You are here:الرئيسية>مفاهيم>مفهوم المواطنة>مفهوم المواطنة - الجماعة العربية للديمقراطية

اسم الكاتب:  الديمقراطية الرقمية

اسم الكاتب: جمال محمد غيطاس

دار النشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب - 2011

عرض: محمد الحمامصي

يجئ هذا الكتاب "الديمقراطية الرقمية" للكاتب جمال محمد غيطاس والصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، كمحاولة للتعامل مع ظاهرة الديمقراطية الرقمية بنظرة تركز على لملمة التفاصيل المبعثرة والمتشظية، ومحاولة لتوصيف الظاهرة وتأثيراتها وانعكاساتها من خلال إطار محدد ومتكامل يساعد القارئ على تكوين فهم كلي لأبعادها المختلفة، ولتحقيق ذلك يبدأ الكتاب بتمهيد يتلمس ملامح الحياة الرقمية العامة البازغة والآخذة في النشوء والتطور في شتى المجالات والتخصصات، بما يهيئ الذهن للتعامل مع ظاهرة الديمقراطية الرقمية، ويقدم نبذة عن الأرضية التي تتحرك فوقها هذه الظاهرة باعتبارها ظاهرة مجتمعية تكنولوجية لا تنشأ أو تتحرك في فراغ.

يرى المؤلف أن العصر الرقمي بأدواته المختلفة قدم للجماهير والناشطين السياسيين هذا النظام العصري المركزي للاتصالات وتبادل المعلومات عبر البريد الإلكتروني والقوائم البريدية وجماعات الأخبار والمجتمعات التخيلية وغرف الدردشة، والرسائل النصية القصيرة التي تبث على التليفونات المحمولة والاتصالات الصوتية عبر الانترنت، إما بالمجان أو بتكاليف زهيدة وبالصوت والصورة، فتوافرت أمام الجماهير وسائل وأدوات لتخطيط وتنظيم وتنفيذ جميع المظاهر والفعاليات السياسية والديمقراطية السابقة بأساليب سهلة ورخيصة وشديدة الفعالية وعظيمة الشمول والاتساع.

ويؤكد أنه عملياً تتجسد ملامح الوجه الرقمي للأنشطة السياسية والفعاليات الديمقراطية الميدانية في مسارين: الأول خليط بين ما هو تقليدي وما هو إلكتروني، ويظهر فيه الوجه الرقمي في خلفية الأحداث، حيث تستخدم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات كبنية أساسية وحيوية في عمليات الدعوة والتخطيط والتنظيم والحشد والتنفيذ لهذه الأنشطة ثم تتم ميدانيا بالشوارع والميادين ووسط الجماهير الغفيرة، والمسار الثاني إلكتروني بالكامل، أي تستخدم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وما فيها من منجزات رقمية في القيام بعمليات الدعوة والتخطيط والتنظيم والحشد ثم تنفيذ هذه الأنشطة والفعاليات إلكترونياً أيضاً وليس بالميادين والشوارع.

ويقول: ظهرت نماذج عديدة على المسار الأول فرأينا مظاهرات كونية رافضة للحرب على العراق تخرج في وقت متزامن بميادين نيويورك وبكين وسيدني ولندن والقاهرة وباريس وتورنتو، ولجأ الكثير من منظميها من نشطاء جماعات السلام وجماعات حقوق الإنسان بالولايات المتحدة وأوروبا إلى إنشاء مواقع للتخطيط والتنسيق وتوثيق أنشطتهم على الشبكة، بينما لجأ آخرون إلى استخدام البريد الإلكتروني والمحادثة الفورية التي تتم عبر هذه المواقع في تنظيم وإدارة المظاهرات بالشوارع وتنسيق الجهود وتبادل المعلومات حول الخطط والتكتيكات التي ستتبع خلال المظاهرة، كالنوم على الأسفلت وتكوين السلاسل البشرية في بعض الأماكن والتقاطعات الرئيسية بالمدن وغيرها.

وفي اليوم الذي بدأت فيه الحرب، قام معارضون للحرب بعمل سلسلة بشرية عطلت المرور في وسط مدينة سان فرانسسكو، وفي قلب هذا الاحتجاج كانت هناك عشرات من كاميرات الفيديو الرقمية يستخدمها المحتجون في تسجيل الحدث، ورصد قوات الأمن وهي تقوم بمكافحة الشغب وتعتقل معارضي الحرب الذين بدءوا ينامون في الشوارع بسان فرانسسكو كما استخدمت التليفونات المحمولة على نطاق واسع لكي يصلوا إلى بعضهم البعض، وقد علق أحد منظمي هذه المظاهرات على التغيير الكبير الذي حدث في أدوات ووسائل التنظيم بقوله: "إن تنظيم المظاهرات كان يستغرق في الماضي أكثر من شهر، وهو الآن يحدث بمجرد ضغطة زر على صفحة بالإنترنت".

ومن المظاهر المهمة أيضاً في هذا المسار أن الجماعات السياسية المختلفة بدأت تلجأ لهذا النظام العصبي الرقمي للاتصالات في إدارة أنشطتها وعملياتها المختلفة، ويرصد بعض الخبراء مجالات محددة باتت تلجأ إليها المنظمات والجماعات السياسية المعارضة أو منظمات المجتمع المدني عند قيامها بأنشطة ديمقراطية ميدانية أو حركية علنية كالتظاهر السلمي والإضراب وغيرها.

استطاعت أدوات العصر الرقمي – وبشكل خاص الإنترنت - أن تقدم مساعدات جمة لنموذج الديمقراطية المباشرة، بعدما نجحت في إخراجه من متحف التاريخ الديمقراطي والدفع به ليعمل من جديد بأشكال جديدة ومناطق غير موطنه الأصلي بأثينا؛ ذلك لأن الإنترنت – على وجه الخصوص – استطاعت أن تقدم بديلاً حيَّد حواجز وموانع تطبيق الديمقراطية المباشرة مثل ضخامة عدد المواطنين وتشابك وتعقيد التركيبة الاجتماعية الاقتصادية بالمجتمعات الحديثة وفتح الطريق من جديد للبحث في إعادة العمل بنموذج الديمقراطية المباشرة.

وأشار المؤلف إلى أنه قبل سيادة الإنترنت، ظهر ما يعرف بجمعيات الدوائر الانتخابية الإلكترونية واستخدمت بفاعلية وكفاءة، وضمت جمعيات الدوائر الانتخابية الإلكترونية تقنيات التليفزيون والتليفون والحاسب لمد قنوات اتصال فورية بين النواب مع دوائرهم الانتخابية، وقامت جمعيات الدوائر الانتخابية الإلكترونية التصويت، ولم تستخدم جمعيات الدوائر الانتخابية الإلكترونية على نطاق واسع حتى الوقت الحالي.

وقال: لكن مع ظهور الإنترنت وانتشارها بين نسبة ساحقة من الجمهور العام وما صاحب ذلك من انتشار لخدمات البريد الإلكتروني واستطلاعات الرأي لم يعد الأمر مقصوراً على جمعيات الدوائر الانتخابية الإلكترونية عبر التليفزيون والهاتف والحاسب، بل انفتح الباب على مصراعيه لممارسة الديمقراطية المباشرة إلكترونياً ورقمياً عبر الإنترنت، وأصبح المجال مفتوحاً لمشاركة عشرات الآلاف من المواطنين في أي وقت في عملية الديمقراطية المباشرة، وقد رأينا في تجارب الولايات المتحدة وبريطانيا وأسكتلندا كيف جرى تكثيف الاعتماد على الإنترنت في عمليات التصويت واستطلاع الرأي والحوار والمناقشة.

ويضرب المؤلف مثلا بالتجربة السويسرية في الديمقراطية المباشرة عبر الإنترنت كمثال جيد في هذا الصدد، ويقول: في يونيو 2002 قام 16 ألفا من طلاب الجامعات في جنيف باستخدام الإنترنت للتصويت على ما إذا كانوا موافقين على تقنين الإجهاض أم لا، وغيرها من الموضوعات الاجتماعية، وكان هذا التصويت جزءاً من الديمقراطية المباشرة في سويسرا والتي تتيح للمواطنين التصويت بشكل روتيني حوالي أربع مرات في العام لإقرار العديد من القضايا الاجتماعية والسياسية، وجاء اللجوء للإنترنت بعد أن لاحظ المسئولون أن هناك انخفاضا فى إقبال الناخبين محلياً وعلى المستوى الوطني، وأثبت مسح أجرى على مستوى سويسرا وقام به مركز دراسات الديمقراطية المباشرة في جامعة جنيف أن 76% من السويسريين سوف يقبلون على التصويت باستمرار إذا ما استطاعوا القيام بذلك عبر الإنترنت، مما جعل المسئولين يلجأون للتصويت الإلكتروني لكي تصبح طرق التصويت متلائمة مع التكنولوجيا، وساعتها قال مدير مركز الديمقراطية عبر الإنترنت روبرت هينسلر: إن التكنولوجيات الجديدة سوف يدعم الديمقراطية بقوة والعملية السياسية.

هناك بالفعل حوالي 50% من السويسريين يستخدمون الإنترنت في ممارسة حقهم في الديمقراطية المباشرة، والرقم في جنيف يتجاوز ذلك، وقال استفتاء أخير حول المصوتين في سويسرا: إن حوالي 70% من السويسريين يؤيدون التصويت عبر الإنترنت، والفكرة لها شعبية وانتشار بين المواطنين السويسريين الذين يعيشون بالخارج، وتصل أصواتهم متأخرة غالباً.

وينقسم الكتاب إلى أربعة فصول الأول يعرف بظاهرة الديمقراطية الرقمية، والثانى يستعرض أهم تجليات ومظاهر الديمقراطية الرقمية فيتناول بالشرح والتحليل كيف استطاع التلاحم (الرقمي – الديمقراطي) إعادة توليد الآليات والأدوات المستخدمة في ممارسة الديمقراطية في شكل ومظهر ونمط رقمي جديد، سواء فيما يتعلق بآلية التصويت والانتخاب، أو التعبير عن الرأي والحوار أو استطلاعات الرأي أو الفعل السياسي الميداني، ويقدم الثالث عرضاً لتجارب أو حالات الديمقراطية الرقمية في خمس دول هي الولايات المتحدة ومصر وبريطانيا والهند وأسكتلندا، وهي تجارب أو حالات تم انتقاؤها وفقاً لزاوية الرؤية التي تميزت بها كل تجربة على حدة، وذلك لتأكيد أن الديمقراطية الرقمية تتنوع وتختلف من مجتمع لآخر وفقاً لخصوصيته ولا تنتشر بطريقة كربونية تطبق كما هي في كل مكان، ثم يأتي الفصل الرابع والأخير ليستعرض الدور الذي لعبته وستلعبه التكنولوجيا الرقمية في تجديد الفكر الديمقراطي نفسه وليس أدوات ممارسته فقط.

يذكر أن جمال غيطاس هو من أعد مشروع تأسيس وإصدار مجلة "لغة العصر" التي تصدر عن مؤسسة الأهرام، وتختص بالكمبيوتر والإنترنت والاتصالات، وعمل رئيس تحرير تنفيذي لها ثم رئيسا لتحريرها، وأصدر ستة كتب هي: تكنولوجيا المعلومات في مصر، الديمقراطية الرقمية، الحرب وتكنولوجيا المعلومات، الصحافة الالكترونية، أمن المعلومات والأمن القومي، عصر المعلومات.
-------
المصدر:ميدل ايست أون لاين

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

 

الكتاب: السلفية في مصر.. تحولات ما بعد الثورة

المؤلف: هاني نسيرة

الناشر: مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، القاهرة

الطبعة: الأولى/2011

عدد الصفحات: 46

عرض: أحمد حسن علي

جاءت ثورة 25 يناير بمثابة الزلزال الذي هز قوائم الحياة المصرية من الجذور، وممن طالتهم يد التغيير (التيارات السلفية) الأكثر حجما وجدلا في الحالة الدينية بمصر.
وفي هذا الإطار، تحاول هذه الدراسة بيان توجهات السلفية إزاء قضايا الإسلام السياسي، وقضايا الجدل العام في مصر، ومعالم الطريق بعد الثورة، انتهاءً بفرضيات تحولهم إلى السلفية الجهادية العنيفة. وقد خاض المؤلف هذا الجدال الشائك عبر ثلاثة مباحث رئيسة:
 
أولا: توجهات السلفية إزاء الإسلام السياسي والجدل العام في مصر في بحثه (السلفية ومناهج التغيير):
 
تعرّض منظر السلفية السكندرية الشيخ ياسر برهامي إلى وسائل التغيير عند التيارات السلفية الأخرى، وقرر أن التغيير من خلال الانتخابات البرلمانية مخالف لشريعة الله، فالتشريع حق خالص من حقوق الله تعالى، والقوانين الوضعية مخالفة للشريعة الإسلامية، وكل ما يخالف الشريعة فهو باطل.
وفي بحثه وازن الشيخ ياسر برهامي بين رأيين فقهيين؛ الأول: أن المشاركة في البرلمان بغرض تطبيق الشريعة طاعة إذا كانت المصلحة في ذلك.
والثاني: أن المشاركة فيه لا تجوز، وأنها من باب الذنوب والمعاصي وليست من باب الكفر والردة؛ لأن المشارك حقق البراءة اعتقادا ولم يطبقها عملا.
وكان رأي الدعوة السلفية كالآتي: نختار عدم المشاركة، معللين ذلك بأن المفاسد من المشاركة أكبر من المصالح، ونقر بأن الخلاف العلمي السابق خلاف معتبر؛ لأن كلا الفريقين يريد خدمة الإسلام ويقر بالبديهيات والمسلمات، التي هي هنا أن البرلمانات كفرية، لكن يجوز المشاركة فيها.
إلا أنه بعد ثورة يناير انقلب الحال، وأعلن سلفيو الإسكندرية عزمهم دخول حلبة السياسة، وإنشاء حزب سياسي، تمهيدا لدخول البرلمان. فهل حقا لم يعد يعتقد السلفيون السكندريون أن الديمقراطية كفر؟ وأن في المشاركة مفسدة أكبر من المصلحة المترتبة عليها؟!
 
الموقف من الأقباط قبل الثورة

في العام الأخير قبل ثورة 25 يناير، وقعت بعض الحوادث الطائفية في نجع حمادي بصعيد مصر، وراح ضحيتها عدد من المسيحيين، وثارت العديد من السجالات الحادة عقب اختفاء كاميليا شحاتة، واتهام الكنيسة بسجنها وتعذيبها؛ من أجل إجبارها على العودة للمسيحية. وزاد الأمر اشتعالاً دخول أطراف خارجية على خط الأحداث، إذ قام تنظيم القاعدة بالعراق باستهداف كنيسة سيدة النجاة بحي الكرادة؛ انتقاما لاحتجاز الكنيسة الأرثوذكسية المصرية سيدتين مسلمتين (حسب الاتهامات الرسمية لوزارة الداخلية المصرية حينئذ، بينما تسربت معلومات تفيد باتهام وزير الداخلية شخصيا).
في إطار هذا الجدال، كان هناك موقف سلفي نظري وعملي بدرجة ما، فقد رفض السلفيون المصريون تهديد القاعدة للكنيسة المصرية ولأقباط مصر، وقُدمت بعض الدراسات في تحريم ذلك، فقد ذهب الشيخ محمد حسان في حوار معه إلى أنه يتحدى من يجيز استهداف المسيحيين، بل أكد أن الدعوات السلفية ساعدت في تخفيف أجيج الغضب الذي ثار بسبب كاميليا شحاتة، التي قيل: إن القنوات الدينية أغلقت بسببها.
وبالرغم من شدة الموقف السلفي النظري من الأقباط، إذ يحرمون حضور أعيادهم أو تهنئتهم، إلا أنهم عكس السلفية الجهادية يقبلون مقولات الوحدة الوطنية ودرء الفتنة الطائفية وما شابه ذلك!

 
الموقف من المشاركة السياسية

ثانيا: تحول موقف السلفيين من العمل السياسي والمشاركة بعد الثورة:

عانت القوى الإسلامية خلال فترة الثورة (25/1–11/2) حالة من القلق؛ بسبب مخاوف انهيار الدولة وسياسة ما بعد الرحيل الاضطراري، وصار الجميع متوزعا ما بين بديلي التغيير (الآن)، أو التغيير التدريجي المنتظم، وكان موقف (الإخوان المسلمون) المزج بين الإستراتيجيتين.
فسرعان ما تقاطروا إلى ميادين مصر، مشاركين بكثافة مع كافة القوى الوطنية في الشارع، ولم يكتفوا بذلك، بل أرسلوا عدة رسائل طمأنة لقوى الداخل والخارج، بأنه في حال رحيل الرئيس لن يرشحوا أحدا منهم لمنصب الرئاسة، ولن ينافسوا إلا على 30% من مقاعد البرلمان، وأعلنوا إيمانهم بالدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية.

وجاء موقف السلفيين متسقا مع مرجعياتهم وتاريخهم، وفق الأسس المعرفية لديهم التي تجعل التربية والتعليم العقدي والديني على رأس أولوياتهم، فمنذ اندلاع الثورة لم يرحبوا بها وبتظاهراتها، وتوالت فتاواهم بالدعوة للحوار ووقف التظاهرات وعدم الانجرار إلى الفتنة؛ مما عرضهم للكثير من الانتقادات، التي وصلت إلى حد اتهامهم بالعمالة لحساب أمن الدولة.
 
وعند المقارنة بين الموقفين: جاء الإخوان وسطا بين الثورة والسلطة، وإن كانوا أقرب للأولى، إذ عبروا عن موقفهم المؤيد للتغيير، لكنه التغيير إلى الأفضل وليس إلى الفوضى، في حال الصدام أو الفراغ المفاجئين.
أما السلفيون فدعوا إلى ما وصفوه (بالتغيير الآمن) مقابل التغيير الفوري أو (الرحيل الفوري) الذي رفعه الثوار في فضاءات مصر كلها!

السلفيون من النقد إلى المشاركة السياسية

لقد تبنت مدرسة الإسكندرية بقيادة الشيخ برهامي موقفا رافضا لتيار حركة حفص (الحركة السلفية من أجل الإصلاح)، التي سعت للعمل السياسي، وبالرغم من تقديره للشيخ رضا الصمدي -مؤسس ذلك التيار- فإنه كان يرفض تسيس الدعوة السلفية، ويلح على رفض الدعوة إلى العمل السياسي، والاكتفاء بالتركيز والتصفية العقدية الصحيحة.

ولكن بعد الثورة تقدمت مدرسة الإسكندرية خطوات أكثر على حركة (حفص)، وصرح أحد شيوخها بأنهم: (... سيؤسسون حزبا وربما يترشحون لرئاسة الجمهورية)، وقد فسر الشيخ برهامي تغير الموقف السياسي للدعوة السلفية من المشاركة السياسية، استنادا إلى المبادئ التالية:
- المصالحة مع مفهوم الإسلام السياسي، والتأكيد على شمول الإسلام لمختلف مناحي الحياة.
- وحدة الحركات الإسلامية.
- فقه الأولويات، وعدم الفصل بين الشرعي والسياسي.
ثم جاء التطور الأكبر في هذا السياق بالإعلان عن (حزب النور الإسلامي) في مايو/آيار 2011م، وقد لوحظ على هذا الحزب أنه يظل محكوما بالإطار السلفي والهوية الإسلامية الغالبة، وتقديمها على المصرية (المواطنة)، وكذلك حبسه الديمقراطية داخل المرجعية الإسلامية، وهو ما يقترب من خطاب جماعة الإخوان، ولكنه لا يزال بعيدا عما يمكن اعتباره حزبا مدنيا.
 
وهكذا تحول السلفيون، لكنهم ما زالوا يصرون على إسلامية الدولة وعلى قبولهم بصناديق الاقتراع، لكن في حدود معينة قد تولد الاعتراض.

 
الموقف من الكنيسة والأقباط

بالنظر إلى برنامج (حزب النور) -المعبر عن الحركة السلفية- بخصوص الموقف من الأقباط نجد أنه اكتفى بالتركيز على المبدأ التقليدي (لهم ما لنا وعليهم ما علينا)، وبقي تصور الشريعة كمرجعية عليا -أي حاكمة- هو الشرط الحاكم لكل شيء، بما في ذلك الحرية الدينية للأقباط، حتى لم تعد القضية مرتبطة بالحرية الدينية للأقباط، وإنما بولاية القبطي على المسلم، على نحو يثير الشكوك حول مدى قدرة المجموعة المؤسسة للحزب على مغادرة سلفيتها، وإن تمتعت بحرية حركة أكبر بالمقارنة بالدعوة السلفية، هذا في الإطار النظري.
أما في الجانب العملي، فتظل أخطر مواقف السلفيين هي مواقفهم الدينية المتشددة من الأحداث الطائفية التي جرت بعد الثورة، مثل هدم كنيسة صول بأطفيح، إلى قطع أذن الشاب القبطي ديمتري بمحافظة قنا، وانتهاءً بأحداث إمبابة في 8 مايو/آيار، فقد أنكروا تورط السلفيين في هذه الأحداث، إلا أنهم كثيرا ما برروا ودافعوا عن المتورطين فيها من المسلمين!
وقد اتخذ السلفيون الموقف نفسه عند تعيين محافظ مسيحي لمحافظة قنا في إبريل/نيسان 2011م، حيث شاركوا بكثافة في الاعتصام استنادا إلى أنه لا ولاية لكافر على مسلم، وذهب السلفيون أيضًا إلى ضرورة أن تعيد الكنيسة في مصر النظر في دورها بخصوص المتحولين دينيا، بما يضمن حرية الاعتقاد، وتمشيا مع هذا المبدأ أسس عدد من السلفيين ائتلافا للدفاع عن المسلمين والمسلمات الجدد، تحت اسم (ائتلاف دعم المسلمين الجدد).

السلفية والجهاد في مصر 
ثالثا: السلفية والجهاد في مصر: محطات التلاقي والافتراق:
يرى المؤلف أن أغلب اتجاهات السلفية في مصر غير مؤهلة للتحول نحو أفكار أو مجموعات جهادية، أو حتى سياسية، باستثناء تيار السلفية الحركية كما مثلته السرورية، التي لا زالت نخبوية، لكن المعارك النظرية للسلفية، سواء في الصراع على السلفية الصحيحة فيما بينها، أو الجدل مع مرجعياتها ومدارسها في الخارج أو الداخل أو معارضيها، أو صدور بعض الفتاوى الشاذة أو الغريبة من بعض ممثليها، يمثل الحضور الأكبر لها ولممثليها في الحالة المصرية، مع بقاء السلفية الاجتماعية ونشاطها منذ عقود بها.
 
إن الإصرار والاستعداد للحرب على الهوية الإسلامية للدولة المصرية ومرجعيتها في الخطاب السلفي-المصري بعد الثورة (التأكيد على إسلامية الدولة والثورة، وعدم جواز المساس بالمادة الثانية من الدستور)، وتحول السلفية للتنظيم الحزبي، وتحول مدرسة الإسكندرية لذلك، وهي سلفية مدرسية وتعليمية في الأصل، يجعل السلفية تقترب من حركات الإسلام السياسي، لكنها على المستوى الخطابي أقرب للجهاديين من الإخوان وغيرهم.
-------
المصدر: الجزيرة نت

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

 

اسم الكتاب: الحروب الهمجية: العرب والمسلمون وفقر الفك الليبرالي

اسم الكاتب: ستيفن سالايتا، ترجمة: يوسف عبد العزيز

دار النشر: المركز القومي للترجمة، القاهرة - 2011

عدد الصفحات: 168

الطبعة: الأولى 2011

عرض: بدر محمد بدر

يناقش كتاب "الحروب الهمجية.. العرب والمسلمون وفقر الفكر الليبرالي" مشكلة العنصرية المضادة للعرب والمسلمين في الولايات المتحدة الأميركية, وأسباب تهميش العرب, وقضية الإسلاموفوبيا, في إطار الحروب الدائرة في عالمنا المعاصر, التي هي كما يصفها المؤلف "حروب همجية".

والمؤلف هو باحث أميركي متخصص في الكتابة عن العرب الأميركيين، وعن السكان الأصليين, ويعمل أستاذًا مساعدًا للغة الإنجليزية بجامعة فرجينيا تك بالولايات المتحدة.
 
الإرهاب عربي!  
ومنذ السطور الأولى يشير المؤلف إلى أن كل عنف عربي, طبقًا لوسائل الإعلام الأميركية, هو "إرهاب", ولكن هذه الوسائل لم تحدد أبدًا أي معيار نتج عنه مثل هذا الحكم, وفي الغالب ليس المعيار سوى افتراضات متسرعة، يوحي بها الدافع العنصري الذي يتصور أن العرب ليس لديهم سبب وجيه على الإطلاق لارتكاب العنف, وبالتالي هم غير عقلاء, بينما الأميركيون لا يمكن أن يكونوا غير عقلاء, كي يرتكبوا أعمال عنف دون سبب وجيه!

ويمكن القول بأن حصر كل فعل عنف عربي على أنه "أعمال إرهاب" يكشف أن إدانة الإرهاب مبنية على أهداف سياسية، مما يؤكد المعتقدات السابقة بالتفوق للجنس الأبيض, بل إن التراث الأميركي يميل إلى نزع الصفات الإنسانية عن أعداء أميركا الجيوسياسيين, وفي هذه الحالة فإن العرب الذين يناوئون الطموحات الإمبريالية الأميركية يصنفون جميعًا إرهابيين, والمفهوم ضمنا من هذا الإجمال هو الادعاء بأن العرب غير قادرين على دخول عصر الحداثة, وعلى ذلك فمهما كانت المطالب التي يعبرون عنها من خلال العنف, فهي بالضرورة لا مبرر لها, أما العنف الأميركي فمهما كان قبيحًا, فهو دائمًا ما يهدف إلى خدمة مصالح التقدم!

ويقول المؤلف إن الوقاحة التي تطبق بها وسائل الإعلام الأميركية كلمة "إرهاب" على السكان العرب, تعزز فوق ذلك تصور أن العنف في العالم العربي خارج سياق التطور التاريخي, ومن ثم فهو بلا معنى, كما أن العرب بدورهم أصبحوا شعبًا بلا حكايات, ينتمي إلى ثقافة عاجزة عن الإدراك.. هذه التصورات تشوش فهم الأميركيين لكل من الولايات المتحدة والعالم العربي.
 
ويضيف الكاتب أن العنصرية ضد العرب ليست مضفورة مع الفظاعات الأميركية والإسرائيلية فحسب, بل إن لها وجودًا ثابتًا في الولايات المتحدة، لما يزيد عن القرن من الزمان, ويرجع تاريخ تجسيدها الحديث إلى حرب 67 بين العرب وإسرائيل, وقد وُجدت العنصرية ضد العرب عادة في تيار اليسار, وأيضًا في تيار اليمين.
 
عنف غريزي

ومن هنا فإن الصفة الثابتة للعنصرية ضد العرب في الولايات المتحدة هي المساواة المستمرة في وصف العرب بالعنف الغريزي الوحشي, مجردة السياق المسلم به دائمًا، من أي مثال للعدوانية الأميركية أو الإسرائيلية.
 
وهناك مشكلة أخرى حول قضية العنصرية ضد العرب, هي عدم الرغبة في التعامل مع العرب على أساس إنسانيتهم الأصلية, وقد أصبح مؤكدًا جدًّا لدى الملونين أن العنصرية لا يمكن أن تتأصل في أي مجتمع دون القبول من الليبراليين.

ويؤكد المؤلف أن العرب الأميركيين، والعرب عمومًا، مهمشون ومحتقرون ومحاصرون في الولايات المتحدة, وفي لحظات الكرم يتحول العربي في المخيلة الليبرالية من كونه أجنبيًّا إلى موضوع فضول مقبول, موضوع ينهي "شرعنة" معظم الطهارة المسيحية المحفورة في المخيلة الليبرالية, وبهذا التصور ينظر إلى العرب على أنهم بطريقة ما بعيدون عن بقية الأميركيين, وعلى أنهم مختلفون نوعًا ما في التحليلات "الكريمة", ومتوحشون بشكل بشع في التحليلات الأقل ادعاءً, وهكذا تستمر أساطير العرق لتكون حتمية في الولايات المتحدة.
 
ويشير الكتاب إلى أن الصهيونيين المسيحيين يؤمنون بلا كلل بحق اليهود في استعمار فلسطين, وهي عملية ينظرون إليها على أنها استعادة لإسرائيل التوراتية, وأنها المبشر الأساسي بفرحة عودة المسيح, وطبقًا لهذا المخطط فإن الفلسطينيين, مسلمين ومسيحيين, لديهم خيارات قليلة, ولا واحد من هذه الخيارات يؤدي إلى القدرة على الوفاء بالمتطلبات السياسية, أو القدرة على الوصول إلى الحقوق الإنسانية, ومعظم الصهيونيين المسيحيين ينادون بنقل الفلسطينيين بالقوة إلى الأردن, حيث من المفترض أن يمكنهم ذلك من تكوين دولتهم الخاصة بهم, أو فعل أي شيء يريدونه, طالما أنهم لا يعطلون الاسترجاع اليهودي لفلسطين, وبعض هؤلاء يرى أن رفض الفلسطينيين للمغادرة سيحتاج ببساطة إلى أن يواجه بحسم، والقلة ترى أنه لا مانع من وجود عدد قليل من الفلسطينيين، الذين يخضعون أنفسهم تمامًا للسيطرة اليهودية.
 
ويقول المؤلف: "أريد من الأميركيين أن يتفهموا العنف الذي يعاني منه الضحايا العرب, بدلاً من التفكير فقط كيف أن العنف الذي يعانيه العرب يؤثر على المصالح الأميركية, أريد منهم أن يكونوا شاعرين بالأسف، بسبب أن جنود الاحتلال الإسرائيلي أحيانًا ما يطلقون النار على مدارس عربية، مليئة بالأطفال الأبرياء".
 
العربي المخادع

إن تصوير العرب على أنهم إرهابيون ومتعصبون أو "مشبوهون" عاديون أمر غير مبرر, ليس لأن العرب لا يتصرفون أبدًا بشكل سلبي, ولكن لأن تلك هي الطريقة الوحيدة التي تصور بها السينما والتلفزيون في أميركا العرب, والصور في حد ذاتها تلمح بشكل إجمالي إلى أن العرب غير قادرين على الإسهام بشيء في المجتمع الأميركي، سوى العنف والغباء!
 
إن شخصية العربي المخادع لها حضور في السينما الأميركية منذ اختراع السينما, وحجة أن أعمال العنف العربي تثبت هذه الصور هي حجة غير وافية, ومشكوك فيها أيضًا, لأن الأميركيين البيض يرتكبون الإرهاب كذلك.
 
إن التصوير ينتج ما يسميه المنظرون الأدبيون "الصورة الزائفة", وهي واقع زائف أو بديل, وفي واقع "هوليود" الزائف لا يسمح للعرب بأن يكونوا أي شيء غير إرهابيين, وهو وضع يجعلهم نماذج قاسية للعنف، وفاعلين له ليس أكثر, ولذلك عندما يحتج الناس بأن ذلك كاف تمامًا لإعادة اختراع الإرهابي العربي باستمرار, فإنهم يوظفون حجة تعتمد على واقع زائف لمنطق معيب غامض.. العرب يعتبرون نماذج للعنف, ليس بسبب أنهم يرتكبون الإرهاب بأعداد متفاوتة, وإنما لأنهم يصورون بشكل غير متناسب على أنهم إرهابيون, التصوير بمعنى آخر يصنع الواقع الزائف، الذي يشير إليه الناس بعد ذلك على أنه حقيقي.

ويقدم المؤلف تحليلا لعدد من الأعمال الفنية سواء في التلفزيون أو السينما, ليقدم الدليل على تعمد "شيطنة" صورة العربي في وسائل الإعلام الأميركية, لتصبح بعد ذلك هذه الصورة النمطية هي الصورة التي يتبناها المجتمع الأميركي كأنها طبيعية.
 
ويشير الكتاب إلى أن الليبراليين البيض الحاليين متورطون في تأييد أشكال مستمرة لتشريد السكان الأصليين، ونزع الملكية، والإبادة الجماعية الثقافية, من خلال الانتهاك المستمر للجغرافيا، والنقض المستمر للاتفاقيات العديدة, ولديهم سجل رديء في مجال تأييد الاستقلال عن المستعمر، ولهذا السبب فإن الصهيونيين التقدميين والليبراليين ليسوا جبناء سياسيًّا فحسب, بل إنهم أيضًا يلعبون دورًا رئيسيًّا في قدرة المستعمرين على اختراع الأساس المنطقي لأدوات الدولة، التي تسبق وتعتمد على قمع قومية السكان الأصليين, إنهم يلعبون دورًا أكثر حسمًا لصالح إسرائيل عن طريق منع الفلسطينيين من دخول أماكن النقاش العام، حتى تلائم وجهات نظرهم.
 
لا للتمكين العربي

ولا يستطيع الصهيونيون التقدميون والليبراليون أن يتخيلوا أي نوع من التمكين العربي, الذي لا يمكن أن يعمل وفق الحدود السياسية الواهية، التي أقاموها بدقة شديدة, ولذلك أصبح الصراع الإسرائيلي الفلسطيني شأنًا يهوديا يهوديا, مجردًا من أي مشاركة عربية.
 
وفيما يتعلق بحمى الخوف من الإسلام (الإسلاموفوبيا) يقول المؤلف إن المواصفات المجازية للإسلام كعامل مساعد للعنف المتخيل, متشابهة إلى حد كبير لدى كل من اليسار واليمين في الولايات المتحدة, ونحن نعلم بالفعل أن العملية ليست عشوائية أو صدفة, وبمعنى آخر لو أصبح (الرئيس الإيراني) أحمدي نجاد هو الشاه القمعي لإيران, بدلاً من الرئيس القمعي لبلد عدو للولايات المتحدة, فإنه سيتم الترحيب به بكل تألق من قبل وسائل الإعلام الأميركية.
 
وفي النهاية يؤكد المؤلف أن التحدي الذي نواجهه الآن، والأكثر إثارة للحيرة, هو تطوير حوار جماعي مثمر، لتصحيح الكثير من الرؤى المغلوطة, ويمكن من خلاله أن نبدأ عملية تجمع معًا الثقافات المختلفة, بافتراض أن لا واحدة من تلك الثقافات في حاجة لأن تكون مسيطرة أو معيارية.
 
علينا أن نصل إلى الاقتناع الحقيقي, الذي ينتج عن امتلاك القدرة على أن نتحدث, وعلى أن يستمع الآخرون إلينا, بلغة الأهداف الواقعية، وسوف نحتاج إلى إنتاج مجموعة من الافتراضات الأساسية حول العرب والمسلمين, مختلفة عن الموجودة حاليًا, وهذا الهدف سوف يؤتي ثماره فقط من خلال قبول الآخرين فعلاً لأن يستمعوا، ويأخذوا في الاعتبار إمكانية أن العرب ليسوا بالضرورة هم ما قرر الآخرون في وقت سابق من يكونون.

--------

المصدر: الجزيرة نت

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

 

اسم الكتاب:  الصحوة العربية... أميركا والتحول في الشرق الأوسط

اسم الكاتب: مجموعة من الباحثين

دار النشر: معهد بروكينجز - 2011

عرض: زهير الكساب

كان للأحداث التي انطلقت من تونس في يناير 2011 وانتقلت إلى مصر ثم ليبيا فسوريا واليمن وغيرها، أثر كبير على المنطقة ودور مهم في خلخلة الأسس السياسية والاجتماعية والثقافية للشرق الأوسط. بل إن توابع الزلزال ما زالت مستمرة حتى اللحظة ولا أحد يستطيع التنبؤ متى ستنتهي أو متى ستبدأ موجة اضطرابات أخرى في المنطقة. هذه هي الخلاصة التي خرج بها الكتاب الذي نعرضه هنا، "الصحوة العربية... أميركا والتحول في الشرق الأوسط" الصادر عن معهد بروكينجز الأميركي والذي شارك في تأليفه مجموعة من الباحثين والأكاديميين المهتمين بالشرق الأوسط. فرغم أن الأحداث ما زالت قريبة زمنياً، يرى الباحثون أن ما مضى من وقت حتى الآن على أول انتفاضة شعبية في تونس، يكفي لرصد الملامح العامة للمنطقة والوجهة التي تسير نحوها.

ومما يحفز الباحثين على استقصاء الأسباب الكامنة وراء الانتفاضات العربية ومحاولة فهم التحولات العميقة التي تشهدها المنطقة،أن المخاض الذي هز العالم العربي لم ينته بعد، على الأقل في بعض الأجزاء المشتعلة على نحو واضح.

وعلى غرار الأحداث التاريخية الكبرى في العالم، لم ينبثق الربيع العربي من فراغ، بل تضافرت لدفعه إلى الوجود جملة من الأسباب والدواعي كانت موجودة طيلة العقود السابقة وكانت الثورة قريبة وممكنة في كل لحظة، لكن مع توالي السنين تلاحقت التطورات التي عجلت بلحظة الانفجار.
ولفهم أفضل لما جرى في العالم العربي، تقترح "سوزان مالوني"، إحدى الباحثات المشاركات في الكتاب، الانطلاق من الواقع الاقتصادي للشرق الأوسط، والذي مثّل الانطلاقة الأولى التي منها بدأ الاستياء والغضب العربيان، وإن كانت النتيجة تعدت الاقتصاد في النهاية. فبينما انتقلت أغلب المجتمعات في العالم من طور الاقتصاد الزراعي إلى الاقتصاد الصناعي ثم اقتصاد المعلومات، ظل الاقتصاد العربي بعيداً عن هذا التطور، وبالأخص الأنظمة التعليمية التي فشلت في إعداد الأجيال الجديدة لاقتصاد المعرفة.

لكن الجانب الاقتصادي وحده لا يفسر الثورات العربية بدون إدخال العامل السياسي، فقبل عام2011 كان العالم العربي بمثابة صحراء ديمقراطية، وقد زاد من تفاقم الوضع تعامل الأنظمة الاستبدادية مع بؤس شعوبها بالتعالي والتسامح مع الفساد، والنتيجة أن الاستثمارات الأجنبية اقتصرت على الأطراف الخارجية الساعية إلى شراء الشركات الحكومية بالتآمر مع النخب الفاسدة.

والمحصلة النهائية لكل تلك الاختلالات الاقتصادية هي ارتفاع كبير في نسبة البطالة، لاسيما في صفوف الشباب، واتساع الفوارق الاجتماعية، وتدني نسبة الاستثمارات الأجنبية، وضعف التصدير، بالإضافة إلى مستويات متدنية من التجارة الدولية، واعتماد مفرط على القطاع العام في التوظيف. وحتى عندما توجهت الشعوب المستاءة من وضعها الاقتصادي إلى الحكومات، جاء رد هذه الأخيرة قاصراً فقابلت التململ الاجتماعي بمزيج من الاحتقار والتخويف الذي ترجم إلى إجراءات قمعية وإصلاحات وهمية ووعود زائفة. لكن الاستمرار في المماطلة والتسويف مع إطلاق يد الأجهزة الأمنية لا يساهم سوى في تأجيل لحظة الانفجار التي لا يمكن توقع موعدها.

غير أن الثورات التي اتكأت على مظالم اقتصادية وسياسية مشتركة بين الشعوب العربية، اتخذت مسارات مختلفة من بلد لآخر، والسبب يقول شادي حميد، أحد المشاركين في الكتاب، الانقسامات الداخلية التي تخترق المجتمعات، فبينما حققت ثورتا تونس ومصر قدراً من النجاح السريع انعكس في الإطاحة برأسي النظام دون إراقة مفرطة في الدماء، اختلف الأمر في ليبيا التي كان لابد أن تصلها الثورة، فالمجتمع الليبي منقسم تقليدياً على أسس مناطقية وقبلية، وهي انقسامات سعى النظام للعب عليها من خلال تصوير قوى الثورة على أنها الغريم التقليدي والمنافس القديم. والأمر نفسه ينطبق على سوريا التي لها انقساماتها الخاصة.

وتبقى الإشارة إلى التداعيات الجيوسياسية على المنطقة، فحسب الكتاب لن يبقى الشرق الأوسط كما كان في السابق، إذ من المحتمل بعد نجاح الثورات صعود أنظمة جديدة على قدر من الديمقراطية، تؤثر في الداخل وفي محيطها الإقليمي.
-------

المصدر:جريدة الاتحاد الإماراتية

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما تعبر عن رأي أصحابها

 

 

اسم الكتاب: صراع القوى الكبرى على سوريا؛ الأبعاد الجيوسياسية لأزمة 2011

اسم الكاتب: جمال وكيم

دار النشر: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، لبنان - 2011

عرض: الناشر

ما الذي يحدث في سورية؟... لم يعد ممكناً التكهُّن بمصير شرقٍ يشتعل.. معارضون يتَّفقون ويختلفون وينقسمون وموالون بين مقتنعين وحذرين وخائفين... ما يجري في سورية الآن مَردُّهُ عاملان: "خارجي يتمثَّل في تقاطع مصالح دول عدَّة"، "وداخلي ناجم عن تراكمات وتصفية حسابات".

وما يجري له خصوصية بالغة، لا تشبه ما في مصر أو تونس أو ليبيا أو اليمن أو البحرين. وما مِن سيناريو قادر على تحديد الخواتيم... إنتماءات متناقضة يعزّزها توزُّع جغرافيٌّ غير متجانس... وحقيقتان لا يمكن التغاضي عنهما: "لا استقرار في سورية إلا بتوافق اثنتين من القوى الإقليمية إيران أو العراق، تركيا، مصر"، "ولا سيطرة على سورية إلا بمفتاحين: دمشق أولاً وحلب ثانياً، وبالانتباه إلى البادية، الخاصرة الهشة لسورية".

كتابٌ يدخل إلى عمق الأزمة، متسلِّحاً بالشمولية والتكامل: ناظراً، إلى بلاد الشام، على أنها قلبٌ لبلاد ما بين النهرين وتركيا ومصر، ينفتح على الجزيرة العربية ليحلِّل ويفسِّر الأبعاد الإقليمية والدولية للثورة التي تفجّرت في ربيع العام 2011 في سورية.

ولأهمية هذا الموضوع، توزعت فصول الكتاب على إحدى عشر فصلاً يتناول الفصل الأول تاريخ الصراعات على سوريا منذ فجر التاريخ حتى القرن العاشر الميلادي، ويركز على دور سوريا المحوري في العلاقات الدولية وصراعات القوى العظمى.

ويشهد على ذلك توقيع أول معاهدة دولية على أرض سوريا بين ملك الحثيين والفرعون المصري رمسيس الثاني، عام 1284 قبل الميلاد، ويتناول الفصل الثاني الصراعات التي نشبت على سوريا ما بين القرن الحادي عشر وأوائل القرن الرابع عشر، ثم مرحلة السلام التي عاشتها البلاد في ظل المماليك حتى أوائل القرن السادس عشر.

أما الفصل الثالث، فيتناول وقوع سوريا والبلاد العربية الأخرى تحت الحكم العثماني والتحولات الدولية التي شهدها العالم حتى أواخر القرن الثامن عشر، ويتناول الفصل الرابع الضعف الذي دبّ في الدولة العثمانية خلال القرن التاسع عشر والتنافس الإستعماري على المشرق وإعتبار الدُّولِ الإستعمارية سوريا مدخلاً لإحداث إختراق في قلب الدولة العثمانية والعالمين العربي والإسلامي.

ويركز الفصل الخامس على المرحلة التي تلت إنهيار الدولة العثمانية وتقاسم بريطانيا وفرنسا سوريا على شكل إنتداب فرنسي فُرض على سورية ولبنان (وسط سوريا وشمالها)، وإنتداب بريطانيا فُرض على فلسطين والأردن (جنوب سوريا)، حتى وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970، وهو يحلل الأسباب التي جعلت سورية تشهد سلسلة إنقلابات ميّزت الحياة السياسية فيها خلال الخمسينيات والستينيات.

ويركز الفصل السابع على عهد الرئيس حافظ الأسد خلال السبعينيات والثمانينيات، ويحلل العوامل التي أدت إلى إستقرار نظامه، إضافة إلى التحديات التي واجهته خلال تلك الحقبة، أما الفصل الثامن فيتناول التحديات التي واجهت سورية عقب إنتهاء الحرب الباردة مع التركيز على مرحلة مفاوضات السلام بين عامي 1991 و1996.

كذلك يتناول الفصل التاسع التحولات الإقليمية والدولية التي يؤدي تحليلها إلى فهم التحولات الدولية التي شهدتها بداية الألفية الثالثة، وسيسهم هذا التحليل التراكمي عبر التاريخ في محاولة فهم التحولات السياسية خلال عهد الرئيس بشار الأسد في الفصل التاسع والعاشر وصولاً إلى تحليل أسباب الأزمة الراهنة، من وجهة نظر التأثيرات الجيو- سياسية في منطقة الشرق الأوسط على سورية في الفصل الأخير.
--------

المصدر: موقع نيل وفرات

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

 

اسم الكتاب:  الشرق الأوسط المتغير: نظرة جديدة إلى الديناميكيات العربية

اسم الكاتب: أماني قنديل وآخرون

دار النشر: مركز دراسات الوحدة العربية - 2011

صدر عن مركز دراسات الوحدة العربية كتاب «الشرق الأوسط المتغير: نظرة جديدة إلى الديناميكيات العربية»:
يعالج الكتاب موضوع التغيير وآلياته في منطقة الشرق الأوسط، في محاولة لفهم المنطقة من خلال إلقاء نظرة شاملة على السياسات والمجتمعات.
وفي هذا الصدد، يرى المساهمون في بحوث الكتاب أن النظرة والتحليل السائدين فيما يتعلق بالشرق الأوسط يتجاهلات سنة الحركية، على اعتبار أن هذه المنطقة لا تتغيّر (؟!)، وفي هذا دليل واضح على انتهاج تفكير محافظ موروث في عملية التحليل الاجتماعي. بالمقابل يرى الباحثون أن أي تحليل لعناصر الثبات والاستمرارية، لكي يقدم لنا فهماً ملائماً لأوضاع المنطقة، يجب أن يتصل، لإجراء التوازن المطلوب، بتحديد وتحليل عناصر التغيير فيها. وهذه العناصر موجودة بالفعل، وهي تُسهم في تشكيل مصير الشرق الأوسط.
-----------
المصدر:  جريدة اللواء اللبنانية

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

 

اسم الكتاب: غزّة: حافظوا على إنسانيّتكم

اسم الكاتب: فيتوريو أريغوني

دار النشر: المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السّياسات 7 ديسمبر/ كانون الأول 2011

أصدر المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السّياسات التّرجمة العربيّة الكاملة لكتاب "غزّة: حافظوا على إنسانيّتكم" الذي وضعه المناضل الأمميّ الإيطاليّ "فيتوريو أريغوني" باللّغة الإيطاليّة، ثمّ سرعان ما تُرجم إلى لغات أوروبيّة عدّة بسبب الشّحنة الإنسانيّة الكبيرة التي احتوتها نصوص الكتاب، وبسبب المشاهدات المؤلمة التي وردت في صفحاته.

 ترجم الكتاب عن الإنكليزيّة مالك ونوس، وقدّم له المؤرّخ الإسرائيليّ المعادي للصّهيونيّة إيلان بابيه الذي كشف في تقديمه كيف أنّ إسرائيل شادت في سنة 2004 نموذجًا محاكيًا لمدينة عربيّة في صحراء النّقب، ذات حجم يساوي حجم مدينة حقيقيّة، ثمّ عمدت إلى إطلاق أسماء محدّدة على الشّوارع والمباني والمساجد، وجعلت للسيّارات أرقامًا. وفي سنة 2006 صارت هذه المدينة مماثلة تمامًا لمدينة غزّة، وجرى تدريب الجنود على القتال فيها، أي أنّ إسرائيل كانت تعدّ للقتال في غزّة حتّى قبل أن تنسحب منها في سنة 2005. ووصف إيلان بابيه هذا الكتاب بأنّه يفتح نافذة صغيرة للعقول المغلقة التي تدعم إسرائيل من دون قيدٍ أو شرط.

 أمّا فيتوريو أريغوني الذي اغتالته إحدى المجموعات السلفيّة المتطرّفة في غزّة في نيسان/أبريل 2011، فقد عمل في حركة التّضامن العالميّة مع الشّعب الفلسطينيّ في قطاع غزّة منذ سنة 2008، وشاهد بأمّ عينه وقائع العدوان الإسرائيليّ على غزّة (2008 - 2009)، وسجّل ذلك كلّه في هذا الكتاب الذي يتألّف من 22 تقريرًا أرسلها تباعًا إلى جريدة "إلمانيفستو" الإيطاليّة ونشرها على مدوّنته Guerrilla Radio في الوقت نفسه. ويقول أريغوني عن هذه المقالات إنّها "ذات أوراق مؤذية، وملطّخة بالدّماء، ومشبعة بالفوسفور الأبيض". ولأنّ الضحيّة الأولى لأيّ حرب هي الحقيقة، فقد رأى أريغوني أنّ من واجبه، كإنسان رأى ما رأى، توثيق الحقيقة ونشرها حتّى لا تغتالها إسرائيل. وهذا الكتاب هو وثيقة حقيقيّة صادمة حقًّا، وتكمن أهميّته في كونه رواية إنسانيّة كتبها شاهد على واحدة من أبشع الحروب التي شنّتها إسرائيل على شعبٍ أعزل.
--------

المصدر:المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السّياسات 7 ديسمبر/ كانون الأول 2011

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

 

اسم الكتاب:  ظاهرة الفساد السياسي في الجزائر، الأسباب والآثار والإصلاح

المؤلف: محمد حليم ليمام

مركز دراسات الوحدة العربية - 2011

عرض: عامر خياط

المصدر: مجلة المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية

يمكنكم قراءة نص العرضمن هنا

 

 

صدر حديثًا عن المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السّياسات كتاب لبرهان غليون عنوانه "المسألة الطائفيّة ومشكلة الأقلّيات". وكان الكتاب صدر أوّل مرّة، عن دار الطّليعة في بيروت سنة 1979، وهذه هي الطّبعة الثّالثة تصدر مزوّدة بمقدّمة جديدة كتبها المؤلّف خصّيصًا لهذه الطّبعة. والفكرة الرّئيسة في هذا الكتاب هي فصل المسألة الطائفيّة عن المسألة الدينيّة، وربطها بالعلاقات الاجتماعيّة والسياسيّة ولا سيّما ببنية السّلطة، ونقض المقولة الشّائعة عن أنّ التعدديّة المذهبيّة والأثنيّة هي إحدى علل المجتمعات العربيّة، بدلًا من أن يكون هذا التعدّد ثروة روحيّة وفكريّة.

يتناول الكاتب مسألة "الفتنة النّائمة"، وكيف استخدمتها النّظم السياسيّة العربيّة، واستغلّتها إلى أبعد حدّ، في فرض دكتاتوريّتها وحرمان الشّعوب العربيّة من الحريّات السياسيّة. ورأى المؤلّف أنّ النّزاعات الطائفيّة ليست ناجمة عن التعدديّة الدينيّة، بل عن غياب دولة المواطَنَة المتساوية، أو الدّولة - الأمّة التي تتجاوز الرّوابط الأهليّة الدينيّة والأثنيّة، إلى رابطة الوطنيّة. وفي سبيل برهان النّتائج التي توصّل إليها تناول الكاتب مفهوم الأقلّية والأغلبيّة فأوضح الفارق بين الأغلبيّة الاجتماعيّة والأغلبيّة السياسيّة، ثمّ تطرّق إلى مشاريع توزيع السّلطة، وعقد مقارنة وافية بين التّحديث في أوروبا والتّحديث في الشّرق، ثمّ تحوّل إلى مفهوم "النّزاع الطائفيّ"، وتساءل: هل هناك حلّ لمشكلة الأقلّيات؟ وفي ختام الكتاب عاد المؤلّف إلى المفاهيم العامّة التي تساعد على دراسة "المجتمع الطائفيّ" كمفهوم الأمّة والجماعة، ومفهوم "الثّقافة العليا والإجماع الثقافيّ" علاوةً على مفهوم "الدّولة والإجماع السياسيّ"، ليخلص إلى نتيجة أساسيّة هي أنّ قضيّة الأقلّيات الثقافيّة والجنسيّة والدينيّة لا يمكن فهمها إلا في سياق الانتقال من الإجماع القوميّ التقليديّ المبنيّ على الإجماع الثقافيّ ووحدة العقيدة، إلى الإجماع القوميّ القائم على وحدة السّلطة وعلى الإرادة العامّة.

------------
المصدر: المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السّياسات 7 ديسمبر/ كانون الأول 2011

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

 

على الرّغم من صدور خمس طبعات متتالية (ثلاث في بيروت واثنتان في فلسطين)، فإنّ هذا الكتاب في طبعته السّادسة الصّادرة حديثًا عن المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السّياسات، لا يزال يحتفظ بأهميّته النظريّة ككتاب مرجعيّ. وتكمن أهميّة هذا الكتاب اليوم في أنّه يصدر في خضمّ الثّورات العربيّة الرّاهنة التي أعادت الاعتبار إلى مفهوم المجتمع المدنيّ وفاعليّته ودوره.

يبحث الكتاب في فكرة المجتمع المدنيّ، والشّروط التاريخيّة لظهور هذه الفكرة خصوصًا انفصال المجتمع المدنيّ عن الدّولة، وكذلك مفاهيم الأمّة والقوميّة والمواطنة والدّيمقراطيّة، وهو كتاب نظريّ بالدّرجة الأولى حاول المؤلّف من خلاله مراجعة تاريخ الفكر السياسيّ الغربيّ في سياق التطوّرات الاجتماعيّة التي واكبته وأثَّرت فيه. والكتاب، إلى ذلك، تفكيك نقديّ لمفهوم المجتمع المدنيّ، بعدما صار رائجًا وشائعًا في الكتابات اليوميّة، الأمر الذي أدّى إلى انتزاع قدرته التفسيريّة وتأثيره النقديّ منه، وجعله متطابقًا مع المجتمع الأهليّ. ويبيِّن الكاتب في كتابه هذا وظائف المجتمع المدنيّ التي تؤدّي، بالضَّرورة، إلى الديمقراطيّة، ويؤكّد أنّ للمجتمع المدنيّ تاريخًا مرتبطًا بالسّياسة والاقتصاد، وبتطوّر نشوء فكرة المجتمع والدّولة، في مقابل "الجماعات الوشائجيّة" من جهة، وآليّات القسر التي تستخدمها الدّولة لتثبيت سيطرتها. ويصل الكاتب إلى الاستنتاج التّالي: إنّ هذا المجتمع هو صيرورة فكريّة وتاريخيّة نحو المواطنة والديمقراطيّة.

أعدّ المؤلّف مقدّمة وافية وخاصّة لهذه الطّبعة (400 صفحة)، سرد فيها تاريخ ظهور فكرة المجتمع المدنيّ في العالم العربيّ، فرأى أنّ ظهورها في تسعينيّات القرن العشرين وانتشارها بقوّة آنذاك كان نوعًا من التّعويض عن نكوص سياسيّ أصاب المثقّف العربيّ، وأدّى إلى استقالته من السّياسة جرّاء انحسار الأفكار اليساريّة والقوميّة، لهذا جاء معظم مَن تبنّى هذا المفهوم من اليسار والحركات القوميّة. ورأى أنّ ذلك ترَافق مع انهيار الاتّحاد السوفياتيّ ومع الأزمة التي عصفت بالعالم العربيّ غداة احتلال الكويت في سنة1990، ثمّ توقيع اتّفاق أوسلو في سنة 1993. وفي خضمّ هذه الأحداث التي جعلت كثيرًا من المثقّفين ينسحبون من السّياسة، حاول بعض اليساريّين السّابقين اختزال المجتمع المدنيّ في ما يسمَّى "المنظّمات غير الحكوميّة". لكن، ها هو المثقّف اليوم يعود إلى ممارسة السّياسة مع اندلاع الثّورات العربيّة في تونس ومصر وليبيا واليمن وسورية، وينخرط في الحراك الثوريّ بأفكاره ومواقفه وبجسده أيضًا. وخلص الدّكتور عزمي بشارة إلى الاستنتاج أنّ المجتمع المدنيّ من دون سياسة، وخارج سياق النّضال في سبيل الديمقراطيّة، هو إجهاض للمعنى التاريخيّ للمجتمع المدنيّ.

في جانبٍ آخر، لاحظ عزمي بشارة في هذا الكتاب، الفارق بين الأمّة والقوميّة، ورسم تخومًا منهجيّة ومعرفيّة بينهما. وفي هذا الحقل من المعرفة شدَّد على الأمّة المواطنيّة بوصفها أمّة نحو الخارج، ومجتمعًا مدنيًّا نحو الدّاخل. أمّا المواطنة فهي عابرة للهويّات الثقافيّة والأثنيّة والطائفيّة والقبليّة، بينما القوميّة تتأسّس على اللّغة. وعلى هذين الأساسين يمكن بناء المجتمع المدنيّ وتشييد عماده في العالم العربيّ.

في المجال العيانيّ يخشى عزمي بشارة من تحوّل الصّراع ضدّ النّظم السياسيّة في المشرق العربيّ إلى صراعٍ على الهويّات، وهذا الأمر من شأنه أن يفتِّت "المشترك القوميّ"، ويمنع تشكّل أمّة مواطنيّة. ولاحظ، على سبيل المثال، أنّ المجتمع المدنيّ في اليمن يشقّ طريقه بأمل، لكن بصعوبةٍ بالغة، عبر التّمايز عن الدّولة والقبيلة والعسكر معًا. أمّا في ليبيا فيبدو أنّ المواطنة تخوض صراعًا على جبهتين: ضدّ التدخّل الخارجيّ الذي يمتهن السّياسة الوطنيّة، وضدّ إحياء القبيلة والجهويّة. وانتقد بشارة كيل المديح، بلا حساب، للشبّان العرب؛ هذا المديح الذي يشبه مدائح المثقّفين العرب للمجتمع المدنيّ حين اكتشفوه أوّل مرّة. ورأى أنّ هذا المديح يضلّل الشبّان العرب، ويضفي عليهم صفة "الفئة السياسيّة" أو "التيّار السياسيّ المتجانس"، وهذا مخالفٌ للواقع تمامًا.

-----------
المصدر: المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السّياسات 7 ديسمبر/ كانون الأول 2011

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها