You are here:الرئيسية>فعاليات>جوائز>جائزة المدرسة العربية للرسائل الجامعية

عن دار فضاءات للنشر والتوزيع في عمان صدر للكاتب والإعلامي الفلسطيني الدكتور عادل سمارة، كتاب ثورة مضادة، إرهاصات أم ثورة، الكتاب من الحجم الكبير ويقع في (334) صفحة.

يقول دكتور سمارة في مقدمة الكتاب: كما للوهلة الأولى، وقد مضى عام ونصف، ولم نتمكن بعد من حسم نَسَب ما يولد في الوطن العربي، هل نسميه كالَّذين صَعُب نسبهم قبيل الإسلام، عمرو بن العاص، أم زياد أبيه! أم هو ابنهم وابننا جميعاً والعبرة في من يرث الأرض. هذا حال ما يجري، ثورة، ثورة مضادة، حراك، تحريك، انتفاضات…الخ. ومن هم اللاعبون: نقابات تونس، عمال مصر، شرائح من الطبقات الوسطى اللاعاملون، الشباب المتعلم غير المثقف، أولاد هيلاري المولَّدون في أنابيب الفيس بوك في بلغاريا ورومانيا وأكرانيا والمعمدين في البيت الأبيض، الإخوان المسلمون بأنواعهم، مجموعات ناصرية، مجموعات يسارية، مجموعات وهابية، تنويعات من القاعدة، مضيَّعون طبقياً، عساكر القُطريات المصنوعون في الغرب …الخ ولكن، طالما ليس انقلاباً، فاستقرار الإناء كي تُرى الصورة فيه يتطلَّب وقتاً، وهذه الضرورة للوقت هي ما يُربك الكتابة عن ما يجري وهو يجري.

هذه إشكالية هذا الكتاب الذي يُغامر كاتبه بالزعم أن ما يجري هو إرهاصات للثورة التي وثبتْ الثورة المضادة على عنقها وغفَّت الفراخ في العش، هل قفز بعضها مغامراً بالنجاة؟ هذا ما ستبديه الأيام. وإن نجح، فإن شأنه سيكون شأن عبد الرحمن الداخل الذي أنشأ دولة الأمويين في الأندلس.

وقال وهو يودع دمشق:

اللهُ يعلم ما تركت قـتـالهم

حتى عَلَوْا فرسي بأشقر مزبدِ

فصددت عنهم والأحبة فيهمُ

طمعاً لهم بعقاب يوم مُرصـدِ

لكنه اليوم عبد الرحمن العائد إلى دمشق بعد سقوط غرناطة، فهل ينجح اليوم في مصالحة الأمويين والعباسيين كي يستعيدوا مكة ويُعرِّبوها كي يستعيدوا فلسطين وسبتة ومليلية ولواء الإسكندرون؟

ما يدور في الوطن العربي خطير وتاريخي يحمل في أحشائه أربعة أمور ينخرط فيها العالم بأسره:

· تقرير مصير فلسطين، فإما عودة للصراع عليها وتحريرها وإما تصفيتها.

· تقرير مصير ووجود وتحرير الوطن العربي.

· تقرير مصير الإسلام، فإما إسلام عربي كما بدأ، إسلام إيماني لا سياسي وإما إسلام جاهلي هجري تحركه فرنجة العولمة وأهل التلمود.

· تقرير مصير العالم، فإما آسيا وإما الإنجلو-ساكسون.

· إلى هذا الحد وصل الاستقطاب واشتد الصراع وأبعد. لنتذكر جميعاً أين وصلنا قبل 2011:

· اعتراف معظم الطبقات الحاكمة/المالكة بالكيان الصهيوني الإشكنازي وهذا يعني تسليم مفتاح البيت من المحيط إلى الخليج للغرب الرأسمالي والصهيونية.

· تجويف ومن ثمَّ اندغام معظم القوى السياسية العربية في أنظمة الحكم القُطرية هذه وبالتالي تصهينها وتخارجها غرباً.

· وها نحن في خضم معركة على أبواب الطبقات الشعبية كي تركع للغرب والكيان أو تنتصر وتحقق مشروعا عروبيا وحدويا وتحريريا واشتراكيا. هذه هي المعركة الفاصلة. هذا بكل تكثيف معنى المعركة الحالية، فهي فاصلة في التاريخ، والويل لمن يُخلِّفه التاريخ وراءَه وخاصة إذا كان باختياره!

وقد ذيلت الغلاف الخلفي كلمة عنونت ب اهداء وعرفان ، جاء فيها: لا تتطور معارفنا ومواقفنا في محاورة من نُحب وحسب. ربما يؤثر فينا ويستفزنا أكثر من لا نُحب، بل من يرتد ويخون! هذا الشغل مُهدىً إلى(هي/هو) كل من يقف من الغرب الرأسمالي ورأس المال موقف الند والنقيض والناقد والحذر والمتشكك والمشتبك. كل من تجاوز الثقة بالأنظمة العربية وفتح نار الوعي على الحكام العرب المعادين للقومية العربية والذين ينسجون علاقات “الأخوة” مع الصهاينة فيتصهينون. إلى كل من رفض الاعتراف بالكيان الصهيوني الإشكنازي ورفض التطبيع. إلى كل طامح في وطن واحد واشتراكي للشركاء غير العرب والعرب.

ومُهدىً إلى (هو/هي) أصدقاء قدامى تساقطوا، وخانوا، وباعوا، وقبضوا. وإلى من لا اعرفهم أمثال هؤلاء من مثقفات/ين، كتبوا وبحثوا وكذبوا واخبروا واستدعوا الاستعمار للعراق وليبيا وسوريا. إلى هؤلاء لأن فعلهم المشين كان حافزأ لهذا الرد والصد.

من الجدير بالذكر أن الكاتب ولد في قرية بيت عور الفوقا-رام الله 1944، يصدر مجلة كنعان الفصلية ويشارك في نشرة كنعان الإلكترونية ومن مؤسسي المنتدى الثقافي العربي.

أكمل دراسته في جامعتي لندن وإكزتر في بريطانيا وحائز على الماجستير و الدكتوراة في الاقتصاد السياسي والتنمية. لكنه مُنع من التدريس الجامعي في فترة الاحتلال الصهيوني المباشر وغير المباشر بعد أوسلو.


له عدة مؤلفات بالعربية والإنجليزية، في الاقتصاد والقومية والاشتراكية والمرأة…الخ منها:

* تأنيث المرأة بين الفهم والإلغاء: منشورات دار الرواد دمشق ومركز المشرق/العامل رام الله 2011.

* التطبيع يسري في دمك: منشورات دار أبعاد بيروت ومركز المشرق/العامل رام الله، 2011.

* اللاجئون الفلسطينيون بين حق العودة واستدخال الهزيمة: قراءة في تخليع حق العودة، دار الكنوز الأدبية بيروت

* مثقفون في خدمة الآخر:بيان أل 55 نموذجاً، منشورات المشرق/العامل للدراسات الثقافية والتنموية – رام الله. 2003

* مساهمة في الإرهاب: الإرهاب طبعة من الحرب الرسمية وطبعة من المقاومة الشعبية، 2006 منشورات المشرق/العامل للدراسات الثقافية والتنموية – رام الله.

* دفاعاً عن دولة الوحدة: إفلاس الدولة القطرية. رد على محمد جابر الأنصاري. منشورات دار الكنوز الأدبية، بيروت 2003. بالعربية)

* اقتصاد المناطق المحتلة:التخلف يعمق الإلحاق 1975 منشورات صلاح الدين القدس

بالإنجليزية:

- * Beyond De-Linking: Development by Popular Protection vs Development by State, 2005. Al-Mashriq/Ala’amil Publications- Ramallah.

* Political Islam: Fundamentalism or National Struggle 1996, Al-Mashriq/Ala’amil Publications- Ramallah

-* The Epidemic of Globalization, 2001, Published by Palestine Publishing Foundation, Los Angeles, USA.

المصدر: عمان: دار فضاءات للنشر والتوزيع، 2012

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

في ظلّ التغيرات السياسيَّة التي تشهدها مصر والمنطقة العربيَّة، وما يقتضيها من تعديل في الحياة السياسيَّة وفي الأحزاب السياسيَّة التي هي عماد النظام السياسي في معظم بلدان المنطقة العربيَّة، وإقامة أحزاب جديدة، صدر حديثًا عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بمصر طبعة جديدة من الترجمة العربيَّة لكتاب الأحزاب السياسية من تأليف موريس ديفرجيه وقام بالترجمة عن الفرنسية على مقلد، وعبد المحسن سعد.

يتناول الكتاب في فصوله أصل الأحزاب وكيف تكوَّنت ودور هذه الأحزاب في اختيار الحكام وتمثيل الرأي العام وبنية الحكومة، أي يطرح الكتاب فكرة التخطيط لنظرية عامة أولية للأحزاب، بالإضافة لرسم إطار عام للدرس، بوضع جدولا بكل المشاكل الأساس، من أجل تصنيف منهجي للأوليات الخاصَّة بتأسيس الأحزاب، ويشير الكاتب إلى أن العلم السياسي لا يمكن أن يتقدَّم تقدمًا ملموسًا، ما دامت أبحاثه ذوات طابع مفكك بحيث تكون أقرب إلى الاستقراء منها إلى العلم، وانطلاقًا من هذه المشاهدات الأوليَّة المتعددة والمنوعة والملموسة، والتي هي بالضرورة مجزَّأة وغير كافية، فقد يحاول هذا الكتاب أخيرًا أن يشرح فرضيات من شأنها أن تؤدي في المستقبل إلى استقصاءات تتيح يومًا ما تكوين قوانين اجتماعيَّة أكيدة وصحيحة.

ويرتكز هذا الكتاب على تناقض أساس إذ يستحيل اليوم وصف ميكانيكيَّة الأحزاب السياسيَّة وصفًا مقارنًا وجديًّا (ولكن من اللازم القيام بذلك)، وهكذا نقع في حلقة مفرغة فالأبحاث المتخصصة السابقة والمتعددة والعميقة وحدها تتيح يومًا ما بناء النظرية العامة للأحزاب، ولكن هذه الأبحاث المتخصصة لا يمكن أن تكون معمقة حقًّا ما لم تكن هناك نظرية عامة عن الأحزاب.

بنية الأحزاب

قسَّم المؤلف "موريس ديفرجيه" كتابه إلى كتابين، الكتاب الأول يشتمل على ثلاثة فصول هي: بنية الأحزاب، ويتناول خلاله هيكل الأحزاب وأشكال الأحزاب غير المباشرة وعناصر البنية غير المباشرة والعناصر الأساسية، وأعضاء الأحزاب، ويتناول مفهوم المنتسب للأحزاب ومراتب المشاركة وطبيعة المساهمة.ثم إدارة الأحزاب، ويتناول اختيار القادة وسلطة القادة والبرلمانيون.

وكأي مفهوم من مفاهيم العلوم الاجتماعية، تتعدَّد التعريفات المختلفة للأحزاب السياسية، على أنه ومن واقع النظر لهذه التعريفات، يمكن الإشارة إلى أن الحزب السياسي هو: اتحاد بين مجموعة من الأفراد، بغرض العمل معًا لتحقيق مصلحة عامة معينة، وفقًا لمبادئ خاصة متفقون عليها، وللحزب هيكل تنظيمي يجمع قادته وأعضاءه، وله جهاز إداري معاون، ويسعى الحزب إلى توسيع دائرة أنصاره بين أفراد الشعب.

وتعد الأحزاب السياسية إحدى أدوات التنمية السياسية في العصر الحديث، فكما تعبر سياسة التصنيع عن مضمون التنمية الاقتصادية، تعبر الأحزاب والنظام الحزبي عن درجة التنمية السياسية في النظام السياسي.

وقد حافظت الأحزاب السياسية على أهميتها بالرغم من تطور مؤسسات المجتمع المدني، التي اكتسب بعضها مركزًا مرموقًا على الصعيد الخارجي من خلال التحالفات عابرة القومية، ولكن تلك المؤسَّسات لم تستطع أن تؤدي وظيفة الأحزاب في عملية التداول السلمي للسلطة، إضافة إلى وظائفها الأخرى في المجتمع.

يرى الكثير من الباحثين أن تعبير الأحزاب السياسية لا يطعن على أي تنظيم سياسي يدعي ذلك؛ بل وضع بعضهم شروطًا أساس لها هي، التكيف، والاستقلال، والتماسك، والتشعب التنظيمي.

لكن على الرغم من ذلك، فإن الأحزاب السياسيَّة التي ينطبق عليها مثل هذه الشروط لم تنشأ نشأة واحدة، بل نشأت بأشكال ولأسباب مختلفة، أهمها: ارتباط ظهور الأحزاب السياسية بالبرلمانات، ووظائفها في النظم السياسية المختلفة؛ إذ أنه مع وجود البرلمانات ظهرت الكتل النيابية، التي كانت النواة لبزوغ الأحزاب، حيث أصبح هناك تعاون بين أعضاء البرلمانات المتشابهين في الأفكار والإيديولوجيات أو المصالح، ومع مرور الوقت تلمس هؤلاء حتمية العمل المشترك، وقد ازداد هذا الإدراك مع تعاظم دور البرلمانات في النظم السياسية، إلى الحدّ الذي بدأ نشاط تلك الكتل البرلمانيَّة يظهر خارج البرلمانات من أجل التأثير في الرأي العام.

ثم ارتباط ظهور الأحزاب السياسيَّة بالتجارب الانتخابية في العديد من بلدان العالم، وهي التجارب التي بدأت مع سيادة مبدأ الاقتراع العام، عوضًا عن مقاعد الوراثة ومقاعد النبلاء. حيث ظهرت الكتل التصويتيَّة مع ظهور اللجان الانتخابية، التي تشكّل في كل منطقة من المناطق الانتخابية بغرض الدعاية للمرشحين الذين أصبحوا آليًّا يتعاونون لمجرد الاتحاد في الفكر والهدف. وقد اختفت تلك الكتل –بداية- مع انتهاء الانتخابات، لكنها سرعان ما استمرَّت بعد الانتخابات وأسفرت عن أحزاب سياسية تتألف من مجموعات من الأشخاص متحدي الفكر والرأي؛ أي أن بداية التواجد هنا كان خارج البرلمان، ثم أصبح الحزب يتواجد داخله، وكانت تلك الأحزاب قد سعت إلى تكوين هياكل تنظيميَّة دائمة لكسب الأعضاء، ومراقبة عمل البرلمان والسلطة التنفيذيَّة.

وأيضًا ظهور منظمات الشباب والجمعيات الفكريَّة والهيئات الدينيَّة والنقابات، وقد سعى بعض هذه المؤسسات لتنظيم نفسها بشكلٍ أكبر من كونها جماعات مصالح تحقق الخدمة لأعضائها، ولعلَّ أبرز الأمثلة على ذلك حزب العمال البريطاني، الذي نشأ بداية في كنف نقابات العمال بالتعاون مع الجمعيَّة الفكريَّة، وكذلك الحال بالنسبة لأحزاب الفلاحين وخاصة في بعض الدول الإسكندنافية، حيث كان أصل نشأتها الجمعيات الفلاحيَّة، إضافة إلى ذلك فقد كان أساس نشأة بعض الأحزاب المسيحية في أوروبا هو الجمعيات المسيحيَّة، أما في أمريكا اللاتينية، فإنه لا يوجد أي أساس للنشأة البرلمانية للأحزاب السياسيَّة، ولذلك فإن البحث في أصول الأحزاب هناك يركز على التحليل الاجتماعي والاقتصادي لأوضاع هذه البلدان بعد جلاء الاستعمار، وبما يعكس مصالح كبار الملاك والعسكريين والكنيسة، وكانت تلك هي اللبنة الأولى لظهور الرعيل الأول من الأحزاب السياسيَّة هناك.

كما ارتبطت نشأة الأحزاب السياسيَّة في بعض الأحيان وليس دائمًا بوجود أزمات التنمية السياسية. فأزمات مثل الشرعية والمشاركة والاندماج أدت إلى نشأة العديد من الأحزاب السياسيَّة، ومن الأحزاب التي نشأت بموجب أزمة الشرعية، وما تبعها من أزمة مشاركة، الأحزاب السياسية الفرنسيَّة التي نشأت إبان الحكم الملكي في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، وخلال الحكم الاستعماري الفرنسي في خمسينات القرن الماضي، وبالنسبة لأزمة التكامل، فقد أفرخت في كثير من الأحيان أحزابًا قوميَّة، وفي هذا الصدد يشار على سبيل المثال إلى بعض الأحزاب الألمانيَّة والإيطاليَّة.

على هذا الأساس، بدأت نشأة الأحزاب السياسيَّة بشكلٍ أولي منذ نحو قرنين من الزمان، ولكنها لم تتطور وتلعب دورًا مهما إلا منذ حوالي قرن، وقد تباينت أسباب ودواعي النشأة، لكن الأحزاب بشكلٍ عام كانت إحدى أهم آليات المشاركة السياسية، ومن أهم أدوات التنشئة السياسية في المجتمعات، بالرغم مما قيل عنها في بداية النشأة من أنها ستكون أداة للانقسام وللفساد السياسي، وأنها ستفتح الباب عمليًا أمام التدخل الأجنبي، وستكون مصدرًا لعدم الاستقرار السياسي وانعدام الكفاءة الإدارية، وذلك كله على حدّ تعبير جورج واشنطون مؤسّس الولايات المتحدة الأمريكيَّة.

أنماط الأحزاب

أما الكتاب الثاني فاشتمل على دراسة أنماط الأحزاب، متناولا عدد الأحزاب والتعددية الحزبيَّة وما معنى الحزب الوحيد، والأحزاب والأنظمة السياسيَّة وكيفية اختيار الحاكمين وتمثيل الرأي العام وبنية الأحزاب.

ويبيِّن أن هناك ثلاثة أنواع من الأحزاب، أحزاب أيديولوجيَّة، وأحزاب برجماتية، وأحزاب أشخاص.

الأحزاب الأيديولوجية أو أحزاب البرامج وهي الأحزاب التي تتمسك بمبادئ أو إيديولوجيات وأفكار محددة ومميزة، ويعد التمسك بها وما ينتج عنها من برامج أهم شروط عضوية الحزب، ومن أمثلة أحزاب البرامج الأحزاب الاشتراكيَّة الديمقراطيَّة والشيوعيَّة، ولكن منذ منتصف القرن الماضي، بدأ كثير من الأحزاب غي الأيديولوجية يصدر برامج تعبر عن مواقف، فأصبح هناك أحزاب برامج أيديولوجية وأحزاب برامج سياسات عامَّة، وهذه الأخيرة هي الأحزاب السياسيَّة البرجماتيَّة.

أما الأحزاب البرجماتية يتسم هذا النوع من الأحزاب بوجود تنظيم حزبي له برنامج يتصف بالمرونة مع متغيرات الواقع، بمعنى إمكانيَّة تغيير هذا البرنامج أو تغيير الخط العام للحزب وفقًا لتطور الظروف.

بينما أحزاب الأشخاص هي من مسماها ترتبط بشخص أو زعيم، فالزعيم هو الذي ينشئ الحزب ويقوده ويحدد مساره ويغير هذا المسار، دون خشية من نقص ولاء بعض الأعضاء له، وهذا الانتماء للزعيم مرده لقدرته الكاريزمية أو الطابع القبلي أو الطبقي الذي يمثله الزعيم، وتظهر تلك الأحزاب في بعض بلدان الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينيَّة، حيث انتشار البيئة القبليَّة، وتدني مستوى التعليم.

كما تختلف النظم الحزبيَّة باختلاف شكل النظام السياسي، والمعروف أن هناك ثلاثة أشكال رئيسة من النظم السياسيَّة، هي النظام الديمقراطي، والنظام الشمولي، والنظام التسلطي، وهناك عدة تصنيفات للنظم الحزبيَّة، لكن أكثرها شيوعًا هي النظم الحزبية التنافسيَّة والنظم الحزبيَّة اللاتنافسيَّة.

وتشتمل النظم الحزبية التنافسية على ثلاثة أنواع هي نظم التعددية الحزبية، ونظام الحزبين، ونظام الحزب المهيمن، ولعلَّ الإشكالية الرئيسة التي تقابل أي قائم بدراسة حزب من أحزاب الحكم في نظام الحزب المهيمن، هي كيفية دراسة حزب الدولة المندمج وظيفيًّا وأيديولوجيًّا ونخبويًّا فيها، دون الانزلاق لدراسة الدولة، أو دراسة الحكومة.

بينما يتصف النظام الحزبي باللاتنافسيَّة مع انتفاء أي منافسة ولو نظرية بين أحزاب سياسية، إما لوجود حزب واحد، أو لوجود حزب واحد إلى جانب أحزاب شكلية تخضع لقيادته في إطار جبهة وطنية ليس مسموحا لأي منها بالاستبدال عنها، وقد اكتسب تصنيف الحزب الواحد أهميته منذ الثورة البلشفيَّة في روسيا عام 1917، حيث أقامت تلك الثورة حزبًا ملهمًا للعمال ليس فقط في الاتحاد السوفيتي بل في كل ربوع أوروبا الشرقية فيما بعد. ورغم أن هذا المفهوم سار في تلك البلدان في مواجهة الأحزاب الرأسماليَّة، إلا أنه ظهر في بلدان العالم الثالث كمفهوم موحِّد لفئات المجتمع المختلفة، وبهدف الحد من الصراع الاجتماعي، وقد أصبح الحزب الواحد هو الظاهرة الكاسحة للنظم الحزبية التي نشأت في أفريقيا عقب استقلال دولها، كحزب قائم بغرض الدمج الجماهيري. وعلى هذا الأساس يصنف البعض نظام الحزب الواحد إلى الحزب الواحد الشمولي، الذي غالبًا ما يكون أيديولوجيًّا شيوعي أو فاشي مثلًا، والحزب الواحد المتسلِّط الذي لا يدلهم عن أيديولوجية شاملة.

وظائف الأحزاب

من أسس تقييم الحزب السياسي، مدى قيامه بتحقيق الوظائف العامة المنوطة بالأحزاب، والمتعارف عليها في أدبيات النظم السياسية. وهي تتضمن سواء كان حزبًا في السلطة أو المعارضة، وظائف أساس هي التعبئة ودعم الشرعية، والتجنيد السياسي، والتنمية، والاندماج القومي. والمعروف أن تلك الوظائف يقوم بها الحزب في ظل البيئة التي ينشأ فيها والتي يعبر من خلالها عن جملة من المصالح في المجتمع، وهو في هذا الشأن يسعى إلى تمثيل تلك المصالح في البيئة الخارجية، الأمر الذي يعرف في أدبيات النظم السياسية بتجميع المصالح والتعبير عن المصالح.

فوظيفة التعبئة، تعني حشد الدعم والتأييد لسياسات النظام السياسي، من قبل المواطنين، وتعتبر وظيفة التعبئة بطبيعتها، وظيفة أحاديَّة الاتجاه، بمعنى أنها تتم من قبل النظام السياسي للمواطنين، وليس العكس، وتلعب الأحزاب دور الوسيط، وبالرغم من أن البعض يربط بين وظيفة التعبئة وشكل النظام السياسي، من حيث كونه ديمقراطيًّا أو شموليًّا أو سلطويًّا، إلا أن الاتجاه العام هو قيام النظم السياسية الديمقراطية أيضًا بأداء تلك الوظيفة، غاية ما هنالك، أن النظم السياسية في الدول النامية، تتطلع وهي في مرحلة التنمية الاقتصاديَّة والسياسيَّة والاجتماعية، إلى قيام الأحزاب بلعب دورٍ فاعل لحشد التأييد لسياستيها الداخلية والخارجيَّة، وتختلف طبيعة وظيفة التعبئة التي تقوم بها الأحزاب من نظام سياسي لآخر في النظم التعدديَّة المقيّدة، كما أنها تختلف داخل نفس النظام السياسي المقيد وفقا لطبيعة المرحلة التي يمر بها، متأثرا دون شك بالبيئة الداخلية والخارجية المحيطة به، والنظم السياسيَّة تسعى دائمًا لتجديد سياساتها، نتيجة لطبائع الأمور التي تتسم بالتبدل المستمر للأفكار والأيديولوجيات، وهذا التغير بشكلٍ عام، وأيًّا كان سببه، يحمل قيما ومبادئ، تسعى النظم السياسيَّة القائمة إلى ترسيخها، عبر تبادل الحوار الديمقراطي المفتوح بين الحكومة والمواطنين إذا كانت نظمًا ديمقراطية، وتسعى لإيصالها عبر وسائل غرس القيم السياسيَّة في النظم السياسية الشمولية والسلطوية، فيما يعرف بعملية التثقيف السياسي، وفي جميع الأحوال، تلعب الأحزاب دورا مهمًا في أداء هذا الوظيفة.

يبنما تعرف الشرعيَّة بأنها مدى تقبل غالبية أفراد المجتمع للنظام السياسي، وخضوعهم له طواعية، لاعتقادهم بأنه يسعى إلى تحقيق أهداف الجماعة، ويعتبر الإنجاز والفاعلية والدين والكاريزما والتقاليد والأيديولوجيَّة، ضمن المصادر الرئيسة للشرعية في النظم السياسيَّة المختلفة، على أن الديمقراطيَّة تعد المصدر الأقوى للشرعية في النظم السياسية في عالم اليوم، وهناك العديد من الوسائل التي تهدف إلى دعم الشرعيَّة، وتلعب الأحزاب وغيرها من المؤسسات دورًا بارزًا في هذا المضمار، وتتميز الأحزاب عن تلك الوسائل بأنها ليست فقط من وسائل دعم الشرعية، بل أنها في النظم السياسية المقيدة تسعى إلى أن يكون تطور أحوالها وأوضاعها وأيديولوجياتها هي نفسها مصدرًا للشرعيَّة، والحديث عن علاقة الأحزاب بالشرعية الديمقراطية، يفترض أن الأحزاب تتضمن هياكل منتخبة من بين كل أعضائها، وتستمد الأحزاب الحاكمة شرعيتها من تلك الانتخابات ومن تداول السلطة داخلها، ربما قبل الانتخابات العامة التي تأتي بها إلى السلطة، إضافة إلى تطلعها باستمرار إلى التنظيم الجيد، ووجود دورة للمعلومات داخلها.

أما التجنيد السياسي فيعرف بأنه عملية إسناد الأدوار السياسيَّة لأفراد جُدد، وتختلف النظم السياسيَّة في وسائل التجنيد السياسي للنخبة، فالنظم التقليديَّة والأوتوقراطية يعتمد التجنيد بها بشكلٍ عام على معيار المحسوبية أو الوراثة.. الخ.

أما في النظم التعددية المقيدة، فإنها تسعى -دون أن تنجح في كثير من الأحيان- لأن تكون أداء تلك الوظيفة بها يماثل أدائها في النظم الأكثر رقيًّا وتقدمًا، فيكون هناك ميكانزمات محددة للتجنيد، ويفترض أن تكون الأحزاب في هذه النظم أحد وسائل التجنيد السياسي، وهي تؤدي تلك الوظيفة ليس فقط بالنسبة إلى أعضائها بل وأيضًا بالنسبة إلى العامة، فمن خلال المناقشات الحزبية، والانتخابات داخل هياكل وأبنية الأحزاب، والتدريب على ممارسة التفاعل الداخلي، وبين الأحزاب بعضها البعض، والانغماس في اللجان والمؤتمرات الحزبية، تتم المساهمة في توزيع الأدوار القياديَّة على الأعضاء، ومن ثم تتم عمليَّة التجنيد بشكلٍ غير مباشر، ويتسم أداء الأحزاب في النظم التعدديَّة المقيدة لوظيفة التجنيد السياسي ببعض القيود، إذ أن أعضاء الأحزاب لم يكن قد خرجوا بعد من الميراث الثقافي السلطوي، الذي خلفته تجربة التنظيم الواحد، والذي كان الحزب فيه مجرد أداه للتعبئة لكسب الشرعيَّة للنظام السياسي.

في حين تتمثل الوظيفة التنموية في قيام الأحزاب بإنعاش الحياة السياسيَّة في المجتمع، الأمر الذي يدعم العملية الديمقراطية، والاتجاه نحو الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي في النظم السياسية المقيَّدة.

وقد طرحت العديد من الأدبيات المتخصصة في دراسة الأحزاب السياسية، مسألة وجود الأحزاب، وكيف أنها تلعب دورًا فاعلًا في عملية التداول السلمي للسلطة من خلال الانتخابات، وكذلك دورها في إنعاش مؤسَّسات المجتمع المدني ممثلًا في مؤسسات عديدة كالنقابات المهنية والعمالية، وتقديم الخدمات بشكل مباشر للمواطنين من خلال المساهمة في حلّ مشكلاتهم، ناهيك عن قيام الأحزاب بلعب دور مؤثر في التفاعل السياسي داخل البرلمانات، خاصة في عمليتي التشريع والرقابة.

أما وظيفة الاندماج القومي فتنطوي هذه الوظيفة على أهمية خاصة في البلدان النامية، حيث تبرز المشكلات القومية والعرقية والدينية والنوعية وغيرها في تلك البلدان، في ظلّ ميراث قوى من انتهاكات حقوق الإنسان.

ويعد هذا الكتاب من أشهر الكتب في علم السياسة وفي الأحزاب ومقدّمة للدراسة النظريَّة للأحزاب واعتمدته كليات الحقوق والعلوم السياسيَّة مرجعًا أساسًا في أكثر من بلد، أن المؤلف الفرنسي "موريس ديفرجيه" له العديد من الكتب في النظريَّة السياسيَّة منها: مدخل إلى علم السياسة، المؤسسات السياسيَّة والقانون الدستوري الأنظمة السياسيَّة الكبرى، في الدكتاتوريَّة، علم اجتماع السياسة، وغيرها من المؤلَّفات..

المصدر:القاهرة: الهيئة العامة لقصورالثقافة، 2011

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

يسعى الدكتور رشيد مقتدر، الباحث في العلوم السياسية بجامعة الحسن الثاني في المغرب، خلال كتابه المعنون: "الإرهاب والعنف السياسي من تفجيرات الدار البيضاء إلى قضية بلعيرج"، إلى ملامسة معالم البنية المرجعية والفكرية لكيفية تشكل الإرهاب والعنف السياسي داخل المجتمعات الإنسانية، والمسارات التي أوصلته إلى ما هو عليه، ومدى تأثر بنائها التصوري والفكري بالظروف السياسية والاجتماعية والثقافية وتأثيره عليها، كما يسعى المؤلف أيضا إلى قياس مدى تأثير هذه البنية المعرفية والإيديولوجية على مكونات التنظيم الاجتماعي والسياسي الذي يفرز مختلف أشكال العنف والتطرف والإرهاب.

ويؤكد المؤلف في بداية كتابه أنه وبسبب كثرة حدوث العمليات الإجرامية التي تستهدف الأبرياء، الذين لا ذنب لهم في الكثير من النزاعات والصراعات، وبأشكال جديدة كالقنابل البشرية، أو التفجيرات أو الاختطافات…، أصبح المشهد الثقافي والسياسي مليئا بمجموعة من المصطلحات والمفاهيم، من قبيل الإرهاب، العنف السياسي، الجهاد، المقاومة، التطرف، الحداثة، التي اختلفت أشكالها، وتغيرت طريقة التعامل معها، فتم النظر إليها وفهمها فهما جديدا، على ضوء الخلفيات السياسية والاجتماعية والنفسية لهذه الأحداث، كما برز إشكال الإرهاب وعلاقته بالعنف السياسي من جديد، وبطريقة أكثر حدة وإلحاحا.

الجذور والسياقات

وفي هذه السياق، يشير المؤلف إلى أن كتابه هو محاولة جدية لإزالة الالتباس والغموض النظري والمفاهيمي، والبحث عن جذور الظاهرة والسياقات الموضوعية والذاتية التي تنتجها، حتى يستطيع القارئ فهمها فهما موضوعيا سليما، يمكن من احتواء خطورة ظاهرة اللجوء إلى الإرهاب والعنف السياسي كوسائل لحل الصراعات السياسية والاجتماعية، لما يشكله ذلك من خطر على وحدة المجتمع، الأمر الذي يوجب ضرورة تحليل الظاهرة ودرسها درسا وافيا بغية استيعابها حتى يسهل تجاوزها والتغلب عليها والبحث عن الحلول الكفيلة بالحد من مدى انتشارها.

في الفصل الأول المعنون بـ" تفجيرات 16 مايو بالدار البيضاء، القضايا المنهجية والإشكاليات النظرية"، تطرق الدكتور رشيد مقتدر لبعض الإشكاليات النظرية والملاحظات المنهجية لكيفية التعامل مع ذلك الحدث الذي هز المغرب.

وكانت الإشكالية الأولى التي ناقشها تتمثل في رد الفعل المباشر على إثر هول التفجيرات والصدى الذي خلفته، حيث فندت أطروحة "الاستثناء المغربي"، بلد الأمن والأمان التي طالما تم الترويج لها من قبل وسائل الإعلام الرسمية وبعض المنابر الحزبية والسياسية.

قراءة تفسيرية

والإشكالية الثانية تتمحور، وفق الباحث المغربي، حول الأسباب والدوافع المؤدية إلى هذا النوع من الإرهاب المضر بصاحبه والمجتمع الذي يعيش فيه: "بعد ما استوعب الجميع الصدمة، وسعيا لكي لا تكرر، تم السعي لمعرفة جذورها وأسبابها، وفهمها فهما علميا بعيدا عن الأهواء والنزعات الذاتية والصراعات الضيقة، وهو ما نادى به العديد من الحقوقيين والباحثين في العلوم السياسية والاجتماعية والفلسفة، وبعض الفاعلين السياسيين المستنيرين، بضرورة إيلاء المزيد من الاهتمام بهذه الظاهرة بطريقة موضوعية واستقصاء الأسباب النفسية والاجتماعية الإيديولوجية والدينية والسياسية، المفرزة لهذا النوع من العنف الدموي".

وتركز الإشكالية الثالثة على الجانب التحليلي والفهمي، وتتطلع إلى قراءة تفسيرية أكثر موضوعية وحيادا، وبعيدة عن التحيز السياسي والإيديولوجي، للسلطة السياسية أو بعض التيارات السياسية، وتعكس وجهات نظر مختلفة للحدث ونوعية فهمها للظاهرة.

وتقوم الإشكالية الرابعة ـ حسب المؤلف ـ على الاتجاه الديني لمرحلة ما بعد التفجيرات، وتتساءل حول موقع الدين الإسلامي ضمن المنظومة الاعتقادية والقيمية للمجتمع بمختلف شرائحه ومكوناته، وداخل النظام السياسي والاجتماعي، أي إلى أي مدى أثرت هذه التفجيرات على موقع الدين كنظام حياة ونسق حضاري وقيمي، ومدى انعكاس ذلك على التصور الثقافي العام للمواطن المغربي والعربي، ومن جهة أخرى التساؤل حول علاقة الدين كأحد أهم مصادر شرعية نظام الحكم الملكي، وإلى أي مدى أثر هذا المعطى إيجابا أو سلبا على مؤسسة إمارة المؤمنين وباقي الفاعلين الدينيين، وعلى المصادر التي تستقي منها شرعيتها ومشروعيتها..".

جذور تاريخية

وتساءل رشيد مقتدر في كتابه أيضا: هل الإرهاب ظاهرة حديثة معاصرة أم أنه ظاهرة لازمت الإنسانية منذ العصور الغابرة؟ ولماذا لا نجد لهذا المفهوم والظاهرة وجودا مكثفا في الأدبيات الفلسفية والسياسية والأدبية القديمة؟، مجيبا أنه ينبغي التمييز بين الإرهاب السياسي كظاهرة سياسية واجتماعية، وبين الإرهاب السياسي كمصطلح ومفهوم، وبين التوظيف السياسي لهذا المفهوم والغموض الذي يكتنفه.

ويرى المؤلف أنه إذا كان الإرهاب كمفهوم حديث النشأة، فإن الإرهاب كظاهرة قديم برز مع نشأة المجتمعات البشرية، فقد كان موجودا كفعل وممارسة مستخدمة من أفراد أو مجموعات أو عشائر أو دول… وتمت دراسته من لدن فلاسفة سياسيين كأرسطو الذي عالج الطغيان كإرهاب مرتبط بالملكية المطلقة المستبدة، القائمة على إخضاع وإذلال الرعايا أو السلطة المطلقة بدون أية مسئولية.

وعرف الكاتب الإرهاب السياسي بكونه "فعل وعمل يهدف إلى إثارة مشاعر الخوف والهلع وإرعاب الأفراد والجماعات، والضغط على الروح المعنوية العامة للمجتمع أو الأفراد، والاستحواذ على ممتلكاتهم المادية والرمزية، من خلال ما تخلفه هذه الأفعال من نتائج شنيعة ومرعبة، تؤثر على نفسية الأفراد والجماعات".

وبعد أن أبرز مقتدر في الفصل الثاني من كتابه، والذي جاء تحت عنوان "الإرهاب والعنف السياسي.." صعوبة تعريف الإرهاب السياسي وإشكالية تحديده، خلص إلى كون الإرهاب هو: "استعمال العنف والقوة خارج حدود الشرعية والمشروعية المتوافق حولها بهدف إشاعة مشاعر الرعب والهلع وإثارة الإحساس بالخوف الدائم وعدم الاستقرار، ويكون الإرهاب موجها إما ضد الدولة أو التنظيمات السياسية والاجتماعية، أو ضد الأفراد أو الجماعات وضد ممتلكاتهم المادية والرمزية، أو تمارسه الدولة خارج حدود المشروعية القانونية ضد منافسيها ومعارضيها السياسيين والاجتماعيين، بهدف الهيمنة على السلطة والاستفراد بالحكم أو الاستئثار بالثروات لفائدة فئة معينة بدعوى حماية المجتمع والحفاظ على أمنه واستقراره".

أشكال الإرهاب السياسي

وتطرق المؤلف في الفصل الثالث إلى أشكال الإرهاب السياسي وأنواعه، مبرزا أشكال الإرهاب السياسي العنيف، من قبيل الإرهاب من القمة وهو إرهاب الدولة، والإرهاب من القاعدة وهو إرهاب الأفراد والجماعات ويأخذ شكلين: شكل همجي ومذموم، لأن هدفه النهب والقرصنة والاعتداء على الأموال والأشخاص، وهو يعكس ماهية الإنسان في صورته الطبيعية المتوحشة، حيث يصبح الإنسان ذئبا لأخيه الإنسان حسب مقولة طوماس هوبس المشهورة.

وحدد مقتدر أشكال الإرهاب السياسي وأنواعه، فهناك الإرهاب المحلي؛ وهو ما يقوم به أفراد أو مجموعات بكيفية منتظمة أو متقطعة، وقد يكتسي طابعا سياسيا، إذا كان يرتكز على مرجعية إيديولوجية معينة، ويصبو إلى تحقيق هدف سياسي، وقد يأخذ شكلا إجراميا مستقبحا، وهو لا يشكل أي تهديد مباشر للنظام، لأن وسائله والأفراد المنفذين له محدودة العدد، رغم أنه قد يفضي إلى نتائج مدمرة وكبيرة في الأرواح والمنشآت. وهناك الإرهاب الدولي الذي اعتبر الباحث المغربي حادثة 11 سبتمبر نموذجا بارزا على الإرهاب السياسي الدولي، والذي يؤدي إلى الاضطراب في العلاقات الدولية، وإلحاق الضرر بالمصالح المادية والبشرية والسياسية لدولة ما، وهو غالبا ما يكون كرد فعل على سياسيات معينة.

المباح والمحظور

وفي الفصل الرابع من الكتاب، حدد الدكتور رشيد مقتدر معايير التمييز بين الفعل الإرهابي المجرم والفعل السياسي المشروع، مبرزا أن المشكل المطروح هو أن مفهوم الإرهاب يعرف بطريقة واسعة جدا تسمح بإدخال العديد من المفاهيم والتصورات، كالعنف والطغيان والفوضى، أو الثورة والتمرد والحرب والإجرام والنضال المشروع والمقاومة، أو الوحشية والبربرية، العدوان، والإيديولوجيات العنصرية، العمليات الهمجية والإنسانية.

كما قد يتضمن بعض المفاهيم المنافية لمضمونه من طرف مستعمليها التي تنعت بوصف الإرهاب، لكن المقصود بها حق الدفاع الشرعي، تقرير المصير، رد العدوان كيفما كان شكله، شرعية مقاومة الطغيان والاستبداد والقهر، مناهضة الأنظمة العنصرية، مقاومة الاستعمار.

وصاغ المؤلف معايير التمييز بين الإرهاب المجرم والعنف السياسي في المحددات الأربعة التالية: الغاية الإيديولوجية للعنف السياسي، معيار الهدف السياسي، ويُمَيز فيه بين الإرهاب السياسي المشروع والمعبر عنه في أشكال احتجاجية، والتي قد تأخذ في بعض الأحيان شكل عنف سياسي، والإرهاب المجرد والمفروغ من الأهداف. المحدد الثاني هو معيار أخلاقية العمليات والتنفيذ، ثم معيار قبول أكثرية المجتمع لهذه الأفعال، حيث إنه من بين الإشكاليات النظرية المطروحة في هذا الإطار هو: من يحدد الطبيعة الإجرامية للأعمال والتصرفات؟ وهل هو المجتمع عبر قيمه ومعتقداته ومعاييره ووعيه الجماعي؟ أم الدولة عبر قوانينها وقياداتها السياسية وآلياتها، الإيديولوجية والمادية؟ أم أن هناك تقاطعا تلقائيا لإرادة كل من المجتمع والسلطة في الصدد؟ ثم كيف يمكن

أن نحدد معيار قبول المجتمع، أو عدم قبوله لفعل أو سلوك ما أو حادثة ما؟.

وانتقل رشيد مقتدر بعد ذلك لتحليل حيثيات حادثة تفجيرات نيويورك وواشنطن وتفجيرات 16 مايو 2003 بالمغرب في ضوء المعايير الأربعة السابقة، موضحا أن الهدف الإيديولوجي المرتبط بتفجيرات الدار البيضاء يرتبط بسببين: الأول يتعلق بتدخل هذه التفجيرات في إطار النيل من المصالح الغربية في المغرب، وكرد فعل على التحالف والتنسيق الأمريكي المغربي في العديد من القضايا من بينها الأمنية.

والسبب الثاني هدف إيديولوجي يتميز بعدم الوضوح نوعا ما، رغم صعوبة قبوله، إلا أنه يبقى واردا على سبيل الاحتمال، وهو أن هذه التفجيرات تدخل ضمن سعي بعض الجماعات الإسلامية المتطرفة، إلى تطبيق مبدأ "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، وفقا لتصورات سطحية للدين وتأويل مفرط في الغلو له، من خلال سعيها لاستهداف أماكن اللهو والرقص والسهر، ولاسيما إذا كانت تضم أجانب أو كان أصحابها من المستثمرين اليهود أو الأمريكيين.

تداعيات "الإرهاب"

أما الفصل الخامس والأخير فقد سلط الضوء على تداعيات الفعل الإرهابي على مكونات الحقل السياسي بالمغرب بدءا من تفجيرات 16 مايو إلى تفكيك شبكة بلعيرج قبل بضعة أشهر قليلة، مبرزا في الأول الأسس الإيديولوجية والفكرية لشبكة بلعيرج التي قد تكون هويته "أكثر قربا من الخطاب الإسلامي الحركي الثوري المقتبس من أدبيات سيد قطب والذي تبنته حركة الشبيبة الإسلامية ومنظمة المجاهدين بالمغرب التي كانت تشكل الجناح العسكري للشبيبة الإسلامية برئاسة عبد العزيز النعماني الذي انشق عليها كتنظيم مستقل سنة 1984.

كما أن طريقة تحركها وما ترمي إليه يختلف عن ما يقوم به تنظيم القاعدة، أو تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، الذي يركز على عمليات انتحارية أو تفجيرات تودي بحياة أكبر قدر من الناس، بينما هدفت شبكة بلعيرج إلى انتهاج أسلوب الاغتيال للنخبة الحكومية والسياسية والعسكرية، وهو نفس الأسلوب المعتمد من طرف الجماعة الإسلامية المسلحة بالجزائر والجماعة المسلحة في مصر، بغرض خلق جو من عدم الاستقرار والخوف، الذي قد يفضي إلى شل النظام أو على الأقل ارتداده".

وتحدث مقتدر في هذا الفصل عن تأثيرات أحداث 16 مايو 2003 على مكونات الحقل السياسي، ومنها انعكاسات الأحداث على علاقة الإسلاميين بالقوى السياسية المنافسة، وأيضا تأثيرات التفجيرات على علاقة المؤسسة الملكية بالإسلاميين الإصلاحيين، ثم تداعيات تفكيك شبكة بلعيرج على مكانة القوى الحركية الإسلامية.

وخلص المؤلف في خاتمة الكتاب إلى كون موضوع الإرهاب والعنف السياسي من القضايا الأكثر حضورا وتداولا في الآونة الأخيرة، فكان من الضروري معالجتها في علاقتها مع الإيديولوجيا الإسلامية الجهادية، كأولوية تفرضها طبيعة المرحلة لما تعرفه من حساسية واستشكال، على الصعيد الوطني والدولي أمام تصاعد العمليات الإجرامية التي تستهدف الأبرياء وبأشكال متجددة كالقنابل البشرية أو التفجيرات.

المصدر:(كتاب مدارك، 2008)

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

القاهرة - في كتاب عمره 85 عاما يطرح المفكر المصري سلامة موسى أفكارا صالحة لقراءة بعض جوانب الحياة العربية المعاصرة عن علاقة نظام الحكم بالدين والتعصب الديني واضطهاد البعض بسبب ما يؤمنون به من أفكار صادمة في البداية إلا أنها "تفوز في النهاية" ويستفيد منها حتى أعداؤها.
ويقول في كتابه "حرية الفكر وأبطالها في التاريخ" إن كل تقدم إنساني لابد أن يكون مصحوبا ببدعة تتمثل في فكرة أو عقيدة دينية أو اكتشاف علمي ينكره الناس ويتأخر الاعتراف بهذه "البدع".
ولكنه يشدد على أن "الدين في ذاته لا يمكن أن يضطهد وإنما الذي يضطهد هو السلطة الممثلة في الدين أو المستعينة بالدين" والذين يمارسون الاضطهاد هم رجال السياسة أو رجال الدين "ولكن الكهنة أنفسهم لا يمكنهم أن يضطهدوا أحدا ما لم تكون السلطة في أيديهم".
ويضيف "ومادام الدين بعيدا عن الحكومة فإنه لا هو ولا كهنته يمكنهم أن يضطهدوا أحدا. أما إذا صارت الدولة والدين جسما واحدا أمكن رجال الدين أن يضطهدوا من يشاءون وأن يقيدوا الفكر كما يشاءون. فالاضطهاد الذي كابده الناس في الماضي من رجال الدين إنما كابدوه لأن هؤلاء الرجال كانوا قابضين على أزمة السلطة في الدولة".
ويوضح موسى أن الاضطهادات التي وقعت باسم أي دين في التاريخ ليست "عيبا على الدين في ذاته" ولكنها شهادة تاريخية على ما يمكن أن يفعله الحاكم حين يسخر الدين لأغراض سياسية.
ويرى أن الحكام أكثر شغفا بالدين والتسلح به من شغف رجال الدين بأمور الحكم إذ ربما يميل رجل الدين للزهد أما الحاكم فهو يحتاج إلى الدين لترسيخ سلطته مستشهدا بمطالبة مكيافيللي للحاكم "حماية الدين ولو كان هو نفسه لا يؤمن به لأن الدين يعاونه على حكم الجماهير وعلى تثبيت سلطانه".
وتقع الطبعة الجديدة لكتاب موسى في 212 صفحة متوسطة القطع وصدرت الشهر الجاري ضمن (كتاب الدوحة).
وموسى (1887-1958) من أبرز طليعة رواد النهضة الفكرية في مصر وأحد مؤسسي تيار العقلانية مع أستاذ الجيل أحمد لطفي السيد وعميد الأدب العربي طه حسين وشيخ الأزهر الأسبق مصطفى عبد الرازق.
وكتب موسى هذا الكتاب عام 1927 عقب أزمتين أثارهما كتابا (الإسلام وأصول الحكم) للشيخ علي عبد الرازق و(في الشعر الجاهلي) لطه حسين.
ويقول موسى إن الأفكار وحدها هي التي مات من أجلها المؤمنون بها فلم يحدث أن ضحى إنسان بحياته من أجل طعام أو شيء يقتنيه وإنما "من أجل عقيدة جديدة آمنوا بها ولم يقرهم عليها الجمهور أو الحكومة وسمعنا أيضا عن ناس ضحوا بأنفسهم في سبيل اكتشاف أو اختراع" مضيفا أن الثورة تكون الوسيلة إذا اتسعت الهوة بين جمود المؤسسات وضرورة التطور التي يرى أن من أجلها شرب سقراط السم راضيا.
ويفسر ذلك قائلا إن سقراط شعر "أن شهوة التطور التي تنزع به إلى العلا أقوى من شهوة البقاء" وكذلك فعل الذين آمنوا بالعقائد والأفكار الجديدة وهذا يفسر كيف ضحى ألوف البشر وأريقت دماؤهم في كل العصور من أجل أفكار جديدة بشروا بها.
ويرى موسى أن للتعصب واضطهاد الأفكار الجديدة أسبابا منها الجهل والخوف إذ إن طبيعة الجماعات البشرية تعتاد الجمود "ولكن البدع تفوز في النهاية لأنها وإن كانت تبدأ مع قلة من الأمة إلا أنها لما فيها من ميزات تتغلب على العادات الموروثة. وكل تقدم للإنسان مصحوب ببدعة ولولا ذلك لما تم اختراع أو اكتشاف" على الرغم من الدماء التي أريقت من أجل الأفكار الجديدة في كل العصور.
ويستعرض محاكم التفتيش في أوروبا في العصور الوسطى وكيف قضت على ألوف البشر وكانت تتخذ صورا مختلفة منها الاتهام بالهرطقة "وكانت طائفة الرهبان الجوالين يتاجرون بالدين يطرقون الناس وينزلون ببيوتهم يأكلون ويشربون هانئين في رغد فإذا أحسوا بضجر أو إساءة اتهموا رب البيت بالهرطقة ولم يكونوا يخشون شيئا لأنهم كانوا يعرفون أن المتهم سيقر بالتهمة لفرط ما ينال جسمه من العذاب".
واضاف أن سلوك هؤلاء الرهبان ومحاكم التفتيش تسببا في صعود البروتستانتية وزيادة نزعة الإلحاد في أوروبا.
ويقول إن اضطهاد بعض الخلفاء العباسيين مثل المهدي والهادي للملحدين يشبه اضطهاد الكهنة للهراطقة في محاكم التفتيش على الرغم من أن "القرآن لم ينص على الخلافة.. والإنجيل لم ينص على البابوية... البابوية والخلافة ترجعان إلى التقاليد المأثورة لا إلى الإنجيل ولا إلى القرآن".
ويرى أنه في كثير من وقائع الاضطهاد الديني في التاريخ كان "رجل الدين يتعلل بالدين وغايته في الحقيقة السياسة ولولا المصلحة السياسية أيضا لبقي الدين معتكفا وحده في جامع أو صومعة".
ويخلص إلى أن رجال الحكم ورجال الدين ينظرون إلى المختلفين عنهم في الرأي أو الدين - تسامحا أو اضطهادا- وفقا للسياق السياسي.

المصدر: (الدوحة: مجلة الدوحة، 2012)

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

يعد كتاب "تاريخ فلسطين المفترى عليه" دراسات وثائقية تجديدية يأخذ المؤلف تطبيقاتها من بلدة دورا في منطقة جبل الخليل جنوب الضفة الغربية.

ويسلط الكتاب الضوء على تاريخ فلسطين منذ فجر التاريخ وحتى أوائل القرن العشرين (4000 ق.م – 2000م) ويوضح أهمية الحكم الإسلامي لفلسطين والجوانب الاجتماعية والسياسية لتاريخ فلسطين العثمانية التي يرى أن الدراسات الغربية والصهيونية شوهتها.

ويستنتج المؤلف أن النزاع حول فلسطين نزاع بين قوى الاستعمار والمشرق، بدأ منذ احتلال اليونانيين الغربيين لفلسطين، مبينا أن الفلسطينيين لم يكتبوا تاريخ فلسطين القديم بطريقة كافية لتبيين الحق الثابت وتعريف العالم بالحقيقة، بل كتبه المستشرقون والصهاينة.

وتكمن أهمية الدراسة، التي استقت معلوماتها من مئات المراجع، في كونها خطوة على طريق إعادة النظر في تاريخ فلسطين الذي زوره الغرب والصهاينة والعرب المستغربون والمتصهينون الذين نهلوا من مناهلهم الموبوءة، أو نقلوا عنهم.

وبما أن البحث واسع ويشمل فترة زمنية طويلة، فهو يعالج موضوعات مختلفة، ولجأ الباحث إلى أكثر من منهج وأسلوب بحثي في إعداد بحثه، فأفاد من الأسلوب التاريخي، واعتمد بشكل رئيسي على المصادر الأولية كالسجلات والوثائق والملفات والقوانين والظروف التي تحيط به.

وحرص المؤلف على تحليل مضمون الوثائق ولم يأخذ منها إلا المعلومات الصريحة، وضمّن كتابه جوانب من البحث الميداني بإجراء مقابلات مع عدد كبير من المعمرين من أبناء بلدته والمناطق المجاورة لها.

وألحق المؤلف كتابه بصور لمجموعة وثائق بينها صورة لوثيقة تطوع أهالي جب الخليل لقتال جيش نابليون، مؤرخة في 1798م.

توضيح الحقيقة
وسلط المؤلف الضوء على المجالات التي حجبت فيها الحقيقة، وعمل على توضيح الحقيقة بشأن فلسطين، علاوة على توثيق التاريخ الشفوي لبلدة دورا وقراها وخربها، وعائلاتها وشجرات أنسابها، والاستفادة من وثائق المراسلات بين العائلات والإدارات العثمانية والانتدابية لإعطاء صورة حقيقية عن تاريخ فلسطين خلال تلك الفترات.

ويتحدث المؤلف عن ما يسميه أطماع الغرب ومؤامراته التي لا تتوقف على الإسلام والمسلمين والعرب والعروبة، والطمع في خيراتها، وفي المقابل ضعف دور أبناء العروبة والإسلام في هذه الأيام في إنقاذ فلسطين وحمل قضيتها.

وأسهب المؤلف في الحديث عن تصدي الغرب وعلمائه بخبث ومقاصد غير أخلاقية إلى كتابة تاريخ العرب، وفي أخص دقائقه كالقبيلة وشجرات النسب والآثار المرئية بقصد احتلال التاريخ والعقول قبل احتلال الأرض.

ومع ذلك رصد الجهد الذي رسخه أبناء فلسطين بعامة وأوجه المقاومة للاستعمار والاحتلال، ويركز في فصوله الأخيرة على الوجه المشرق لمدينة دورا (موضع البحث) رغم محاولات طمسها.

تزوير مقصود
وفي البلدة موضع البحث، يرصد المؤلف خطط الغرب في سرقة التاريخ وتهويد الآثار، وفي المقابل التحدي الذي قوبلت به هذه الخطط والإصرار على البناء والعيش الحضاري رغم المعوقات المذهلة من الصهاينة والغرب.

وهنا يرى المؤلف أن حملات التنقيب عن الآثار وتلك الاستكشافية سبقت الحملات العسكرية وعملت على تزوير واستغلال التاريخ والجغرافيا والتراث لخدمة الهدف العسكري والاستعماري.

ويلفت المؤلف إلى أن العبء الأكبر لأمن فلسطين كان منذ الأزل ملقى على كاهل مصر التي حررت فلسطين من الصليبيين وصدت عنها خطر المغول، ثم استبشر الفلسطينيون خيرا بالثورة المصرية عام 1952 وبجيشها وصواريخه، لكن يقول: "بدلا من الظفر بالنصر وقهر العدو ظفرنا عام 1967 بهزيمة ساحقة".

أما عن بلدة "دورا" فيقول إنها "بلدة عربية كنعانية قديمة كانت تعرف باسم أدورايم"، وقبل الغزو العبراني كانت ضمن أراضي الآدوميين العرب الذين رفضوا السماح لقوم موسى عليه السلام بالمرور من أراضيهم إلى فلسطين.

وينقل المؤلف قول بعض الروايات إن العيص ويعقوب ولديْ إسحاق -عليهم السلام- تصارعا على الإرث، فحاصر العيص يعقوب في مدينة الخليل، وتابع أبناء يعقوب العيص وأبناءه إلى دورا حيث قتل يعقوب أخاه العيص ودفنه فيها وشرد أبناءه إلى سعير (شمال الخليل)، حيث لا يزال له مقام هناك.

وأضاف أن بلدة بيت مرسم (داخل الأراضي المحتلة عام 1948 من أراضي دورا غربا) هي من أقدم الممالك الكنعانية التي حاصرها كالب ابن يفنة ملك يهودا لمدة ثلاث سنوات إلى أن استطاع احتلالها بعد أن وعد أن يزوج ابنته الوحيدة، ووريثته في الملك، للقائد الذي يحتل بيت مرسم.

ويتطرق مؤلف الكتاب إلى نقص الدراسات الموضوعية بشأن تاريخ فلسطين ومدنها وقراها، موضحا أنه رغم الكتابات التي صدرت عن مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية والمتابعات التي صدرت في الشرق والغرب، فإنه يندر أن تجد في الكتابات التاريخية أو السياسية تصورا دقيقا لطبيعة المجتمع الفلسطيني وتكوينه الاجتماعي أو ترابطه أثناء فترة الانتداب أو قبل ذلك.

وفيما يتعلق بمدن وقرى فلسطين التي يزيد عددها عن 844 مدينة وقرية، يقدر المؤلف عدد التي أجريت عنها دراسات بأنها لا تزيد عن مائة بلدة ومدينة، وهذا يعني أن هناك أكثر من 700 مدينة وقرية لم تصدر عنها دراسات.

فصول الكتاب
بعد إلقاء الضوء على تاريخ فلسطين في مقدمة الكتاب، قسم الباحث دراسته إلى خمسة عشر فصلا، تناول في الأول منها محطات في تاريخ فلسطين وتطبيقاتها قبل الإسلام، بدءا من العهد الكنعاني، ثم الفلسطينيين ما بين 1200 و975 قبل الميلاد، ومحطة العبرانيين، ثم العهود الآدومية والفارسية واليونانية والرمانية، منتهيا بسرد الأدلة على عروبة فلسطين قبل الفتح الإسلامي.

وأفرد المؤلف الفصل الثاني للحديث عن فلسطين في العهد الإسلامي (637م-1918م)، مختتما بالحديث عن ضعف الدولة العثمانية ونتائجه، مشيرا إلى أنها كانت قبل ضعفها تُشرك أهالي فلسطين في الحكم وتجري الانتخابات.

وفي جزئية التجنيد في الدولة العثمانية، يشير المؤلف إلى أن نظام التجنيد كان قاسيا وضارا بالسكان والزراعة، ولذلك بذل السكان كل ما في وسعهم للتخلص منه، عن طريق الاختفاء خارج المنطقة في أثناء حملات التجنيد أو دفع البدل النقدي الذي كان يبلغ خمسين جنيها، أو إلحاق المرء الأذى بنفسه عن طريق قطع أصابع اليد كي لا يصبح لائقا للخدمة العسكرية، أو رشوة الموظفين المسؤولين أو العرب أثناء السير إلى مراكز التجمع للتجنيد.

وفي حديثه عن أراضي فلسطين في العهد العثماني، يبين أن الفلاح قبل عام 1858 كان يملك بيته ومساحة قليلة من الأرض "حاكورة" حولها لزراعة مزروعات لسد حاجة عائلته. أما بقية أراضي القرية فكانت مملوكة ملكية مشتركة لجميع أهالي القرية، وكان يمنع على الأجانب تملك الأرض والعقارات في الدولة الإسلامية.

ويوضح أن ذلك أزعج بريطانيا وفرنسا اللتين كانتا تعملان على تمليك اليهود مساحات كبيرة من الأرض تمهيدا لاستغلالها في إقامة قاعد للغرب في فلسطين، وبعد الحروب العديدة والديون التي غرقت بها الدولة العثمانية استجابت لضغوط بريطانيا وفرنسا، وصدر قانون الأراضي العثماني في 27 شعبان 1276هـ/1859م الذي نص على ضرورة تسجيل الأرض وإعطاء سندات طابو للمالكين مقابل دفع رسوم لإصدار تلك السندات أو الكواشين.

كما نص ذلك القانون على منع تسجيل أرض باسم القرية كلها، لكنه سمح بتسجيلها باسم عدد من الأشخاص كرؤساء الحمايل والمخاتير والوجهاء، الأمر الذي ولد مشاكل يوم مطالبة الناس بحصصهم من الأشخاص الذين سجلت الأرض بأسمائهم.

وبموجب ذلك القانون صنفت الأراضي في فلسطين كما يلي: الملك، والميري وهي الأراضي التي تعود ملكيتها للدولة ويتصرف بها الأفراد أو المجموعات، والوقف، والموت وهي البعيدة عن العمران وليست ملكا لأحد ولا هي مرعى ولا محتطب، والمتروكة وهي أراض يحتفظ بها للاستعمال العام كالطرق والمراعي.

وفي الفصل الثالث "الغرب يحتل تاريخنا قبل أن يحتل بلادنا"، يقول إن الإمكانيات العلمية والاقتصادية والسياسية والعسكرية توفرت للغرب، على النقيض من العرب والمسلمين، وبها استطاع تزوير تاريخ فلسطين العربي والكنعاني والإسلامي، وتجييره لإسرائيل، مشيرا إلى دور الرحالة الغرب في هذا المجال.

وأضاف أن أية جهة عربية أو إسلامية لم تقم بإجراء حفريات أثرية في فلسطين، وفي المقابل عملت خمس مدارس حفريات غربية: فرنسية وأميركية وألمانية وبريطانية وإيطالية، قبل الحرب العالمية الأولى (في العهد العثماني).

ويعالج المؤلف في الفصل الرابع حال فلسطين تحت الانتداب البريطاني وحتى النكبة (1919- 1948)، مبينا أن سلطة الانتداب اتخذت سلسلة إجراءات هدفت إلى حرمان الفلاحين من حقهم في أرضهم لخدمة الأهداف الاقتصادية والسياسية للانتداب والصهيونية.

وفي معرض حديثه عن الإضراب والثورة بين عامي 1936 و1939، ذكر من وسائل الانتداب البريطاني في قمعه: الاغتيالات السياسية، والعنف والتنكيل، والإيقاع بين المدينة والقرية.

وفي الفصل الخامس يطل المؤلف على مدينة الخليل وبلدة دورا في العهد الأردني، ثم يتناول في الفصل السادس مرحلة ما يراه احتلالا أميركيا إسرائيليا للضفة الغربية وقطاع غزة، بدءا من عام 1967 وما تخلل المرحلة من حروب وإضرابات وثورات وشهداء وجرحى، وصولا إلى انتفاضتي الحجارة (1978) والأقصى (2000) في الفصل السابع.

وفي الفصول التالية يفصّل المؤلف في تاريخ البلدة موضع التطبيق (بلدة دورا) وجغرافيتها، ودور لجان الحفريات في الإساءة لها، وما بها من مساجد ومدارس ومؤسسات وشهداء وأسرى وأصول عائلاتها وأنسابها.

المصدر : الجزيرة

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

مؤلف هذا الكتاب هو الباحث الأميركي توماس كاروثيرز. وهو مدير مشروع الديمقراطية وحكم القانون في أحد معاهد البحوث الأميركية. وكان قد نشر سابقاً خمسة كتب عن كيفية تجنيد الديمقراطية أو نشرها في العالم منها: مساعدة الديمقراطية في الخارج.. منعطف التعلم. كما نشر عشرات المقالات عن الموضوع نفسه في الصحف والمجلات الكبرى. وهو الآن منهمك في تأليف كتاب جماعي عن كيفية تشجيع الديمقراطية في الشرق الأوسط ونشرها في جميع البلدان.


وفي هذا الكتاب الجديد يتحدث المؤلف عن الموضوع ذاته ولكن بشكل عام ولا يحصره في منطقة محددة بعينها.


والكتاب ينقسم إلى خمسة فصول كل فصل يتفرع إلى عدد من الموضوعات. فالفصل الأول مثلاً يتحدث عن المكانة التي يحتلها موضوع تجنيد الديمقراطية ونشرها في السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأميركية.


وهنا يتحدث المؤلف عن عدة قضايا من بينها: قضية الديمقراطية وحقوق الإنسان، هل هما شيء واحد أم شيئان منفصلان؟ ثم يتحدث المؤلف عن نشر الديمقراطية في ظل حكم بيل كلينتون، وإنجازات كلينتون في هذا المجال.


ثم يتحدث بعدها عما فعلته أميركا في بلاد الصرب -يوغسلافيا السابقة- وكيف ساعدت على إقامة نظام ديمقراطي هناك بدلاً من نظام الديكتاتور ميلوسيفيتش.


ثم يتناول الباحث قضية أخرى تشغل السياسة الأميركية إلى حد كبير ألا وهي: العلاقة بين نشر الديمقراطية ومحاربة الإرهاب. وفي رأيه أنهما شيئان متلازمان.


ثم ينتقل للتحدث عن سياسة جورج دبليو بوش من أجل شرح موقف حكومته من هذه النقطة المهمة. فبعد 11 سبتمبر أصبحت قضية نشر الحرية والديمقراطية والتسامح الديني في قلب السياسة الخارجية الأميركية.

أما الفصل الثاني من الكتاب فيحمل عنوان: العوامل الأساسية المساعدة على نشر الديمقراطية. وهنا يتحدث المؤلف عن المساعدات التي قدمها المجتمع المدني الغربي لمجتمعات أوروبا الشرقية أو الشيوعية سابقاً من أجل أن تصبح ديمقراطية تعددية حرة.


وكذلك يشرح أهمية قيام دولة القانون في تلك المجتمعات التي لم تكن تعرفه، فحكم القانون غير الحكم التعسفي والاعتباطي للحزب الواحد (الحزب الشيوعي).


ويتحدث المؤلف عن ضرورة تعامل أميركا مع المجتمع المدني في العالم الثالث وليس فقط مع الحكومات. فالمثقفون والنقابيون يلعبون دوراً كبيراً في نشر الديمقراطية داخل المجتمع لأنهم النخبة الطليعية للأمة.


وأما الفصل الثالث في الكتاب فمكرّس لدراسة الحالة الراهنة للفكرة الديمقراطية والممارسة الديمقراطية أيضاً. وهنا يتحدث المؤلف عن قضايا عديدة نذكر من بينها: نشر الديمقراطية في عالم ما بعد الحداثة. الديمقراطية من دون أوهام.


ثم يدخل المؤلف في مناقشة عميقة مع كبار المنظرين الأميركيين من أمثال: صموئيل هنتنغتون، وفرانسيس فوكوياما، وروبرت كابلان، وفريد زكريا وآخرين. ونلاحظ انه يركز مناقشاته على أطروحات هذا الأخير.


أما الفصل الرابع من الكتاب فمكرّس كله لدراسة وضع الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط. ومعلوم أن هذه المنطقة تشغل أميركا والعالم أكثر من غيرها بسبب حرب العراق والصراع العربي - الإسرائيلي ومشكلات الإرهاب الأصولي، وغير ذلك..


ويطرح المؤلف فيه مسألة نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط بالتدريج وليس دفعة واحدة. فالتدريج أفضل لأنه لا يصدم العقليات ولا يؤدي إلى اضطرابات أو ردود فعل عنيفة.


يضاف إلى ذلك أن المنطقة لم تعرف الحكم الديمقراطي في حياتها إلا لفترة قصيرة أثناء العصر الليبرالي. وبالتالي فمن الصعب إدخال الديمقراطية إليها دفعة واحدة وبشكل مفاجئ قد يؤدي إلى زعزعة العقلية الجماعية للشعب.


وفي الفصل الخامس والأخير من الكتاب يقدم الكاتب خلاصة عامة عن الموضوع، و فهرساً عاماً بأسماء الكتب والمراجع التي تتحدث عن الديمقراطية وقضاياها.

المصدر: واشنطن: كارينج انداومينت، 2004

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

رغم العلاقات الواسعة للكاتب المصري محمد حسنين هيكل في ساحة السياسة العربية وكتبه السياسية العديدة الا انه يعترف في احدث كتبه بحيرته في فهم الرئيس المصري السابق محمد حسني مبارك الذي اطاحت به انتفاضة شعبية بعد ثلاثة عقود في السلطة.


ويقول هيكل (89 عاما) في كتاب "مبارك وزمانه" الصادر في جزءين من القطع الكبير "كان ظاهرا لي ان الحيرة ليست حيرتي فقط ولكنها حيرة كثيرين وربما حيرة التاريخ ذاته في شأن رجل يتصور بعض الناس انهم يعرفونه جيدا ثم يتبين انهم لا يعرفون شيئا".


ويستشهد هيكل بجملة في مقال بصحيفة "واشنطن بوست" نشر في 7 من اكتوبر/تشرين الاول 1981 غداة اغتيال اسلاميين الرئيس انور السادات سلف مبارك تقول "حتى هؤلاء الذين يقال انهم يعرفون مبارك هم في الحقيقة لا يعرفون عنه شيئا".


ويقول هيكل الذي عمل وزيرا للاعلام عام 1970 في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر انه حين بدأت اجراءات ترشيح مبارك لمدة رئاسية ثالثة اوائل التسعينات بدا له ان الرئيس السابق "لا يزال – كما كان اول يوم- سؤالا بلا جواب".


ويضيف ان مبارك "سواء للاحسن او للاسوأ - لم ينس اثرا حيث ذهب ولم يترك بصمة حيث تصرف ولم يوقع على ورقة الا اذا كانت مرسوما بقانون سوف يعلن للناس ولم يسمح بتسجيل محضر لاهم اجتماعاته بل اجراها جميعا على انفراد وفي الغالب الاعم فان تصرفاته الرئاسية كانت شفوية يصعب الحصول عليها وتجميعها ومضاهاتها ودراستها".


ويرى هيكل ان قضية "التوريث" هي الدليل والاثبات الاظهر لمقولة ان الذين يعرفون كل شيء عن مبارك "هم في الواقع لا يعرفون شيئا عنه".


ويقول عن جهود توريث السلطة لجمال مبارك نجل الرئيس السابق "كان احساسي –دون دليل يسنده– ان الرجل في حسه الداخلي الدفين لا يريد ذلك لا بتفكيره ولا بشعوره بل لعله ينفر من الحديث فيه لانه يذكره بما يتمنى لو ينساه".


ويتابع هيكل "استخدم ما بدا له من معارضة المؤسسة العسكرية وكرره وضغط عليه لانه وجد فيه ما يوافق شعورا غامضا في اعماقه ينفر من حديث 'التوريث'".


ويضيف هيكل في كتابه الصادر عن دار الشروق المصرية ان تحفظ المؤسسة العسكرية على التوريث ورد ضمنا اثناء الاستفتاء على التعديلات الدستورية الذي جرى في 2006 وابدى المشير محمد حسين طنطاوي وزير الدفاع رأيا مؤداه "انه وكل القادة يرجون الرئيس مراعاة قاعدة مستقرة في السياسة المصرية تنأى بالقوات المسلحة عن اي دور يفرض عليها احتكاكا بالداخل السياسي".


ويقول "لكن الغريب ان الرئيس مبارك لم يظهر منه ضيق بهذا التحذير وكانت كثرة اشاراته له دليل على ان لاقى شيئا بالقبول عنده وتلك قضية تحتاج الى بحث نفسي يصل الى العمق البعيد عما هو كامن ومكبوت".


ويدعو هيكل لمحاكمة مبارك سياسيا قبل محاكمته بالتهم الجنائية الموجهة له امام القضاء المصري حاليا.


وعن محاكمة اي رئيس يقول هيكل "المنطق في محاكمة أي رئيس دولة ان تكون محاكمته عن التصرفات التي اخل فيها بالتزامه الوطني والسياسي والاخلاقي واساء بها الى شعبه فتلك هي التهم التي ادت للثورة عليه".


ومن المقرر ان تصدر محكمة مصرية في الثاني من يونيو حزيران حكمها في الاتهامات الموجهة لمبارك بالفساد المالي وقتل متظاهرين.

المصدر:القاهرة: دار الشروق، 2012

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

يقدم الكتاب الصادر حديثاً ما يعتبرها معلومات "حصرية" وغير مسبوقة، تتعلق بالتطورات السرية الداخلية لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، سواء على صعيد عملها العسكري أو اتصالاتها مع الدول الغربية، مستنداً إلى محاضر أمنية، واعترافات أدلى بها كوادر الحركة خلال التحقيق معهم من قبل أجهزة المخابرات الإسرائيلية عن خططهم العملياتية لاستهداف الجنود والمستوطنين، مع الإشارة إلى أهم التصورات الإسرائيلية للتعامل مع الحركة على الصعيدين السياسي والعسكري.

وتنبع أهمية الكتاب من كون المؤلف شلومي ألدار وثيق الصلة بالعديد من قيادات حماس بحكم عمله الصحفي، فضلاً عن كونه شبه مقيم في الضفة الغربية وقطاع غزة، ويتهمه بعض الإسرائيليين بالتعاطف مع الفلسطينيين لكونه يعمل مراسلاً في أراضيهم منذ أكثر من عقدين من الزمن.

يقدم الكتاب ما قال إنها أمور جديدة على القارئ الإسرائيلي في ما يخص سياسة حكوماته تجاه حماس، بعيداً عن الشعارات الانتخابية والضجيج الدعائي، ومن بينها أن رئيس الحكومة الأسبق أرييل شارون وصل إلى تفاهم مع رئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل عبر طرف ثالث بترتيبات سرية بعد اغتيال الشيخ أحمد ياسين عام 2004، ومفادها "لا اغتيالات إضافية مقابل وقف العمليات الفدائية"، وهو ما يتعارض مع ما أعلنه وزراء الحكومة بعدم التفاوض مع حماس.

كما يكشف ما قال إنها تفاصيل أولية عن لقاءات سابقة أجراها القيادي في الحركة بقطاع غزة محمود الزهار مع رئيس الحكومة الإسرائيلي الراحل إسحاق رابين والرئيس الحالي شمعون بيريز أواخر ثمانينيات القرن الماضي قبيل اندلاع انتفاضة الحجارة.

ويوثق الكتاب ما أجراه رئيس جهاز الأمن العام الإسرائيلي (شاباك) السابق يوفال ديسكين عام 2006، من اتصالات سرية وغير مباشرة مع الحركة بموافقة رئيس الوزراء في حينه إيهود أولمرت، بواسطة مبعوث أوروبي. وجاء ذلك قبيل أسر الجندي جلعاد شاليط، وبعيد فوز حماس في الانتخابات التشريعية في يناير/كانون الثاني 2006، حيث التقى المبعوث بخالد مشعل ونائبه موسى أبو مرزوق والقيادي عماد العلمي، وبحث معهم في وثيقة تضمنت تفاصيل حول علاقات الحركة وإسرائيل في المستقبل.


توازن القوى
الكتاب يذهب باتجاه استحالة القضاء على حماس كحركة اجتماعية دينية سياسية لها امتدادات تاريخية في المجتمع الفلسطيني، وهو يؤكد بذلك ما ذهب إليه الباحثان الإسرائيليان شاؤول مشعال وأبراهام سيلع، لأنهما انطلقا في نظرتهما للحركة من الزاوية العملية.

لكن المؤلف يذهب إلى محاولة "تفكيك" بنية حماس التنظيمية، والإشارة إلى أبعادها السياسية الواقعية، بعيداً عن الاصطفاف خلف ضغوط إدراجها في قوائم المنظمات الإسلامية المصنفة إسرائيلياً وغربياً تحت بند "الإرهاب"!

ويقول إن حماس ككل حركة سياسية أو عسكرية، تحاول الجمع بين كلا المركبين: الجناح السياسي الاجتماعي الخدماتي، والعسكري المسلح الفدائي، وهي بذلك ليست بعيدة عما أسماها "توازن القوى الداخلية" بين الساسة والعسكر، محاولاً بذلك إعطاء القارئ صورة نمطية عن كيفية اتخاذ القرارات داخل قيادة حماس.

ويستشهد المؤلف على ما يقول بحادثة أسر الجندي الإسرائيلي في غزة، زاعماً أن العملية التي وقعت فجر يوم الأحد 25 يونيو/حزيران 2006 لم تعلم بها قيادة الحركة السياسية في غزة ولا في دمشق، بل إنها كانت بمبادرة وتنسيق ومباركة من الجناح العسكري كتائب القسام وقائدها أحمد الجعبري الذي اغتالته إسرائيل خلال الحرب الأخيرة.

على صعيد آخر، يقدر الكتاب بأن إسرائيل لم تنجح في استثمار ما أسماها دعوات "براغماتية" كانت تصدرها بعض قيادات حماس لمنح المفاوضات فرصة أخرى من الزمن، وهو ما قد يعمل على تضاؤل فرص هذه الدعوات وأصحابها، ويفسح المجال لمن أسماهم "الراديكاليين" الداعين دائماً إلى امتشاق السلاح ومقاتلة إسرائيل.

ما يمنح الكتاب جذباً إضافياً لدى القراء الإسرائيليين، أن مؤلفه كما يقول لم ينشره استناداً إلى مقالات مكتوبة أو تصريحات علنية، ولم يكتف بذلك، بل إنه يستند إلى وثائق ترى النور لأول مرة عبر كتابه هذا، ومعلومات حصل عليها من صناع قرار إسرائيليين لم يشأ أن يفصح عن هوياتهم، وتسريبات وصلت إليه من محافل فلسطينية مطلعة.

وقبل ذلك وبعده، يعتبر المؤلف نفسه ضيفاً مرحّباً به لدى قيادات حماس الكبيرة في غزة أمثال إسماعيل هنية ومحمود الزهار، بل حظي بتصريح حصري من خالد مشعل حين زار موسكو في الثلث الأول من العام 2006، وطار ألدار هناك متعقباً إياه في مهمة صحفية!

المؤلف يعتبر كتابه تصحيحاً لنظرة إسرائيلية مغلوطة عن حماس، متهماً بذلك دوائر صنع القرار في تل أبيب وأجهزة المخابرات، لأنها اكتفت بتعريفها للحركة على أنها "عدو" يجب قتاله فقط! دون الدخول في أعماقها وبنيتها وتصوراتها وتكتيكاتها وإستراتيجياتها وتحالفاتها وخصوماتها.

وهي بذلك تخطئ ذات الخطأ الذي ارتكبته في سنوات ما قبل اندلاع انتفاضة الحجارة عام 1987، حين سمحت للتيار الديني بالظهور والانتشار في الأراضي الفلسطينية ظناً منها أنه بعيد عن السياسة، وستستفيد منه في إضعاف وإقصاء منظمة التحرير ذات التوجهات العلمانية، لكن حماس سرعان ما تحولت إلى حركة مسلحة كبدت إسرائيل خسائر بشرية غير مسبوقة في غفلة من أجهزة مخابراتها الأمنية.

كما تكرر الإخفاق ذاته حين لم تتوقع الاستخبارات الإسرائيلية أن تفوز حماس في تشريعيات 2006 بصورة جارفة غير مسبوقة، مما أدى إلى اتخاذ قرار "هستيري" بمقاطعة حكومة حماس المنتخبة وفرض حصار عليها، وكل ذلك مرده إلى انعدام نظرة واقعية للحركة، وسوء تقدير في مدى نفوذها الشعبي وامتدادها الجماهيري.

نهاية حماس!
يستعرض الكتاب جملة من التوقعات التي ترصدها جهات الاختصاص في تل أبيب حول مستقبل حماس في الساحة الفلسطينية، من خلال العديد من الإجراءات العنيفة الدامية التي اتخذتها ضد الحركة، سواء اغتيال قياداتها التاريخية أو فرض الحصار المحكم "غير الإنساني". لكن من وصفهم المؤلف "بالقساميين" ما زالوا يطلقون الصواريخ على مدن إسرائيل، مما يعني فشل جميع السبل للقضاء عليها، واعتبارها كأن لم تكن في "سفر" تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي.

يعتبر موشي ألدار أن إسرائيل بعد كل هذه الجولات الدامية الموجهة ضد حماس لم تستطع -أو لا تريد- أن تفهم أن حماس ليست مجموعة من المسلحين يمكن قتلهم واحداً تلو الآخر، بل هي حركة تمتاز بطابع مؤسسي منظم وببناء هيكلي صارم، وتتم إدارتها على ضوء معطيات سياسية بعينها، ولذلك لن تتأثر على المدى البعيد بغياب هذا القائد أو ذاك، رغم الخسارة الأليمة التي قد تصاب بها لفقدانه على المدى الفوري.

ويتفق مع من يقول من داخل الساحة السياسية والعسكرية الإسرائيلية أن الجيش لن يكون بمقدوره وضع حدٍّ نهائي لحماس بوسائل القوة، وأن أفضل سبيل للخروج من العلاقة "الصفرية" معها يكمن في البحث عن سبل آفاق سياسية جديدة، وإلا فإن استمرار ذات السياسة الأمنية تجاه الحركة لن تكون سوى وصفة "كارثية" لمزيد من الألم والدموع للجانبين، وهو ما يعني -وإن لم يصرح المؤلف بذلك- إقراراً بعجز القوة الإسرائيلية عن القضاء عليها، بعد أن رفعت إسرائيل شعارها بأن "ما لم يأتِ بالقوة، يأتي بمزيد من القوة" في مواجهة حماس.

المؤلف الذي واكب معظم الحملات العسكرية الإسرائيلية ضد حماس في غزة خلال السنوات الماضية، يقدم تشخيصات ميدانية من قلب القطاع عما عايشه قبل تلك الحروب وخلالها وبعدها، لاسيما "الرصاص المصبوب" عام 2008، معتبراً أن تلك المواجهات لا تشبه أي حرب خاضتها إسرائيل من قبل، لأن مقاتلي حماس تحولوا مع تكرار هذه الحروب إلى ما يشبه "الوسادة"، كلما وجهت لهم لكمة ارتدوا بقوة، وكأنهم لم يتلقوا اللكمة!

ألدار الذي أجرى العديد من المقابلات واللقاءات مع جملة من صناع القرار الإسرائيلي ممن أنيطت بهم مهمة مواجهة حماس، ينقل على ألسنتهم ما اعتبرها مشاعر اليأس والإحباط، لأن الحركة نجحت -بعد ما تعرضت له من ضربات- في تنفيذ سلسلة من العمليات الفدائية، مما يشير إلى أن أقل ما يمكن أن يقال هنا أن حديث إسرائيل عن تقليص قدراتها أمر ليس مبالغا فيه فقط، بل هو محض خيالات وانتصارات وهمية عليها، وإعلانات فارغة من أي مضمون!

كما يطالب جموعَ السياسيين الإسرائيليين ممن طالبوا باتباع سياسة العصا ضد حماس، بأن يخرجوا عما اعتادوا عليه في السابق عبر التخلي عن الكثير من المسلَّمات التي تعلقوا بها في الماضي، لاسيما مواصلة الحديث عن إمكانية الحسم الأمني في مواجهة الحركة، لأن عملياتها المستمرة بعد كل تلك الجهود المبذولة تدلّ على أن هذه إمكانية غير واقعية مطلقاً، ومن يواصل الحديث عن الحسم العسكري فهو بلا شكّ يوهم نفسه فقط! ومن يواصل تكرار هذه القناعة فإن مزيداً من خيبات الأمل ستكون من نصيب إسرائيل!


يورد المؤلف عشرات الأقوال والتصريحات التي تعبر عن تململ في أوساط النخبة السياسية والعسكرية الإسرائيلية من مدى القدرة الفعلية على القضاء على حماس دفعة واحدة وإلى الأبد، مبدياً تشكيكه في جدوى هذه السياسة ومحذرا من عواقبها، لأن من شأن الإمساك بالخيار العسكري وحده تبديد إنجازات الحملات العسكرية من جهة، وزيادة دوافع المقاومة بين مسلحي حماس من جهة أخرى، وتغييب "الأصوات المعتدل" داخلها من جهة ثالثة.


إسرائيلي في فلسطين
مؤلف الكتاب موشي ألدار (56 عاما) مراسل صحفي ومحلل الشؤون العربية والفلسطينية في التلفزيون الإسرائيلي منذ عشرين عاما، حاز درجة الماجستير في دراسات الشرق الأوسط من الجامعة العبرية، وحصل على جائزة "سوكولوف" للصحافة.

كما حصل على جائزة أفضل فيلم وثائقي عن فيلم "الحياة عزيزة" الذي سرد فيه قصة طفل فلسطيني مريض لا يستطيع السفر إلى الخارج للعلاج بسبب الإغلاق الإسرائيلي، بينما حاول أن يوثق لتجربته الصحفية في الأراضي الفلسطينية عبر كتاب أسماه "غزة كالموت" الذي لقي رواجاً كبيراً غير متوقع.

المؤلف يحتفظ في أجندته الشخصية بالعشرات من أسماء ساسة وكتاب وصحفيين ومسلحين فلسطينيين، وهو يتحدث العربية بصورة مقبولة تعينه على إجراء حواراته المباشرة مع صناع القرار الفلسطيني، وخلال عمله في قطاع غزة خاض مواجهات إعلامية مع قيادة الجيش الإسرائيلي لانتقاده ممارساته غير القانونية بحق الفلسطينيين، خاصة سياسة هدم المنازل والاغتيالات والعقوبات الجماعية ضدهم.

المصدر : الجزيرة

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

صدر مؤخرًا عن دار الفكر في دمشق كتابٌ جديد للباحث التونسي توفيق المديني تحت عنوان القضية الفلسطينية أمام خطر التصفية دراسة تاريخية سياسية .


يعالج الكتاب عبر مقدمة وخاتمة وعشرة فصول- تشمل العناوين الرئيسة التالية:" أمريكا وإسرائيل : الإرهاب سلاح الأقوياء ". "إخفاق ولادة الشرق الأوسط الجديد من فوضى الحروب ". "انهيار عملية التسوية والانتفاضة الفلسطينية الثانية". "الفلسطينيون وتلاشي حلم الدولة ". "ما بعد عرفات". "الانسحاب من غزة ونهاية الامبراطورية الإسرائيلية"."حرب لبنان الثانية وتأثيراتها المدمرة على إسرائيل". "المأزق الاستراتيجي للمقاومة الفلسطينية"."أزمة السلطة الفلسطينية ومخاطر الحرب الأهلية"."قيام مؤتمر أنابوليس، هل كان لإقامة الدولة الفلسطينية، أَمْ لتصفية قضية فلسطين؟"- مسألة قيام الكيان الصهيوني عام 1948 على أرض فلسطين التاريخية, والتي جاءت ضمن مخطط استعماري استهدف المنطقة كلها بما فيها فلسطين, وكان الوجود الصهيوني في فلسطين جُزْءًا منه؛ إذ قام المخطط على تجزئة العالم العربي وضمان تَخَلُّفِهِ.‏


ويرى الكاتب أنّ هدف الوجود الصهيوني الحفاظُ على الواقع العربي المتخَلّف، وعلى الفسيفساء التي شكّلها الاستعمار كما هي, حيث ظل الكيان الإسرائيلي مرتبطًا بحركة الرأسمالية العالمية عندما كان مركزها في القارة الأوروبية، وأصبح فيما بعد جزءًا من المخطط الإمبريالي الأميركي, حين انتقل مركزها إلى الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية.‏


وفي ثنايا صفحاته يؤكد الكاتب إصراره على استمرار الخيار الاستراتيجي للمقاومة الفلسطينية، ولاسيما العربية، والإبقاء على الأمة حيةً تقاوم وتطالب بحقها الطبيعي والقانوني والتاريخي والديني في أرض فلسطين, فخيار المقاومة الباسلة هو الذي أَبْقَى القضية الفلسطينية حيةً، أَمَّا خيار التسوية بشروط إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية فهي الهزيمة بعينها؛ لأن إسرائيل لن تقبل بالسلام العادل والشامل؛ لأنه النقيض التاريخي لوجودها كبِنْيَةٍ مجتمعية أيديولوجية وسياسية وعسكرية, تقوم بدور وظيفي في منطقة الشرق الأوسط.‏


ويصل المديني في دراسته المطولة إلى نتيجةٍ مفادها: أن تحرير فلسطين ليس مشروعًا بونابرتيًّا لحاكم عربي، ولا هو مشروع لأي حزب، أو حركة أصولية، أو طبقة اجتماعية؛ لأنه في جوهره جزءٌ من المشروع القومي الديمقراطي النهضوي الذي يشمل تياراتِ الأمة كُلَّها, وهو جزءٌ من تقدم الأمة العربية ووحدتها، والنضال من أجل تحرير فلسطين هو الاندماج في هذا المشروع القومي الديمقراطي المعادي جديًّا وفعليًّا وراديكاليًّا للإمبريالية الأميركية وإسرائيل، والمستند إلى قوة الشعب العربي، وإلى إجماع الأمة بكاملها.‏


وخلال عرضه الْمُسْتَنِدِ إلى الشواهد التاريخية، وإلى كمٍّ وافرٍ من التحليلات والآراء المتباينة لمفكرين وباحثين واستراتيجيين عرب وصهاينة ومن أرجاء العالم، يُبَيِّن الكاتب بأن جذرَ الخطر على قضية فلسطين تَمَثَّل في تعميم نهج التسوية على الساحتَيْنِ الفلسطينية والعربية بتأثير هزيمة حزيران عام 1967، وذلك حين جَرَت المصالحة بين حركة التحرر العربية القائمة على أرضية المشروع القومي التحرري الذي قاده نظام عبد الناصر، وبين النُّظُم العربية التابعة، التي ربطتْ نفسها بالمشروع الاستعماري النقيض، والتي تجلت (هذه المصالحة) في مقررات قمة الخرطوم، التي قامت على أساس الفصل بين الكيان الصهيوني وبين القوى الاستعمارية الغربية راعية هذا الكيان، والتي أشرفت على إقامته في قلب الوطن العربي خِدْمَةً لأطماعها في المنطقة؛ حيث تولى السادات- استجابةً لتوجيهات كيسنجر- مهمةَ ترسيخ النهج المذكور، واضعًا أوراق المنطقة بيد الإمبريالية الأمريكية التي غدتْ منذ الحرب العالمية الثانية قائدةَ المراكز الاستعمارية.


وعلى هذا الصعيد يتابع الكاتب خطواتِ القيادة التي هيْمَنَتْ على منظمة التحرير الفلسطينية على طريق التلاؤم مع فكر التسوية، طارحةً في البداية حَلَّ الدولة الديمقراطية لقضية فلسطين، التي تُسَاوِي بين حقوق الفلسطينيين بعد تحويلهم إلى جماعات طائفية، وبين حقوق المستوطنين اليهود، ومنَتَقِّلَةً بعد ذلك إلى "حل الدولتين" تحت شعار المرحلية، بما رافق ذلك من تنظير يستجدي تعاطف ما يُسَمَّى بـ"المجتمع الدولي"، من خلال إظهار النوايا الحسنة تجاه المستوطنين اليهود، نازعًا عن مشروعهم الاستعماري الاستيطاني صِفَتَه الاغتصابية والعنصرية والعدوانية، الأمر الذي أفضى إلى اتفاق أوسلو الذي يقوم على أرضية المشروع الاستعماري، النقيض للمشروع القومي التحرري للأمة العربية، وفي قلبه المشروع الوطني التحرري للشعب الفلسطيني.
وما يكشف عنه الكاتب هو أن "صفقة أوسلو" التي جرى الترويج لها على أنها تجسيد للمرحلية، وأنها تشكل خطوة على طريق تحرير فلسطين، قد أفضت عبر الوقائع التي أفرزتها، إلى وَضْعِ قضية فلسطين على سكة التصفية، وإلى فتح الباب واسعًا أمام النظام الشرق أوسطي، الذي سارعتْ مجموعةُ الأنظمة العربية التابعةُ إلى الانخراط فيه عبر المؤتمرات الاقتصادية التي انعقدت في العواصم العربية، وعبر علاقات مع الكيان، وهي التي عملت على مدى عقود من الزمن، لإيصال منظمة التحرر الفلسطينية إلى موقع التسليم بالمشروع الاستعماري، انسجامًا مع الوقائع التي فرضها هذا المشروع.


ويتوقف الكاتب، عند مقاومة الشعب الفلسطيني لمسار التصفية، مُفَجِّرًا انتفاضته الكبرى الأولى عام 1987، ردًّا على مقررات قمة عمان في العام ذاته، ومُجَدِّدًا مقاومته المسلحة للمشروع الصهيوني الذي حَقَّقَ قفزة في ظل أوسلو، سواء على طريق تهويد الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، بما قاد إلى تبديد حلم الدولة المستقلة، أو على طريق التغلغل في المحيط العربي، وذلك حين أطلق هذا الشعب انتفاضَتَهُ الكبرى الثانية في أيلول عام 2000، والتي سجلَّتْ بروزَ دور الحركات الإسلامية في النضال التحرري الفلسطيني، مجددةً طاقات شعب فلسطين، بعد أنْ تَوَهَّم الأعداء بتلاشيها على وَقْعِ أوهام الحلول السلمية التصفوية.


ومع انتفاضة الأقصى، وتنامي حضور تيار المقاومة على الساحة الوطنية الفلسطينية، جاء الانقسام الذي ضرب الساحة ، وذلك في موازاة الانقسام الذي عم المنطقة وطال كل ساحة عربية، وهو انقسامٌ بين نهج الصمود والمقاومة من جهة، وبين نهج الخضوع للمشروع الاستعماري من جهةٍ ثانيةٍ، والذي دخلت على خطه الإمبريالية الأمريكية بكل ثِقَلِها، بعد أنْ غَدَتْ منذ نشر قواتها في المنطقة، وغزوها للعراق، لاعبًا أكثرَ فاعليةً فيما يتعَلَّقُ بمسار الأحداث في المنطقة، مُوَسِّعَةً اعتمادها على نظم وقوى سياسية وفئوية عربية عملتْ على بناء تحالفٍ بينها وبين القاعدة الصهيونية، التي بقيت ركيزةَ أمريكا الأساسية في سَعْيِهَا لفرض هيمنتها على دول وشعوب المنطقة.


ورغم تعقُّد الصراع في ظل ضراوة الهجمة الاستعمارية التي تقودها أمريكا على المنطقة العربية والإسلامية، فقد حققت قوى الصمود والمقاومة انتصاراتٍ مُؤَزَّرَة على الحلف الاستعماري وأعوانه؛ حيث تم إخراج قوات الاحتلال من قطاع غزة وتفكيك مستوطناته، وإلحاق هزيمةٍ مدويةٍ بآلة العدو الصهيوني العسكرية على يد المقاومة اللبنانية، وتَرَافَقَ ذلك مع الغرق الأمريكي في المستنقع العراقي بفضل مقاومة شعب العراق البطولية، ومع صمود سورية بوجه التهديدات ومخطط الحصار والعزل، وفشل الحلف الاستعماري في تطويع الموقف الإيراني المناهض لمؤامرة إعادة رسم خريطة المنطقة.


وما يبينه الكتاب من خلال عرضه لتداعيات الأحداث في المنطقة وعلى الساحة الفلسطينية، هو أنّ الخطر ما زال قائمًا على قضية فلسطين، وأنّ مخطط التصفية لم يُهْزَم، ذلك أنّ القوى الاستعمارية ما زالت متمسكة بمشروعها، وما زالت قادرة على الدَّفْع بهذا المشروع بأساليب جديدة تعمل على ابتكارها، معتمدةً على ما تملكه من مصادر القوَّة، وعلى من أمكنها تجنيدهم على أرضية هذا المشروع من قوى إقليمية ودولية لا يستهان بإمكاناتها.


وعلى هذا الأساس يختتم الكاتب رحلته الشاقة، خائضًا عُبَاب أكداسٍ من الأحداث والتطورات، ومن المراجع والوثائق والتحليلات، ووجهات النظر المتباينة والمتعارضة.


ويُصِرُّ الكاتب على استمرار الخيار الاستراتيجي للمقاومة الفلسطينية والعربية، والإبقاء على الأمةِ حَيَّةً تقاوم، وتطالب بحقها الطبيعي والقانوني والتاريخي والديني في أرض فلسطين. فخِيَارُ المقاومة هو الذي أبقى القضية الفلسطينية حيَّةً، أمّا خيار التسوية بشروط (إسرائيل) والولايات المتحدة الأميركية، فهي الهزيمة بعينها للأمة. فـ (إسرائيل) لن تقبل السلام؛ لأن السلام هو النقيض التاريخي لوجودها كبِنْيَةٍ مجتمعية أيديولوجية وسياسية وعسكرية، تقوم بدور وظيفي في منطقة الشرق الأوسط.

المصدر: دمشق: دار الفكر، 2008

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

الربيع الذي نعيشه ليس إلا وجهاً من أوجه أزمة الديموقراطيّة في العالم. هذا ما يؤكّده الباحث التونسي في «بؤس الثورة» الصادر عن «مطبعة فنون». يشكّك الكاتب في أبعاد الانتفاضات الشبابيّة التي يراها نتيجة لـ «الصحوة الإسلاميّة»


كثّف الكاتب والباحث في علوم الإسلاميات الطاهر أمين في كتابه «بؤس الثورة» ما يعتمل في رأس المثقف التونسي والعربي بعد الثورات، وما قد تفتحه من سياقات وجودية في هذه المنطقة الجغرافية، التي باتت تشبه مرجلاً لا يتوقّف عن الغليان. الكتاب الذي صدر أخيراً عن «مطبعة فنون الطباعة» في تونس، لا يمكن تصنيفه ضمن الأعمال التأريخية للثورة التونسية الأخيرة، كما أنّه لا يندرج في جنس أدبي محدّد، بل ينهل من المعين الفلسفي والتاريخي لمفهوم الثورة، وتأرجحها بين السيرورة والصيرورة. يشبه منجز الطاهر أمين هذا ما سمّاه أومبيرتو إيكو «الأثر المفتوح». اشتغل فيه على اقتناص اللحظات الفارقة في المسار الثوري، وتكثيفها، مستدرجاً القارئ إلى التشكيك في هذه الثورة التي «يعيشها العربي بتفاؤل أسطوري غير مسبوق».

يبدو هذا الكتاب للوهلة الأولى كأنّه تداعيات حرّة لكاتب مأزوم «لم ينتفع من خيرات الثورة». غير أنّ قراءة متأنية للمتن ستكشف لنا أنّ «الثورة ليست إلا الإطار الأنسب لتعميق المعرفة بالذات»، كما ينبّهنا الطاهر أمين محاولاً أن يجعل من كتابه، تجربة جادّة للاكتشاف في مرايا الثورة المتعدَّدة. لهذا على الأرجح، تعدّدت المراجع الفلسفية والمعرفية التي اعتمدها في بحثه من ملحمة التكوين السومرية البابلية، إلى حشد هائل من الفلاسفة والمفكرين، على غرار ميشال سيوران، وغوستاف فلوبير، وأديب ديمتري، وكارل ماركس، وهيغل، وإنغلز، وجورج صاند، وسان سيمون، ونيتشه، وفوكو وغرامشي...


يُلحق الكاتب حالة البؤس بالثورة لقناعته بأنّ الربيع العربي ليس إلا وجهاً من أوجه أزمة الديموقراطيّة في العالم. وهي الأزمة التي جعلت الغرب «يشرّع» تدخّله في الشأن السياسي العربي. ويصف الكاتب ما يحدث الآن بأنّه «فتوحات يفتخر بها الغرب». غير أنّ السؤال الجوهري الذي ينبثق عن هذه المعادلة المختلّة هو: من سيحمل عن العرب إرث الاستبداد الشرقي الذي مثّل «إضافتهم» الحضارية، بعدما أخرج الغرب «الإنسان الطيّب» من «مارستان الأفكار الحديثة» وفق نظرية نيتشه؟ يطرح الطاهر أمين ترسانة ضخمة من الأسئلة، مشيراً إلى أنّ ما نعيشه اليوم ليس إلّا حروباً أهليّة. ويرى أنّّ الربيع العربي هو نتاج «الصحوة الإسلاميّة»، منبّهاً إلى أنّ التسامح سيكون الخاسر الأكبر في ظلّ تعاظم دور الدين.


كأنّ الليبرالية تجتهد بحسب الكاتب في تأبيد حالة الفقد والتضليل. لذلك، فهو يحرضنا على الإفلات من اقتصاد السوق وسلعنة الإنسان، لئلّا نقع في منطق تحويل الثورة إلى صنم يباع في السوق الاستهلاكية.


وفي مقاربته لـ «بؤس الثورة»، مثّلت الثورة الفرنسية مثالاً عاد إليه الباحث التونسي مراراً للسخرية من الثورات العربيّة، لناحية غياب أي مشروع ثقافي متكامل ينهض بها، معلّقاً على تسمية «ثورة الشباب» التي أطلقها شيوخ النظام السابق على الثوار الذين تظاهروا في الميادين.


في الخلاصة، يكثّف الباحث يأسه من «ربيع الثورات العربيّة»، وبصورة كاركاتوريّة. يخيّل إليه أننا أمام شريط هوليوودي ذي سيناريو مكتوب بإحكام، لكن بمونتاج رديء، وخصوصاً أنّ المتطفلين والغوغائيين يتناسلون بفضل ما يسميه الكاتب، «صحافة الدجل الثوري». وفي خاتمة الكتاب، يحيلنا على سؤال أدونيس الشهير، الذي كتبه في عمله المرجعي «الثابت والمتحوّل»، فليس الجوهري أن نصنع الثورة، بل الجوهري كيف نعيشها، وكيف نبقي الثورة لخدمة الإنسان، ولتعبئة الإمكانات القصوى باتجاه تفتّحه وتحرره.

المصدر: تونس: مطبعة فنون، 2012

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها