You are here:الرئيسية>فعاليات>جوائز>جائزة المدرسة العربية للرسائل الجامعية

بحث قدمه كل من د. علي خليفة الكواري ود. رغيد كاظم الصلح، في اللقاء السنوي الأول، تحت عنوان: مشروع لتعزيز المساعي الديمقراطية في البلدان العربية، وقد انعقد اللقاء في كلية سانت كاثرينز، جامعة أكسفورد بتاريخ 24 أغسطس 1991.

 

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما تعبر عن رأي أصحابها

القدس أولى القبلتين وثاني الحرمين، مقصد مهج العرب والمسلمين، وتهفو النفوس إليها. وعندما سقطت بيد الصهاينة، انتزع جزء من قلب كل عربي ومسلم، لهذا يسعى كل واحد منهم لاستعادتها مهما طال الزمن. إن قضية القدس هي قضية العرب والمسلمين جميعًا، وهي وقف إسلامي لكل المسلمين، وهي تشكل محور الصراع العربي الصهيوني.

ولقد صدر حديثًا كتاب تحت عنوان: "معركة تهويد القدس" للدكتور توفيق المديني. تناول الكتاب التاريخ الموجز لمدينة القدس، وفنَّد المزاعم الصهيونية حولها بأن اليهود أول من سكنها، وبين أن هذه المغالطات التاريخية والدينية يمارسها أتباع الأيديولوجية الصهيونية، ووضح كيف كانت فلسطين عامة أرضًا للعرب "اليبوسيين"، ثم تعاقب عليها "الكنعانيون"، و"الفينيقيون" و"الحيثيون" و"العموريون"، واستمر الحكم العربي لأكثر من ألفي عام. ثم ذكر المؤلف كيف وقعت القدس تحت الانتداب البريطاني، الذي ساعد احتلاله الاستيطان اليهودي منذ "وعد بلفور" 1917م، واستعرض القرارات الدولية المتعلقة بها.

وتحدث المؤلف عن غياب موضوع القدس عن "اتفاقيات كامب ديفيد"، وذكر الإشكالات التي نشأت عن "اتفاقات أوسلو" وملحقاتها، ثم عن وضع القدس في "وثيقة جنيف" التي تُعد وثيقة خطيرة لأنها غير رسمية، وفي "مفاوضات كامب ديفيد 2" و"مقترحات كلينتون" عام 2000م.

ويبين المؤلف في القسم الثاني من الكتاب موقف الغرب من احتلال القدس منذ عام 1948م حتى هزيمة عام 1967م، وصولاً إلى حرب رمضان/أكتوبر 1973م، والذي اتخذ الغرب فيه موقفًا عدائيًّا من مصر والدول العربية المقاوِمة.

ثم استعرض المؤلف وضع القدس في ضوء قرارات الأمم المتحدة المتتالية منذ قرار التقسيم، والتناقضات التي نشأت عن الموقف الرسمي والعملي. كما وضح موقف أمريكا من موضوع القدس، وخاصة التيار الديني المسيحي الصهيوني المتشدد، الذي يشكل الداعم الرئيسي لـ"إسرائيل".

المسيحية الصهيونية والقدس

على الرغم من تعدد الطوائف والفرق والاتجاهات المذهبية المسيحية، فإن التعبير الأوضح والأقوى عن الميول الأصولية في المجتمعات المسيحية يتركز في "الطائفة البروتستانتية" التي تفرع عنها أيضًا مذاهب متعددة، لعل أشدها تطرفًا هو مذهب "البيوريتانية" (التطهرية) الذي ساد في إنجلترا في القرن السابع عشر.

وكان "البيوريتانيون" شديدي المحافظة على التقاليد العبرانية، وكان مذهبهم بمثابة بعث للرُّوح اليهودية القديمة، وقد تميزوا باعتمادهم الشديد على "العهد القديم" من "الكتاب المقدس" المسيحي، فاعتبروه وحيًا سماويًّا، يغذي الفكر ويرشد نحو الصلاح. وأدى غلوهم في إجلال "العهد القديم" إلى التماثل في المشاعر والطموحات بينهم وبين اليهود "شعب الله المختار".

وفي النصف الأول من القرن التاسع عشر أسفر الواقع السياسي في إنجلترا عن ظهور جيل جديد من "المسيحيين المتصهينين"، اقترنت في أيديولوجيتهم الحوافز الدينية بالحوافز "الإمبريالية"، أو يمكن أن يقال أنه بدأ العمل على توظيف الدافع الديني لتحقيق مكاسب سياسية ذات أبعاد إستراتيجية. فقد أثارت كتابات "المسيحيين المتهودين" الموالية للصهيونية موجة من التعاطف في أوساط الرأي العام. واتضحت تمامًا المزايا الإستراتيجية التي يمكن جنيها من خلال وجود منطقة نفوذ بريطانية في الشرق المتوسطي. وهكذا ظهرت فكرة ضم فلسطين لبريطانيا، عن طريق زرع كيان يهودي فيها بحماية بريطانية، ثم راقت الفكرة لكثيرين ممن كانوا لا يكترثون بها قبل ذلك، واحتلت مكانة بارزة في أذهانهم مسألة: الترابط بين العمل البشري من أجل تحقيق إرادة الله بعودة اليهود إلى أرض فلسطين، وبين المصالح الإستراتيجية البريطانية.

لا شك أن "المسيحيين المتصهينين" لم ينظروا إلى القضية الفلسطينية من زاوية الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني، بل من زاوية النفي القطعي لوجود وطن فلسطين القومي والسياسي والحضاري. وباختصار، فإن "المسيحية الصهيونية" -التي تعتبر عنصرًا أساسيًّا في التاريخ الديني والاجتماعي والسياسي الغربي- انتعشت في البيئات "البروتستانتية"؛ إذْ بلغت ذروتها في القرن التاسع عشر مع بداية التوسع الاستعماري و"الإمبريالي". وقد كان مركزها في البداية بريطانيا، حين كانت هذه الأخيرة قائدة المعسكر "الإمبريالي" ومركز الرأسمالية العالمية، لكنها انتقلت إلى الولايات المتحدة الأمريكية لاحقًا، وأصبحت أمريكا هي نصير الحركة الصهيونية العالمية، متبنية أهدافها، وعاملة على تحقيقها، والتي تمثلت أخيرًا في قيام الدولة الصهيونية على أرض فلسطين.
وهكذا أضحت فلسطين في نظر "أيديولوجية المسيحية الصهيونية البروتستانتية" الوطن الذي أعطاه الله لبني "إسرائيل".

وتؤمن المسيحية الصهيونية في أمريكا بعقيدة "هرمجدون". القس بيلي جراهام -الذي ظل منذ عام 1970م يحذر من أن العالم يسير بسرعة كبيرة نحو "هرمجدون"- يقول: إن الجيل الحالي من الشباب قد يكون آخر جيل في التاريخ. وظل يردد في اجتماعاته الكنسية وبرامجه التلفزيونية مقولته الشهيرة: يتساءل الكثيرون: أين تقع "هرمجدون"؟ وما مدى قربنا منها؟ وفي محاولته الإجابة يقول: حسنًا، إنها تقع إلى الغرب من نهر الأردن، بين الجليل والسامرة، في سهل "يزرعيل". وعندما وقف نابليون في هذا الموقع العظيم قال: إن هذا المكان سيكون مسرحًا لأعظم معركة في العالم. ويضيف جراهام: إن الكتاب المقدس يعلمنا بأن آخر حرب عظيمة في التاريخ، سوف تخاض في ذلك الجزء من العالم؛ الشرق الأوسط.

وقد أدركت النخب المسيحية الأمريكية أن الحياة الثقافية الأمريكية تخضع لسيطرة وسائل الإعلام وللكنائس. ولما كان هذان البُوقان (الإعلام، والكنيسة) من التأثير والقوة والفاعلية بمكان، فقد استطاعت المسيحية أن تستغلهما إلى أقصى الحدود لغرس أيديولوجيتها في أذهان المجتمع الأمريكي، ولكي تترسخ في الثقافة السياسية الأمريكية. ومما لا يدعو إلى الدهشة أن المسيحية الصهيونية الأمريكية تتبنى أفكار الأصولية اليهودية ومفاهيمها، ومن ثَم فإن الأصوليتين تنبعان من المصدر عينه، وتصبان في بركة واحدة، ألا وهي خدمة الأهداف "الإمبريالية" الأمريكية والأهداف الصهيونية. و"المسيحيون الأصوليون" في نصف الكرة الغربي، يؤيدون "اليهود الأصوليين" في طرحهم برنامجًا سياسيًّا يركز على بسط السيادة اليهودية على أرض "إسرائيل" الكاملة، وهم يعتبرون مثلهم أن هذه الخطوة الحاسمة تؤدي إلى التعجيل بإتمام عملية الخلاص الكونية التي قضت الإرادة الإلهية بها -في زعمهم- والتي قد بدأت فعلاً بحسب اعتقادهم.

وتؤيد المسيحية الصهيونية من قديم قيام دولة الكيان الصهيوني على أرض فلسطين، وتعتقد أن قيام "إسرائيل" هو تحقيق للوعد الإلهي بالأرض حسب العهد القديم. إنها ليست لأولئك الذين يسمون أنفسهم "فلسطينيين" كما قال بات روبرستون في أبريل 2002م. ويوجد الآن في الولايات المتحدة تلاحم قوي بين السياسة الأمريكية الرسمية والشعبية، التي تعتنق خطابًا رائجًا حول الديمقراطية وحقوق الإنسان، وبين الأطروحات المسيحية الصهيونية الغيبية، التي تطمح إلى جمع شتات اليهود في أرض الميعاد، وإعادة بناء الهيكل المزعوم على أنقاض الحرم القدسي الشريف استباقًا لقدوم السيد المسيح، ويأتي من بعد ذلك حكم الله على الأرض.

الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة

لقد شكل تيار الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة على الدوام رافدًا استندت إليه الصهيونية في تحقيق مشروعها، وفي تشكيل مجموعات ضغط تعمل لمصلحة "إسرائيل"، بل في كسب قطاع واسع من الأوساط البروتستانتية الأصولية في أمريكا وعلى أعلى المستويات. وإذا كانت الصهيونية المسيحية تبرز الآن كقوة محركة ودافعة للسياسة الأمريكية ونزوعها إلى معاداة العرب والمسلمين وحقوقهم، والتحريض على خوض الحروب ضدهم تحت شعار "محاربة الإرهاب"، أو غيره من الشعارات، بعد وصول أركانها إلى السلطة؛ فالحقيقة أن تيار الصهيونية المسيحية موجود منذ سنوات طويلة وبدرجات مختلفة في مراكز صنع القرار الأمريكي في مختلف العهود، وبالذات ابتداء من وصول "اليمين المحافظ" أو "المحافظين الجدد" إلى الحكم في الولايات المتحدة في عهد حكم الرئيس رونالد ريجان عام 1980م، وقد أسس هذا اليمين برامجه السياسية والاجتماعية والثقافية على مبادئ دينية خطيرة، وشكل مع قوى الصهيونية المسيحية تحالفات وثيقة. وقد كان للقوى الصهيونية المسيحية دور رئيسي في صياغة الأبعاد الأيديولوجية والتصورات الفلسفية والأخلاقية لقوى "اليمين المحافظ"، كما أمدته بعناصر وكفاءات بشرية بارزة، وساندته بمؤسساتها ومنظماتها المختلفة، بحيث أضحى أبرزُ مفكري هذا "اليمين المحافظ" يعبرون عن جوهر المنطلقات الفكرية لتيار الصهيونية المسيحية، وأخذوا يوظفون هذه المنطلقات في صياغة الفكر الإستراتيجي الحاكم في الولايات المتحدة، كما تجلى ذلك في عهد الرئيس جورج بوش.

المصدر: دمشق: دار الفكر، 2013

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

الحقائق التي حاول المؤلف عبد الملك أحمد الياسين وضعها في خدمة القارئ والرأي العام تتعلق بفترة هي من أشد فترات الإثارة في تاريخ العراق منذ سقوط الملكية وما أعقبها من أحداث وحروب، وصولاً إلى غزو العراق واحتلاله.

وما يزيد من أهمية الحقائق التي سلّط الياسين الضوء عليها في كتابه "حتى لا تضيع الحقيقة" أنها كشفت أسراراً وأجابت على أسئلة كانت ومازالت تشغل الرأي العام العراقي والعربي لحقبة مثيرة ومضطربة من تاريخ العراق والمنطقة، من شاهد عاصر فصولها على مدى نصف قرن.


فالمؤلف عمل في السلك الدبلوماسي سفيراً للعراق في عدة عواصم عربية وعالمية في تلك المراحل، وهي إيران، والجزائر، وتونس، ولندن، والسعودية، وأفغانستان، وممثلا للعراق في الجامعة العربية، والمؤتمر الإسلامي، حتى أصبح وكيلاً لوزارة الخارجية.


وعزا المؤلف أسباب فشل الوحدة بين العراق وسوريا عام 1979 إلى أن قوى داخلية وخارجية أوحت لصدام حسين -الذي كان نائباً للرئيس العراقي الراحل أحمد حسن البكر- أن الاتفاق الوحدوي الذي أبرم مع الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد كان يستهدفه، ويهدف إلى استبعاده عن المشهد السياسي، لاسيما وأن الاتفاق تضمن أن تكون رئاسة دولة الوحدة بالتناوب بين البكر والأسد. وهذه التطورات أدت إلى استقالة البكر في 17/7/1979 وتنازل

ه عن جميع صلاحياته لصدام حسين، وأعقبها الإعلان عن مؤامرة سورية بالتعاون مع بعض أعضاء القيادة العراقية.

العراق وإيران والجزائر


وعاش الياسين مرحلتي نهاية حكم الشاه وبداية الثورة الإيرانية -وصفها بغطرسة الشاه وعناد الخميني- عندما كان سفيراً لبلاده في إيران، وتوقف طويلاً عند مسار العلاقة بين البلدين وانعطافاتها في العهدين، ودور الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين في تحقيق المصالحة التاريخية بين البلدين، بإبرام اتفاق الجزائر الذي وقعه صدام وشاه إيران في مارس/آذار 1975 في الجزائر، وموقف الشاه وتهربه من تنفيذ الشق المتعلق ببلاده في اتفاقية الجزائر، رغم إقرار العراق لإيران بحقوق إضافية في شط العرب. وفسر موقف إيران بأنه كان بسبب استضافة العراق للخميني، مما دفع شاه إيران إلى رفض الدعوة العراقية لزيارة بغداد بسبب وجود الأخير فيها.


ونص اتفاق الجزائر -الذي وقعه صدام حسين وشاه إيران في الجزائر في 6/3/1975على هامش قمة الدول المصدرة للنفط- على ترسيم حدود الدولتين النهرية حسب خط الثالوك في شط العرب، وإجراء تخطيط نهائي للحدود البرية بناءً على بروتوكول القسطنطينية لسنة 1913، كمقدمة للحل الشامل، وبناء الثقة بين البلدين.


ويعتقد المؤلف أن موقف العراق من إيران استند إلى رأيين مختلفين داخل القيادة العراقية، الأول يتبناه الرئيس العراقي أحمد حسن البكر، يدعو إلى ضبط النفس والمرونة بالتعاطي مع الخلافات مع إيران والرهان على عامل الوقت، فيما يتبنى الموقف الآخر نائب الرئيس صدام حسين، الذي يدعو إلى الوقوف بحزم وصلابة لمواجهة إيران وسياستها تجاه العراق.


وكشف الياسين أن إيران اقترحت عودة البكر إلى رئاسة العراق واستقالة صدام كشرط لموافقتها على وقف الحرب، مما دفع صدام إلى عقد اجتماع للقيادة العراقية حيث اقترح وزير الصحة رياض إبراهيم حسين عودة البكر للرئاسة مؤقتاً واستقالة صدام، لاختبار نوايا إيران وإسقاط ذرائعها.


وحسب رواية المؤلف، فإن صاحب المقترح أعفي من منصبه وأعدم فيما بعد. ورغم عدم استقرار العلاقة بين العرق وإيران، إلا أن المؤلف يعتقد أن علاقة البلدين في عهد الرئيس العراقي الراحل عبد الرحمن محمد عارف 1966/1968 كانت أكثر استقرارا وهدوءاً، حيث رفض عارف مقترحاً للشاه خلال زيارته لإيران يتضمن إعادة النظر باتفاقية عام 1937، لتحصل إيران على موضع قدم في شط العرب، الذي كان تحت السيطرة العراقية بالكامل لغاية العام 1975.

وخلال حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 تلقى الياسين -الذي كان سفيرا لبلاده في الجزائر- أمراً من بغداد بطلب تدخل الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين لدى القيادة السورية لتزويد القوات العراقية بناقلات سورية لنقل الدبابات العراقية إلى جبهة القتال، فاستجابت دمشق لوساطة بومدين، بعد أن رفضت دمشق في البداية تزويد العراق بالناقلات المطلوبة.
ويروي المؤلف أن صدام قام بزيارة سرية إلى الجزائر عام 1982 لتقديم الاعتذار للرئيس الجزائري الراحل الشاذلي بن جديد عن حادثة إسقاط طائرة وزير الخارجية الجزائري محمد بن يحيى بصاروخ من طائرة عراقية، عند ما كان في مهمة لوقف الحرب بين العراق وإيران.

مصر وسوريا


وعن أسرار انفراط عقد الوحدة بين مصر وسوريا يقول المؤلف إنه كان في مهمة بدمشق عام 1961 والتقى القيادي في حزب البعث السوري صلاح الدين البيطار الذي حملّه رسالة إلى القيادي في حزب البعث العراقي أحمد حسن البكر، توقع فيها حدوث الانفصال مع مصر بسبب المشاكل التي رافقت التجربة، ونصحه بمغادرة سوريا حفاظاً على حياته، حيث نقل الياسين الرسالة إلى البكر. وفي إحدى محطاته يكشف المؤلف أن العراق رفض مقترحاً رومانياً جاء على لسان رئيس وزرائها -الذي زار العراق عام 1977- حيث اقترح على صدام حسين أن يغير العراق من سياسته تجاه إسرائيل، ويعترف بها كدولة، للفوائد التي سيحصل عليها جراء ذلك، مما سيعزز من مركز العراق دولياً، ويحقق استقرار وأمن المنطقة.

محطة لندن


ويعتقد أن محطة لندن التي ترأس البعثة الدبلوماسية فيها كانت مهمة، لأنها جاءت بعد قطع العراق علاقاته الدبلوماسية مع بريطانيا عام 1971 احتجاجا على تسليم بريطانيا لإيران الجزر الإماراتية الثلاث أبو موسى وطنب الكبرى والصغرى.


ورغم محاولاته لتطوير العلاقات مع بريطانيا، إلا أن الياسين خلص إلى نتيجة مفادها أن تداعيات تأميم العراق لشركات النفط البريطانية مطلع سبعينيات القرن الماضي كانت سبباً في بقاء علاقات البلدين على مستوى محدود.

السعودية


وخلال ذروة الحرب العراقية الإيرانية 1980-1988 كان الياسين سفيراً لبلاده في السعودية، التي أشاد بدورها في دعم العراق بمواجهة إيران، وفتح منافذها البحرية لاستقبال شحنات الأسلحة للعراق. وكشفَ أن العاهل السعودي الراحل فهد بن عبدالعزيز عَرَضَ عليه الإقامة في السعودية بعد انتهاء عمله والاستفادة من خبراته، كما كَشَفَ أن السعودية قدمت للعراق مساعدات متنوعة قدرها نحو عشرين مليار دولار خلال فترة حربه مع إيران.


وعلى مدى السنوات الخمس التي قضاها في السعودية، خلص المؤلف إلى القول بأن كلاً من العراق والسعودية لم يستطيعا أن يتخلصا من عُقدة الشك وعدم الثقة، وهو أمر كان يسيطر على السعودية أكثر مما كان يسيطر على العراق.

الاجتياح العراقي للكويت


وعن تداعيات الاجتياح العراقي للكويت في الثاني من آب/أغسطس1990 يشير المؤلف إلى أن الرئاسة العراقية شكلت لجنة من خبراء ومستشارين -كان هو أحد أعضائها- لتقييم تداعيات اجتياح الكويت والموقف المطلوب لتجنب آثاره، فاقترحت اللجنة على صدام حسين الانسحاب من الكويت لتجّنب العمل العسكري وآثاره التدميرية على العراق، غير أن رئيس اللجنة رفض رفع المقترح، والسبب كما قدمه هو أنه كان في اجتماع ترأسه صدام وسمعه ينتقد ويهدد من يدعو للانسحاب من الكويت، إلا أن أعضاء اللجنة أصروا على موقفهم ورفعوا توصيتهم إلى صدام الذي ردّ على المقترح بحل اللجنة وإنهاء عملها.

أخطاء عبد الكريم قاسم


ويصف الياسين الفترة التي عاشها العراق منذ سقوط الملكية -في 14 يوليو/تموز عام 1958 ولغاية الثامن من فبراير/شباط عام 1963 سقوط عبدالكريم قاسم- بأنها من أشد فترات الاضطراب في العراق، إذ شهدت صراعاً سياسياً بين القوى القومية والشيوعيين، حُسم بسقوط عبدالكريم قاسم في العام 1963.


وحدد المؤلف ثلاثة أخطاء ارتكبها عبد الكريم قاسم أدت إلى نهايته في الثامن فبراير/شباط 1963 وهي:


1-السماح للشيوعيين بتنظيم مؤتمر أنصار السلام في مدينة الموصل شمالي العراق عام 1959، وانطلاق قطار السلام الذي نَقل آلاف الشيوعيين من بغداد إلى الموصل، مما تسبب بوقوع ضحايا في صفوف الذين رفضوا إقامة المؤتمر في الموصل.


2- ردة فعل التيار القومي على ما جرى بالموصل، بقيام العقيد عبد الوهاب الشواف بإعلان ثورته على عبد الكريم قاسم، التي فشلت بعد حين.


3- إعدام كوكبة من الضباط القوميين ممن تعاطفوا مع حركة الشواف، رغم دعوات تخفيض أحكام الإعدام، وردة الفعل في الشارع العراقي.


ورغم هذه الأخطاء التي ارتكبها قاسم، إلا أن الياسين وصفه بأنه نزيه ولم تمتد يده على المال العام، وكان نصيراً للفقراء، وأقدم على خطوات إيجابية، في مقدمتها خروج العراق من حلف بغداد، وإصدار قانون (80) الذي استعاد العراق بموجبه كافة الأراضي غير المستغَلة من شركات النفط الأجنبية. وخلص الدبلوماسي المتقاعد عبدالملك الياسين في مذكراته إلى القول إن قَدَرَ العراق -بتاريخه وحضارته ودوره ومديات تأثيراته على محيطه- أن يكون رائداً وطليعياً، وملبياً نداء الواجب القومي حين تقتضي المسؤولية القومية. وهذا الدور والمشروع القومي الذي سعى العراق لتحقيقه واجه انتكاسات وحروبا وصراعات وحصارا وعدم فهم واستيعاب المتغيرات الإقليمية والدولية، أدت خواتيمها إلى غزوه.
المصدر: عمان: دار آمنة للنشر والتوزيع، 2013

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

يتناول هذا الكتاب ثلاث مسائل في غاية الأهمية بالنسبة لواقع ومستقبل البلدان العربية في ظل الثورات التي تشهدها بعض بلدانه، وهذه المسائل هي: "الطائفية والتسامح والعدالة الانتقالية"، بوصفها قضايا ذات حساسية عالية لفهم الواقع العربي وضرورة تجاوزه.

الطائفية أسهمت في تفكيك المجتمعات العربية، والتسامح قد يكون الرد الأمثل على التعصب الطائفي والانقسام المجتمعي، أما العدالة الانتقالية فيمكن عبر تعزيزها مساعدة المجتمعات المتحولة على بناء مرحلة انتقالية تجد فيها طريقة التعاطي مع الماضي وفق آليات يحكمها القانون.


الطائفية والمذهبية
الطائفية ليست الدين وإن كانت تستخدم الدين، أو هي تبرر نفسها به، فالدين أرحب في المبادئ والقيم وأشد تسامحا من الطائفية.

الطائفية -كما يقول المؤلف- بنية شعورية اعتقادية لدى جماعة من المنتسبين إلى ملة ما، وهي بهذا المعنى تمثل انشقاقا ثقافيا عقديا داخل إطار الجماعة الدينية الكبرى. وهي -بمعنى ثان- بنية ذهنية "عصبوية" لأن مبناها على فكرة أن الطائفية هي ابتداء رابطة روحية تولد تضامنا بين من ينتسبون إليها.

ويتابع المؤلف شرحه للطائفية بالقول إن هذه البنية الاعتقادية الشعورية تولد نتيجتين مترابطتين:

ـ أن ادعاء أي طائفة التمثيل الصحيح والقويم للدين يؤسس في وعيها ولا وعيها أنها وحدها التي تحوز الحقيقة.

ـ أن أية طائفة تتحول إلى كيان مغلق وتعيد إنتاج ثقافتها وعقائدها وأساطيرها داخل ذلك الكيان المغلق، الأمر الذي يترتب عليه انسداد وتحجر في عقلها الجمعي، في رؤيتها لذاتها ورؤيتها للعالم.

وتفسير اشتداد هذه الظاهرة في الوطن العربي منقسم عند الأكاديميين بين تيارين عريضين:

1- أولهما يرى أن الظاهرة قديمة قدم الأديان والمذاهب، أي ظاهرة ذات طابع تاريخي.
2- وثانيهما يرى أن الظاهرة جديدة وظرفية.

يميز المؤلف هنا بين البلدان التي استمر طابعها السلالي (التقليدي) بدرجات متفاوتة حتى اللحظة، وهي بلدان أو سلالات ترتكز على الدين-العرف، وهي بالتالي مولدة للانقسام الطائفي، وبين الدول الحديثة التي تتسم بشرعية دستورية أو شرعية ثورية-ذاتية، فهذه مصابة بلوثة إحياء الهويات الجزئية، وهي ثمرة تأزم تطورها الاحتكاري الاستبدادي، وثمرة التحول المرافق لهذا التأزم في الثقافة السياسية والقيم، من الأيديولوجيات الحديثة (القومية، والاشتراكية، والماركسية، والليبرالية) إلى الأيديولوجيا الإسلامية.


الطائفية في الوطن العربي
عرف العالم العربي-الإسلامي تعددية دينية وقومية ومن ثم مذهبية، وعرف قبلها القبلية، والمسألة الأساسية التي يتناولها الكتاب هي الإدارة السياسية لهذا المجتمع التعددي التي عرفت نزاعات على مستويات عدة: مرة كظاهرة اجتماعية بمعنى حقوق لفئات (قبائل، ومناطق، وعائلات) ومرة كهويات إثنية (عرب، وأعاجم، وفرس، وترك، وزنج) أو جماعات مذهبية أو حركات فكرية (المذاهب الإسلامية والفرق).

تعرضت الجماعات المذهبية والطائفية للاضطهاد لا سيما في الفترة المملوكية وانتشار أفكار ابن تيمية وتلامذته خاصة ابن قيم الجوزية، وفي عصر الدولة العثمانية التي قامت على نظام سياسي مركزي ذي طابع عسكري وعلى إدارة "مقاطعجية"، الأمر الذي أدى إلى بعض أشكال اللامركزية وأعطى الجماعات خصائص اقتصادية وثقافية واجتماعية.

لكن مع أزمة الدولة العثمانية بدأ يتبلور المجتمع التعددي بصورة صارخة على أنه مجتمع أقوام ومجتمع أقاليم وجماعات دينية مذهبية، ثم ما لبثت الكيانات السياسية بالنشوء مع انهيار الدولة العثمانية، بعض هذه الكيانات كانت له مقومات سابقة (مصر، والجزيرة العربية، والمغرب العربي)، والآخر نشأ على تركيب جديد (العراق، وسوريا، ولبنان، والأردن، وفلسطين)، وباستثناء لبنان لم تكن الهويات الدينية الطائفية والمذهبية مؤثرة في تكوين الكيانات الجديدة.

بعد هذه اللمحة من تاريخ الطائفية في المنطقة، يباشر المؤلف بتناول الظاهرة في تشكلها المعاصر، فيقول إن "الطائفية التي نتحدث عنها اليوم ليست طائفية الزمن الماضي لا من حيث مقوماتها ولا من حيث عناصرها وأهدافها".

طائفية اليوم -والكلام للمؤلف- مرتبطة بمعطيات راهنة، ولو كانت تستمد بعض عناصرها من التاريخ، لقد نتج من الطائفية التاريخية ظاهرة الطائفية السياسية، إنها طائفية الدولة الحديثة وليست طائفية الأنظمة التقليدية، تحولت الطائفية إلى نظام سياسي معلن.

في لبنان، انفجرت صيغة النظام الطائفي بشروط مختلفة عن أحداث القرن الـ19 (الموارنة، والدروز) ودخل المجتمع كله في نزاعات طائفية مع اختلال نظام الحقوق الذي تشكل عام 1920. وفي العراق، تقاطعت سياسات القمع السياسي مع التهميش ومع تفاوت الحقوق. وفي سوريا، آلت السلطة تحت عنوان الإيديولوجية القومية إلى نخبة عسكرية سياسية اقتصادية ذات ملامح عائلية وطائفية وجهوية، ونتج عن ذلك تداخل الامتيازات والحرمان الاجتماعي وأنظمة الحقوق بين الطائفي والسياسي.


في الحاجة إلى التسامح
نشأت فكرة التسامح في التاريخ إثر مخاضات وصراعات دموية، كانت أوروبا مسرحا لها في القرن الـ16، وبدأت الفكرة آنذاك كأنها اعتراف بأمر واقع بعد فشل إنهاء الحروب الدينية، وهذا يعني أن المفهوم في أول نشأته لم يكن ترجمة عن اعتراف بحق المخالف في اعتناق العقيدة التي يؤمن بها، فالثقافة الأوروبية حينها لم تكن بعد جاهزة لمثل هذا المفهوم الذي احتاج زمنا امتد حتى النصف الثاني من القرن العشرين لكي يتأسس في إطار مبدأ الاختلال الذي تولد بدوره من ثورة العلوم الإنسانية المعاصرة.

غير أن هذا التطور في مفهوم التسامح لم يلق اهتماما من قبل الفكر العربي الحديث، ففكرة الحرية والدستور والدولة الوطنية كانت ضمن بيئة مثقفي بلاد الشام في النصف الثاني من القرن العشرين، بينما استقبلها مفكرو الإصلاح الإسلامي بالرفض وردوا عليها بمفهوم التعصب (الأفغاني).

وفي إطار قراءة الوضع العربي الراهن، يمكن استخلاص خط التوجه الفكري السائد للنخب السياسية والدينية والفكرية من خلال رصد خمسة مواقف:

1- الاتجاه الإنكاري: يرفض كل حديث عن التسامح على النطاق الديني أو المذهبي أو الفكري أو السياسي بحجة امتلاكه الحقيقة.
2- الاتجاه الانعزالي: يزعم عدم وجود قضية خارج نطاق ما يؤمن به الإنسان من أفكار ومعتقدات، والتسامح هنا يعني التسيب وانعدام الغيرة.

3- الاتجاه التغريبي: يؤيد فكرة التسامح ويحاول تعميمها على كل شيء، لكنه يدعو إلى قطع الصلة بالتراث والتاريخ واعتبار التسامح قيمة حداثية ليس لها علاقة بالإسلام.

4- الاتجاه التوفيقي: يقبل بعض أفكار التسامح بانتقائية بهدف مواكبة التطور الدولي، لكنه يظل مشدودا للفكر التقليدي، وإن كان يسعى للتواصل مع الآخر.

5- الاتجاه الواقعي الحضاري: يعبر عن التيار المؤيد للتسامح ويتعامل بروح انفتاحية أكثر مع قواعد التسامح وقيمه على المستوى الكوني.


العدالة الانتقالية
تختلف العدالة الانتقالية عن العدالة التقليدية في كونها تعنى بالفترات الانتقالية: الانتقال من حالة نزاع داخلي مسلح أو حرب أهلية إلى حالة السلم والانتقال الديمقراطي.

لكن مفهوم العدالة الانتقالية ودوافعها السياسية والقانونية والإنسانية أخذ بالتبلور في عدد من مناطق العالم بعد الحرب العالمية الثانية، ومنذ نحو ثلاثة عقود بدأت هذه الفكرة تدخل الأدب الحقوقي العربي بسبب انتشار قيم الديمقراطية.

ويرى المؤلف أن الواقع العربي اليوم بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى مفهوم العدالة الانتقالية بعد الثورات التي شهدتها بعض الدول، ويستعرض مفهوم العدالة الانتقالية عبر تجارب بعض بلدان أوروبا الشرقية من خلال نموذجين:

1- اتجاه يدعو إلى الاستمرارية القانونية وهو الذي مثلته تجربتا بولونيا وهنغاريا، لأن التغيير فيهما كان سلسا وسلميا وتدريجيا.

2- اتجاه عكسته تجربتا ألمانيا الشرقية وتشيكوسلوفاكيا، إذ كان التغيير فيهما ثوريا، لذلك ارتفعت دعوة القطيعة مع الماضي واستخدام العدل العقابي والتاريخي وسيلة لمعالجة جرائم النظام السابق.

يؤكد المؤلف ضرورة وجود وثيقة عربية للعدالة الانتقالية يمكن أن تنطلق من عمل جماعي حقوقي تشارك فيه بعض منظمات المجتمع المدني بهدف تأسيس شبكة عربية تنسجم مع القواعد الدولية للعدالة الانتقالية.

لعل الهدف من العدالة الانتقالية ومن التجارب التي يكتنزها المجتمع الدولي لأكثر من ستة عقود، إنما يرتكز على كشف الحقيقة كاملة، لا سيما إزاء ما حصل؟ وكيف حصل؟ بغرض مساءلة المرتكبين والتأكد من عدم إفلاتهم من العقاب.

ويؤكد المؤلف في هذا المقام على نقطة تبدو في غاية الأهمية، وهي أن العدالة الانتقالية لا تسعى إلى الانتقام أو الكيدية، بقدر ما تسعى إلى التهيئة لحكم القانون، خصوصا في حال انهيار النظام القانوني في الفترة الانتقالية من نظام تسلطي استبدادي إلى نظام ديمقراطي.

إن حركة التغيير بحاجة إلى مرحلة انتقالية لاستعادة الفضاء العمومي والتنوع الثقافي وصولا إلى الخير العام الذي يعتبره ابن خلدون المعنى للسياسة والدلالة المنطقية لنجاحها واقترابها من العدالة.
المصدر:الجزيرة

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

صدر حديثًا في القاهرة كتاب تحت عنوان "ميدان التحرير.. التحولات في مصر بين جذور الماضي وآفاق المستقبل"، للدكتور زغلول النجار والكاتب السيد أبو داود .

في البداية يتناول الكتاب حلقات من التاريخ المصري يربطها ببعضها، لكي يتعمق الفهم والوعي بثورة 25 يناير2011، ويتم إدراك العلاقة التي من خلالها يتعامل المصريون مع حكامهم، والتعرف على كيفية قهر المصريين لفراعينهم.

فتكلم الكتاب عن كيف واجه المصريون المحتل الفرنسي، حيث يتم التأريخ لبداية العصر الحديث بالحملة الفرنسية على مصر(1798-1801م)، هذه المواجهة والمقاومة تشكلت أساسًا في ثورتين عظيمتين، هما ثورة القاهرة الأولى وثورة القاهرة الثانية. وهاتان الثورتان العظيمتان دليلان واضحان على حيوية هذا الشعب وعدم استكانته ورفضه للظلم والاستبداد والاحتلال.

ثم أشار إلى اختيار علماء الأزهر، الذين هم القادة الحقيقيون للشعب المصري، محمد علي، الضابط الألباني، ليكون واليًا على مصر في 17 مايو 1805م. وبعد توليه قضى الوالي الجديد على المماليك في مذبحة القلعة الشهيرة الذين كانوا مراكز قوى ومصدر قلاقل سياسية، كما قضى على الإنجليز في معركة رشيد، وأصبحت مصر تتسم بالاستقرار السياسي لأول مرة تحت ظلال الخلافة العثمانية.

وقد بدأ بتكوين أول جيش نظامي في مصر الحديثة، وكانت بداية العسكرية المصرية بإنشاء أول مدرسة حربية في أسوان أشرف عليها خبراء فرنسيون، وبدأ محمد علي يبني مصر الحديثة. واستمر محمد علي وأسرته في حكم مصر حتى عام 1952م، حينما قام الجيش المصري بحركته المعروفة، وأجبر آخر ملوك الأسرة العلوية (الملك فاروق الأول) على التخلي عن العرش والرحيل عن البلاد.

لم يكن أبناء محمد علي يملكون شخصية أبيهم ولا فكره ولا رؤيته الاستراتيجية العميقة، ولذلك بدأت إنجازات محمد علي في الواقع المصري يختفي أثرها تدريجيًا، لأن هؤلاء الأبناء لم يستقر في وعيهم وعقولهم إلا تقليد أوروبا في الشكل وليس في الجوهر، وأرادوا أن ينقلوا صورة أوروبا وشكلها وليس حقيقتها وبناءها الداخلي وروح القانون والحرية والعدالة والبناء المؤسسي والديمقراطي، وكذلك الروح العلمية في هذه البلاد، وأيضًا حركة التصنيع فيها.

نتيجة لهذه القشرة الشكلية وللإصرار على حياة الرفاهية والفخامة والقصور الراقية، أغرق هؤلاء الحكام مصر في الديون، وكانت هذه الديون هي المدخل الذي دخلت منه الدول الأوروبية لاحتلال مصر والقضاء على سيادتها واستقلالها. وتناول الكتاب الثورة العرابية وثورة 1919 وحركة 23 يوليو 1952 . كما تناول في إيجاز حكم السادات، مبينًا أن ذروة الانحراف السياسي للسادات بلغت أوجها باعتقال كثير من الرموز والناشطين السياسيين من كل الاتجاهات في سبتمبر عام 1981م، ومع حملاته الشديدة الإعلامية على معارضيه، وبهذا السلوك تحول السادات إلى طاغية مستبد، أغلق سبل التحول السياسي السلمي.

ومن ثم أدرك المصريون أن السادات يجيد العمل الإعلامي والتصريحات عن الفعل الحقيقي المؤثر، وأيقنوا أنه قد اتخذ القرار الاستراتيجي بالتماهي مع المشروع الأمريكي الإسرائيلي، وأنه لن يستطيع تحقيق الاستقلال الوطني ولن يستطيع قيادة البلاد للتحول نحو نظام سياسي حر ومفتوح، ولن يستطيع تحقيق نهضة اجتماعية للبلاد. وهنا خرجوا عليه، وامتلأت الجامعات والنقابات بالمظاهرات ضده، ثم كانت الانتفاضة الشعبية الكبرى في 18، 19 يناير عام 1977م، والتي قطعت الشك باليقين، وأثبتت أن المصريين أصبحوا في واد وأن حاكمهم أصبح في واد آخر لا يكاد يشعر بهم.

ولذلك يمكن اعتبار أن قتل السادات كان نوعًا من أنواع الاعتراض الشعبي على سلوك الرئيس وعلى أجندته السياسية الداخلية والخارجية وعلى مجمل توجهاته الاجتماعية. ويؤكد الكتاب أن المصريين لا يحبذون قتل فرعونهم ويفضلون منازلته سياسيًا، وأنهم يرفضون أسلوب الانقلاب والقتل، ومن ثم يعتبر الكتاب أن سيناريو ثورة 25 يناير هو السيناريو الأمثل في مواجهة الاستبداد وتفكيكه، ويؤكد أن السادات قد قتل نفسه بجملة توجهاته بعد أن أغلق نظامه السياسي وجعله عصيًا على استيعاب حركة المعارضة السلمية.

مصر في عهد مبارك

تحت هذا العنوان تناول الكتاب أحوال المصريين السياسية والاجتماعية، فبين أن ما فعله نظام مبارك من انحياز كامل للرؤية الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، ودعمه لغزو العراق، ودعمه لحصار غزة، بعد أن أصبحت تحت قيادة "حماس"، وإغلاقه لمعبر رفح ومساعدته لليهود في حصار غزة، جعل المظاهرات تخرج في كل مكان ضد مصر ودورها، وأساء لمصر إساءات لا تغتفر، أدى إلى استقلال وطني منقوص وتقزيم لدور مصر.

كما يرى الكتاب أنه على امتداد ثلاثين عاما، هي فترة حكم حسني مبارك، ومع تنفيذه الدقيق لمعاهدة كامب ديفيد، لم تنقذ استراتيجية التطبيع الكامل مع إسرائيل مصر ونظامها السياسي من المشكلات والأزمات، وإنما ازدادت مشكلات مصر وأزماتها وتعقدت أمورها، ودفعت مصر من قوتها ومن وجودها ورصيدها ثمنًا باهظًا، انتهى بها لأن تصبح رجل العرب المريض، وصار الحجم والدور والغنى البشري والاستراتيجي، عبئا بعد أن كان ميزة لا يمكن تقديرها بثمن. وإذا كان الدور المصري في الصراع العربي الإسرائيلي قد تضاءل منذ نهاية السبعينات من القرن الماضي، وتحديدًا منذ توقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل في العام 1979م، فإن هذا الدور قد تراجع – فلسطينيًا- بشكل واضح إبان عقد التسعينات من نفس القرن.

كما نجحت إسرائيل من خلال استغلال علاقتها القوية بواشنطن في تحجيم أي دور عربي فيما يخص تطورات الصراع مع الفلسطينيين، بما فيها الدور المصري. ولا ينكر أحد مدى التأثير الذي تركته العلاقات بين القاهرة وواشنطن فيما يخص قوة الموقف المصري من هذا الصراع. وبين أيضا فشل نظام مبارك في أن يرسي قواعد حياة سياسية ديمقراطية سليمة، فالحزب الوطني الحاكم نفسه لم يقم على أساس شرعي سليم، وإنما هو امتداد لحزب مصر الذي أعلنه السادات بأمر رئاسي فوقي. وفشل النظام في تصحيح هذا الوضع بل زاده سوءًا، إذ وضع أمر الموافقة على تأسيس أي حزب جديد في يد أعضاء الحزب الحاكم من خلال لجنة حكومية هي لجنة الأحزاب.

أما الفضائح التي أنتجتها هذه الحياة السياسية الفاسدة فلا حصر لها، فالحزب الحاكم ضم بين أعضائه نوابًا في مجلس الشعب يستخدمون البلطجة وخريجي السجون في حملاتهم الانتخابية لابتزاز مؤيديهم وترويع معارضيهم. وقرأنا عن نواب التهريب والقمار والراقصات والرشاوى والمشاركة في الفتنة الطائفية والمشاركة في بيع أراضي سيناء للصهاينة والمتاجرة في قوت الشعب، وكذلك ممارسة الاحتكار بأوسع أشكاله والمتاجرة في العلاج على حساب الدولة وفي بيع الأراضي بطرق غير مشروعة، والهروب بالقروض المنهوبة من البنوك والدخول كوسطاء بين رجال المال ورجال الأجهزة التنفيذية وقتل الفنانات، والكثير من القضايا التي ذهب بعضها إلى القضاء.

من الفشل السياسي لنظام مبارك، حكم الطوارئ المستمر، وإدمان هذه الحالة الاستثنائية، وهو اعتراف بالفشل في تأمين نظام سياسي واجتماعي مستقر يسمح للمواطنين بالعيش في أمان وسلام مثل بقية شعوب الأرض.

كما لجأ نظام مبارك إلى سياسة خنق القضاء ومحاولة السيطرة عليه، فقانون الطوارئ هو الحاكم، والغلبة للقوانين الاستثنائية، وصراخ القضاة وأنينهم يسمعه الجميع، وظل الحال على هذا التردي حتى كانت انتفاضة القضاة، تحت قيادة نادي القضاة، وخروجهم إلى الشارع عام 2005م، مطالبين بالحرية لأنفسهم وللمصريين جميعًا.

كما ألمح الكتاب إلى أن فشل نظام مبارك الاجتماعي كان متعدد المستويات، من تعليم فاشل ونظام صحي متهالك إلى جريمة بيع أرض مصر وجريمة الخصخصة وبيع المصانع والشركات، وأوضح بالبيانات والأدلة أن الفساد بلغ مستويات قياسية..

إرهاصات الثورة

يرى الكتاب أنه منذ بدأ نظام مبارك في تطبيق سياسة الخصخصة، فإنه بذلك كان قد وضع قدميه على طريق اللاعودة، وبدأ يدير ظهره لمبادئ وأهداف ثورة 23 يوليو، حينما بدأ يبيع الأصول الإنتاجية التي بناها المصريون عبر عقود طويلة، بثمن بخس للمحاسيب والمقربين من النظام وللأجانب.

وجد المصريون أن الدولة بنظامها السياسي الفاسد والمغلق هي التي تدير هذا الظلم وهذا الفساد. فليست الأمور الاقتصادية هي التي اسودت وأغلقت في وجوه المصريين، وإنما أغلقت قبلها أبواب السياسة وسبل التغيير السياسي السلمي، وبات الناس على يقين من أن النظام قد فرض حول نفسه ستارًا حديدًا يستعصي على أي أحد أو جماعة أو حزب اختراقه. فالانتخابات مزورة كي تظل الأغلبية في يد الحزب الحاكم، والدستور يتم تعديله باستمرار خدمة لأغراض استبدادية خاصة ولترسيخ الظلم والاستمرار في السلطة وليس لتأكيد الحريات.

أصبح المصريون على يقين بأنهم يعيشون في مسرح عبثي، فلا حيلة لهم في الأمل ولا في المنافسة في أية انتخابات على أسس نزيهة، وتزداد عبثية المشهد وهم يرون النظام لا يختار إلا كل فاسد لكي يقربه أو يوليه منصبًا رسميًا أو مسئولية عامة، وخلفية المشهد العبثي تسيطر عليها وسائل إعلام كاذبة تشوه الحقائق وتجعل الحق باطلًا والباطل حقًا.

هنا بدأ المصريون يتحركون، خاصة بعد أن بدأت سياسات الخصخصة ودعم الرأسمالية المتوحشة تعمل عملها وتؤتي آثارها في المجتمع، وبعد أن ظهرت الاحتكارات والمليارات في أيدي قطاع قليل من المجتمع في الوقت الذي لا يجد غالبية الشباب فرصة عمل بخمسمائة جنيه في الشهر.

بدأ المصريون يخرجون إلى الشوارع منذ عام 2004م، معترضين على الحكم وسياساته وتوجهاته وبرامجه وخياراته وفلسفته. وتوالت المظاهرات والاعتصامات، خاصة بعد أن افتضح أمر جريمة التوريث, وبعد ظهور حدة الفوارق الاجتماعية بين الناس. تحول النقد إلى مطالبات ومجابهات جماعية, وذلك بظهور حركة "كفاية"، التي كانت تجمعًا فضفاضًا من مختلف القوى السياسية يهدف إلى تأسيس شرعية جديدة في البلاد. ومنذ بدايتها ركزت الحركة على رفضها للتجديد لمبارك لفترة رئاسة خامسة ورفضها ما رأته من مناورات سياسية وتشريعية وإعلامية هدفها التمهيد لتولي ابنه جمال الرئاسة من بعده، فرفعت شعاري: لا للتمديد - لا للتوريث.

ومن الأمور التي استفزت المصريين كثيرًا قبل الثورة مباشرة وعملت على تصاعد حدة الغضب ما حدث من تجاوزات وتزوير صارخ في انتخابات مجلس الشعب التي أجريت أواخر عام 2010م وحصل الحزب الوطني الحاكم فيها على 97% من المقاعد، وخرج بعدها مبارك ليعلن أنها كانت انتخابات شفافة وكسب فيها الطرف الذي كان أكثر تنظيمًا وأكثر إقناعًا للناس ببرامجه.

كان خلو المجلس من أية معارضة تذكر أمرًا محبطًا للمصريين ومؤكدًا أن نظام مبارك قد وصل إلى مستوى من التبجح السياسي والغرور والكذب والتزوير لم يسبق له مثيل. فجلاوزة الحزب الوطني كانوا يكذبون ويعتقدون أن الشعب المصري يصدقهم، فالمصريون يعرفون جميعًا حجم القوى السياسية في الشارع ومدى شعبية كل فصيل سياسي على حدة، ويستغربون كيف يمكن أن يخسر تيار سياسي كبير مثل الإخوان المسلمين في هذه الانتخابات ولا يتمكن من أن يحقق ولو مقعدًا واحدًا في المجلس، وهم الذين حققوا 88 مقعدًا في الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي جرت عام 2005م.

يعلم المصريون جميعًا أن المقاعد التي حصل عليها الإخوان عام 2005م، رغم أنها 88 مقعدًا إلا إنها لم تكن تعبر تمامًا عن شعبيتهم في الشارع، لأن انتخابات 2005م جرت على ثلاث مراحل، كانت المرحلة الأولى فقط نظيفة، أما المرحلتان الثانية والثالثة فكانتا مزورتين بالكامل، كما أن الإخوان لم ينافسوا على كامل المقاعد المتاحة في كل الدوائر الانتخابية في جميع أنحاء البلاد. ومعنى عدم نجاحهم في تحقيق ولو مقعد واحد في برلمان 2010م أن الانتخابات كانت مزورة بشكل سافر وفاجر ومخزٍ. بعد الانتخابات البرلمانية التي هللت لها أجهزة مبارك، وأثنى عليها هو نفسه، ورد على المحاولات الشعبية لتأسيس "البرلمان البديل" الذي أريد به أن يكون برلمان الشعب ردًا على برلمان الحكومة والحزب الوطني المزور بقوله: "خليهم يتسلوا"، في سخرية تعبر عن استهزاء وغطرسة، بعد هذه الانتخابات أدرك المصريون أن مستقبلهم في ظل نظام مبارك أصبح مجهولًا، وأنه لا أمل في هذا النظام ولا في إصلاحه من داخله.

ثم جاء مقتل خالد سعيد تحت وطأة التعذيب، ومن ثم نظر المصريون إلى خالد سعيد ضحية التعذيب باعتباره "بوعزيزي الثورة المصرية". ونظروا كذلك إلى التعذيب بوصفه الجريمة التي أسقطت مبارك، رغم أنه ما كان يخطر له ببال أن ينزله الشعب من على سدة الحكم رغمًا عنه، لاسيما وأنه أعلن أثناء خطاب له في مجلس الشعب بقاءه في الحكم "ما دام القلب ينبض"، بل كان ينوي توريث الحكم لنجله من بعده.

وكان ظهور د. محمد البرادعي على الساحة المصرية إيذانًا بالمزيد من الحراك على الساحة السياسية، فمنذ ظهور البرادعي في بداية عام 2010م، أخذ في الاحتكاك بالشارع وبالمواطنين، فمرة يقوم بجولة ميدانية وسط الناس، ومرة يصلي الجمعة في مسجد الحسين في قلب القاهرة، ومرة يصلي الجمعة في مدينة المنصورة، وفي كل جولة له يحتشد الناس حول الرجل ويرفعون شعارات تأييدٍ له، باعتباره مرشحًا محتملا للرئاسة.

كان البرادعي يرى نفسه محركًا للناس لكي يطالبوا بتغيير الدستور، لاسيما مواده المتعلقة بفرص ترشح المستقلين، والتي تعد معدومة تقريبًا، في ضوء الشروط الواردة في المادة 76، كما كان يرى نفسه أيضًا نصيرًا لليبرالية السياسية والاقتصادية، التي عرفتها مصر في عصرٍ سابق، وأصبحت الآن مطلبًا مقبولًا من قطاعٍ عريضٍ من النخبة السياسية النشطة، التي كانت ترفض الوضع القائم قبل ثورة 25 يناير، بما فيه من جمود سياسي لا يتناسب مع طموحات المصريين ولا قدر مصر كدولة قائدة في الإقليم.

كان البرادعي يصور نفسه بـ "عود الثقاب بجانب برميل بارود"، في تعبير مجازي يشير إلى استعداد المصريين للحركة والانطلاق، وأن كل ما ينتظرونه فقط، هو صاعق التفجير الذي يلهب الحماس ويطلق الطاقات الكامنة. وهو ما كان يعكس الاقتناع بأن الوضع المصري ناضج تمامًا لكي يصنع المعجزات والتغيرات الكبرى، وأن دوْر البرادعي لم يكن سوى قيادة الإلهام والتوجيه والتحفيز والتشجيع على الحركة.

أما المصريون أنفسهم ومواقفهم تجاه البرادعي وحركته، فيمكن تقسيمهم إلى ثلاثة أصناف: الأول، يهتم بما يفعله الرجل ويناصره ويعمل على مشاركته في إحداث تغيير جذري في الحالة السياسية، ويعتبرون أنفسهم جزءًا من هذا الحراك الجديد، الذي فرض نفسه. والثاني، كان يراقب ما يفعله الرجل ويتابع تحركاته، ولكنه لا يؤيد كل ما يقول، ويعتبر أن علمه ومنصبه الدولييْن السابقيْن، لا يؤهلانه بالضرورة إلى رئاسة مصر، وأن معيشته لسنوات طويلة في الخارج قد فصلت بين الرجل وبين الحالة المصرية بكل ما فيها وما عليها.

أما الصنف الثالث، فهم الرافضون للرجل تمامًا، والذين يرون أنه جرى إسقاطه، أو أنه جزء من لعبة أمريكية لإحداث تغيير في البلاد، ليس على هوى المصريين، وهؤلاء ينتقدون الرجل بما فيه وبما ليس فيه أيضًا، وجزء معتبر منهم يقفون مع الحزب الوطني الحاكم، ويؤيدون خياراته المحتملة في ترشيح جمال مبارك رئيسًا للبلاد في الانتخابات التي كانت مقررة في نهاية عام 2011م.

ثم تناول الكتاب أحداث الثورة ويومياتها ودور الشباب المصري في الثورة ونتائجها السياسية والدستورية والقانونية والاجتماعية والاقتصادية وردود الأفعال الإقليمية والدولية.

مصر ما بعد الثورة .. الآفاق المستقبلية

يرى الكتاب أن الحديث عن مستقبل مصر بعد ثورة 25 يناير، حديث عن غيب لا يعلمه إلا الله، ولكن يحاول الكتاب استقراء الأمور في ضوء ما هو متاح من فكر الثورة والثوار، ومن الأفكار التي أصبحت متاحة على نطاق واسع بين الكتاب والخبراء والسياسيين والمفكرين والأكاديميين، وفي ضوء ما تملكه مصر فعلًا من إمكانات مادية وبشرية.

إن أزمة مصر كانت إلى حد كبير أزمة قيادة، فقيادة وطنية تستحضر المصلحة العامة وتعمل من أجل البسطاء والمحرومين استطاعت أن تبني مصر اجتماعيًا واقتصاديًا، كما فعل جمال عبد الناصر. ولولا أخطاء الحقبة الناصرية في مجال حقوق الإنسان والبطش بالمخالفين والسماح للضباط الصغار من قادة الثورة بالعبث، ولولا الثقة في قادة عسكريين لا يستحقون هذه الثقة مما تسبب في نكسة عام 1967م، لأصبحت مصر اليوم قوة إقليمية كبرى.

وحينما افتقدت مصر القيادة الوطنية التي تغلّب الصالح العام وتضحي من أجل مصر، وحينما جاءت القيادة التي ترعى الفساد وتعمل لمصالحها الخاصة، تم بعثرة موارد مصر ومقدراتها في قرارات وسياسات ارتجالية وعشوائية، وكانت النتيجة أن مشاكل البلاد ازدادت سوءًا وتعقيدًا، ولم تتقدم مصر خطوة واحدة إلى الأمام، بل تراجعت خطوات كثيرة إلى الوراء.

وأهم ما أنجزته ثورة 25 يناير هو أنها أعادت الأمور إلى طبيعتها المنطقية، وجعلت من الصعب أن يتقدم الصفوف ويقود المصريين شخصية غير وطنية أو مشكوك فيها ومطعون في نزاهتها وخبرتها، فبعد الثورة رفض المصريون كثيرًا من المسئولين غير المرضي عنهم الذين عينتهم حكومة الثورة، وتظاهروا ضدهم حتى تم تغييرهم. وإذا كان المصريون قد فعلوا ذلك في غير الشخصيات القيادية، فإنهم سيكونون أكثر تصميمًا في المستقبل على رفض أي قيادي لا يحظى بثقتهم ولا يمتلك الكفاءة والنزاهة والوطنية التي تؤهله لكي يحقق ما يصبو إليه المصريون.

مصر في حاجة لقيادات وطنية تحافظ على المال العام، وما أكثر ما عانته أرض الكنانة من قادتها الذين هربوا مئات المليارات لهم ولحاشيتهم. فلو تم ضخ هذه المليارات في مشروعات تخدم المصريين لتغير حال البلاد والعباد. ومصر في حاجة إلى قيادة وطنية تقف في وجه الأطماع الغربية وتواجه خطط صندوق النقد والبنك الدوليين، وتحافظ على اقتصاد مصر من أن يسيطر عليه أحد أو جهة وتحفظ له استقلاله وتوفر له أسباب النمو والارتقاء

المصدر: القاهرة: نهضة مصر، 2012

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

انتخب مؤخرًا محمد المنصف المرزوقي رئيسًا جديدًا للجمهورية التونسية، وأدى بعد انتخابه القسم القانوني وقال واضعًا يده على المصحف الشريف: "أقسم بالله العظيم ان أحفظ المصالح الوطنية ودولة القانون والمؤسسات وأن اكون وفيًّا للشهداء وأهداف الثورة". وتولى مهامه بشكل رسمي, وبذلك يعد أول رئيس منتخب انتخاب حر ونزيه في عالمنا العربي..

ومنصف المرزوقي في الأصل طبيب، وهو أيضًا مناضل سياسي اعتُقل وسُجِن في عهد الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي، كما أنَّه مفكرٌ وكاتب، وقد نشر العديد من الكتب باللغتين الفرنسية والعربية - وقد نشرنا في هذا المكان منذ عامين عرضا لكتابه "حتى يكون للأمة مكان في هذا الزمان" - وها نحن نقدم إطلالة في آخر كتاب صدر له, تحت عنوان "إنها الثورة يا مولاي"..

لكل ثورة ثمن باهظ

يرى المنصف المرزوقي في كتابه "إنها الثورة يا مولاي" أنه من الثوابت التي تتردد عبر التاريخ حتى تكاد تكون قوانين أنه لا تقوم ثورة إلا وقامت لها ثورة مضادة, وأنَّ لكل ثورة ثمن باهظ، وأن الثوار ليسوا من يجنون ثمار الثورة, وأنه لا بد أحيانًا من زمنٍ طويل حتى تحقق الثورة أهدافها.

ويروي المنصف المرزوقي علاقته بديكتاتورية الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي منذ أن كشفت الديكتاتورية عن وجهها ابتداءً من العام 1991 والقمع الذي وقع عليه كآلاف التونسيين وأن هذا الاضطهاد لم يتوقف يومًا، وكم كانت شرسة وخطيرة تلك المواجهة مع الاستبداد في إطار الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان التي ترأسها من 1989 إلى 1994 والمجلس الوطني للحريات من 1998 الى 2000 أو المؤتمر من أجل الجمهورية الذي أسسه مع نخبة من أكثر المناضلين صلابة في العام 2001.

كما يتعرض في الكتاب لتجربة السجن ورسائل التهديد بالقتل، التي تلقاها، إضافة إلى طرده من منصبه الأكاديمي كأستاذ في الطب بكلية سوسة ومنعه من السفر والحكم عليه بالسجن لمدة عام مع تأجيل التنفيذ، إضافة إلى محاصرته في بيته مع إقامة جبرية غير معلنة.

ويقول المرزوقي: "بعد شهرين من المحاصرة التامة اكتشفت عبث الصراع غير المتكافئ فقررت العودة إلى المنفى, وانتظار تحرك الساحة, ثم وبمناسبة انعقاد قمة الأمم المتحدة للمعلومات في تونس أواخر العام 2005، خلت أن الفرصة سانحة فأعلنت إضراب الجوع الشهير الذي انبثقت عنه حركة 18 أكتوبر, ثم تكرر السيناريو ذاته: "محاصرة وشلل تام وعودة الى باريس بعد شهرين وأنا أجر أذيال الخيبة".. ورغم إقامته في فرنسا رفض المنصف المرزوقي طلب اللجوء السياسي من باب التمسك بالوطن..

البوعزيزي.. شرارة الثورة
اغتنم المنصف المرزوقي دعوته للمشاركة في أحد برامج قناة الجزيرة القطرية ليعلن يوم 24 أكتوبر 2006 عن عودته إلى تونس، داعيًا في الآن نفسه كل التونسيين إلى الانخراط في المقاومة المدنية بهدف إسقاط الديكتاتورية، والنتيجة قرار الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي بقطع العلاقات الدبلوماسية مع الدوحة لمدة استمرَّت عامين، وعشية العودة إلى تونس وصل إلى المرزوقي عن طريق شقيقه استدعاء إلى حاكم التحقيق، وعلق على ذلك بقوله: "كان واضحًا أن السلطة تهددني بالاعتقال حال نزولي من الطائرة. لكنني أصررت على رفع التحدي وكلمت من مطار باريس المحامين ليزورونني في السجن. كانت المفاجأة في انتظاري حيث لم يستقبلني إلا الأصدقاء وبعض الصحافيين ومنهم من سألني بخبث عن مشاعري تجاه رحابة صدر السلطة التي لم تعتقلني. وكان واضحًا أنها فهمت إنني لا أخشى السجن، ولكن انتقامها سيتخذ شكلا قد يكون أخطر من السجن. وهذا ما تم فعلاً ففي أول يوم خرجت فيه من بيتي في سوسة لقضاء شؤوني فوجئت بمائة شخص على الأقل يحيطون بي في الشارع ويهددونني ويشتموني ويبصقون علي ولم ينقذني منهم إلا حماية ابن أختي رياض البدوي وتدخل الأخ إبراهيم بن حميدة الذي اختطفني من بين أيديهم ورماني بسيارته وشق صفوفهم ليحميني من شرهم".

لقد اعترف المنصف المرزوقي في كتابه أنه أحس بخيبة أمل، فالنظام اعتمد على أساليب قذرة وخسيسة في الرد على معارضيه، حيث قال: "كنت أتصور بسذاجة أن إطلاق نداء المقاومة المدنية والعودة إلى البلاد للانخراط فيها، سيفجر الوضع فتنزل الجماهير للشارع وتطرد الديكتاتور الفاسد، بالطبع لا شيء من هذا حدث، وبقيت الناس تتفرج علي والمنحرفون الذين أطلقهم النظام ضدي يهاجمونني في كل مرة أخرج فيها إلى الشارع", ويروي المنصف المرزوقي في كتابه باستفاضة ما كان يحدث له من مضايقات..

خيبة الأمل هذه جعلته يعود إلى الكتابة في محاولة لتعميق مفاهيم عديدة مثل الاستقلال الثاني, ترسيخ المواطنة لا الوطنية، تقوية الانتماء العروبي لا القومية، وأن الاتحاد العربي للشعوب الحرة هو الحل وليست الوحدة العربية في صيغتها القديمة، وأن الديمقراطية آلية للافتكاك والتحسين وليست وصفة جاهزة للنقل، والديمقراطية التي لا تضمن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لا تساوي شيئًا..

يقول: "كان الحطب اليابس مكدس في كل مكان، لكن الشرارة لم تكن الدعوة التي أطلقتها ولا كانت حتى حالات الانتحار الكثيرة ومنها إضرام النار في النفس... كان علينا أن ننتظر جميعا استشهاد محمد البوعزيزي لتلتهم النار الحطب وأن ينتشر الحريق إلى كافة أرجاء الوطن العربي".

ثورة عربية.. لا ثورات عربية

ويتساءل المنصف المرزوقي ما الذي جعل حادثة استشهاد محمد البوعزيزي دون سواها هي التي تفجر الأمر؟ ويجيب قائلاً: "مؤكد أنَّ السؤال سيعرف آلاف الأجوبة ولا واحدة قادرة على أن تفرض نفسها. كان هنالك كيمياء غريبة في الثورات تجعل حادثًا يبدو بسيطًا في لحظة تبدو كمثل كل اللحظات هو الذي يطلق مفاعلة جاهلة الإدارة الواعية بدفعها ولم تنجح. كان هنالك داخل الوعي الجماعي لهذا الكائن الجبار المسمى الشعب حس يقدر متى يجب الانتفاض. قد لا نعرف أبدًا السر أي كيف تفاعلت كل المعطيات داخل الوعي الباطني للتونسيين، ثم للعرب لكي ينفجر البركان. كنا قلّة ممن كانوا ينددون لا يغرنكم صمت البركان هناك أكثر من مؤشر يدل على انّه سينفجر عاجلاً أم آجلاً.

وأخيرًا انفجر وحصلت الثورة التي تعصف هذه الأيام مشرقًا ومغربًا ولا أحد قادر على التنبؤ بما ستؤول إليه. يا لمشاعر الاعتزاز والفخر التي داهمتني وأنا أحط على أرض المطار في تونس الذي عوملت فيه طيلة ثلاثة عقود كشخص مشبوه, فإذا بي أحمل على الأعناق".

ولقد كتب أحد الصحافيين مقاله عن استقبال المرزوقي قائلاً: "عاد ورحلوا. نعم عدت ورحلوا عنه بل قل فروا منه أو قل طردوا منه شر طردة أو قل تقيؤهم الشعب, هم الذين كانوا يتأهبون للتمديد والتوريث".

ويرى المنصف المرزوقي أن استعمال مصطلح "الثورات العربية" أمر لا يجوز، حيث لا مجال للحديث إلا عن "الثورة العربية" بالمفرد، ويتساءل ما الذي يمكن أن نقوله عنها –أي الثورة العربية - في هذه اللحظة بالذات وهي منتصرة في تونس ومصر، وهي تتعثر في ليبيا واليمن والبحرين، وتتهيأ في باقي أقطار الوطن لكنس نظام سياسي مات في العقول والقلوب منذ سنوات ونحن ندفنه اليوم هنا، وهناك غير مأسوف عليه..

ومما لا جدال فيه كما يبين المنصف المرزوقي أنَّ أسباب الثورة العربية واحدة وهي تسلّط الفرد وفساد أهله، وحكم الأجهزة البوليسية وخصخصة مؤسسات الدولة لخدمة الأفراد والعصابات بدل خدمة الوطن والشعب, كما أنَّ أهدافها واحدة، حيث لم يرفع أحد مطلب بناء دولة العمال والفلاحين أو إقامة الخلافة، وإنما اتفقت كل الشعوب على الشعار الذي رفع في تونس وصنعاء والمنامة والقاهرة وبنغازي.. الشعب يريد إسقاط النظام.. وعلى مطلب مجلس تأسيسي ودستور يضمن بناء الدولة المدنية والمجتمع الحر ويقطع نهائي مع الاستبداد. أيضا كانت الوسائل واحدة فكل الانتفاضات كانت سلمية حتى وإن ووجهت برصاص المجرمين, وإن طبيعتها واحدة.. شعبية، مدنية، شبابية، بلا قيادة مركزية ولا أيدولوجيا.

ويرى المرزوقي أنه أمام هذه القواسم المشتركة يجب أن يكف البعض عن استعمال مصطلح الثورات العربية واستعمال مصطلح الثورة العربية بالمفرد, فالأمر إما خطأ غير مقصود وإما موقف وإصرار واع على تجزئة أمتنا ولو على صعيد التسميات، كما تفعل الإدارة الأمريكية عندما ترفض للأمة وجودها متعاملة مع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على حد تعبيره.

منجزات الثورة

كما يرى المنصف المرزوقي أن للثورة العربية، وهي لم تتجاوز بعد شهرها الثاني وقت إعداد هذا الكتاب منجزات ثلاث عظمى هي: "إعادة بناء الإنسان العربي والشعوب العربية والأمة العربية".

ويقول: "هذا ما سيعيد ترتيب شؤون العالم بكيفية لم يحسب لها كبار المخططين حسابًا منذ ثلاثين سنة وتحديدًا منذ سنة 1981، صدر لي في تونس أول كتبي وعنونته لماذا ستطأ الأقدام العربية أرض المريخ تحديدًا لكل من يحتقرون أمّتنا سواء أكانوا من أبنائها أو من أعدائها ودعوة للإيمان بما تزخر به من طاقات جبارة ستنفجر عاجلاً أو آجلاً. صحيح إننا معرضون لأخطار الفوضى والثورة المضادة وعودة الاستبداد مرة أخرى وطول الآجال لتحقيق أهدافها لكن صحيح أيضًا أننا اليوم قاب قوسين أو أدنى من هذا المريخ الذي بدا لنا يومًا أملاً حتى الحلم به جسارة مضحكة: "مريخ الحرية والديمقراطية، والتقدم، ولما لا في يوم من الأيام، المريخ الكوكب نطأه بأقدامنا وليس فقط بأحلامنا، وقد أصبحنا كما كنا، أمة لا تضحك من جهلها الأمم. قد يحلو للبعض من السذج أو الخبثاء أن يطلعوا علينا بنظرية الديمقراطية الاستبدادية. عدا صعوبة التوفيق بين الماء والنار فإنه علينا مواجهة الواقع لا محاولة التحايل عليه. والمواجهة تقتضي أن نقبل بكل الفوضى الحالية إذ لا مناص منها. لنثق إذن في خيارنا الديمقراطي ولنقبل بكل وعي بنواقصه وعيوبه وحتى بأخطاره، لأنها ثمن بخس لأثمن ما يطمح له إنسان ومجتمع: الكرامة للمواطن والسيادة للشعب والشرعية للدولة. حتى وإن كانت الثورة لا تشمل لحظة كتابة هذا النص إلا ثلث الأمة".

مستقبل الثورة

إلى أين تتجه الثورة وماهو مآلها على الأمد القصير والمتوسط والبعيد؟.. يرى المنصف المرزوقي أنه "يمكننا التوقع بأن آثارها ستنتشر خارج حدود الوطن وما عصبية الحكومة الصينية إلا الدليل على توسع دائرتها إلى حيث لا نتوقع. الثابت أنها ستمتد إلى كل أقطار الوطن، ولكل من يحاول مغالطة نفسه في المغرب وسوريا أو الجزائر باستقرار نظامه إن يتذكر أن النظام التونسي والمصري والليبي، كان كل منهم هو الآخر مستقرًا".

يقول المنصف المرزوقي: "كم صَدَقَت هانا ارندت الفيلسوفة الألمانية عندما قالت خاصية الديكتاتورية أنَّ كل شيء فيها يبدو على ما يرام إلى حد الربع الأخير من الساعة الأخيرة".

ويوضح المنصف المرزوقي أنَّ بعض الثوابت التي تتردد عبر التاريخ حتى تكاد تكون قوانين. قرابة قرن قبل أن تحقق أهداف الثورة الفرنسية والأمر ليس شاذًا وإنَّما قاعدة وإن تباينت مدة الجزر وتوقيت عودة المد. لا تقوم ثورة إلا وقامت لها ثورة مضادة. ومن يفقدون السلطة لا يتبخرون ولا يذوبون كالسكر في الماء وإنما يتراجعون خلف الستار للتآمر على قلب النظام الذي انقلب عليه، وإن عجزوا عن الأمر بذلوا كل ما في وسعهم لعرقلة المسار الثوري وتشويهه... ولكل ثورة ثمن باهظ. وبغض النظر عن القوى الهدامة التي تحركها الثورة المضادة، فإنَّ هنالك في الثورة نفسها قوى جبارة تدفع للفوضى والعنف وعدم الاستقرار. فلا بد بالنسبة للثوريين من مجابهة الأعداء بالمقاصل والمشانق والسجون وآنذاك تعود الآلة الجهنمية للقمع السياسي إلى العمل مع كل مضاعفاتها الكلاسيكية ومن أولها الالتفاف على الثوريين أنفسهم..

ندعو الله أن تحقق الثورة العربية أهدافها وينعم الإنسان العربي بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية وليس ثمة شك أن هذه من أصول ديننا العظيم الذي عبر عنه سلفنا الرائع ربعي بن عامر رضي الله عنه بقوله: "جئنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن ضيق وجور الدنيا إلى سعة وعدالة الإسلام"..
المصدر: تونس: الدار المتوسطية للنشر، 2011

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

تعدد زوايا دراسة اوضاع العراق بعد الاحتلال الامريكي– البريطاني الخليجي مهمة لاستيضاح صورة ومستقبل التطورات فيه. فليس كافيا دراسة وتحليل اوضاعه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية من مناهج بحث تاريخانية.


قد تضيف دراسته من مناهج نفسية كثيرا وتوسع ربما من دائرة فك الالغاز، وتيسر وضع مهمات التغيير وإدراك التحديات ومواجهتها. وقراءة الرؤى المختلفة تفيد في تجميع ما يتفرق من تطورات متناقضة وصراعات متعددة ومساحات متصادمة في العراق بعد الاحتلال الغربي الخليجي لأكثر من عقد من الزمن.


جرائم الاحتلال ولدت حالات جديدة وتطورات متنوعة يتطلب قراءتها وتحليلها من اكثر من منهج ومنطلق وزاوية. ولعل كتاب


الدكتور فارس كمال نظمي، الاسلمة السياسية في العراق، الصادر اواخر عام 2012 عن مؤسسات طباعية عراقية، مكتبة عدنان، ومركز المعلومات والبحث والتطوير وغيرها، يضيف الى ذلك ويوضح مراده ايضا. فهو مجموعة مقالات برؤية نفسية ومنهج علمي تبحث في سؤال جوهري ظل مواجها المؤلف والقراء وما يزال لفترة غير معلومة: أهو دين او تدين ام تديين؟ أهو اسلام ام تاسلم ام اسلمة؟ اهو دين ايديولوجي محدد العقائد والغايات في اذهان معتنقيه؟ ام هو صورة ادراكية سيكولوجية حمالة اوجه حد التشظي. ونحو كل وجه منها يتجه جمهور محروم ومتعصب ومتعطش لأي يقين يريحه من ازمته الهوياتية المتفاقمة في عصر عولمي؟. وأضاف المؤلف: العراق افتتح القرن الواحد والعشرين بتجربة الدين السياسي الحاكم. اذ سقط نظامه الاستبدادي السابق على يد حملة عسكرية غازية قادها جيش الولايات المتحدة الامريكية في نيسان 2003م. وانبثق بأثرها ما صار يعرف بنظام "الطائفية السياسية" القائم على اساس ديني بالدرجة الاولى وعرقي بالدرجة الثانية. اذ طفا المد الديني– السياسي. وأمسكت الاحزاب اللاهوتية بدفة السلطة في الجزء العربي من العراق - ظل اقليم كردستان محكوما بأحزاب قومية علمانية- وألحقت مصير البلاد والبشر بقوى ما وراء الطبيعة التي تدعي وصلا بها.


قراءة عناوين المقالات، فصول الكتاب، تلخص منهج وبحث مؤلفه وتعطي صورة عنه. فالعناوين تشي بنفسها وتقدم قراءتها وموقفها: سيكولوجية المنطقة الخضراء: تحليل لشخصية السياسي العراقي المعولم، النزعة العلمانية في الشخصية العراقية، العراق: المجتمع الرهينة، النزعة الماسوشية في العقلية العراقية، سيكولوجية العمامة واليشماغ، عصاب التفاوض السياسي، سيكولوجية مواكب السلطة في شوارع بغداد، ازمة الضمير المهني لدى الفرد العراقي، الفساد الاكاديمي في الجامعة العراقية، جدل الاهانة والكبرياء في الحياة العراقية، سيكولوجية قطع الكهرباء عن الروح العراقية، الهوية البغدادية .. ماذا تبقى منها؟ (...) تحليل الشخصية الشيعية العراقية: نحو التجديد الفكري واستعادة الجوهر العلوي، تأملات نفسية في الثورة المحمدية العلوية، تحليل الشخصية الشيوعية العراقية، الشيوعيون والصدريون وخيار الكتلة التاريخية، تحليل الشخصية المسيحية العراقية وملحقين: لماذا تسقط ثمار الثورات العربية المدنية في سلة الاسلام السياسي؟، سيكولوجية المواجهة بين الاسلام السياسي الصاعد واليسار العربي المنحسر!.


في موضوعات هذه عناوينها تنقّل المؤلف في قراءة وتحليل علمي نفسي فوضع جهوده في اكثرها حساسية وتاثيرا على طبيعة وتكوين المجتمع وتطلعاته في بلد شهد تحولات تاريخية وانتقالات واسعة، تركت اثارها وتداعياتها. وأراد ان يقول “ان "الاسلمة" تحيل الى "مسألتي "الحرية الفردية" و"الكرامة البشرية" اللتين قطع العالم اليوم اشواطا بعيدة لتثبيتهما بدساتير مدنية وشرائع ولوائح تضمن حرية التنوع الى اقصى مدياته في اطار دولتي محايد يتعامل بمنطق قوانيني مساواتي مع كل الفئات الاجتماعية والسياسية والدينية في أي مجتمع”. ووصل الباحث الى ان "الاسلمة السياسية افلحت في تحقيقه في العراق، اذ دفعت العراقيين قسرا الى اعادة تصنيف ذواتهم الاجتماعية على اسس طائفية – وحتى عرقية- ما قبل مدنية، منسحبين من ساحة التنافس السياسي على اسس البرامج المدنية الاصلاحية، ليتمترسوا في حلبة الصراع السياسي على اسس الامارات الطائفية والمناطقية المتنازعة". ورغم ذلك رأى الباحث بقناعة او بتفاؤل بان الشخصية الاجتماعية للفرد العراقي ما تزال تكتنز الكثير من عناصر التماهي الوطني العقلاني. وهو ما بحثه وسجله في المقالات.


بهدوء عالج الباحث رؤيته لشخصية السياسي العراقي المعولم، وبعنوان سايكولوجيا المنطقة الخضراء (وهي تسمية لمنطقة جغرافية محروسة بشدة وشبه مغلقة عسكريا تضم المؤسسات العراقية السياسية، والسفارة الامريكية). مركزا على مقترحه مصطلح: السياسي المعولم GLOBALIZED POLITICIAN ومعرفا: "نمط من الشخصية السياسية المحترفة، في سدة الحكم او خارجها، برزت في العقد الاخير من القرن العشرين وما بعده في الدول النامية، بالتزامن مع عولمة الاقتصاد والسياسة والثقافة والإعلام، وهي اخذة بالانتشار بأبعاد متعددة، إلا ان ما يوحدها هو ارتباطها النفسي والوظيفي بمراكز الاقتصاد العملاقة خارج حدود بلادها، بما يجعلها تنشط لإفراغ المضمون الفكري والأخلاقي للصراعات والتحولات الاجتماعية في بلدانها، مستبدلة اياها بالدعاية لصور نمطية مبسطة تتضمن: “"فضائل" اقتصاد السوق، و"حتمية" الديمقراطية الليبرالية، وتصنيفها النمطي للعديد من حركات التحرر والإصلاح والتغيير ضمن مصطلحي "التطرف" و"الارهاب"”. ص 16. ومشخصا مواصفات النمط الاعم لا الاستثناء ضرورة في كل تشكيل او مجتمع واسع متعدد. كما انه في تحليله ميز بين الشخصية الدينية والأخرى العلمانية ومواصفات كل منهما، في نقد لمفاهيم الغازي الامريكي للشخصية العراقية عموما وبمواجهة المشاعر الوطنية المعبرة عن الهوية الجمعية وتراثها التقدمي بنزعته العلمانية.


تحليل المؤلف للظواهر البارزة في مسيرة العمل السياسي في العراق المحتل والتعبيرات عنها، سواء بقوى الحكم او الشارع تقدم نماذج متعددة للشخصية والتطورات والاحتمالات التي يمكن ان تحدث في الواقع. حيث يصبح الاحتجاج مثلا نموذجا، وقواه تأكيدات عليه، وتحفيز قوانين التغيير الاجتماعي وإدراكها امكانية اقرب الى التحول والإصلاح والانطلاق الى عراق افضل. فقد وجد الباحث انه "كما يشير سياق الحدث الى ان الطابع المعتقدي لاؤلئك المحتجين هو مزيج عفوي من خلفيات يسارية ودينية مستقلة، ما يؤكد من جديد ما دعوت اليه مؤخرا حول الامكانية الواعدة لقيام كتلة تاريخية "علمانية– دينية" نواتها اليساريون والشيوعيون والصدريون وكافة الحركات الدينية المتنورة، ذات صبغة احتجاجية تتبنى قضايا المحرومين بوصفها الغاية القصوى للعمل السياسي الإصلاحي عبر ارساء ثقافة شعبية تتصدى للظلم الاجتماعي". ص 89. لاسيما وقد خلص الى امكانية التوجه الى القواعد الشعبية والنخب المثقفة للتيارين اليساري والديني او الشيوعيين والصدريين لما بينهما من التماهي على صعيد سيكولوجية ادراك الظلم. ورغم التمايز والتباعد في القشرة الايديولوجية بينهما إلا ان هناك ضرورة للتحالف، لاسيما بين الزخم الجماهيري للتيار الاول والعقلية التحليلية التنظيرية المنظمة للثاني. وهو ما يمكن التعويل عليه حاليا، بالربط بين وقائع الحاضر وتمنيات المستقبل، ضمن شروط النظرية الثورية والطبقات التي تحملها وتتبناها في بناء الدولة ومصالحها التاريخية.


رؤى الدكتور فارس وتحليلاته العلمية واجتهاداته في صياغة مشاريع تقدمية للشعب العراقي في النهوض من كارثة الاحتلال وخططه الى انجاز مهمات التحرر والتقدم والتطلع الى مستقبل افضل، تشكل مساهمة علمية تتطلب الانتباه والاستمرار فيها لتحويلها مع غيرها الى وقائع تقود عمليات التحرر والإصلاح والتغيير.

المصدر: العراق: مكتبة عدنان، 2012

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

منذ زمن بعيد وسكان كوكب الأرض ينتظرون منا النهوض من سباتنا, والعودة بقوة إلى الركب الحضاري, الذي تخلفنا عنه كثيراً بعدما فقدنا أثر أجدادنا الذين رسموا مساراته الإبداعية, وينتظرون منا العودة إلى عصورنا الذهبية, التي ازدانت وازدهرت بالاختراعات والابتكارات والاكتشافات والنظريات العلمية, وينتظرون ظهور علماء جدد على شاكلة العلماء العرب, الذين كان لهم الفضل في إنتاج وقود عجلة التقدم البشري نحو الآفاق المستقبلية الرحبة, فانطلقوا من كهوف العصور المظلمة إلى واحات العصور المشرقة.

ومنذ زمن بعيد والعالم كله ينظر إلينا بعين الاهتمام, لأننا ننتمي إلى الرموز الإنسانية الخالدة, وننتمي إلى الرجال الأفذاذ, والقامات الشامخة, لكننا فقدنا بوصلة الانتماء, وجنحنا نحو الركود والتخلف, فضللنا الطريق في زمن الضياع, ولم نصل إلى الحد الأدنى من فكر قادتنا, الذين اختار منهم المؤلف (مايكل هاملتون مورغن) شخصيات عديدة, توقف عندهم بالشرح المفصل, من أمثال: الخوارزمي والزهراوي وابن الهيثم والإدريسي وابن سيناء والرازي والبيروني والفارابي, لكنه توقف طويلا أمام شخصية أمير المؤمنين على بن أبي طالب.

يرى مايكل في كتابه أن العرب ابتعدوا كثيراً عن نهج هذا الرجل العملاق, ولم ينتبهوا إلى وهج الفنارات الأخلاقية والإنسانية والفلسفية, التي أضاءها لهم بنور عبقريته, ولم يستجيبوا لندائه الناطق بالحق, وهو الذي كان حتى يومنا هذا صوتاً مدوياً للعدالة الإنسانية, ولم يعلموا حتى الآن أن لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة اختارته عام 2002 من بين مئات الزعماء والقادة باعتباره أعدل حاكم ظهر في تاريخ البشرية على وجه العموم, مستندة في اختيارها هذا على مئات الوثائق المكتوبة باللغة الانجليزية. ثم عادت الأمم المتحدة لتضع رسائله الموجهة إلى ولاته وعماله في المراتب العليا, وتعدها من أهم مصادر التشريع في القانون الدولي.

يقول مايكل: لم يتح لزعيم بمستوى أمير المؤمنين أن تجتمع فيه صفات التقوى والعلم والحلم والحزم والرقي في آن واحد, ويبدي مايكل استغرابه من جهل الأمة العربية لنبراسه, الذي أرشدهم نحو المسارات المستقبلية الصحيحة, فلا الذين ناصبوه العداء ساروا على نهجه, ولا الذين تظاهروا بموالاته عرفوا طريقهم إليه, وهكذا تخبطت الأمة في عصر الضياع والتشرذم بين مبغض له ومغال في حبه.

يقول مايكل: من المفارقات العجيبة أن الزعماء العرب لم يطبقوا الحد الأدنى من دستوره ومنهجه, ولم يكلفوا أنفسهم مشقة العمل بأحكامه المستمدة من القرآن المجيد, ولم يعرفوا شيئاً عن مواثيقه وعهوده, التي عهد بها إلى ولاته وعماله, وفي مقدمتهم مالك الأشتر, الذي ناشده أمير المؤمنين بإرساء قواعد العدل والإنصاف, فقال له في ميثاقه: وأشعر قلبك الرحمة للرعية, والمحبة لهم, واللطف بهم, ولا تكوننَّ عليهم سَبُعاً ضارياً تغتنم أكلهم, فإنّهم صنفان: إمّا أخٌ لك في الدين, وإمّا نظير لك في الخلق.

وقال له أيضاً: وأعلم أنه ليس بأدعى إلى حسن الظن راع برعيته من إحسانه إليهم, وتخفيفه المؤونات عليهم, وترك استكراهه إياهم على ليس قبلهم, فليكن منك في ذلك أمر يجتمع لك به حسن الظن برعيتك, فإن حسن الظن يقطع عنك نصباً طويلاً, وإن أحق من حسن ظنك به لمن حسن بلاؤك عنده, وإن أحق من ساء ظنك به لمن ساء بلاؤك عنده, ولا تنقص سنة صالحة عمل بها صدور هذه الأمة, واجتمعت بها الألفة, وصلحت عليها الرعية, ولا تحدثن سنة تضر بشيء من ماضي تلك السنن فيكون الأجر لمن سنها, والوزر عليك بما نقضت منها.

كانت هذه مقتطفات من ميثاق أمير المؤمنين, الذي سارعت الأقطار الغربية إلى تفعيله وتطبيقه قبل أن تلتفت إليه القوى السياسية المتناحرة في الوطن العربي. .

لقد سار الغرب على نهجه و تمسكوا بمبادئه, فما الذي يمنع قادتنا من تطبيق مفاهيمه على أرض الواقع, ولو على نطاق ضيق ؟, وأين هم الآن من منهاج أمير المؤمنين ؟, وما الذي يمنعهم من العمل بأحكامه إن كانوا يزعمون تمسكهم بنهجه ؟.

ختاما نقول: لقد كان الكاتب (مايكل هاملتون مورغن) موفقاً في تسليط الأضواء على تاريخنا الذي أضعناه ولم نلتفت إليه, فانشغلنا بالمهاترات السياسية, والنزاعات الطائفية, والصراعات القبلية, وتخصص قادتنا في تدبير الدسائس والفتن ما ظهر منها وما بطن.

يُعد (مايكل) من كبار الكتاب في القارة الأمريكية, عمل ردحاً طويلاً في السلك الدبلوماسي, ثم انصرف للكتابة ودراسة التاريخ, فكتب سلسلة من المؤلفات نذكر منها كتابه: (The Twilight War), الذي صدر عام 1991, وكتابه: Graveyard of the Pacific)), الذي صدر عام 2001, وكتابه: (Collision with History), الذي صدر في أمريكا عام 2002, وكتابه: (Arabia: In Search of the Golden Ages), الذي صدر عام 2010, أما كتابه (تاريخ ضائع Lost History) فقد صدر عام 2007, ويعد من أفضل الكتب الغربية, التي ألقت الأضواء على العصور العربية الزاهرة.

يتألف الكتاب من ثمانية فصول وخاتمة, تناول فيها الشخصيات العربية بلغة سردية مؤثرة تمهد للحقيقة العلمية والتاريخية بأسلوب يشد القارئ, ويشجعه على الاستمرار والمتابعة. صدرت للكتاب ترجمة عربية عام 2008 بقلم (أميرة نبيه بدوي) عن دار نهضة مصر.

ويبقى السؤال: متى ننهض من سباتنا ؟, ومتى نستعيد أمجادنا القديمة ؟, ومتى نقتفي أثر أجدادنا العظام ؟. ومتى يتحرر قادتنا من عقدة التسلط على رقاب الناس ؟. ومتى يكونوا صادقين في رسم خطواتهم الصحيحة نحو تطبيق الحد الأدنى من مبادئ العدالة والإنصاف ؟. ومتى نسير على النهج الذي رسمه أمير المؤمنين ؟. فقط متى ؟, ومتى فقط ؟.

ربنا مسنا الضر وأنت أرحم الراحمين

المصدر: القاهرة: دار نهضة مصر، 2008


المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

تعالج الباحثة "نائلة الوعري" في كتابها «موقف الولاة والعلماء والأعيان والإقطاعيين في فلسطين من المشروع الصهيوني (1856-1914م)» جوهر القضية الفلسطينية التي تبقى قضية الجميع، وذلك عبر وثائق ومخطوطات تُنشر للمرة الأولى، مما يعطي هذه الدراسة التاريخية القِيمة الأكبر في معالجة المسألة، وما يُضفي عليها الكثير من المعلومات النادرة والنتائج الجديدة القيمة في تاريخ فلسطين الحديث. يتضمن البحث أيضًا خرائط وصورًا كنماذج للوثائق والتقارير والمراسلات والسجلات التي اعتمدت عليها.

الجذور الأولى للمشروع الصهيوني

ترصد الباحثة الجذور الأولى للمشروع الصهيوني (1806-1831م)، فترى بدايته مع قدوم الحملة المصرية إلى بلاد الشام، وفي ظل حكم محمد علي باشا لها (1831-1840م) الذي ساوى بين الطوائف الإسلامية وغير الإسلامية المستأمنين، فقدم امتيازات إلى القوى الأجنبية مثل: شراء المساكن والأراضي، وإنشاء بعثات التبشير. واستغلَّت الطوائف اليهودية المحلية الأوضاع المستجدة لتحسين أحوالها ومحاولة شراء أراضيَ، ثم تجذَّر المشروع الصهيوني مع عودة الحكم العثماني إلى فلسطين (1840-1856م)، ومراعاته الدول الكبرى، وخصوصًا بريطانيا التي أخذت على عاتقها حق حماية اليهود إلى جانب الطائفة البروتستانتية. وقد أرسلت بريطانيا إلى فلسطين لجنة فنية بقيت فيها ستة أعوام، مسحت في خلالها الأراضي من الشمال إلى الجنوب. وبدأ الترويج الغربي لفكرة إعادة اليهود في مشاريع استيطان. وكان المنعطف في سنة 1897م حين عُقد أول مؤتمر صهيوني أقرَّ تشجيع الاستعمار في فلسطين، وهجرة اليهود إليها، والسعي للحصول على اعتراف دولي بشرعية الاستيطان فيها، فانطلقت حملة شراء الأراضي بقوة، والتي كانت قد بدأت في إبان الحكم المصري مستفيدة من الأذونات (إذ في المبدأ مُنع بيع الأرض لغير المسلمين)، ومن أنشطة القنصليات الأجنبية، ومن عمليات السمسرة، ومن المتعاونين، ومن خلال التحايل على القوانين من قبيل تسجيل الأراضي والعقارات في وثائق خاصة خارج إطار الدوائر الرسمية.

كما تورد الباحثة أهم المشاريع الصهيونية الكبرى (1840-1914م)، مثل: مدرسة "نيتر" الزراعية في قرية "يازور" العربية، قرب "يافا" بموافقة عثمانية، ومستعمرة "بتاح تكفا" على أراضيَ قرية "ملبس" قضاء "يافا" (1878م)، ومستعمرة "ريشون ليتسيون" على أراضيَ من قرية "عيون قارة" (1882م)، ومستعمرة "زخرون يعقوب" على أراضيَ قرية "زمارين" (1882م)، ومستعمرة "مشكانوت شأناليم" على أراضيَ من قرية "عين كارم". وحتى نهاية العهد العثماني توصل اليهود إلى إقامة نحو 24 حيًّا استعماريًّا في غربي القدس. وبلغ عدد المستعمرات اليهودية في فلسطين حتى سنة 1914 نحو 47 مستعمرة منتشرة بين: "الجليل"، و"مرج ابن عامر"، و"السهل الساحلي".

وتشير نائلة الوعري إلى أن الأراضي المنتقلة إلى اليهود حتى سنة 1918م كانت في معظمها من الدولة والملاَّك الكبار غير الفلسطينيين؛ إذ على الرغم من الإغراءات المادية، فإن عددًا قليلاً فقط من الفلاحين والإقطاعيين الفلسطينيين الذي باع أراضيه. وبصورة عامة، فإن الموقف الرسمي المصري من بيع الأراضي وبناء العقارات لرعايا الدول الأجنبية راوح ما بين التساهل أحيانًا والتشدد أحيانًا بحجة القواعد الشرعية.

موقف الولاة والعلماء والأعيان والإقطاعيين من المشروع الصهيوني

كما تعرض الباحثة موقف السدة السلطانية (الولاة) من المشروع الصهيوني، وتبين أنه لا يبرز منه موقف حاسم وقاطع؛ إذ ارتبط الأمر دائمًا بحركة التاريخ العثماني وتطوراته وموقع الولاة في السلَّم الإداري. وفي إبان فترة الدراسة (1856-1914) التي توالى فيها على الحكم خمسة سلاطين، راوح الموقف العام ما بين رفض المشروع الصهيوني ومقاومته وبين مهادنته. ففي إطار المواجهة صدر في سنة 1858م أول قانون مدني عثماني يُعالج شئون الأراضي في الدولة العثمانية حيازةً وتصرفًا واستغلالاً، ولم يُفَعَّل في الأراضي الفلسطينية إلا في سنة 1869م، وذلك بعد صدور قانون تملُّك الأجانب بعامين، بهدف ضبط وتنظيم انتقال الأراضي، وأُقرت مجموعة من الإجراءات للحد من الهجرة والتملُّك.

أما موقف العلماء من المشروع الصهيوني، فتبين أنهم هم تلك الفئة القليلة من علماء الشريعة صاحبة التأثير المعنوي في الناس من خلال: الخطب، والتصريحات، والجهر بالرأي، ورفع العرائض، وقيادة الاحتجاجات والمواجهات ضد المشروع الصهيوني، والاعتراض على عمليات بيع الأراضي، والسعي لإفشالها في دوائر الطابو. وانضم إلى ركبهم لاحقًا مجموعة من المثقفين الحديثين المتخصصين بالطب والهندسة والرياضيات والإدارة والمحاماة والأدب والزراعة، وهؤلاء شغلوا مراكز حساسة في الإدارة العامة والخاصة مثل: القائمقاميات، والبلديات، والطابو، والمدارس، والمحاكم، والقنصليات، والصحف، والمستشفيات، والوكالات التجارية، والشرطة، والجيش. وقد تتبعت الباحثة مواقفهم وأنشطتهم، وأوردت أبرز وجوههم، مثل: أحمد سامح راغب الخالدي، أحمد عارف الحسيني، أسعد الشقيري، حنا عبدالله العيسى، راغب الخالدي، سليمان التاجي الفاروقي، طاهر مصطفى الحسيني، عبد الله محمد عبد الله مخلص. وإلى جانب هؤلاء تذكر الباحثة أسماء وسير كل من: علي النشاشيبي، فريد محمد إبراهيم العنبتاوي، عيسى العيسى، كامل طاهر الحسيني، محمد إسعاف النشاشيبي، محمد موسى المغربي، نجيب نصار، يوسف ضياء الدين محمد علي الخالدي.

أما موقف الأعيان والإقطاعيين من المشروع الصهيوني، فلم يكن موقفًا موحدًا وحاسمًا، ولذا تجتهد الباحثة في تمييز مواقفهم بحسب التراجم المتداولة.

كما ترى الباحثة أنه على الرغم من تنوع التكوينات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمجتمع الفلسطيني، التي حالت دون قيام جبهة قوية في وجه المشروع الاستعماري، فإن هذا الأمر أضفى حيوية على حركة المعارضة، وساهمت هذه المعارضة القوية في صد الحركة الصهيونية إلى حين تم عزل السلطان عبد الحميد الثاني وتولت "جمعية الاتحاد والترقي" السلطة، والتي قدمت التسهيلات للهجرة وشراء الأراضي والاستيطان. وبذل العلماء وسعهم لمقاومة هذا المشروع، بينما انقسم الأعيان بشأنه. أما أصحاب الملكيات الكبيرة فانجرُّوا وراء الربح المادي وباعوا إقطاعاتهم ومعها ضميرهم وشرفهم.

المؤلفة

نائلة الوعري، باحثة بحرينية من أصول فلسطينية، سبق لها أن أصدرت كتابًا عن دور القنصليات الأجنبية في الهجرة والاستيطان اليهودي في فلسطين (1840-1914م).

المصدر: بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2012

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

تعالج الباحثة "نائلة الوعري" في كتابها «موقف الولاة والعلماء والأعيان والإقطاعيين في فلسطين من المشروع الصهيوني (1856-1914م)» جوهر القضية الفلسطينية التي تبقى قضية الجميع، وذلك عبر وثائق ومخطوطات تُنشر للمرة الأولى، مما يعطي هذه الدراسة التاريخية القِيمة الأكبر في معالجة المسألة، وما يُضفي عليها الكثير من المعلومات النادرة والنتائج الجديدة القيمة في تاريخ فلسطين الحديث. يتضمن البحث أيضًا خرائط وصورًا كنماذج للوثائق والتقارير والمراسلات والسجلات التي اعتمدت عليها.

الجذور الأولى للمشروع الصهيوني

ترصد الباحثة الجذور الأولى للمشروع الصهيوني (1806-1831م)، فترى بدايته مع قدوم الحملة المصرية إلى بلاد الشام، وفي ظل حكم محمد علي باشا لها (1831-1840م) الذي ساوى بين الطوائف الإسلامية وغير الإسلامية المستأمنين، فقدم امتيازات إلى القوى الأجنبية مثل: شراء المساكن والأراضي، وإنشاء بعثات التبشير. واستغلَّت الطوائف اليهودية المحلية الأوضاع المستجدة لتحسين أحوالها ومحاولة شراء أراضيَ، ثم تجذَّر المشروع الصهيوني مع عودة الحكم العثماني إلى فلسطين (1840-1856م)، ومراعاته الدول الكبرى، وخصوصًا بريطانيا التي أخذت على عاتقها حق حماية اليهود إلى جانب الطائفة البروتستانتية. وقد أرسلت بريطانيا إلى فلسطين لجنة فنية بقيت فيها ستة أعوام، مسحت في خلالها الأراضي من الشمال إلى الجنوب. وبدأ الترويج الغربي لفكرة إعادة اليهود في مشاريع استيطان. وكان المنعطف في سنة 1897م حين عُقد أول مؤتمر صهيوني أقرَّ تشجيع الاستعمار في فلسطين، وهجرة اليهود إليها، والسعي للحصول على اعتراف دولي بشرعية الاستيطان فيها، فانطلقت حملة شراء الأراضي بقوة، والتي كانت قد بدأت في إبان الحكم المصري مستفيدة من الأذونات (إذ في المبدأ مُنع بيع الأرض لغير المسلمين)، ومن أنشطة القنصليات الأجنبية، ومن عمليات السمسرة، ومن المتعاونين، ومن خلال التحايل على القوانين من قبيل تسجيل الأراضي والعقارات في وثائق خاصة خارج إطار الدوائر الرسمية.

كما تورد الباحثة أهم المشاريع الصهيونية الكبرى (1840-1914م)، مثل: مدرسة "نيتر" الزراعية في قرية "يازور" العربية، قرب "يافا" بموافقة عثمانية، ومستعمرة "بتاح تكفا" على أراضيَ قرية "ملبس" قضاء "يافا" (1878م)، ومستعمرة "ريشون ليتسيون" على أراضيَ من قرية "عيون قارة" (1882م)، ومستعمرة "زخرون يعقوب" على أراضيَ قرية "زمارين" (1882م)، ومستعمرة "مشكانوت شأناليم" على أراضيَ من قرية "عين كارم". وحتى نهاية العهد العثماني توصل اليهود إلى إقامة نحو 24 حيًّا استعماريًّا في غربي القدس. وبلغ عدد المستعمرات اليهودية في فلسطين حتى سنة 1914 نحو 47 مستعمرة منتشرة بين: "الجليل"، و"مرج ابن عامر"، و"السهل الساحلي".

وتشير نائلة الوعري إلى أن الأراضي المنتقلة إلى اليهود حتى سنة 1918م كانت في معظمها من الدولة والملاَّك الكبار غير الفلسطينيين؛ إذ على الرغم من الإغراءات المادية، فإن عددًا قليلاً فقط من الفلاحين والإقطاعيين الفلسطينيين الذي باع أراضيه. وبصورة عامة، فإن الموقف الرسمي المصري من بيع الأراضي وبناء العقارات لرعايا الدول الأجنبية راوح ما بين التساهل أحيانًا والتشدد أحيانًا بحجة القواعد الشرعية.

موقف الولاة والعلماء والأعيان والإقطاعيين من المشروع الصهيوني

كما تعرض الباحثة موقف السدة السلطانية (الولاة) من المشروع الصهيوني، وتبين أنه لا يبرز منه موقف حاسم وقاطع؛ إذ ارتبط الأمر دائمًا بحركة التاريخ العثماني وتطوراته وموقع الولاة في السلَّم الإداري. وفي إبان فترة الدراسة (1856-1914) التي توالى فيها على الحكم خمسة سلاطين، راوح الموقف العام ما بين رفض المشروع الصهيوني ومقاومته وبين مهادنته. ففي إطار المواجهة صدر في سنة 1858م أول قانون مدني عثماني يُعالج شئون الأراضي في الدولة العثمانية حيازةً وتصرفًا واستغلالاً، ولم يُفَعَّل في الأراضي الفلسطينية إلا في سنة 1869م، وذلك بعد صدور قانون تملُّك الأجانب بعامين، بهدف ضبط وتنظيم انتقال الأراضي، وأُقرت مجموعة من الإجراءات للحد من الهجرة والتملُّك.

أما موقف العلماء من المشروع الصهيوني، فتبين أنهم هم تلك الفئة القليلة من علماء الشريعة صاحبة التأثير المعنوي في الناس من خلال: الخطب، والتصريحات، والجهر بالرأي، ورفع العرائض، وقيادة الاحتجاجات والمواجهات ضد المشروع الصهيوني، والاعتراض على عمليات بيع الأراضي، والسعي لإفشالها في دوائر الطابو. وانضم إلى ركبهم لاحقًا مجموعة من المثقفين الحديثين المتخصصين بالطب والهندسة والرياضيات والإدارة والمحاماة والأدب والزراعة، وهؤلاء شغلوا مراكز حساسة في الإدارة العامة والخاصة مثل: القائمقاميات، والبلديات، والطابو، والمدارس، والمحاكم، والقنصليات، والصحف، والمستشفيات، والوكالات التجارية، والشرطة، والجيش. وقد تتبعت الباحثة مواقفهم وأنشطتهم، وأوردت أبرز وجوههم، مثل: أحمد سامح راغب الخالدي، أحمد عارف الحسيني، أسعد الشقيري، حنا عبدالله العيسى، راغب الخالدي، سليمان التاجي الفاروقي، طاهر مصطفى الحسيني، عبد الله محمد عبد الله مخلص. وإلى جانب هؤلاء تذكر الباحثة أسماء وسير كل من: علي النشاشيبي، فريد محمد إبراهيم العنبتاوي، عيسى العيسى، كامل طاهر الحسيني، محمد إسعاف النشاشيبي، محمد موسى المغربي، نجيب نصار، يوسف ضياء الدين محمد علي الخالدي.

أما موقف الأعيان والإقطاعيين من المشروع الصهيوني، فلم يكن موقفًا موحدًا وحاسمًا، ولذا تجتهد الباحثة في تمييز مواقفهم بحسب التراجم المتداولة.

كما ترى الباحثة أنه على الرغم من تنوع التكوينات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمجتمع الفلسطيني، التي حالت دون قيام جبهة قوية في وجه المشروع الاستعماري، فإن هذا الأمر أضفى حيوية على حركة المعارضة، وساهمت هذه المعارضة القوية في صد الحركة الصهيونية إلى حين تم عزل السلطان عبد الحميد الثاني وتولت "جمعية الاتحاد والترقي" السلطة، والتي قدمت التسهيلات للهجرة وشراء الأراضي والاستيطان. وبذل العلماء وسعهم لمقاومة هذا المشروع، بينما انقسم الأعيان بشأنه. أما أصحاب الملكيات الكبيرة فانجرُّوا وراء الربح المادي وباعوا إقطاعاتهم ومعها ضميرهم وشرفهم.

المؤلفة

نائلة الوعري، باحثة بحرينية من أصول فلسطينية، سبق لها أن أصدرت كتابًا عن دور القنصليات الأجنبية في الهجرة والاستيطان اليهودي في فلسطين (1840-1914م).

المصدر: بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2012

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها