You are here:الرئيسية>أقسام الموقع>من نحن>تعريف بمشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية

قراءة نقدية في قانون التظاهر الجديد في مصر

الأربعاء، 03 أيلول/سبتمبر 2014 عدد القراءات 2102 مرة
الكاتب  نيفين العيادى

يبدو إن أسلوب الأجهزة الأمنية في التعامل مع التظاهرات السلمية والفعاليات الاحتجاجية بشكل عام لم ولن يختلف عن ذي قبل، فها هي قوات الداخلية تقوم بفض تظاهرات مجلس الشورى السلمية الرافضة لمحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية والتي قامت عقب يوم واحد من إصدار الرئيس المؤقت عدلي منصور للقانون رقم 107 لسنة 2013 الخاص بتنظيم الحق في الاجتماعات العامة والمواكب والمظاهرات السلمية، حيث تدعي الداخلية إنها طبقت القانون الجديد بحذافيره في هذه الواقعة، والتي لجأت فيها إلى فض التظاهرة بدعوى عدم الإخطار المسبق الذي اشترطه القانون، مستخدمة الوسائل التي نص عليها القانون كذلك، والمتمثلة في استخدام الإنذارات الشفهية وخراطيم المياه ثم الضرب بالهراوت، ولا بأس إلى جانب وبدون الحاجة إلى نص قانوني، ببعض التحرشات والإساءات الجنسية ببعض الناشطات ممن شاركن في تلك التظاهرة، استكمالاً لاستراتيجية الردع، وقد تمخضت الموقعة عن حبس 24 من المتظاهرين أربعة أيام على ذمة التحقيقات، وإلقاء القبض على بعضهم ثم إلقاؤه في الصحراء. وأيًا كانت ممارسات قوات الأمن، فإن قانون التظاهر ذاته قد أثار، منذ صدوره، حالة من اللغط والجدل في الشارع المصري بشأن نصوصه ومضامينه، الأمر الذي يجعلنا نلقى نظرة على هذا القانون من خلال قراءة نقدية لما تضمنه مواد.

ملاحظات أولية على هامش قانون التظاهر

قبل الشروع في تقديم قراءة نقدية لنصوص ومضامين مواد قانون التظاهر الجديد، فإنه من المهم إلقاء الضوء على بعض من الاعتبارات والسياقات السياسية والمجتمعية التي تشهدها البلاد منذ 30 يونيو الماضي، وهي السياقات التي أحاطت بعملية إصدار القانون الجديد وألقت بظلالها عليه سواء من حيث الشكل أو من حيث المضمون؛ لعل أهم هذه السياقات؛ الانقسام المجتمعي، وتزايد الحراك الاحتجاجي، وزيادة معدلات العنف فيه، وجدل إعداد الدستور الجديد، وإغفال البعد المجتمعي عند طرح القانون.

تأتي حالة الاحتقان المتزايد والانقسام المجتمعي التي تشهدها الدولة المصرية، منذ 30 يونيو، على رأس السياقات المهمة التي أحاطت بعملية إصدار القانون الجديد، وهي تلك الحالة التي أفرزت انقسام المجتمع المصري إلى معسكرين متضادين؛ كل منهما يخون الآخر ويشكك في وطنيته، الأول؛ رافض لمسار 30 يونيو ويعتبر خارطة الطريق التي أطلقها الجيش في 3 يوليو انقلابًا عسكريًا على الشرعية الدستورية، ومن ثم لا يعترف هؤلاء بخارطة الطريق ولا الحكومة الانتقالية القائمة، ويعتبر كل ما يصدر عنها من قرارات أو قوانين، ويندرج تحتها قانون التظاهر الجديد، قد صدرت من غير ذي صفة، ومن ثم يعتبرها هي والعدم سواء، والثاني؛ داعم لما قام به الجيش ومؤيد لخارطة الطريق التي وضعها، ويعتبر ما حدث في 30 يونيو ثورة شعبية ويطالب بسرعة استكمال استحقاقاتها وإزالة كافة العقبات أمام ذلك بالتصدي لكل من يعرقل تنفيذ تلك الاستحقاقات.

وقد استتبع ذلك تزايد حدة الاحتجاجات والتظاهرات المستمرة منذ 30 يونيو وحتى الآن، سواء من قبل مؤيدي دعم الشرعية أو من قبل بعض الناشطين من شباب الثورة الرافضين لما يرونه حكمًا عسكريًا وإعادة إنتاج لدولة مبارك بأداتها القمعية المتمثلة في استمرار انتهاكات وزارة الداخلية وقوات الأمن، وبشكل عام بلغ عدد الفعاليات الاحتجاجية لعام 2013 نحو 11128 احتجاجًا، بزيادة قدرها نحو 340% عن عام 2012، والذي قدرت أعداد الاحتجاجات فيه بنحو 2532 احتجاجًا(1). وقد كان العنف هو السمة المصاحبة لكثير من تلك الاحتجاجات ولعل أهمها فض اعتصامي رابعة العدوية ونهضة مصر بالقوة من جانب قوات الأمن في أغسطس الماضي، والتي أسفرت عن مقتل نحو 726 قتيلاً من المحتجين، وفقًا لما ذكرته مصلحة الطب الشرعي، في حين قتل نحو 206 من قوات الأمن(2).

وقد شهد شهر أكتوبر 2013، تزايدًا مطردًا في أعداد الفعاليات الاحتجاجية والتي وصلت إلى 1116 حالة احتجاج، بمتوسط قدره 36 احتجاجًا يوميًا، تنوعت صوره ما بين 444 مسيرة احتجاجية، و242 وقفة احتجاجية، و209 تظاهرة، في حين تمثل العنف الاحتجاجي بقطع الطرق في حوالي 46 حالة، و8 حالات احتجاج من خلال اقتحام هيئات، و4 حالات لاحتجاز أشخاص، وحالتي اعتداء على الأشخاص بالانتحار، بالإضافة إلى حالتي إغلاق هيئات وحالتي تعطيل مترو(3). وعلى صعيد العنف المجتمعي، فقد رصدت دراسات حقوقية تنامي ظاهرة العنف في المجتمع منذ 30 يونيو، فخلال شهري أغسطس وسبتمبر 2013، شهدت البلاد حوالي 1072 حالة عنف وإرهاب سياسي، في حين شهد أكتوبر 2013 حوالي 288 حادث عنف، من بينها 190 حالة اشتباكات جماعية، و42 حالة فض من الأهالي لتجمعات وتظاهرات وأشكال احتجاجية مختلفة، و40 هجمة إرهابية مسلحة، و16 حالة استهداف للأفراد والممتلكات.

وعلى الصعيد الإجرائي، يأتي إصدار قانون التظاهر الجديد بالتزامن مع قرب انتهاء لجنة الخمسين المخولة بإعداد دستور 2013 من إنجاز عملها، والتي من المفترض بعد ذلك أن يتم طرحه للاستفتاء الشعبي، وفي حالة الموافقة عليه، يتم إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية وفق ما جاء في الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس المؤقت عدلي منصور في 8 يوليو الماضي، وهي المهمة التي تسعى الحكومة الانتقالية لإنجازها بأي شكل لإضفاء الصبغة الدستورية على خارطة الطريق، ومن ثم فإن إصدار قانون التظاهر الجديد في ظل هذا السياق المشحون، من شأنه أن يزيد من حدة الانقسام المجتمعي، لاسيما وإن قطاعات كبيرة من رافضي القانون هم من الأطياف المؤيدة لمسار 30 يونيو وخارطة الطريق بالأساس، ما يعد خصمًا من رصيد السلطة الحالية المرفوضة أصلاً من قبل غالبية الإسلاميين وحلفائهم في الشارع المصري.

وبالإضافة إلى ذلك، فإنه من الناحية الشكلية، لم يخصع القانون الجديد لأي حوار مجتمعي بشأنه، بل إنه صدر بشكل فوقي، وهو ما لم يأت ملبيًا لطموحات وأمال الشعب المصري والمنظمات الحقوقية، والتي كانت قد رفضت سابقًا مسودة المشروع الذي قدمه مجلس الوزراء الانتقالي من قبل، والذي حاول تحسينه بإدخال بعض التعديلات عليه في القانون الجديد، إلا إن النسخة الأخيرة من القانون لم تحقق أي نوع من التحسين، بل إنه أثارت غضب الهيئات والمنظمات الحقوقية المصرية، والتيارات الثورية والشبابية، إلى جانب بعض الجهات الأجنبية؛ كالأمم المتحدة والمفوضية العليا لحقوق الإنسان، نظرًا لما عتبروه مساسًا بالحقوق والحريات وتقييدًا لحرية الرأي والتعبير والتظاهر السلمي.

نصوص القانون: قراءة نقدية
من الحقائق القانونية المستقرة، إن لكل قانون في العالم مزاياه وعيوبه، إيجابياته وسلبياته، ومن ثم فقد تضمن قانون التظاهر الجديد، على الرغم من عواره في نظر الكثيرين، على عدد من المزايا والإيجابيات، لعل أهمها؛ التأكيد على حق المواطنيين في تنظيم الاجتماعات العامة والمواكب والمظاهرات، وحظر الاجتماع العام لأغراض سياسية في أماكن العبادة أو في ساحتها أو في ملحقاتها، نظرًا لأن هذه الأماكن تتمتع بالقداسة التي تجعل من الأوفق إبعادها عن جدالات السياسية ومشاحنات الاستقطاب، كما يحظر القانون على المتظاهرين حمل أي أسلحة أو ذخيرة أو مفرقعات أو ألعاب نارية أو مواد حارقة، بما يحفظ أمن المجتمع والمتظاهرين السلميين معًا.

ورغم هذه الإيجابيات إلا إن القانون تضمن عددًا من المثالب والعيوب الجوهرية، والتي قد تؤثر بشكل أو بآخر على حق الأفراد في التجمع السلمي، وصولاً إلى تفريغ هذا الحق من مضمونه، عبر اشتراطات صعبة، وقيود تبدو تعجيزية في كثير من الأحيان، مع منح الأجهزة الأمنية سلطات تقديرية واسعة في تطبيق مواد القانون، من دون وجود قيود رقابية أو محاسبية على أدائها، في هذا السياق، فهي الخصم والحكم، ولعل من أهم هذه السلبيات ما يلي:

جاء تعريف الاجتماع العام واسعًا فضفاضًا، فقد عرفته الفقرة الأولى من المادة الثانية بأنه "كل تجمع يقام في مكان أو محل عام يدخله أو يستطيع دخوله أشخاص دون دعوة شخصية مسبقة لا يقل عددهم عن عشرة أشخاص لمنافشة أو تبادل الآراء حول موضوع ذات طابع عام"، فمن الممكن وفقًا لهذا التعريف اعتبار تجمع عشرة أفراد لمناقشة موضوع ما في الشارع أو في المواصلات أو الحدائق العامة اجتماعًا عامًا، ومن ثم يخضع هؤلاء الأفراد لبنود هذا القانون، ومن ثم يسري عليهم العقوبة المقررة في حالة عدم الإخطار المسبق لأي اجتماعات عامة، بما يعني فتح المجال أمام التعسف في تفسير بنود القانون من قبل جهات الأمن التي لا تتميز بمصداقية كبيرة لدى قطاعات واسعة من الشعب.

حظر ارتداء ارتداء الأقنعة أو الأغطية التى تخفى ملامح الوجه، بقصد ارتكاب أي من الأفعال كحمل أسلحة أو مفرقعات، يمثل هذا الأمر قيدًا على النساء اللاتي يرتدين النقاب، ومن ثم يمثل قيدًا على حرية الملبس وحرية المعتقد الديني، والتساؤل هنا كيف يتم معرفة ما إذا كان الهدف من ارتداء الشخص للقناع أو الغطاء الذي يخفى ملامح الوجه، هو ارتكاب جريمة من عدمه، كما إن العقوبة المقررة على كل من يرتدي غطاء أو قناع بقصد ارتكاب جريمة مدة لا تزيد عن سنة وغرامة تتراوح ما بين 30 - 50 ألف جنيه، أو أحد هاتين العقوبتين، تثير إشكالية مهمة بشأن الضوابط التي تضمن عدم تعسف أجهزة الشرطة وانحرافها في السلطات الواسعة الممنوحة لها، لاسيما في ظل التشاحن والانقسام والتخوين وعدم الثقة التي يشهدها المجتمع المصري، لاسيما مع عدم وجود جهات رقابية موثوق بها مجتمعيًا، كالقضاء أو منظمات المجتمع المدني، تراقب عمل الداخلية أثناء تفتيش الأفراد أو أثناء القبض عليهم.

المادة السابعة من القانون اشتملت على مفاهيم واسعة؛ كالأمن العام والنظام العام، وهما من المفاهيم التي يمكن تفسيرها بأكثر من معني ويختلف تقديرها من شخص إلى آخر، وهذه المادة تعطي لأجهزة الأمن سلطات واسعة في تفسيرها وترجمتها، فهي تضم بداخلها الكثير من الأفعال، كما إن النص في ذات المادة على حظر المظاهرات التي تعطل الإنتاج يمثل بذلك قيدًا على الاحتجاجات الفئوية والعمالية، ويجعل من إضراب العمال من أجل المطالبة بحقوقهم أمرًا مجرمًا، وفقًا للقانون، كما إن الاعتصام يعد هو الآخر محرمًا كما هو مفهوم من صيغة القانون، حتى ولو لم يذكر ذلك التحريم صراحة، نظرًا لأنه من الممكن أن يعطل مصالح المواطنين أو يؤثر على المرافق العامة أو الطرق. وبناء على تلك العبارات الواسعة والسلطات التقديرية لوزارة الداخلية فمن الممكن أن يحاكم أفراد بمجرد إنهم طالبوا بحقوقهم المكفولة دستوريًا، فقد يعاقب العمال المعتصمون أو المضربون عن العمل بدعوى إنهم عطلوا الإنتاج، وقد يعاقب إنسان برئ بمجرد إنه طالب بحقوقه بعقوبة كبيرة تقدر بالحبس مدة قد تصل إلى خمس سنين، وبالغرامة التى قد تصل إلى مائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، وهذا يتنافي مع العدالة الاجتماعية.

لم يستثني القانون بعض الحالات من شرط الإخطار، فقد أكد القانون على وجوب إخطار المتظاهرين لقسم الشرطة الذي يقع بدائرة التظاهر أو الاجتماع أو الموكب، عن التظاهرة بمدة لا تقل عن 3 أيام ولا تزيد عن 15 يوم، وقصر الفترة إلى 24 ساعة في حال الاجتماعات الانتخابية، إلا إنه لم يستثن بعض الحالات من شرط الإخطار كالتظاهرات أو التجمعات العفوية، فالمتعارف عليه دوليًا، حتى في ظل الدول التي تأخذ بنظام الاخطار المسبق، وجود استثناءات من الإخطار لما يعرف بالتجمعات العفوية، أي تلك تحدث بسبب حدث طارئ وتستدعي سرعة قيامها كالمظاهرات التي حدثت في مصر كرد فعل على الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس المعزول محمد مرسي لتحصين قراراته، كما إن القانون لم يستثن أيضًا بعض الحالات التي تكون فيها المسيرات أو المواكب أمرًا طبيعيًا أو معتادًا كما في حالات الجنازة أو في حالات الزواج أو الاحتفالات الوطنية أو غير ذلك، كما تثار إشكالية أخرى، تتعلق بخروج بعض التظاهرات لرفض قانون التظاهر ذاته، وهو ماحدث بالفعل، فكيف لرافضي القانون أن يتقدموا بالإخطاروالذي يعد في حد ذاته قبولاً بهذا القانون.

كما إنه من الممكن أن تتحايل الشرطة على استلام الإخطار في بعض الحالات كالتظاهرات الرافضة لوزير الداخلية أو المطالبة بإقالته على سبيل المثال، ما هي الضوابط التي تضمن عدم مماطلة قسم الشرطة في استلام الاخطار الذي يرسله منظمو الاجتماع العام أو المظاهرة، والذي يستوجب توقيع الشرطة عليه حتى لا يكون هناك فرصة للادعاء بعدم وجود هذا الاخطار. ثم نقطة أخرى تتعلق بالأمور التي يجب أن يتضمنها الإخطار، لاسيما تحديد ميعاد بدء وانتهاء المظاهرة، وهو ما يعني عدم الاعتراف ضمنيًا بالاعتصامات السلمية، والتي تعد حقًا أصيلاً من حقوق المواطنين كافة، كما إن اشتراط تضمن الإخطار شعارات المظاهرة، يعد تقييدًا للمتظاهرين برفع شعارات محددة، فماذا بشأن الشعارات التلقائية التي قد تأتي بشكل عفوي أثناء الفعالية الاحتجاجية هل سيتم منعها أم يتم تجريمها باعتبارها مخالفة لإحدى شروط الإخطار.

رغم إن القانون يتيح للمحافظ المختص تحديد منطقة كافية داخل المحافظة تباح فيها التظاهرات بدون الحاجة إلى إخطار، إلا إنه هذا القانون لم يحدد الأسس التي يتم على أساسها تحديد المنطقة الكافية التي تباح فيها التظاهرات، هل يتم تحديدها وفق عدد المتظاهرين وفي حالة إذا كان عدد المتظاهرين أكبر من تلك المنطقة التي سيحددها المحافظ هل ستحتاج إلى شرط الإخطار المسبق، بالإضافة إلى ذلك فإن القانون يبدو مغيبًا عن واقع التظاهرات في مصر حاليًا والتي تخرج بشكل غير محدد المسار غالبًا، كما تخرج في كثير من الأحيان من مناطق مختلفة وفي توقيتات متباينة تشمل ساعات الليل والنهار. بالإضافة إلى ذلك، يؤخذ على المادة الحادية والعشرين من القانون، تعميم العقاب على التظاهرات أو المواكب أو الاجتماعات العامة التي تقام بدون شرط إخطار، دون أن يستثني من ذلك المظاهرات المباحة التي لا تحتاج إلى إخطار والواردة في المادة 15 منه.

وقد منح القانون سلطات واسعة لوزير الداخلية في منع أو إرجاء أن نقل التجمعات السلمية، فقد أعطت المادة العاشرة لوزير الداخلية الحق في إلغاء أو نقل أو إرجاء التجمعات السلمية في حال توافر معلومات جدية أو دلائل عن وجود ما يهدد الأمن والسلم، فلوزير الداخلية سلطات تقديرية دون أن يكون هناك جهة فاصلة في الأمر، بمعني أن يقدم وزير الداخلية الأسباب التي جعلته يرفض التظاهرة إلى القاضي للبت في ما إذا كان التظاهرة ستتم في ميعادها أم يتم إلغاؤها بناء على هذه الأسباب، إلا إن هذه المادة اكتفت بإعطاء الأفراد الحق في التظلم على قرار الوزير أمام قاضي أحكام الأمور الوقتية، دون تحديد مدة الفصل في الأمر وإنما اكتفت بعبارة فضفاضة تحمل الكثير من الاحتمالات وهي "على وجه السرعة".

كما أعطي القانون لوزير الداخلية الحق في إنشاء لجنة دائمة بكل محافظة برئاسة مدير الأمن، تكون مهمتها وضع الإجراءات والتدابير الكفيلة بتأمين التظاهرات وطرق التعامل معها في حال خروجها عن السلمية، فرغم سلطات وزير الداخلية إلا إنه لم يحدد من المسئول عن مراقبة عمل تلك اللجنة؟ هل تصدر تقرير عن أعمالها وهل ستخضع للمحاسبة من قبل وزير الداخلية أم الأجهزة القضائية في حال إفراطها في استخدام القوة؟ وما هي الإجراءات والتدابير المناسبة لحماية المظاهرات وفقًا لذلك؟

وعطفًا على ذلك فقد أعطى القانون للأجهزة الأمنية، وتحديدًا الضابط الميداني، سلطة تقدير الحالات المخالفة التي يعاقب عليها القانون وحالات خروج المظاهرات عن الطابع السلمي، دون أن يضع في اعتباره احتمالية دخول مندسين إلى داخل المظاهرة لاستفزاز أجهزة الشرطة، فكيف ستقوم الشرطة بالتعامل مع هذا الأمر، هل ستعاقب الكل بسبب فعل شخص خارج، ومن ثم فإن هذه المادة تعطي الأجزة الأمنية الغطاء الشرعي لاستخدام العنف من أجل فض التظاهرات، لاسيما وإنه لا يوجد رقيب على علمها خلال فض المظاهرات خاصة وإن هذه المادة قد اكتفت بالإشارة إلى إنه يجوز، وليس يجب، على مدير الأمن المختص مكانيًا قبل الفض أو التفريق أو القبض أن يطلب من قاضي الأمور الوقتية بالمحكمة الابتدائية المختصة ندب من يراه، لإثبات الحالة غير السلمية للاجتماع العام أو الموكب أو التظاهرة، ويصدر القاضي أمره علي وجه السرعة.

إباحة استخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين دون وجود قيود على استخدامها، فرغم إن القانون قد وضع خطوات تدريجية لفض وتفريق التظاهرات في حالة خروجها عن الإطار السلمي، إلا إنه لم يضع قيودًا تحد من الإفراط في استخدمها، على سبيل المثال كان من الممكن أن يضع إطارًا زمنيًا لكل وسيلة من وسائل فض التجمع فمثلاً يقوم بتوجيه إنذارات شفهية لمدة ساعة بحيث يكون جميع المتظاهرين على علم بها لاسيما المظاهرات التي تحتوي على أعداد كبيرة من خلال استخدام مكبرات الصوت، أو إذاعة التحذيرات في أكثر من مكان إذا كانت المظاهرة في أماكن وشوارع متفرقة، يليها استخدام خراطيم المياه، وبعد مدة معينة استخدام الغازات المسيلة للدموع، ثم استخدام الهراوات، ولكن بحدود معينة. وبجانب ذلك أباح القانون في حالة عدم جدوى الوسائل السابقة، وفي ظل لجوء المتظاهرين إلى العنف أو التخريب أو الإتلاف للممتلكات العامة أو الخاصة، أو التعدي علي الأشخاص أو القوات، استخدام الخرطوش المطاطي وغير المطاطي دون أن يضع قيودًا على استخدام تلك الوسائل التي قد تفضي إلى القتل أو الإصابة بعاهات مستدامة. وفي حالة استخدام المتظاهرين الاسلحة النارية تقوم الشرطة بالتعامل معهم بوسائل تتناسب مع قدر الخطر المحدق، ومن ثم فقد أباح القانون الاستخدام المفرط للقوة دون وضع عدد من القيود مثل توجيه الضرب إلى السيقان والأقدام في حالات الضرورة القصوى، والبعد عن المناطق القاتلة في جسم الإنسان.

لم يحدد القانون مساحة حرم التظاهر، وإنما ترك مسألة تقديرها لوزير الداخلية بالتنسيق مع المحافظ المختص، وحظر على المتظاهرين تجاوز هذا الحرم في حالات المرافق والمنشأت الحيوية والمهمة، ولم يحدد القانون على أي أساس يتم تحديد مساحة الحرم، وهل سيختلف من منشأة إلى أخرى أم سيعمم، كما لم يقدم بديلاً في حال زيادة أعداد المتظاهرين عن الحرم المذكور، وإنما اكتفى فقط بتحديد عقوبة من يتجاوزه وهي السجن مدة لا تزيد علي سنة والغرامة التي لا تقل عن ثلاثين ألف جنيه ولا تجاوز خمسين ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين.

سياقات القانون الجديد، إذن، تؤكد عدم وجود ضمانة قوية لحماية المتظاهرين، وإذا أضفنا إلى ذلك غياب وضعف تأثير منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الحقوقية وفي ظل السلطات الكبيرة المخولة للأجهزة الامنية، فإنه من الممكن أن يحكم على متظاهر وهو برئ في ظل تلفيق التهم وهو أمر ليس ببعيد عن عمل أجهزة الشرطة، وقد حدد القانون عقوبة كل من حاز أو أحرز سلاحًا أو مفرقعات أو ذخائر أو مواد حارقة أو مواد نارية بالسجن وبالغرامة التي لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تجاوز مائتي ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين.

بعد هذه القراءة النقدية، التي اشتملت على بعض عيوب القانون الجديد، فإن وضع أي إطار قانوني لتنظيم مسألة التظاهر في مصر حاليًا يجب أن يتم في إطار توافق وطني قائم على الحوار المجتمعي، من أجل مناقشته بالاستفاضة اللازمة، ومن ثم فإنه على الهيئات الحقوقية ومنظمات المجتمع المدني أن تضطلع بدورها لطرح بدائل لتطوير مواد القانون الجديد، وكفالة الضمانات اللازمة للحفاظ على حق المواطنين في التظاهر السلمي، ووضع ضوابط وضمانات على أداء الشرطة حتى لا تقوم الأجهزة الأمنية باستغلال السلطات المخولة لها بشكل يخالف جوهر القانون، وذلك من خلال تفعيل دور القضاء ومنظمات المجتمع المدني في الرقابة والإشراف على عمل الشرطة عند فض المظاهرات التي تخرج عن النطاق السلمي، والتأكيد على التظاهرات والاعتصامات والإضرابات العمالية السلمية باعتبارها حقًا أصيلا لا يستطع أحد المساس به أو تجريمه.

هوامش:
(1) المركز التنموي الدولي، دراسة مقارنة حول الأداء الاحتجاجي في مصر خلال 2010-2012-2013، متاح على الرابط: http://goo.gl/hK3WHw

" (2)الطب الشرعي»: قتلى الأحداث منذ «فض رابعة» 726.. وضحايا الشرطة 206"، المصري اليوم، 14/11/2013.

(3) دعاء عادل ورحاب السعيد، مؤشر الحراك الاحتجاجي خلال شهر أكتوبر 2013، المركز التنموي الدولي، نوفمبر 2013، ص ص 1-7.

(4) دعاء عادل ورحاب السعيد، مؤشر أحداث العنف والإرهاب السياسي في مصر خلال أكتوبر 2013، المركز التنموي الدولي، نوفمبر 2013، ص ص 2-5.

المصدر: جريدة المصري اليوم، 28 نوفمبر 2013 

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة