادر العام، مما يخرج الطعن بالإلغاء على قرار إنهاء خدمته من ولاية القضاء، ويستوجب الحكم بعدم الاختصاص ولائياً بنظر الدعوى.
ومن حيث إن الحكم المستأنف أخذ بهذا النظر فإنه يكون قد صادف صحيح حكم القانون خليقاً بالتأييد ورفض الاستئناف» .

طعن الطاعن الموظف على حكم الاستئناف أمام محكمة التمييز وعُرض الأمر على محكمة التمييز في الطعن رقم 193 لسنة 2010 تمييز مدني التي انتهت إلى: «إن النص في المادة الثالثة من القانون رقم 7 لسنة 2007 على أن "مع مراعاة حكم المادة (13) من قانون السلطة القضائية المشار إليه، تختص الدائرة الإدارية دون غيرها بنظر المنازعات الإدارية التالية: ... 2- الطلبات التي يقدمها ذوو الشأن بإلغاء القرارات الإدارية النهائية الصادرة بترقية الموظفين من الدرجة الأولى فما دونها أو ما يعادلها أو إنهاء خدماتهم والقرارات التأديبية الصادرة بشأنهم، وفي خصوص أسس تحقيق التعادل بين درجات الكادر العام وبين درجات الهيئات والمؤسسات العامة ومنها مؤسسة قطر للبترول فإنه وإزاء خلو القانون من تحديد معيار معادلة الوظائف فإن الأقرب لقواعد العدالة، واستهداءً بما تضمنه قانون الموارد البشرية في خصوص كيفية معادلة الوظائف، يكون من المناسب الأخذ بمعيار مقارنة متوسط الربط المالي للوظيفة بالكادر العام، بمتوسط ربط الوظيفة بالهيئات والمؤسسات العامة، وإذْ التزم الحكم المطعون فيه هذا النظر فإن النعي يكون على غير أساس. ولما تقدم يتعين رفض الطعن» .
ومفاد ما تقدم أن المشرع غلّ يد القضاء من النظر في الطعون التي تُرفع من موظفي الدرجات العليا بالإدارة فيما يتعلق بترقياتهم، أو إنهاء خدمتهم، أو الطعن في القرارات التأديبية الصادرة بحقهم، وأكد القضاء ممثلاً في محكمتنا العليا (محكمة التمييز) على تحصين تلك القرارات ومنع القضاء من التصدي لها.

ثانياً: القرارات الإدارية المُحصنة من الرقابة القضائية:

إستبعد المشرع القطري من إختصاص الدائرة الإدارية وبالتالي من فرض رقابتها على مشروعية جملة من القرارات الإدارية والتي أضحت محصنة من رقابة القضاء وهذه القرارات هي:

1- القرارات والمراسيم الأميرية.
2- القرارات الصادرة بموجب القانون رقم (17) لسنة 2002 بشأن حماية المجتمع.
3- القرارات الصادرة بموجب القوانين المتعلقة:


أ. بالجمعيات والمؤسسات الخاصة.
ب. المطبوعات والنشر وتراخيص إصدار الصحف والمجلات.
ت. تراخيص الأسلحة والذخائر والمتفجرات.
ث. دخول وإقامة الأجانب وإبعادهم.
ج. نزع الملكية للمنفعة العامة.

وبالتالي فإن جميع القرارات التي تصدر بموجب تلك القوانين هي قرارات إدارية محصنة من الطعن عليها أمام القضاء بالإلغاء ويكون القضاء ممنوعاً من فحص هذه القرارات وليس له ولاية النظر في هذه القرارات والتأكد من مشروعيتها ويكون القضاء مسلوبٌ من حق التصدي لهذه المنازعات التي يستند موضوعها إلى أحد القرارات الصادرة بشأن القوانين التي عددتها الفقرة الثالثة من المادة الثالثة من القانون رقم 7 لسنة 2007 وهذا التحصين مخالف للأصل الذي يجب أن تكون فيه جميع تصرفات الدولة خاضعة لرقابة القضاء وفقاً لمبدأ المشروعية بهدف الحفاظ على حقوق الأفراد في مواجهة الإدارة.
والواقع أن هذا المسلك من المشرع فيه تهديد لحريات وحقوق الأفراد إذْ من الواجب خضوع كافة القرارات الإدارية لإختصاص القضاء الإداري.

إن تحصين هذا العدد الهائل من القرارات الإدارية الناشئة عن إعمال وتطبيق العديد من التشريعات يُلقي بظلال كثيفة على مبدأ المشروعية الذي يُلزم خضوع جميع القرارات الإدارية للقانون والإمتثال لضوابطه وأحكامه أياً كانت الجهة الإدارية المصدرة للقرار، وكيفما كان مضمونه.
إن التحصين التشريعي الذي فرضه المشرع على هذه القرارات الإدارية يضرب في الصميم مبدأ المشروعية ويمثل تهديداً لحقوق الأفراد، ولا سيما حقهم الطبيعي في اللجوء للقضاء لمخاصمة القرارات الإدارية التي تضر بمصالحهم.
ولا يكفي القول بأن تلك القرارات المحصنة من الطعن عليها أمام القضاء، يمكن التظلم منها أمام الجهة الإدارية التي أصدرتها (التظلم الولائي) أو تظلم المضرور إلى رئيس مصدر القرار (التظلم الرياسي) فيتولى الرئيس بناء على سلطته الرياسية سحب القرار أو إلغاؤه أو تعديله ، أو التظلم إلى نخبة إدارية خاصة مكونة من إداريين تعينهم الإدارية للنظر في تظلمات الأفراد أو الموظفين.
جميع تلك الطرق لا يمكن أن توفى بالغرض المرجو منه من ضمان سيادة المشروعية، لأن مُصدر القرار قد يرفض الإعتراف بالخطأ، وقد يجاريه رئيسه، وقد تكون للإدارة رغبة أو مصلحة في التحرر من قيود المشروعية، وفوق كل هذا وذلك، فإن ترك النزاع بين الأفراد والجهة والإدارية لتفصل فيه الإدارة بنفسها لا يمكن أن يبت الثقة في نفوس الأفراد، لأن من مقتضيات العدالة ألا يكون الحكم خصماً في النزاع ولهذا فإن رقابة الإدارة في كيفية ممارسة نشاطها يجب أن يعهد بها إلى القضاء .

إن هذه التقييدات والتحصينات التي فرضها المشرع القطري على الكثير من القرارات الإدارية وحرم القضاء من فرض رقابته ومنع الأفراد من اللجوء إلى قاضيهم الطبيعي لإنصافهم في مواجهة الإدارة تمثل إنتهاكاً لمبدأ المشروعية ومبدأ سيادة القانون، ومبدأ المساواة بين المواطنين ومبدأ كفالة حق التقاضي، بما يفضي إلى عدم دستورية هذا التشريع ويمثل سلباً لحق دستوري مقرر لهم وفقاً للدستور الذي تعلو مواده على التشريعات العادية، إذْ لا يجوز أن يهدر القانون ما يقرره الدستور.
والمستقر عليه فقهاً وقضاءً أن التشريعات التي تحرم حق التقاضي كلياً أو جزئياً تشريعات غير دستورية لأنها تمس حق التقاضي وهو حق أصيل وأساسي بالنسبة للإنسان، ومن ثم فلا يجوز مصادرته أو تقييده، وإنما يجب أن توجد لكل خصومة بين الإدارة والأفراد جهة قضائية للفصل فيها .

ثالثاً: حصر وتحديد المنازعات المتعلقة بشؤون الموظفين:

سبق القول بأن المشرع أخرج العديد من القرارات الإدارية من ولاية إختصاص الدائرة الإدارية التي أنشأها المشرع بالقانون رقم (7) لسنة 2007 بشأن الفصل في المنازعات الإداري.

ولم يقف المشرع عند حد ما عرضنا له من قرارات حصنها ضد طلب الغاؤها، بل أنه عمد إلى حصر المنازعات التي تختص بها الدائرة الإدارية في الشأن الواحد فمثلاً بالنسبة للمنازعات المتصلة بشؤون الموظفين العموميين العاملين بالجهات الإدارية لم يشأ المشرع أن يبسط الرقابة القضائية على جميع المنازعات التي تتصل أو تنشأ عن العلاقة الوظيفية بل حدد على سبيل الحصر ما يستدعي ولاية الدائرة الإدارية من تلك المنازعات والتي تنحصر فقط في المنازعات الخاصة بالمرتبات والمعاشات والمكافآت والعلاوات المستحقة للموظفين أو لورثتهم أياً كانت درجاتهم الوظيفية، في حين تضمنت الفقرة الثالثة من المادة الثالثة قرارات الترقية والقرارات التأديبية وإنهاء الخدمة بالنسبة فقط لموظفي الدرجة الأولى فما دونها وما يعادلها، وفي مجال التعويض عما يصدر من قرارات وظيفية متعلقة بالترقية وإنهاء الخدمة والقرارات التأديبية فقط وفقاً لما قررته الفقرة الرابعة من المادة الثالثة من القانون رقم 7 لسنة 2007 .

والواقع أن هذا الحصر والتحديد لولاية القضاء الإداري لا يتفق على الإطلاق مع مبدأ المشروعية، ولا يتفق مع المبادئ الدستورية التي قررها الدستور الدائم للدولة ذلك إن ما انعقد عليه الإجماع هو أن الدولة إذا كان لها دستور مكتوب وجب عليها إلتزامه في تشريعاتها وفي قضائها وفيما تمارسه من سلطات إدارية، وتعين إعتبار الدستور فيما يشتمل عليه من نصوص، وفيما ينطوي عليه من مبادئ هو القانون الأعلى الذي يسمو على جميع القوانين، والدولة في ذلك تلتزم أصلاً من أصول الحكم الديمقراطي هو الخضوع لمبدأ سيادة الدستور .

والثابت أن المشرع حصن من الطعن بالإلغاء الكثير من القرارات الإدارية حتى ولو كانت من القرارات المتعلقة بالوظيفة العامة وبشؤون الموظفين خاصة مثل قرارات نقل الموظفين أو ندبهم أو تعويضهم عن قطع مرتباتهم أو أية قرارات تصدر لا تتعلق بالحالات التي وردت حصراً في الفقرتين الأولى والثانية من المادة الثالثة من القانون رقم 7 لسنة 2007 فيما يتعلق بمنازعات الموظفين العموميين.

وتجدر الإشارة إلى أنه إذا كان القاضي الإداري ملزم بتطبيق القانون إلا أنه بالنسبة للنصوص التشريعية ليس مجرد خادم لها لا يتحرك إلا ضمن إسار قيودها بل إن متطلبات تأمين الضمانات القانونية للمحكومين تقتضي منه موقفاً حراً نوعاً ما تجاه مثل هذه النصوص، ومن هنا صح القول بأن القضاء الإداري ليس مجرد قضاء تطبيقي، وإنما هو في الأعم الأغلب قضاء تكويني إنشائي خلاق يبتدع الحلول المناسبة للروابط القانونية التي تنشأ بين الجهات الإدارية في تسييرها المرافق العامة من جهة وبين الأفراد من جهة أخرى ويبتكر المخارج لما يعترض سبيله من مآزق أو مزالق تحقيقاً لمهمة المواءمة بين الصالح العام والمصلحة الخاصة .

والقاضي عندما يقرر مبادئ قانونية عامة إنما يعبر عن إرادة المشرع الضمنية فإذا ما أفصح المشرع عن إرادته بنص صريح تلاشت عندئذ سلطة القاضي في تقرير مبادئ قانونية عامة، حتى لا يتعارض قضاؤه مع تلك الإرادة الصريحة المتمثلة في النص الملزم للقضاء .

من هنا وجدنا أن القضاء الإداري الكويتي عمل على بسط ولايته على بعض القرارات التي لم يخصه المشرع بنظرها وذلك بالتوسع في تفسير النصوص، بحيث أدرج القرارات التي لا تدخل في إختصاصه ضمن مدلول النصوص المقرر لولايته من ذلك توسعه في تكييف القرارات المتصلة بمسألة الترقية، فكيف بعض قرارات النقل الجماعي إمتناعاً عن الترقية كما اعتبر أن القرارات بالتعيين في التنظيم الجديد للهيكل الوظيفي قد تضمنت ترقيات لموظفي المؤسسة. كذلك الأمر بالنسبة إلى الإجراءات التي تؤثر مآلاً في الترقية كالتقارير المتعلقة بتقدير كفاية الموظف، والترشح للبعثات، والقرارات الصادرة في شأن أقدمية الموظف فقد إعتبرها القضاء من قرارات الترقية التي تدخل في إختصاصه المحدد على سبيل الحصر . 

وأخيراً في رأينا أن التحصين التشريعي لقرارات السلطة التنفيذية ينبغي أن لا يؤدي إلى إحباط القانونيين أو إلى إحباط عزيمة القضاء وغل يده عن بسط رقابته على تلك القرارات بقدر ما يجب أن يكون هذا التحصين حافزاً إلى المزيد من الإجتهاد والقياس والبحث والتمحيص والتمعن لإبتكار حلول ملائمة تجاوز القراءة التقليدية للإستثناءات التي أوردها المشرع وحصن العديد من القرارات من الطعن عليها والتي هي أصلاً قرارات إدارية، ولم ينشأ المشرع الدائرة الإدارية إلا ليتولى القضاء بسط رقابته على مشروعية تلك القرارات نزولاً وإعمالاً لما جاء به الدستور من تكليف للمشرع بتحديد جهة تختص بالفصل في المنازعات الإدارية.
وجاءت عبارة المنازعات الإدارية طليقة من أي قيد وهي شاملة وعامة لكافة المنازعات الإدارية إحتراماً من الدستور لحقوق وحريات الأفراد ولمبدأ سيادة القانون ومبدأ المشروعية.

خاتمة


القضاء الإداري القطري الذي تولته الدائرة الإدارية منذ الأول من اكتوبر 2007، بموجب القانون رقم 7 لسنة 2007، لم يخطو خطوات واسعة وجريئة في بسط ولايته ورقابته القضائية على مدى مشروعية القرارات والأعمال الإدارية الصادرة عن السلطة التنفيذية.

ويعود سبب تلك الخطوات البطئية إلى ترسانة التحصينات التي فرضها المشرع، وحال بين القضاء وبين أداء مهمته المقدسة في حماية حريات وحقوق الأفراد جميعا،ً وحقهم في اللجوء إلى القضاء وطلب الحماية منه على قدم المساواة.

والمتفق عليه فقهاً وقضاءً على أن التشريعات التي تحرم حق التقاضي كلياً أو جزئياً تشريعات غير دستورية لأنها تمس حق التقاضي، وهو حق أصيل وأساسي بالنسبة للإنسان، ومن ثم لا تجوز مصادرته أو تقييده، وإنما يجب أن تُوجد لكل خصومةٍ بين الإدارة والأفراد جهة قضائية للفصل فيها.

من هنا جاءت عدة مناشدات للمشرع القطري أهمها ما أوصت به اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في تقريريها لعامي 2008، 2011 عن أوضاع حقوق الإنسان في قطر، إذْ طالبت اللجنة بعدم تحصين أي قرار أو عمل من رقابة القضاء حفاظاً على حق اللجوء إلى القضاء ولمراقبته مدى مشروعية القرارات والأعمال الإدارية الصادرة عن السلطة التنفيذية. وأوصت اللجنة بضرورة افساح المجال للطعن على القرارات الإدارية أمام القضاء، وعدم تحصين أي منها من رقابة القضاء.

إن المادة 135 من الدستور تنص على أن التقاضي حق مصون ومكفول للناس كافة. ويدل هذا النص على أن الدستور قرر هذا الحق كمبدأ دستوري أصيل مؤداه حظر النص على إعاقة هذا الحق بأي وسيلة تشريعية أدنى. وقد أكد الدستور في المادة 138 على أن يحدد القانون الجهة المختصة بالفصل في المنازعات الإدارية ويُبيّن نظامها وكيفية ممارستها لعملها. وجاء النص الدستوري بعيداً عن تحديد كنه تلك المنازعات الإدارية، بل أطلق العبارة بما مؤداه أن هذه المنازعات تشمل جميع المنازعات الإدارية التي تحصل بين الإدارة والأفراد ووفقاً للقاعدة الأصولية التي تقضي بأن العام يؤخذ على عمومه ما لم يوجد ما يقيده نصاً أو دلالة، وبالتالي لا يكون هناك أي مجال للتشريعات المانعة من التقاضي أو النصوص المُحصِّنة لبعض القرارات الإدارية من الطعن فيها.

وفي تقدير الدكتور عثمان عبدالملك الصالح: «إن الرقابة القضائية يجب ألا تُخيف أحداً لأنها لا تضر أحداً. ذلك أن المصلحة العامة تقتضي أن تسير الإدارة في الدولة وفقاً لمقتضيات مبدأ المشروعية، وتحاول أن تضرب بنفسها المثل على احترام هذا المبدأ، حتى تحمل الرعايا على احترامه اقتناعاً به وليس لمجرد الخوف من الجزاء. ثم إنها بخضوعها للمشروعية تحمي النظام كله من مظنة أن يكون غير ملزم.. وأخيراً فهل من المصلحة أن تفلت بعض أعمال الإدارة من كل رقابة قضائية عليها.. فلا هي داخلة ضمن ولاية الدائرة الإدارية لعدم النص عليها ضمن اختصاصات هذه الدائرة أو لاستثنائها بنص صريح من تلك الرقابة، ولا هي داخلة ضمن ولاية القضاء العادي لتحصينها من رقابته...».

ومن نافلة القول أن الحقيقة العلمية المؤكدة أن أعمال السلطة التنفيذية جميعها يجب أن تتم في نطاق القانون، وأن إلتزام الأفراد باحترام قراراتها مرده إلى احترامها لهذا الإلتزام. فإذا خرجت على القانون فيتعين تمكين الأفراد من ردها إلى جادة المشروعية.

 

تم بحمد الله

------------------------

المصدر: موقع د. علي خليفة الكواري

قائمة المراجع:

م    المرجع
1    يوسف أحمد الزمان، النظام القضائي القطري، الطبعة الأولى، 2006
2    د. سليمان الطماوي، النظرية العامة للقرارات الإدارية، الطبعة الرابعة
3    د. سليمان الطماوي، القضاء الإداري، الكتاب الأول، قضاء الإلغاء، طبعة 1967
4    المستشار الدكتور/ محمد ماهر أبوالعينين، ضوابط مشروعية القرارات الإدارية، الكتاب الأول
5    د. سامي جمال الدين، الرقابة على أعمال الإدارة، الطبعة الأولى
6    د. كامل ليلة، الرقابة على أعمال الإدارة (الرقابة القضائية)، طبعة 1970
7    د. عبدالغني بسيوني عبدالله، مبدأ المساواة أمام القضاء
8    د. عثمان عبدالملك الصالح، النظام الدستوري والمؤسسات السياسية في الكويت، 1989
9    د. محمد نور فرحات، البحث عن العدل، ص217
10    د. أحمد كمال أبوالمجد، الرقابة القضائية على دستورية القوانين
11    د. محمود سامي جمال الدين، القضاء الإداري، ط 2006
12    د. محمد عصفور، الحرية والسلطة
13    فاروق الكيلاني، استقلال القضاء، الطبعة الثانية
14    الدستور الدائم لدولة قطر
15    أحكام محكمة التمييز، دولة قطر
16    أحكام الدائرة الإدارية، محكمة الاستئناف، دولة قطر
17    أحكام الدائرة الإدارية، المحكمة الكلية، دولة قطر
18    محكمة القضاء الإداري المصرية، السنة السادسة القضائية، مجموعة مجلس الدولة لأحكام القضاء الإداري

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة