You are here:الرئيسية>روابط>مواقع شخصية

المعارضة في تونس وضرورة الإلتزام بدورها التاريخي في تشييد ديمقراطية دائمة.

من خصائص الثورات الشعبية أنها تندلع بعد سلسلة من النضالات والتضحيات التي تشمل ضغوطات مستمرة على النظام الحاكم وتحركات بطرق مختلفة تعكس أهمية القضايا والمطالب التي تسعى القوى المعارضة لتحقيقها . ويقترن نجاح الثورة بمدى شعبية هذه المطالب وحجم المشاركة والتزام هؤلاء وإصرارهم على عدم التراجع عن تحقيق أهدافهم. وبالرغم من أن القوى السياسية والنقابية والطلابية في تونس لم تلعب دورا قياديا بارزا على مدى تطورات ثورة الكرامة فإنها أثبتت وجودها بمجابهة الحكم الاستبدادي لبورقيبة ومن بعده بن علي حيث استبسلت وصمدت الى أن زُجّ بأغلب رموزها في السجون واضطر البعض الآخر الى الهروب من البلاد في حين حاولت قيادات أخرى ترتيب صفوف المعارضة وتوحيد أهدافها بتنظيم العديد من الوقفات الرمزية داخل البلاد وخارجها مثل تشكيل تحالف 18 أكتوبر 2005 وغير ذلك. وبالرغم من أن التواصل والمؤازرة خلال "سنوات الجمر" بين قيادات المعارضة من إسلاميين أوعلمانيين وغيرهم قد ساهم بشكل غير مباشر في دفع التوافق خلال مرحلة ما بعد الثورة كإنجاز انتخابات حرة وشفافة لتشكيل المجلس التأسيسي وانتصاب أول حكومة شرعية منذ بداية التأريخ في تونس فإن النخبة السياسية اليوم تعاني من العديد من الأزمات الحادة خصوصا على مستوى تعامل أحزاب المعارضة مع الأغلبية الحاكمة وكذلك تعاطيها مع الوضع الدقيق الذي تمر به البلاد.

يشير أحد الباحثين في دراسة تجارب الإنتقال الديمقراطي في العالم أن من أسباب نجاح فترة ما بعد الثورة في تونس وسلاسة التحول التدريجي نحو نظام ديمقراطي استمرارية الإتصال والتنسيق المستمر الذي عرفته أطراف المعارضة في مساندتها لقضايا العدل والحرية خلال السنوات الأخيرة من حكم بن علي بعيدا عن الاقصاء والتوجهات الايديولوجية. ويؤكد الباحث أن المعارضة قربت وجهات نظرها ووحدّت صفوفها في تعاطيها مع تجاوزات حقوق الانسان فكانت عبارة عن جبهة قوية مقارنة بتجربة المعارضة في العديد من دول "الربيع العربي" الأخرى والتي اتسمت بغياب التنسيق والترابط فيما بينها. غير أن هذه الروح التآزرية والإيجابية في التعامل مع الواقع سرعان ما اهتزت بمجرد الإعلان عن نتائج انتخابات التأسيسي والتي أفرزت قطبين سياسيين : ائتلاف حاكم يضم ثلاثة أحزاب ومجموعة من الأحزاب والكتل السياسية الأخرى التي شكلت الأقلية المعارضة في المجلس التأسيسي والتي لا تزال تعمل على ترتيب صفوفها وتنظيم مواقفها من القضايا المختلفة.

وكما تفرضه التقاليد الديمقراطية كان من المنتظر أن تُمنح القيادة السياسية الجديدة فرصة كافية لتسيير دواليب الدولة في هذه الفترة الإنتقالية وأن ينكبّ الجميع على إنجاز دستور جديد والإعداد للإنتخابات القادمة. فالصبغة المؤقتة لهذه المرحلة تؤكد أن الترويكا الحالية هي عبارة عن تحالف سياسي أفرزته الانتخابات وقد يتغير أو ينقضي نهائيا حسب ما ستؤول اليه الإنتخابات الرئاسية أو البرلمانية المقبلة. غير أن ما يميز المناخ السياسي اليوم هو الغياب التام للثقة وعدم الحرص على مبدأ التوافق بين المعارضة والأغلبية الحاكمة وذلك من خلال تبادل الاتهامات وإضاعة الوقت في المسائل الجانبية فالمعارضة تتهم الأغلبية الحاكمة بالهيمنة على السلطة في حين أن هذه الأخيرة تعتقد أن المعارضة تريد فرض حكم الأقلية على الأغلبية...

ما من شك أن إدارة الحكم بدون تواجد معارضة فعالة وبدون مراقبة مستمرة من المجتمع المدني قد يفتح الباب أمام تغول السلطة السياسية وانفرادها في كل القرارات. فالمعادلة بين الأغلبية والأقلية تساعد على تصحيح مسار الحكومة عبر الآليات المعتمدة في الأنظمة الديمقراطية كالحوار المستمر ومحاولة ايجاد سبل الوفاق والتعاون ثم الالتجاء الى التصويت في إصدارالقرارات والقوانين. وبالرغم من أن الديمقراطية الناشئة في تونس تعاني من العديد من الشوائب بحكم حداثة الثورة والرواسب السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي خلفتها الحقبة الماضية فان العلاقة الجدلية بين الشق الحاكم من ناحية والمعارضة من ناحية أخرى تطرح تحديات عديدة حتى في أعرق الديمقراطيات في العالم. ففي أمريكا مثلا تشهد الساحة السياسية مصادمات مختلفة بين رئيس الدولة الذي ينتخب كل أربع سنوات وأعضاء الكونغرس الذين يتم انتخابهم كل سنتين. فقد نجد رئيس الدولة من الحزب الديمقراطي في مواجهة صعبة مع أغلبية برلمانية من الحزب الجمهوري مما قد يعطل سير برنامجه السياسي ودواليب الدولة كسن قوانين جديدة أواتخاذ قرارات هامة. وقد تصل تأثيرات هذه المعادلة الصعبة الى حدّ توقيف تمويل سيرأجهزة الدولة من جراء خلافات في الرؤى بين السلطة التنفيذية والتشريعية. كما نجد الوضع مماثلا في المشهد السياسي الفرنسي حيث قد تفرز الإنتخابات الدورية للرئاسة والبرلمان مواجهة بين قطبين سياسين متعارضين فيكون رئيس الدولة الحاكم من حزب اليمين ورئيس الحكومة الذي يقود أغلبية برلمانية من حزب يساري اشتراكي فتُفرض على الجميع حتمية التعايش السياسي أو ما يسمى بـ"cohabitation". وبالتالي يمكن إعتبار هذه الجدلية القائمة بين السلطة الحاكمة والمعارضة "شرّ لا بد منه" بقطع النظرعلى النظام السياسي المعتمد.

غيرأن المعادلة السياسية في تونس تختلف نوعا ما عن الحالات المذكورة آنفا. فسيناريو الحكم الذي أفرزته انتخابات التأسيسي فريد من نوعه ذلك أن المواطن لم تعر ف منذ خمسين سنة طعم الحرية والتعبير والاختيار بدون قيود وهو ما أطلق العنان أمام الجميع للتنظير للديمقراطية وادعاء الدفاع عن الحرية أكثر من غيره. لقد أفرزت انتخابات 23 أكتوبر أحزابا ونوابا يعكسون فسيفساء المجتمع التونسي حيث تميز بعضهم بسجل نضالي حافل في حين افتقد آخرون الخبرة السياسية والحنكة التشاورية التي كان من شأنها أن تعجّل في دوران أشغال التأسيسي وتخفّض من حدة الصراع والإحتقان الذي انعكست آثاره السلبية على المجتمع فاستغلها إعلاميون حاقدون وسياسيون فاشلون لإشعال نارالفتنة والتفرقة بين صفوف الشعب.

تمرالبلاد بوضع انتقالي لم ترسم فيه بعد الخطوط الكبرى للنظام السياسي والآليات التي سيقع الرجوع إليها أثناء تسييرالحكم مستقبلا. فالثورة شاءت أن يتكفل المجلس التأسيسي بكتابة دستور جديد وكذلك تسيير دواليب الدولة بانتخاب رئيس يقوم بدوره بتعيين رئيسا للحكومة. وبالتالي فإن هذه المرحلة الإستثنائية تستدعي قدرا هاما من المسؤولية والمرونة والحرص على مصلحة الشعب قبل الحزب أو التوجهات الإيديولوجية. فالأطراف السياسية جميعها في حاجة الى استحضار الحسّ الوطني الذي وحّد صفوفها طيلة ردهات النضال في وجه الدكتاتورية والإلتفاف حول مشروع تونس الديمقراطي بالحرص على كتابة الدستور والإتفاق على إرساء قانون الإنتخابات وترتيب المنظومة القضائية والإعلامية. وما دون ذلك من السياسات والقرارات والتعيينات فهو مؤقت الى حد انتخاب نواب آخرين وتركيز سلطة سياسية جديدة يفرزها الموعد الإنتخابي القريب. وبقطع النظرعن الهفوات والإختيارات الخاطئة الصادرة عن الترويكا وبعيدا عن الدفاع عن هذا الإئتلاف فإن الجميع من سياسيين وغيرهم يدرك جيدا أن من يحكم تونس اليوم ممثلون شرعيون قد اختارهم الشعب وأوكل اليهم مهمة تسييرالبلاد في هذه الفترة الإنتقالية ولن يكونوا أكثرا فسادا واستبدادا ممن حكموا طوال نصف قرن فأتوا على الأخضر واليابس واستغلوا صمت الشعب للإستيلاء على خيرات البلاد وهاهم اليوم يتربصون ويتستّرون وراء وصفة "ندائية" بالية يستغلّون من خلالها التحوّل التاريخي في تونس للعودة بها إلى حكم القمع وإرهاب الدولة.
إن لغة الأرقام تقر بأن المعارضة تمثل الأقلية في التأسيسي ولكنها رغم ذلك تحاول التركيز على الجانب السلبي وتهويل الأمور وتحريض الشارع أكثر من حرصها على الوفاق والموضوعية في التعاطي مع القضايا المطروحة. فمداولات المجلس يطغى عليها التصعيد والمواجهة بدلا من العمل على إيجاد أرضية إيجابية توافقية يتم فيها الإقناع والتنازل بين جميع الأطراف فالسياسة في نهاية الأمرهي صراع وتوافق. غيرأن المتأمل فيما يجري اليوم يستنتج أن المعارضة تسعى الى كسب النقاط أكثر من حرصها على ترسيخ تقاليد ديمقراطية واثراء الحوار السياسي بين مختلف الفرقاء السياسيين. ففي كل يوم تشعرنا رموز المعارضة بأن لديها الحلول لكل التحديات التي تواجهها البلاد وأن أغلب ما تقدمه الترويكا من برامج وقرارات لا يفي بالحاجة. فإذا كانت المعارضة بهذا القدر من الكفاءة لماذا لم يرشحها الشعب للقيام بهذا الدور؟ ثم ان التنكر المفرط لحساسية الوضع العام والإصرارعلى أجندة حزبية فئوية ضيقة من شأنه أن يعطّل التقدم في إيجاد حلول عملية لهذه التحديات. ولعلّ أبرز مميزات هذا التدهور غياب الثقة والإستقطاب والتجاذب السياسي الذي يغذيه تدهور الوضع الاقتصادي والاجتماعي والذي يقع استغلاله من العديد من الأطراف لتعميق الأزمة. كما أن الغريب أن عدد كبير من الشق المعارض في المجلس التأسيسي وخارجه يتنكر للماضي النضالي الذي جمعه بقيادات أخرى مناضلة تمثل اليوم الإئتلاف الحاكم متهمّة إياها بالهيمنة على السلطة وبالدكتاتورية وإنتهاك حقوق الإنسان وصل ال حدّ تشبيهها بالنظام البائد.

ما من شك أن الهدف الأساسي للأحزاب السياسية هو الحصول على أكبر قدر ممكن من النفوذ ونيل القسط الأوفر من مقاليد السلطة... لكن مرة أخرى لا بد من الوعي التام بأن تونس اليوم في مرحلة التأسيس لديمقراطية دائمة تستوجب تحكيم العقل وكف جماح النهم على السلطة. يجب على المعارضة الصادقة التي ناضلت طوال سنين للحد من نظام الإستبداد في تونس أن لا تقع في فخ أعداء الثورة فهؤلاء المفلسون لو كان من ورائهم جدوى لما أغرقوا البلاد في انحطاط سياسي وتباين اجتماعي وطمس للهوية يتطلب سنوات عديدة من الاصلاح والترميم والبناء. لا بد على المعارضة الصادقة أن تلعب دورها التاريخي في رسم الخارطة السياسية التي ستعتمد عليها الأجيال القادمة وسيشهد لها أبناء الشعب بذلك لأن كل الأطراف معنية بهذه المهمة التاريخية بقطع النظرعن موقعها في سلم القرار. وللتذكير فإن جمالية الحكم الديمقراطي تكمن في نزاهة التنافس وضمان التداول على السلطة لهذا وجب على النخبة أن تعمل على تقديم عرض سياسي يساعد على إرضاء المواطن ودعمه لبرامجها خلال الإستحقاقات الإنتخابية القادمة. لا مناص أمام المعارضة سوى التسليم بقوانين اللّعبة الديمقراطية فإذا كانت اليوم غير راضية على مردود الترويكا فعليها أن تكون إيجابية ومسؤولة في تعاملها مع هذه النواقص فصوت النّاخب هو الفاصل في تحديد من سيحكمه خلال المرحلة القادمة فإمّا أن يختارمكافأة الأحزاب الحاكمة حاليا ويعيد انتخابها وإمّا أن يعطي الفرصة إلى أحزاب أخرى تتولى مهمة القيادة لفترة ما بعد التأسيسي.

الدكتور قاسم العياشي - أستاذ علوم سياسية - تكساس – الولايات المتحدة الأمريكية
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

كارثة أزمة مالي على أمن مصر القومي
(حرب فرنسا على مالي .. إعادة غزو العالم الإسلامي.. الركن الأفريقي)

ألاحظ مع أي خطاب للرئيس المصري تجاه قضية في محيطنا الإقليمي من غزة إلى سوريا وأخيراً مالي يكون التهكم والسخرية من البعض مرددين انه يترك الأزمات الداخلية واحتياجات شعبه ليتحدث عن أمور لشعوب أخرى وبما يخدم أهله وعشيرته (في إشارة لجماعة الإخوان المسلمين او لعله التيار الإسلامي بشكل عام) , وهنا أنا لا انكر الأزمات الداخلية ولا ادافع عن الرئيس , لكن من البديهيات أياً ما كان الوضع الداخلي ان يكون من المهام الرئيسية للرئيس أمن حدود الوطن وإعادة بناء مكانته وصورته الخارجية الفاعلة في محيطها الإقليمي والدولي, وانه لا يمكن ان نربط بين خطاب حماسي في أزمة غزة ودعماً لشعب سوريا المناضل لحريته ورفض العدوان الفرنسي على مالي ان يكون هذا عيباً نهاجمه عليه بل على العكس هذا أقل القليل الذي يمكن لرئيس مصر الثورة التحررية ومصر التاريخ من خطاب رسمي يوضح فيه الموقف الرسمي لنصرة الحق والعدل والحرية والكرامة الإنسانية وأمننا وطننا وإقليمنا.

وهنا أركز على أزمة مالي والتي كانت أزمة منذ عدة أشهر أثناء الحديث عن احتمال توجيه ضربة عسكرية إليها والنقاش حول إمكانية حل سلمي وهو ما كان يحدث وتسير الامور في اتجاهه لولا انفراد فرنسا باستكبارها بتوجيه ضربة عسكرية منفردة لترسخ على الأرض أمراً واقعاً على الجميع ان يتعامل معه.

شعب مصر وشبابها المخلص الذي قام بثورة عظيمة كتبت لجيلنا في تاريخ البشرية علينا ان نعي مفهوم أمن قومي مصري ومحيطنا الإقليمي الذي فيه يبدأ تأثيرنا وبناء مكانتنا ونمائنا الاقتصادي والثقافي ونفوذنا التاريخي, إن نظريات الأمن القومي المصري التي تستطيعون ان تسألوا عنها أي ضابط وجندي مصري في الجيش لابد أن يدرسها فهي تاريخياً تقول ان أمن مصر دائماً ما يهدد عبر الشرق منذ الهكسوس وحتى قيام دولة إسرائيل وحروبها ضدنا واستنزافها المستمر لطاقاتنا والذي يؤثر على قدرتنا في التنمية الداخلية والتأثير الإقليمي, وتتحدث كذلك النظريات مجالنا الحيوي الجنوبي حيث منابع النيل وان التهديد المحتمل منه لا يمكن انتظاره فهو امر يتعلق بالماء وحياة الشعب المصري، أما الجبهة الغربية المصرية حيث الصحراء الأفريقية الكبرى التي تبدأ بليبيا وتمر بدولاً كمالي والنيجر وتشاد وموريتانيا فإنها غالباً ما تكون جبهة آمنة وبالتالي غالباً ما كانت توجه جهودنا الأمنية تجاه الشرق ثم الجنوب إلا ان الفشل الإداري للقيادة والنظام المصري الذي حكم مصر في ظل حملة دولية لإعادة تطويقنا أدى إلى فشلنا في الجبهة الشرقية والجنوبية ولم يبقى لنا إلا الجبهة الغربية للاستناد عليها لكسر محاولة تطويقنا والآن نرى ما يجري في مالي ومن قبله عملية تسييل ليبيا فأصبحت الجبهة الغربية من أخطر الجبهات الامنية لكننا لا نعي هذا .

شعب مصر العظيم وشبابها الثائر جميعنا يتفق على فشل الإدارة المصرية للنظام السابق داخلياً وخارجياً إلا إنني أشير إلى المشروعات الدولية التي ضربت إقليمنا لتطويقنا في العقد الماضي لنرى خطورة الأمر فكان اولها مشروع الشرق الأوسط الكبير العملية العسكرية الامريكية لأفغانستان ثم العراق وتطويقنا من الجبهة الشرقية ولتأمين وتعزيز قدرة إسرائيل في إقليمنا وهو امر لابد أن يتواجد به مصالح اقتصادية نفطية كما تعلمون والقاعدة الذهبية الغربية ان التواجد العسكري هو اهم شيئ لتامين مصالحهم على الأرض خاصة ونحن نرى الصعود الاقتصادي للصين ومد نفوذها الاقتصادي لهذه المناطق لم يكن لنظم غربية مواجهته اقتصادياً إلا بالتواجد العسكري المباشر محاولة لتأمين وإحكام السيطرة على تلك الموارد والتحكم في التصرف فيها كما يشاءون .

قبيل مشروع الشرق الأوسط الكبير كان مشروعاً آخر تم تدشينه اسمه القرن الأفريقي الكبير الذي يهدف إلى إحكام السيطرة على البحر الأحمر وثرواته التي تصل حتى جنوب السودان فقد ربط المشروع بين الصومالي وحتى جنوب السودان وكان من نتائجه وعمله الممنهج أدى إلى انفصال جنوب السودان , والذي اعقبه توافد لخبراء عسكريين أمريكيين وبالقطع نعرف التنسيق الامني الأمريكي الإسرائيلي, ومع بدأ إعلان دولة جنوب السودان كنت أضحك باكياً على تصريحات المسئوليين الجنوبيين من انهم مع القضايا العربية ولن يتعرضوا لامن مصر على حساب علاقة مع إسرائيل , ثم رأينا زخم الزيارات والتعاون الإسرائيلي مع جنوب السودان خاصة الامني وهو ما يعنيني في مداخلتي هنا , ولعلني أربط هذا مباشرة مع تصريحات كبار مسئولين إثيوبيين بطريقة غير مبررة وفجاءة بعد إعلان دولةجنوب السودان من ان مصر لن تستطيع الدخول في حرب مع إثيوبيا وقد تعجب الكثيرين من هذا الكلام الغريب دون سابق إنذار, لكن الامر استراتيجي وامني بمعنى ان المسألة تتعلق بالقدرة بمعنى أن امتداد مصر الجنوبي في السودان وقدرتها لنقل قوات برية جنوباً من الناحية النظرية كان يصلح في الماضي عندما كانت السودان واحد أما الآن فأصبح بينهم وبين مصر دولة أخرى تميل للموقف الجنوبي الامني وتاريخياً نقلت قاتلت قوات مصرية في تلك المنطقة لتامين منابع النيل كما نعرف جميعاً, كل هذه التصريحات والامور تسارعت وتيرتها في محيطنا الإقليمي مع بداية ثورتنا ومرحلتها الانتقالية التي لم تنتهي وانشغالنا بالداخل على حساب ثوابت أمننا القومي، بل أصل إلى أبعد من ذلك غن أردتم فلتعودوا إلى ذاكرة الصفحات الإلكتروينة لتروا أن ساركوزي رئيس فرنسا السابق زار اثيوبيا في 25 يناير 2011 أي يوم اندلاع الثورة المصرية لتستشعروا العلاقة الأمنية بين كل هؤلاء على حساب أمننا القومي فبدءاً من السودان غرباً وحتى دول الشريط الصحراوي الأفريقي بدوله كان يطلق عليه في الحقبة الاستعمارية السودان الفرنسي فلنا أن نرى موقع فرنسا من الاحداث وعلاقتها بامن مصر القومي, فمصر تاريخياً كان لها دوراً كبيراً بمكانتها وإمكاناتها من نقل ثقافة عربية إسلامية إلى تلك الصحراء أدت إلى تأسيس ممالك إسلامية تتحدث اللغة العربية كان من بين مراكزها مالي ثقافياً واقتصادياً بل وعسكريا وسياسياً لذا فإن فرنسا سعت في سياستها الاستعمارية التاريخية ان تمحو كل أثراً عربي وأن تتغلغل بثقافتها بلاقوة العسكرية لتفرضها على شعوب هذه المنطقة إلا أنه مازالت الاطر التقليدية الأفريقي في تلك المناطق من قبائل وعلماء وتجار يعرفون قدر مصر وارتباطهم التاريخي بها.

مشروعاً جديداً يضرب جبهة أمننا القومي من الناحية الغربية ويمتد لشمالنا في البحر المتوسط ليكون التطويق لمصر كاملاً تمهيداً لاحتواء نفوذنا التاريخي بل وضربنا عسكرياً إذا اقتضى الامر وقد يسبق هذا حصار اقتصادياً فأي مشروع دولي استراتيجي لابد أن يمكن لمصالحه تدريجياً لتصل إلى الذروة في مناطق حيوية له, إننا الىن أمام مشروع جديد لا يعرف عنه كثير ليس فقط من الناس بل من المفكرين والباحثين, مشروع البحر المتوسط الكبير وهو ذلك المشروع الذي يربط امن البحر المتوسط بامن الصحراء الأفريقية الكبرى، هو ذلك المشروع الذي تقوده فرنسا وتم الإعلان عنه قبل عام، هو ذلك المشروع الذي يهدف لإيجاد تواجد عسكري مباشر في منطقة الصحراء الأفريقية الكبرى لتأمين مشروع خط الغاز العابر للصحراء من شمال نيجيريا مروراً بالصحراء الأفريقية الكبرى ودولها كالنيجر ومالي إلى ان يصل للجزائر ومنه إلى أوربا, إنه ذلك المشروع الذي يؤمن مشروعات اقتصادية أخرى كمشروع توليد الكهرباء من الصحراء الذي يبدأ من غرب مصر حتى يصل إلى مالي , هو ذلك المشروع الذي يؤمن بقاء احتياطي يورانيوم النيجر تحت الهيمنة الفرنسية في مواجهة الزحف الصيني, هو ذلك المشروع الذي يحافظ على بقاء ثروات غير مكتشفة في الصحراء الأفريقية الكبرى اكتشفها باحثون صينيون إلا ان فرنسا تريد بقاء هذه الثروات التي تسرقها دون ان يعلم أحد او تريدها كاحتياطي لها في المستقبل, حتى إن تلك الصحراء التي يسخر منها الكثيرين بها مناجم للذهب واحتياطي من النفط والغاز.

من الممكن ان نتفق او نختلف حول ما يسمى بالمجموعات الإسلامية المسلحة في تلك المنطقة إلا إنني على قناعة انه يمكن احتواء الجماعات المسلحة أياً ما كان توجهها عبر الإطار الإقليمي الأفريقي واغلب هذه الحركات سواء في مالي أو حتى في نيجيريا والصومال إنما تحمل مطالب سياسية واقتصادية وتمردهم جاء من التهميش ومرجعيتهم الإسلامية طبيعية نتجية للجذور الإسلامية الحاضرة في تلك المنطقة بل لابد ان نفرق بين هذه الجماعات وبين تنظيم دولي فيما يسمى القاعدة أرى ان هناك مبالغات حوله بهدف إعطاء مبرر للتدخلات الاجنبية وحتى هذا التنظيم في رأيي يمكن احتوائه بجهود إقليمية فنحن نعيش في دولاً لديها قدرات عسكرية واقتصادية وثقافية وحضارية إلا أن التدخل العسكري الغربي في إقليمنا هو ما يدفع إلى مزيد من التطرف بل ويؤدي إلى عموم الفوضى في إقليمنا وهو ما يريدوه كما حدث في الصومال حتى يستمر سبب تواجدهم وهو أمر معروف يستطيع ان يقوله أبسط المحللين السياسيين .

خلاصة القول إن ما يحدث في مالي هو كارثة على أمننا القومي وإن كنا في الماضي بعد نكسة 1976 استطعنا أن ندرب قواتنا في السودان امتدادنا الامني الجنوبي ولم ينسى اعدائنا ذلك وفعلوا ما فعلوا في السودان فإن هذه الصحراء الأفريقية الكبرى نستطيع عبرها وعبر ثرواتها الطبيعية من انهار ورعي وغيرها نستطيع الإرتكاز عليها لبناء نماء ومكانة لمصر لذا لا تستهينوا بمالي وتقولون وأنا مالي فالهم هنا مصري مصري مصري.

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

** كريم حسين - باحث في الشأن الأفريقي.

ملـخــص كتــاب: سوسيولوجيا الثورة الشعبيــة اليمنيــة ( 15/1/2011 - 23/11/2011)

للدكتور سمير عبد الرحمن هائل الشميري - أستاذ علم الاجتماع السياسي، جامعة عدن .

لقد تابعت بعين متبصرة الاحتجاجات والاعتصامات السلمية المدنية في الجمهورية اليمنية خطوة فخطوة وبوصة فبوصة منذ حين من الزمن ، وأزداد شغفي بمتابعة ما يحدث تحت خيمة الوطن من اعتصامات واحتجاجات ومسيرات مدنية منذ اندلاع الثورة التونسية والمصرية وانطلاق شرارة الاحتجاجات الشعبية اليمنية في 15/يناير / 2011م حيث سـقط في الفترة من فبراير –نوفمبر 2011م 1132شــهيداً وجرح أكثر من 22321 وذلك حسب احصائيات اللجنة التنظيمية للثورة الشبابيــــة . فتشبعت بهذه الأحداث الزاخرة والمتلاطمة والتصقت بها وظللت أسجل الأحداث أولاً بأول وأتابع متابعة حصيفة ما يجري على مسرح الحياة اليومية من ترجرجات وتغيرات واحتجاجات تهز شجرة الشمولية الراسخة في المجتمع في آناء الليل وأطراف النهار.

يغطي الكتاب( في أربعة فصول ) بدرجة أساسية المساحة الزمنية من 15 /1/2011م عندما تفجرت المظاهرات والاحتجاجات والاعتصامات السلمية وحتى توقيع المبادرة الخليجية من قبل الرئيس صالح في 23/11/2011م والتي تنص على تسليم الرئيس السلطة لنائبة وتنحيه عن السلطة.

وبلذة هائلة سجلت أحداثاً مهمة مرت بها اليمن منذ قيام الوحدة اليمنية وحتى يومنا هذا ، فالكتاب زاخر بالمعلومات والأحداث المهمة التي مرت بها التجربة الديمقراطية اليمنية ، ويستطيع كل متابع ومختص أن يملئ يديه من الحقائق والمعلومات المفيدة في هذا المضمار .

أما الحلقة المركزية لهذا الكتاب تركز على الاعتصامات والاحتجاجات المدنية ، حيث يرصد الكتاب كيفية تطور الاحتجاجات و الاعتصامات المدنية في المحافظات اليمنية , ثم يـعرج على الاختلافات ما بين الاعتصامات والمظاهرات و الاحتجاجات في المجتمع اليمني قبل قيام حرب 1994م , و اعتصامات واحتجاجات اليوم .

و بدقة متناهية نبرز القسمات المهمــة للموجة الأولى والثانية من الاحتجاجات و الاعتصامات السلمية وموقف أحزاب اللقاء المشترك من الاحتجاجات و الاعتصامات المدنية ومراحل تطور الاحتجاجات و الاعتصامات السلمية ( يناير – نوفمبر 2011م ) ، بدء بمرحلة التوهج والغليان مروراً بمرحلة اضطراب بوصلة الاعتصامات السلمية ومرحلة الانفجار وانتهاء بمرحلة الضغوط الدولية ، ومحاولة زج اليمن في أتون حرب أهلية تلتهم البشر والأخضر واليابس والتي لم يكتب لها الفلاح .

ثم لا ننسى تسليط الضوء على مواقف دول الجوار من الاحتجاجات و الاعتصامات السلمية ومسألة الزواج الكاثوليكي بالسلطة الذي فجر القبيلة و الأسرة الحاكمة وأضعف من شكيمة النخبة السياسية ، ونـقدم قراءة للشخصية الميكيافلية للرئيس وأهم قسمات هذه الشخصية ، مع رصد متناهي الدقة للاحتجاجات و الاعتصامات اليومية على شكل جداول مفيدة للدارسين والمختصين حيث نقدم كماً هائلاً من الأحداث والبيانات والأرقام التي تشكل رافداً أساسياً من روافد هذا الكتـــاب.

الكتاب يقدم تحليلاًت معمقة وإشارات مكثفة للثورة السلمية والدولة المدنية والمجتمع المــدني ويقدم دعوة حارة إلى تفكيــر ســليم بمنأى عن صــخب السياسة وبريق الإعلام ويلفت الانتباه إلى أدوار المرأة اليمنية في الثورة السلمية وموقف رجال الدين والقبيلة من الثورة السلمية اليمنية للخرج من عنق الزجاجة . ويقترح الكتاب تأسيس الدولة المدنية الحــديثة التي ستنهض بالواقع بكل ترنحاته وتوتراته.

فالاعتصامات وحدت أبناء الشعب اليمني وجمعت الأجنحة والأطراف المتعاركة منذُ أكثر من 20 سنـة تحت مظلة الاعتصامات.

وبرغم ما حققــته الاعتصامات و الاحتجاجات من انتصارات باهرة , إلا أن ثمــة مخاوف نطرحها على شكل أسئلة مفتوحة للتأمل والتفكيـــر .

وبصوت جهير يجيب هذا الكتاب على التساؤلات التالية:
1. هل ساهم التحول الديمقراطي في النماء أم أنه ترك بصمة في الخراب والبؤس العام؟
2. ما أهم المطاعن في الانتخابات والتجربة الديمقراطية اليمنية؟
3. ما ملامح الأزمة السياسية اليمنية؟
4. ما المراحل الأساسية اللاحتجاجات والاعتصامات السلمية، وكيف تطورت وانتشرت حركة الاحتجاجات والاعتصامات السلمية؟
5. ماذا نعني بالزواج الكاثوليكي بالسلطة وما أهم سمات الشخصية الميكيافيللية؟
6. ما طبيعة الثورة السلمية ؟ وما موقف رجال الدين والقبيلة من الاحتجاجات الاعتصامات ؟ وما نوع الدولة المدنية التي ننشـــدها ؟!
7. ما البصمات السلبية والايجابية في الاعتصامات والاحتجاجات السلمية اليمنية؟
8. هل الاعتصامات والاحتجاجات المدنية انقلاب أم ثورة سياسية أم ثورة اجتماعية؟

وعلينا واجب التنبيه ، إلى أن هذا الكتاب يتميز بدقة التسجيلات والملحوظات وتنوع مصادر البيانات والمعلومات ويرصد يوميات الثورة والاحتجاجات والاعتصامات المدنية من ( يناير– نوفمبر2011م ), واستندنا في ذلك على الإذاعة والتلفزات والقنوات الفضائية والصحف والكتب والمجلات وشبكة الإنترنت, فضلاً عن الملاحظة والمعايشة اليومية لهذه الأحـداث متكئين على المنهج الوصفي بأبعاده الكمية والكيفية ، مع إشارات مكثفــة إلى الاحتجاجات والاعتصامات السلمية التي حدثت في اليمن عــقـب حــرب صــيف 1994م .

لقد توصلنا في كتابنا هذا إلى الاستنتاجات التالية:

1- أن التجربة الديمقراطية في اليمن وصلت إلى طريق مسدود .
2- التحول الديمقراطي لم يؤد إلى تطور في حياة الشعب ، بل إلى أوضاع مأساوية .
3- الثورة الشعبية هي نتاج لظروف قاسية عاشها الشعب اليمني ، فحياة الشقاء جثمت على أفئدة الشعب وسادت التمزقات الداخلية وضاقت حدود الحرية وتشوهت صورة الديمقراطية وتفاقمت المعاناة وظلمات الفوضى واليأس والفقــر والنهب المتعسف لثروات الشعب وتخلخلت منزلة القيم والمواطنة الواحدة في ظل وهن المؤسسات وشخصنة الدولة وأجهزتها لصالح الفرد والأسرة والقبيلة ، فعسر الأوضاع و انغلاق الآفاق العامة فجر الثورة الشعبية التي فتحت آفاقاً رحبة للتحول والتغيير .
4- بزغت مواقف إيجابية لعلماء الدين ورجال القبائل تصــب لصالح الدولة المدنية والثورة الشعبية وأبرزت الثورة الوجه المشرق للمرأة اليمنيــة التي شــاركت في النضــال الســلمي والمــدني في الثورة السلمية اليمنيــة بصورة لامعة فاقت كل التوقعات .
5- إني لا أتردد في القول ، أن ثمة أخطار ستعصف بالثورة وروح الاحتجاجات و الاعتصامات السلمية والخطر القادم يأتي من مكونات الثورة ومن القوى التي ساهمت في تفجير وانتصار الثورة السلمية (خاصة أن هذه القوى غير متجانسة ولها سجل حافل بالصراعات الدامية ) ، إذا ما أصرت هذه القوى على مواقفها السابقة ولم تبدل من نهجها وسياستها ومواقفها الأيديولوجية الجامدة .

ونحن على مشارف الختام في هذا العرض لموضوع مؤرق ومُــلح نؤكــد أننا لســـنا بمعصومين من الخطأ , فثمة أفكار وأطروحات صعبــة الهضــم وغير مريحة للبعض وعرضــة للجرح والتعديل , ولن نتردد في تصويب الرؤى والأفكار والاستنتاجات الخاطئة إذا ما تبين لنا ذلك , فالموضوع وعـر المسالك وكثير الأغوار يحتاج إلى مجادلات وسجالات عميقــة لإضاءة المناطق المظلمة حتى لا نقع في الزلل ومجانبة الصواب .

قال تعالـــــى (( فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال )) " سورة الرعـــد , آية : 17 ".

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها


معلومات عن الكتاب:

عنوان الكتاب:الانتخابات الرئاسية السودانية لعام 2010.

إسم المؤلف: حاتم السر المحامى.

سنة الإصدار: 2011.

إسم الناشر: دار مكتبة جزيرة الورد المصرية.

الصفحات والفصول:528 صفحة تشتمل على 18 فصلاً.

 

صدر مؤخراً للاستاد حاتم السر على، الباحث القانونى والناشط السياسى ومرشح رئاسة الجمهورية فى إنتخابات السودان الأخيرة، كتاب جديد حول الانتخابات الرئاسية فى السودان بعنوان ((رئيس مع إيقاف التنفيد:تجربتى مع الانتخابات الرئاسية فى السودان لعام 2010)). الكتاب الصادر عن مكتبة "جزيرة الورد" بالقاهرة يهدف الى تسجيل شهادة مؤلفه، كشاهد على العملية الانتخابية باعتبارها الطريق الآمن نحو تكريس الخيار الديمقراطي من خلال التداول السلمي للسلطة، وتكريس التعددية السياسية والثقافية وتعزيز السلام الاجتماعى في السودان، علاوة على توثيق الانتخابات من واقع التجربة الذاتية للمؤلف الذى خاض ماراثون السباق الرئاسى مرشحاً لرئاسة الجمهورية.

وينقسم الكتاب الذي يقع في 528 صفحة من القطع المتوسط، إلى ثمانية عشر فصلاً، رسم المؤلف على مداها لوحة للعملية الانتخابية كما عايشها، ورصد كل جوانبها، وبحث جميع تفاصيلها، ونظر فى دلالاتها ومعانيها، وتحدث عن خبايا العملية وخفاياها، وسرد ما صاحبها من خروقات وتجاوزات .وقدم عرضا للسياق العام للانتخابات الرئاسية السودانية من حيث القانون ومجريات العملية ومخرجاتها.وتناول من خلال فصول الكتاب الظروف التى نظمت فيها الانتخابات، والاسباب التى ادت الى اجرائها فى هذا التوقيت، وأجاب المؤلف على السؤال: لماذا تم إختيارحاتم السر مرشحا لرئاسة الجمهورية؟ وهل كان متوقعا لذلك؟ وهل حلم بان يصبح يوماً رئيساً للسودان؟ وماذا كان سيفعل اذا تم انتخابه رئيسا؟ كما تناول المؤلف الملابسات التى اكتنفت مسير العملية الانتخابية بالسودان والتجاوزات والانتهاكات التى قوضت نزاهتها وبيان ما لها وما عليها ورصد سلبياتها وايجابياتها وصولا الى محاولة الاجابة على السؤال المركزى:لماذا فشل أهل السودان فى إجراء انتخابات حرة ونزيهة؟؟

وكتب الأستاد حاتم السر مقدمة لكتابه الجديد جاء فيها: "إن الجدل المثار حول العملية الانتخابية الاخيرة التى جرت فى السودان فى الفترة من 11-18 ابريل 2010م والتساؤلات الحائرة المطروحة حول نزاهتها وسلامتها ووفائها بالمعايير المطلوبة وردود الافعال التى صاحبتها قبولا ورفضا والتداعيات التى احدثتها نتائجها، كل هذا وغيره دفعنى الى الدخول فى عالم الكتابة والتوثيق وحدا بى الى الولوج لهذا المضمار"

ويذهب المؤلف في المقدمة إلى:"حاولت جاهداً تتبع مراحل العملية الانتخابية المختلفة والادلاء بشهادتى حولها للامانة والتاريخ من خلال سرد للاحداث من وجهة نظرى كشاهد عيان خاض غمار التجربة مرشحا لرئاسة الجمهورية فى السودان ومشاركا فى الانتخابات مشاركة حقيقية ومنافسا للفوز على مقعد الرئاسة منذ بداية العملية الانتخابية حتى نهايتها.ويضيف المؤلف فى مقدمة كتابه: ينبغى على ان اوضح للقارىء الكريم ان هذه الدراسة ليست انطباعات شخصية كما انها ليست دراسة نقدية للعملية الانتخابية والممارسات المصاحبة لها ولم يكن هدفى تحليل وتقييم العملية الانتخابية فى السودان رغم الاهمية القصوى لكل ذلك الا انه يقع خارج دائرة اهتمام الدراسة التى هى عبارة عن محاولة منى كمرشح لرئاسة الجمهورية لسرد وتوثيق تجربة عملية خضتها كشاهد عيان ولاعب رئيسى وليس مراقبا ولذلك كانت مصادر المعلومات نابعة من التجربة ومن المشاهدات ومن الممارسة اليومية للعملية الانتخابية فى مراحلها المختلفة وليست نتاج مقابلات او حوارات او تقارير لجان ومنظمات واعترف بانها ليست دراسة اكاديمية عن الانتخابات ولكنى اتمنى ان تساهم فى سد فراغ قائم وان تكون مصدرا اضافيا للمعلومات الانتخابية فى السودان وان تعين المراكز المتخصصة والباحثين والدارسين والناشطين السياسيين من خلال توفيرها لمادة يمكن تطويرها بالتحليل والتعاطى معها بواسطة الأكادميين المختصين فى هذا المجال بما يفيد التوثيق للانتخابات السودانية على ضؤ الحقائق والمعلومات والظواهر التى تمكنت من رصدها وسردها."

على الرغم من كثرة ما كتب عن الانتخابات السودانية، الا أن هذا الكتاب لايعد تكراراً لما قيل، بل يعتبر إضافة حقيقية ونوعية، وترجع أهميته إلى أنه واحد من الكتب القليلة والنادرة التي سلطت الضوء ووثقت للانتخابات الرئاسية السودانية من واقع التجربة الشخصية والعملية لاحد المرشحين البارزين فى سباق الرئاسة السودانية. وقد حفزه إلى دراستها والتأمل فيها، الحرص على أداء واجب المفكر إزاء أمته وهي تعانى آلام المخاض الشديد وهى تحاول من خلال عملية قيصرية أن تنجب نظاماً ديمقراطياً من رحم دولة شمولية قابضة وباطشة.ومن خلال قراءتى للكتاب القيم أدركت أن المؤلف يحاول من خلال الدراسة أن يشخص الأسباب التي افترضت أنها المسؤولة عن تعثر التحول الديمقراطي في السودان، والذي تشكل الانتخابات بكل مستوياتها إحدى أهم آلياته. ويحمد له أنه لم يكتف بتوجيه النقد فحسب، بل مد خطوطه لاستشراف المستقبل فخلص من خلال تجربته على أرض الواقع إلى طرح جملة من الرؤى والمقترحات والتوصيات حول معايير الحد الادنى لانتخابات حرة ونزيهة وشفافة وعادلة في السودان.لعل أبرزها وأهمها تأكيده على أهمية إجراء اصلاح تشريعي شامل، لكل القوانين والأنظمة المتعلقة بالعمل السياسي والوطني العام بما فيه قانون الانتخابات، باعتبار ذلك مدخلا وضمانة، لخلق بيئة سياسية وقانونية كفيلة بجعل الانتخابات، نيابية كانت أو رئاسية، تحقق أغراضها في تجسيد إرادة الناخبين الحرة والطوعية، ويتمخض عنها بناء مؤسسات تمثل الجماهير وتعبر عنهم، وتفتح باب التداول السلمي على السلطة.

أحجام القوى السياسية السودانية وأوزانها كما أظهرتها الانتخابات الديمقراطية:
في الفصل الثاني من الكتاب: جرى استعراض تاريخي للمحطات التي تمت فيها ممارسة الانتخابات في السودان بدءا من عهد الحكم الثنائى للسودان وحتى يومنا الحاضر، ليتم بعد دلك الدخول في عرض ومناقشة وتحليل الانتخابات الرئاسية الاخيرة لعام 2010م.ويرى الأستاذ حاتم السر أن التجارب الانتخابية التى جرت فى ظل الانظمة الشمولية التى تعاقبت على حكم السودان كانت بشهادة الجميع شائهة وتفتقر الى مقومات الانتخابات الحرة والنزيهة وانها كانت مجرد محاولات من الطغاة لاضفاء أصباغ ديمقراطية على حكمهم العسكرى الشمولى القائم ولذلك لم يتوقف عند هذه المحطة طويلاُ فى اطار استعراضه للمحات من تاريخ الانتخابات السودانية.

وإكتفى المؤلف فى استعراض أحجام وأوزان القوى السياسية السودانية كما أظهرتها الانتخابات التى جرت فى العهود الديمقراطية، مستشهداً بخمسة انتخابات جرت خلال فترات الحكم الديمقراطى التعددى الذى سبق الحكم العسكرى الاول والذى اتى بعد سقوط نظام عبود ونظام نميرى وذلك خلال الاعوام 1953، 1958، 1965، 1868، 1986، بالاضافة للانتخابات الاخيرة 2010م والتى اتت بعد اتفاقيات السلام وانتهاء عهد الانقاذ. وتناول المؤلف فى هذا الفصل من الكتاب الملامح العامة والسمات البارزة لهذه التجارب الانتخابية من حيث الاحزاب التى خاضتها والجهة التى نظمتها واشرفت عليها والنتائج التى تم احرازها بالطبع ما عدا الانتخابات الاخيرة لانه أفرد لها كل صفحات كتابه.وللوقوف على الصورة الكاملة والتفاصيل الدقيقة لتاريخ الانتخابات فى السودان وللتحليل العلمى الشامل لظروف العملية الانتخابية وللنتائج المترتبة عليها أحال المؤلف القارىء الكريم الى كتاب الدكتورأحمد إبراهيم أبوشوك والفاتح عبدالله عبدالسلام(الانتخابات البرلمانية فى السودان 1953 - 1986)الذى قام بنشره مركز عبدالكريم ميرغنى الثقافى واصفاً إياه بأنه يعد مرجعاً مهماً للغاية وبحثا تكامليا يشتمل على مقاربة تاريخية تحليلية للانتخابات فى السودان.

كيف تم إختيار حاتم السر مرشحاً للرئاسة؟ ولماذا؟ ؟
وعرض المؤلف في الفصل الثالث من الكتاب باسلوب شيق، كيف تم إختياره مرشحاً للرئاسة ممثلاً للحزب الاتحادى الديمقراطى الأصل؟ ولمادا لم يتم إختيار غيره؟ وكان أمينا وواضحاً وهو يسرد القصة بتفاصيلها الكاملة ويجلى غموضها ويشرح الدور الدى قامت به اللجنة العليا للانتخابات بالحزب الاتحادى برئاسة السيد محمد الحسن الميرغنى وبمعاونة كوادر الحزب فى جمع استمارات التزكية وأرانيك الترشيح من كل ولايات السودان.ويوضح المؤلف أنه بالرغم من موقفه المبدئي الدى يعتبر الدخول فى العملية الانتخابية فى ظل الوضع القائم حاليا والثغرات العديدة، مخاطرة غير محسوبة النتائج وقفزة فى المجهول، لأنه -حسب وجهة نظره- لا يمكن لسلوك ديمقراطي أن يقام على أرضية ديكتاتورية!، وكيف للحرية أن تولد من أبوين قاما على القهر، ويمضى الى القول:"كان هذا المبدأ منطقياً بالنسبة لي، ولا أنكر أني قد حاولت جاهداً توسيع دائرة الرفض أو الممانعة لمبدأ الاندفاع، على الأقل أن يكون خيار المقاطعة موجوداً داخل صفوف الحزب، ولكن كانت محاولاتي بدون طائل يذكر، لأن الزخم العام والمد الجماهيرى الواسع كان متحمساً بشدة، للدخول فى العملية الانتخابية وكان سقف التوقعات عالياً لدى دوائر الحزب بعلو كعبها فى حصد نتائج الانتخابات وفوز العديد من مرشحيها فى الدوائر الانتخابية ومنصب الوالى فى عدد من الولايات الشمالية، ولم يكونوا يدركون أنهم على موعد مع القدر والغدر الذى ضرب صناديق الاقتراع وقام بتزييف وتزوير إرادة الناخبين بصورة لم يشهد التاريخ لها مثيلاً لدرجة أحرجت وأذهلت حتى العقلاء فى الحزب الحاكم نفسه، حتى أكبر متشائم الذي في رواية أخرى هو أنا، لم يكن يتوقع شيئاً من الذي حدث، غاية التوقع كان تزوير جزئي، قمع بسيط، ولكن الذي حدث كان كارثة!، ليتهم علموا من أمرهم يومها ما استقبلوا، ولكن الخطى نمشيها وقد كتبت علينا."

ويضيف المؤلف قائلاً فى الكتاب: بحكم عضويتى فى الهيئة القيادية لم أكن أخفى موقفى من العملية الانتخابية وضرورة مقاطعتها، وكنت حريصاً على تثبيت رأيى ووجهة نظرى حيثما حانت مناسبة لذلك، لا أخفيها أبداً، ولكني بالقدر نفسه كنت لا أثبط العزم من العمل، فأزاوج بين الرفض للمشاركة والدفع باتجاه تمتين العمل الجماهيري وتفعيله، كاستغلال لهامش الحريات المتوقع. إجمالاً، فقد كنا نعمل على أساس أن خياراتنا مفتوحة وأننا سنتخذ القرار النهائى بموقف الحزب فى الوقت المناسب وبناءً على تطورات الأوضاع. وبالتالى لم أفقد الأمل إطلاقاً فى المقاطعة بالرغم من علو صوت المنادين بالمشاركة. ولكنى بدأت أحس وأشعر برجحان كفة خيار المشاركة على المقاطعة عندما عرضت لجنة الانتخابات على الهيئة القيادية للحزب كشفاً بأسماء المرشحين لمنصب الوالى التى وردت من لجان الحزب بالولايات لتقوم الهيئة القيادية حسب نص دستور الحزب باختيار من تراه مناسباً للمنصب، و بالفعل بدأت الهيئة القيادية فى عمليات المفاضلة وحسمت موضوع المرشحين لمنصب الوالى وحددت أسماؤهم وصدر بيان للرأى العام بهذا الصدد ومنذ تلك اللحظة أدركت تماماً بأن حزبنا سيمضى فى هذا الطريق حتى نهايته وأنه قد قطع على نفسه فرصة التراجع باعلانه أسماء الولاة، أي رفعت الأقلام وجفت الصحف!.بإنتهاء الهيئة القيادية من تسمية مرشحيها لمنصب الوالى لم يتبق فى جدول أعمالها سوى حسم موضوع مرشح الحزب لمنصب رئيس الجمهورية.

وهذا البند قد اثار جدلاً كثيفاً فى الساحة السياسية وكان مادة إعلامية دسمة للكتاب والمحلليين السياسيين الذين روجوا عبر وسائل الاعلام المختلفة أن الحزب الاتحادى الديمقراطى ليس لديه مرشح لرئاسة الجمهورية وأنه سيدعم مرشح المؤتمر الوطنى. إزاء هذه البلبلة وجدت الهيئة القيادية للحزب نفسها مضطرة للدخول مباشرة فى مناقشة البند الخاص بمرشح الحزب لرئاسة الجمهورية، والذى قصدت فى البداية أن ترجئه إلى النهاية حتى يستبين لها الخيط الابيض من الاسود، بالنسبة للعملية الانتخابية برمتها تجنباً لحدوث أى جدل أو خلاف داخل الحزب بسبب هذا البند. بالاضافة إلى البلبلة الاعلامية المثارة بشدة حول موقف الحزب من الانتخابات الرئاسية كان هناك عامل ضغط آخر ناتج من عدم تجاوب بعض لجان المفوضية بالولايات ورفضها اعتماد وثائق التزكية لمرشح الحزب لرئاسة الجمهورية ما لم يكتب فيها إسم المرشح ولعلها كانت حيلة من حزب المؤتمر الوطنى مستخدما أجهزة الدولة لمعرفة موقف الحزب النهائى ما إذا كان داعماً لمرشحه كما تردد وتتمنى بعض القيادات الاتحادية أم أنه غير ذلك.حاولت الهيئة القيادية عدم التجاوب مع الضغوط الخارجية والاستمرار فى جدول أعمالها وإرجاء مناقشة البند الخاص بالانتخابات الرئاسية إلى أن يحين وقته وقامت بتذليل وحل الاشكالية الخاصة باعتماد إستمارات التزكية لمرشح الرئاسة عن طريق تدخل الدستوريين من وزراء ومعتمدين فى الولايات ولكن واجهتها مشكلة عدم وجود ممثلين للحزب فى معظم ولايات السودان ليقوموا بتذليل هذه العقبة واقناع لجان مفوضية الانتخابات بالولايات باعتماد الاستمارات.بالفعل إلتأم اجتماع الهيئة القيادية لتسمية مرشح الحزب لرئاسة الجمهورية وقدأتيت فى الموعد المضروب للاجتماع فقابلنى الكل ابتداءاً من الحراسات فى الخارج ومروراً بكل من كان فى الدار تلك اللحظة بالاحضان وبـ -أهلاً يا ريس-، مما يؤكد أن السياسة السودانية لا تعرف الاسرار وبصفة خاصة داخل الحزب الاتحادى لديمقراطى. وفي الطريق إلى مقر الإجتماع، بدأت تتنازعني الهواجس والأفكار، وبدأت النظرات تتوجه إلي، بصفتي ممثلاً لها!، لم أكن متهيئاً لأكسر قناعتي بهذه السهولة، ولكنني كنت متهيئاً لتقديم القرابين للحزب، وتقديم ولاء الطاعة الأبدي، فلنمض إذا إلى قاعة الإجتماعات، لعل الله يكتب لنا الخير.في الاجتماع، لم يحدث اكثر من تضافر النظرات، وتواثقت الكلمات، واتفق الجميع، في اجماع أبهجني، وأزاح عني كل ثقيل، فإني لأبيع العمر لأرى الإجماع، الإجماع الذي يحن إليه مثلي أي اتحادي، طبع على حب الوحدة، والاتحاد وهكدا تمت تسميتى مرشحاً للحزب لخوض غمار ماراثون سباق الانتخابات الرئاسية.

رئيس مع إيقاق التنفيد
الفصل الرابع من الكتاب يتحدث عن أن المؤيدين لـ حاتم السر يعتبرونه رئيساً غير متوج حسب النسب الصحيحة والصناديق الحقيقية للاصوات التى يشككون فى أنه تم التلاعب فيها وعليه تم تتويج رئيس آخر فأصبح حاتم السر رئيساً مع إيقاف التنفيد.ويقول المؤلف: تنبهت أن الحزب قدمني لمهمة صعبة، فنفس الحزب الذي أمثله قدم بالأمس لذات الموقع رجلاً بقامة الزعيم الأزهري !لم يكن جديداً عليّ أن أعرف أن حزبي اختارني لمقام كان يشغله رجل بقامة الزعيم الأزهري وقائد بقامة مولانا السيد أحمد الميرغني، فهما من تم اختيارهما خلال الديمقراطيات من قبل الإتحادي ليشغلا منصب الرئيس، وهما من صاغا وجدان أجيالٍ اتحادية أقف أنا اليوم بإرادة الله على طليعة أحدها، ها هو اليوم حزبي يفعلها من جديد ويريدني أن أكون مثلهم، ملهماً للجيل، كانت ليلةً صعبة، أذكر أنني كم تمنيت لو أني لم أفكر في الأمر فقد أصبح هاجساً، فأنّى لي أن أتسامى وأقف رصيفاً لأسماء خالدات في تاريخنا بقامة هؤلاء الرجال، أحفظ أنهم نقلوا عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لقد أتعب أبوبكر من بعده، وكم أتعبني أن يجعلني حزبي مرشحاً لمقام كان يشغله رجال بنبل وسمو وعظمة وقامة الرئيس الازهرى والرئيس الميرغنى. حسبي أني رضيت بقضاء الله وقدره، وأخذت منسأتي ورفعت عصاتي، واعتبرت أن الأمر في كليته تكليفٌ حزبي جديد، ولا يعدو إلا أن يكون كسابقاته، فقد تعودت أن أصبح وأجد الحزب وضعني في ثغرة من ثغور الواجب فما كنت استنكف أن أحمل ما يعينني عليها وأمضي؛ ولم أعتد أن أسأل لماذا أو أين، فإني قد نذرت الحياة أصلاً خدمةً لهذا الحزب ومبادئه التي تمثلني وتمثل قومي من ديمقراطية ومحبة وسلام، لذلك كان القرار بإعتماد ترشيحي رئيساً للجمهورية امتدادا لتلك التكاليف الحزبية، البعض يظنه تشريف لي، ولكني أخذت الأمر بأنه تكليف حزبي، ولكن بروق الماضي كانت تطل، والإنسان هو الإنسان تتنازعه أمور كثيرة، وأنا بشر مثل البشر، لا يعني كوني وقفت ضد صلف الشموليات أني لا أخاف، ففي القلب شئ مثل الخوف دائماً، هو ليس خوف كما يعرفه الآخر، ولكنه قلق من أن لا نحيا صناعة المجد ولحظة الحرية، تردد بين الحياة للوطن والموت لأجله وذاك تعبير سنعود عليه لاحقاً، توالت عليّ الإتصالات وقطعت لحظات توجسي وتأملي لما أقبل عليه، لا أنكر أن الطيبين الذين يتحلقون حولنا ويساندون بعبارات يرونها عادية، لهم فضل لا نستطيع وصفه، منهم نستمد طاقتنا لمقاتلة الطغيان ودباباته، ومن ابتساماتهم نرى في أنفسنا أبطالاً لأننا لا زلنا نحمل الإبتسامة.الإتصالات كان لها أثر كبير، توالى الناس علي وهم ينادون (السيد الرئيس نبارك) كان لفظ السيد الرئيس مربكاً فأنا تعودت على ألفاظ أخرى الأستاذ، الشقيق، المناضل، الأخ، تلك المسميات الودودة التي تعكس لك تقدير الناس لما تقوم به وقدر مشاركتك لهم في هدفهم في بناء الوطن الديمقراطي، هم الآن وبمجرد الترشح وصلوا لمرحلة أن أقاموك قيّماً على حلمهم، إماماً يريدون أن يكون البطل بين لحظة وضحاها، مدوا إلي بسيفهم وقالوا اقتل الأسد!. "السيد الرئيس لا نقبل منك تراجعاً ولا تهاوناً القصر قصرنا نحن بنيناه ويجب علينا أن نعود إليه لنرتب سوداننا".أ.هـ كان ذلك صوت شيخ ستيني يتصل من إحدى دول المنفى، تلك الدول التي استقبلت واستقطبت خبرات السودان الطويلة وآوت أبناؤه، منذ أن هجّرهم حكم المشير جعفر نميري في بداية السبعينيات ومنذ أن هجَّرهم انقلاب الجبهة الإسلامية بقيادة (د.الترابي- العقيد البشير) "على الترتيب" في الثلاثين المشؤومة من يونيو 1989م، لم أعد أستطيع أن أحمل أفكاري القديمة التي تتحدث بغضب عن الوضع، أنا لا أؤمن بممارسة السياسة في ظل الدكتاتوريات، لا أعتقد أنه يجدي أن نتحرك في هامش يطرحه النظام، لا أصدق أنني قد أكون رأس رمح في انتخابات ديكورية، لكني ملزم الآن أن أحمل هذه الأحلام العراض التي يبذلها هؤلاء، بقدر إيماني بضرورة مقاطعة الإنتخابات إذا لم تستوفي الشروط الديمقراطية أنا مطالب بأن أتحرك بإسم حزب حاز في آخر انتخابات 1986م على أعلى شعبية عددية (5 ملايين ناخب)، لقد أصبحت الآن مجبراً على خوض الإنتخابات نزولاً لرأي الحزب فقد وضعوها الآن على عاتقي.كانت اللحظات الأولى هي الأصعب، فقد رأيت دموع الشيب والشباب وآمالهم، لم أكن أظن أن اختيار رئيس من الإتحادي سيحمل كل ذلك الطغيان العاطفي الغريب كل هذه الفوران من المشاعر والخطب، لم أكن أنه سيفجر ذلك المداد المتفرد من المحبة، كانوا كمن يبحثون عن طوق نجاة وقدم الإتحادي لهم "حاتم السر" طوقاً للنجاة، جعلني الإتحادي أحمل أحلاماً لا يقوى على حملها أحد، أصبح الشباب الإتحادي يتقاطر على رأس كل ساعة علي، كنت في داخلي أتمنى لو أن عيناي كاميرا لتصور ما أرى، حتى يعلم الذين يدعون أن الإتحادي يعيش عجزاً في شريحة الشباب، من جاءني في الساعات الأولى كانوا شباباً في زهور العمر بهم حماس يهد الجبال، لم يكن بينهم اتفاق واضح في الملامح أو الجهات، جاءوا بعفوية لم يكن بينهم أي تنظيم أو اتفاق مسبق، جاؤوا زرافات ووحدانا، ولكن كان هتافهم دوياً هزني قبل أن يهز السودان كله، حتى قبل أن أتخذ قراري بالمضي في أمر الإنتخابات اتخذوا هم القرار وأعلنوا النتيجة، لم أرتب أوراقي لربح المعركة، نعم كنت مخلصاً لترتيب أوراق الحزب ورسم سيناريو انتصاره، لكني لم أكن أتخيل أن أكون أنا المرشح وأنا الفارس وأنا المنتصر!، كان هتاف أولئك الشباب داوياً هزّ أعماق قلبي وأدهشني، ولا زال إلى الآن يدوي ولا أحسبه سيصمت قريباً، لم يكن يحمل الكثير من المفردات، كانوا يصيحون "حاتم حاكم للسودان"، "عاش أبو هاشم عاش أبو هاشم"، "يا إنقاذ زمانك ولى نحن الحزب الصنع الدولة".

إدارة الانتخابات..إدارة شائهة..نزاهة غائبة
يتعرض الفصل الخامس من الكتاب لادارة العملية الانتخابية ويوصفها المؤلف بانها كانت ادارة شائهة ومراقبة ناقصة وحيادية مفقودة، ويوجه وابلاً من الانتقادات للمفوضية القومية للانتخابات مشيراً الى انها لم تضطلع بمهامها بحيادية ونزاهة.واستعرض المؤلف المدارس والاتجاهات الفقهية فيما يتعلق بالجهة التى يسند لها مهمة ادارة ومراقبة العملية الانتخابية فى الدول الديمقراطية.وأورد المؤلف فى هذا الفصل من الكتاب النصوص الكاملة من قانون الانتخابات الخاصة بالمفوضية القومية للانتخابات، مبيناً بالدليل القاطع انها لم تقم بدورها كما نص عليه القانون.

وقال ان المفوضية استطاعت بجدارة وكفاءة لا تحسد عليها مخالفة كل القوانين والاعراف الانتخابية واثبتت انها اصبحت أداة فى يد حزب المؤتمر الوطنى لتضييق الخناق على بقية الاحزاب.وأبان المؤلف أن أحزاب المعارضة تكالبت على نقد المفوضية واتهامها بالانحياز للمؤتمر الوطنى الذى ظهر جلياً بتكوين لجان الانتخابات بالولايات من عناصر تابعة للمؤتمر الوطنى، وتسجيل افراد القوات النظامية فى مواقع العمل بدلا عن مواقع السكن، والتوزيع غير العادل للدوائر الجغرافية، وتدخلها بمنشور يمنع المسيرات والندوات للاحزاب اثناء الحملات الانتخابية الا بعد استئذان الجهات الادارية التابعة للمؤتمر الوطنى.وأشار المؤلف الى تجاهل المفوضية للمذكرات الاحتجاجية والشكاوى التى رفعت لها من احزاب المعارضة وقال ان تعاملها مع الشكاوى بصورة استفزازية وسلبية أظهرها فى نظر تلك الجهات بانها غير مستقلة وغير محايدة بل منحازة كلياً للحزب الحاكم الدى قام باختيار أعضائها وفصلها على مقاسه منذ البداية.

تدشين الحملات الانتخابية...عبقرية المكان:
في الفصل السادس: جرى استعراض للدلالات والمعانى والاشارات التى يعكسها إختيار كل مرشح رئاسى لمكان تدشين حملته الانتخابية.حيث بدأ بمدخل وضح فيه المؤلف لمادا إختار الرئيس الامريكى باراك أوباما فى عام 2010 القاهرة مكاناً لتوجيه خطابه للعالم الاسلامى.وعزى ذلك لعبقرية المكان باعتبار ان القاهرة تمثل قلب العالم العربى وبالتالى فان توجيه الرسالة الامريكية للعالم الاسلامى منها لا تخلو من دلالات هامة ومغزى كبير.وأوضح الكاتب ان الوعى بعبقرية المكان وسحره وتأثيره موجود فى السودان منذ قديم الزمان، وقال من هذا المنطلق كانت الدراسات للمفاضلة بين الاماكن التى تخيرها المرشحون الرئاسيون لانطلاق حملاتهم الانتخابية وتدشينها، حيث دشن مرشح حزب المؤتمر الوطنى المشير عمر البشير من أستاد الهلال بام درمان.

وإستغرب المؤلف لهذا الاختيار وقال لم أجد إرتباطاً بين نادى الهلال برمزيته الرياضية وحزب المؤتمر الوطنى يدعو الاخير لتدشين حملته من هناك، اللهم الا اذا أراد مرشحهم الرئاسى أن يستقطب جماهير النادى الواسع العضوية.وإستحسن المؤلف إختيار الاستاد ياسر عرمان مرشح الحركة الشعبية لرئاسة الجمهورية لمنزل القائد الوطنى الثائر البطل على عبداللطيف الماظ بالموردة بام درمان مكاناً لتدشين حملته الانتخابية، وبرر ذلك بأن عرمان يستلهم تاريخاً ماجداً لثائر وطنى ضد الاستعمار ويربطه بالحاضر الذى يحتاج لابطال وحدويين مثل على عبداللطيف.

وعرج المؤلف الى السيد الصادق المهدى مرشح حزب الامة لرئاسة الجمهورية الذى مضى فى طريق من سبقوه ودشن حملته من نفس المدينة أم درمان ولكن من دار حزب الامة حيث أرجع بعض المراقبين ذلك الاختيار الى ان السيد الامام فى حد ذاته يشكل تاريخاً ورمزية كبيرة ولا يحتاج الى ارث تاريخى لينطلق منه.أما الدكتورة فاطمة عبدالمحمود مرشحة الاتحاد الاشتراكى لرئاسة الجمهورية فقد خرجت بالحملات الانتخابية من أم درمان الى الخرطوم بحرى ودشنت حملتها من سراى الزبير باشا رحمة بالجيلى ضاحية الخرطوم بحرى حيث لم يخلو إختيارها من رمزية تاريخية فالرجل على طول الجدل المثار حوله لعب دوراً تاريخياً مشهوداً.

ولحق بها فى الخرطوم بحرى مرشح الحزب القومى لرئاسة الجمهورية الاستاد منير شيخ الدين الذى دشن حملته الانتخابية من ضاحية الحاج يوسف بشرق النيل بالخرطوم بحرى فى دلالة لا تخلو من مغزى ومعنى واشارة الى التهميش الذى تعانيه هده المنطقة واشارة الى انه يسير فى نفس خطى الراحل الاب فليب عباس غبوش الذى ظل تاريخيا يترشح ويفوز فى هده المنطقة.أما مدينة الخرطوم فقد كانت على موعد لانطلاقة حملة مرشح الحزب الشيوعى لرئاسة الجمهورية الاستاذ محمد ابراهيم نقد فقد اختار الشيوعيون ميدان العلمين بالسجانة وأضاؤوه على طريقتهم الخاصة فى تنظيم الكرنفالات وهو اختيار لا يخلو من رسالة ذات معانى ومضامين ودلالات فيكفى الاشارة الى الى ان هذه المنطقة بما تضمه فى احشائها من أحياء عريقة مثل السجانة والمايقوما والديوم الشرقية وشارع الحرية تشكل حدود الدائرة الانتخابية التى حملت الاستاد نقد على الاعناق الى مقاعد البرلمان قبل إتقلاب الانقاذ فى 1989م.

أما عن نفسه فقد فرد المؤلف صفحات طوال حكى فيها لماذا هاجر الى الاقاليم لتدشين حملته الانتخابية ووضح فيها كيف تم إختيار مدينة كسلا؟ ولماذا كسلا من دون سائر المدن السودانية؟ وصور للقارىء الكريم مشاهد إستقبال الميرغنى بكسلا وهو فى ركبه ومعيته، وقال إن أحد الاعلاميين الأجانب عندما رأى ذلك المشهد الذى سمى بـ(الزلزال) قال له كسلا حسمت الانتخابات لصالحك واستطيع ان ابارك لك.فرد عليه الاستاد حاتم قائلاً:هدا لو كنا فى بلد تحترم أصوات هؤلاء الناخبين!إنى أخشى أن ترمى أصواتهم فى البحر!وأثبت المؤلف بان أصوات الناخبين بكسلا فعلاً جرفها نهر القاش ولم يكن لها أثراً فى نتائج الانتخابات.

البرنامج الانتخابى..(رؤية السودان 2020)
تضمن الفصل السابع من الكتاب البرنامج الانتخابى الذى خاض به المؤلف إنتخابات رئاسة الجمهورية ابريل 2010 باسم (رؤية السودان 2020) وأوضح المؤلف أن البرنامج الذى طرحه لخوض الانتخابات يمثل ميثاقاُ صادقا بينه وبين جماهير الشعب السودانى وهو ميثاق يقوم على المعرفة والصدق والواقعية في الطرح وعلى الالتزام والإخلاص والتجويد في التطبيق وعلى الشفافية وإعلاء مبادئ طهارة الحكم في المراجعة والمتابعة.

وأكد أن برنامجة (رؤية السودان 2020) يمثل محاولة للتعاطي مع قضايا الوطن من خلال منظور متفرد من حيث: تناوله للقضايا وفق إطار كلي ومتكامل من المرتكزات والمبادئ والقواعد العامة والوسائل والغايات.رؤيته للمشكل السوداني ومعالجة قضاياه في البعدين الآني والمستقبلي.عدم التوقف عند معالجة ظواهر المشكلات بل البحث في جذورها.اعتماده على مباديء أساسية كركائز ومقومات للرؤية الإستراتيجية.ربطه بين الوسائل الممكنات والآليات والغايات الإستراتيجية التي تهدف الرؤية لبلوغها وفق أطر منهجية وزمنية محددة. العمل على استلهام التجارب الوطنية الرائدة والأستفادة من الإرث الإنساني في معالجة المشكلات المماثلة.

وقال المؤلف إن كافة المعالجات والحلول التي تطرحها هذه الرؤية إنما كانت نتاج رصد ومتابعة ومعايشة وجهد مثابر وعمل دؤوب موضحاُ أنه خلف كل برنامج أو مشروع نطرحه في إطار هذه الرؤية تفاصيل وحقائق عن واقع الحال الذي نعايشه ومدى التدهور الذي حدث، مدعومة بأوراق العمل والمعلومات والإحصاءات التي ستأخذ طريقها بمشيئة الله تعالى للخطط والاستراتيجيات والبرامج لتكون هاديا ومرشدا للمعالجات الجادة والخطوات العملية الملائمة لمعالجة المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يعانى منها السودان.وإستعرض المؤلف السمات والملامح الأساسية لبرنامجه الانتخابى المسمى (رؤية السودان 2020) قائلاُ إن الرؤية تقوم على اربعة مرتكزات أساسية هى:
1- دولة المواطنة.
2- السلام العادل.
3- الوحدة.
4- الديمقراطية.

وتستهدى الرؤية بسبع مبادىء وقواعد عامة وحاكمة للبرنامج وهى:
1- الاصلاح والتطوير.
2- رد المظالم وجبر الضرر.
3- التنمية المستدامة والرؤية الاقتصادية.
4- العدالة الاجتماعية.
5- الحريات العامة وحقوق الانسان.
6- الحوار الوطنى الشامل.
7- الشفافية والحكم الراشد.

وتعمل الرؤية على الاستفادة من الامكانات التى توفرها سبع من المعينات والوسائل والممكنات الاستراتيجية وهى:
1- تشريعات فعالة وسياسات متكاملة.
2- موارد بشرية مؤهلة.
3- خدمات تتمحور حول المواطن.
4- إدارة مالية كفؤة.
5- حكومة مؤسسية رشيدة.
6- شبكات حكومية تفاعلية.
7- إتصال حكومى مؤثر.

ويستهدف البرنامج تحقيق عشر غايات إستراتيجية بنهاية الاطار الزمنى للرؤية 2020 وهى:
1- الهوية الوطنية المتميزة.
2- إنشاء دولة قوية ذات مكانة.
3- إقتصاد تنافسى يقوم على المعرفة.
4- تنمية بشرية كاساس للتنمية الشاملة.
5- نظم تعليمية حديثة ورفيعة المستوى.
6- نظام صحى عصرى ومتكامل.
7- بنى تحتية متكاملة.
8- عدالة قضائية مستقلة وناجزة.
9- مجتمع آمن وأسرة سعيدة.
10- بيئة سليمة وخالية من الاخطار.

الشباب.. الدور الحاسم فى الانتخابات
فى الفصل الثامن تطرق المؤلف لدور الشباب فى المعركة الانتخابية الاخيرة باعتبارهم عنصرا حاسما فيها لانهم حسب الاحصائيات الرسمية يمثلون حوالى 50% من تعداد الناخبين أى أن نصف عدد المقيدين بالسجل الانتخابى من شريحة الشباب.وتناول المؤلف التباين فى وجهات النظر حول الاتجاه الغالب لخيار الشباب مابين الافتراض القائل أن غالبيتهم سيكون ميولهم الانتخابى لصالح مرشح حزب المؤتمر الوطنى باعتبار أنهم فتحوا أعينهم بعد إنقلاب الانقاد وبالتالى لا يعرفون غير قيادات المؤتمر الوطنى، ومابين الافتراض القائل بان غالبية الشباب سيكون ميولهم الانتخابى لصالح المرشحين الدين ينادون بالتغيير باعتبار أن هده الشريحة عانت من مشاكل حقيقية بسبب سياسات الانقاد أبرزها مشاكل البطالة والفقر والحرب.

وعرج المؤلف الى الحديث عن حملته الانتخابية ودور الشباب في إنجاحها وقال:ما وجدته من مؤازرة وتأييد وإلتفاف من جانب الشباب قد فاق خيالى وكان أكبر من توقعاتى، ومضى الى القول:أثبت شباب الحزب الاتحادى الديمقراطى قدرات تنظيمية وسياسية واعلامية وادارية عالية المستوى خلال الفترة الانتخابية ولو لا عمليات التزوير الواسعة التى تمت لتبدل الحال وتغير المآل وقد أثبتوا جدارة وتوفقاً وكان وجودهم ملموسا ومحسوسا فى ميدان المعركة الانتخابية وفى قلب الحدث يصنعون التاريخ ولا يكونون مجرد شهود عليه.ومضى المؤلف فى إشادته بدور شباب حزبه فى العملية الانتخابية قائلا: لقد تحملوا ظروفا صعبة وعملوا فى اجواء قاسية وتعرضوا لمضايقات ومخاطر وتحديا فما لانوا ولا وهنوا وما ضعفوا ولا استكانوا واصروا على تحدى الصعاب وقهرها من أجل إعلاء راية الوطن وتحقيق العدالة لشعب المليون صابر ونشر مبادىء حزب الحركة الوطنية التى صاغها الرواد الاوائل ونصرة مرشح الحزب، ودكر المؤلف انه عندما إجتمع لأول مرة مع مجموعة من شباب الحزب وطلاب الجامعات وقفوا لتحيته وهم يرددون: (نحن معاك لا نفوت لا نموت، لا تجهجهنا العساكر، لا دقينات المساخر، لا الكلاب الأمنجية) فقال عندها ادركت ان هده الكوكبة من الشباب الدين إمتلأت نفوسهم المؤمنة بالعقيدة النضالية والوطنية قادرون على بناء وطن وبعث أمة.وعزز مشهدهم عندى الايمان بقيمة الشباب وقدرتهم على تغيير الخارطة السياسية.

وأشار المؤلف الى ان تصدى شباب الحزب لادارة الحملات الانتخابية فى العاصمة والولايات كان له اكبر الاثر فى تغيير الصورة النمطية عن الحزب الاتحادى الديمقراطى لدى الرأى العام، أنهت ودحضت حملات الاغتيال المعنوى الدى كانت تمارسه أجهزة الدولة الاعلامية وحزبها ضد حزبنا وتصويره على أنه حزب بدون شباب عضويته من الشيوخ المنقرضين .ودعا المؤلف الى إفساح المجال للشباب فى حزبه وبقية الاحزاب الأخرى لقيادة المسيرة بروح العصر ولغته فهم الاكثر قدرة وتأهيلا لدلك.

فنون وجنون وطرائف الانتخابات
ومن المحاور التي رصدها الكتاب، وأفرد لها الفصل التاسع، تناول ظاهرة التقليعات الجديدة والبدع الدخيلة والغريبة على العملية الانتخابية فى السودان.مشيراً الى أن فنون الانتخابات وجنونها فى السودان وصلت الى درجة إستحداث وتصميم زعاريد وزفات إنتخابية بواسطة سماسرة وبيوت خبرة يعرضون خدماتهم للمرشحين بمقابل مالى كبير نظير عمل موكب ومسيرة ضخمة تحمل صور المرشح وترفع شعاراته بالزغاريد تجوب كل الارجاء والحساب بالثانية بالنسبة للزغرودة وبالكيلومتر بالنسبة للموكب.

كما تعرض المؤلف الى ظاهرة أخرى دخيلة على العملية الانتخابية، مشيرا الى أن الثيران قد دخلت المعركة الانتخابية من باب آخر غير أبواب الرموز، حيث تبرعت الهيئة القومية لترشيح البشير والتى يراسها سوار الدهب بعدد 200 ثور لم يعرف على وجه التحديد فيما أستفاد منها فقد اجتهد البعض وقال تم بيعها ليستفاد من ثمنها، وفى رواية تم دبحها لتكون وجبات لفرق الحملة الانتخابية، وفى رواية أخرى دبحت ووزعت لحومها لكسب اصوات الفقراء والمساكين.

وتحدث المؤلف عن تفنن شركات الدعاية ومكاتب الاعلان فى الترويج للمرشحين فى الانتخابات الرئاسية الاخيرة، وقال ان شركات عربية واجنبية دخلت السوق من هدا الباب، مشيرا الى الانتخابات أحدثت متغيرات فى الاسواق حيث ارتفعت اسعار القماش والورق والطباعة وايجار الكراسى والمايكرفونات وشهد قطاع النقل وايجار السيارات انتعاشا فى الحركة بعد حالة الركود التى كان يعانى منها.وقال المؤلف ان تقليعات المؤتمر الوطنى لم تقف عند ايجار الزغاريد، وصنع الزفات، بل تعدتها الى مجالات أخرى مثل إستقطاب كبارالفنانين والشعراء والرياضيين بشتى السبل لصالح حملة دعم ترشيح البشير.

المال عصب الانتخابات
ونظراً لأن التمويل يلعب دوراً مهماً فى العملية الانتخابية، فقد تم تخصيص فصل من الكتاب للحديث عن دور المال فى الانتخابات.وفى هدا الاطار عرض المؤلف جوانب من قانون الانتخابات السودانى تبين ما وضعه القانون من ضوابط واسس للتمويل، وانتقد المؤلف إغفال القوانين السودانية دات الصلة بالعملية الانتخابية وتجاهلها الحديث عن تنظيم عملية تمويل الحملات الانتخابية للمرشحين مكتفية بالحديث عن قضايا فرعية مثل نفقات الدعاية الانتخابية وتحديد سقف لها واهملت الحديث عن القواعد المحددة لتنظيم عملية التمويل للاحزاب والمرشحين على غرار ما فعلت التشريعات فى عدد من دول العالم، مستعرضاً تجاربها فى الموقف من تمويل الحملات الانتخابية ومصادرها وأوجه صرفها وأثرها على العملية الانتخابية.ثم واصل المؤلف إستعراض ما اسماه بـ فظائع سرقت حلم السودان بدأها بالحديث عن إستخدام سلاح المال السياسى وتوضيح كيف أنه أثر على نزاهة العملية الانتخابية موضحاً ان المؤتمر الوطنى قام باستثمار ظروف الناخبين وفاقتهم وفقرهم بالدات فى بعض الولايات الطرفية حيث تسؤ الحالة المعيشية وتكثر حالة عدم الوعى السياسى وتنتشر الامية وتكون للجنيه الواحد قيمة كبيرة فى تلك الاصقاع النائية.هناك ظهر المال السياسى وكانت ابشع مناظره ظاهرة شراء الاصوات بمقابل نقدى يتم الاتفاق عليه بواسطة سماسرة معروفون بين الناس حيث بلغ سعر الصوت فى بعض المناطق 5 ألف جنيه سودانى.وأشار المؤلف الى أنهم قد قاموا بتوثيق العديد من هده الخروقات التى تشكل خروجا على القانون وقدموا شكاوى بهدا الصدد للمفوضية القومية للانتخابات ورفعت طعون اما القضاء ولكن لم يتم البت فيها.

الصوفية على خط العملية الانتخابية
فى الفصل الحادى عشر من الكتاب سلط المؤلف الأضواء للتعرف على سياق مشاركة الصوفية فى العملية الانتخابية الاخيرة فى السودان، والبحث عن أثر تلك المشاركة، وعمّا إذا نجحت الصوفية في قطف ثمار انخراطها في العملية الانتخابية أم أنها دفعت ثمن هذا الانخراط من شعبيتها؟ .وأفرد المؤلف مساحة واسعة فى هدا الفصل لتبيان التناقض الاساسى والجوهرى ما بين الصوفية والمؤتمر الوطنى، وعزا إنحياز جزء منهم لتأييد مرشح المؤتمر الوطنى(الحزب الحاكم) ليست لقناعة، وإنما لاعتبارات مختلفة من بينها درء شرور النظام ومنعه من التغلغل فى أوساط البيوتات الصوفية وشق وحدتها.وصحح المؤلف المفاهيم الخاطئة التى روج لها الاعلام الحكومى وحاول ترسيخها فى الداكرة مثل قوله بوجود تحالف بين الصوفية فى السودان والمؤتمر الوطنى.

وبرر أسباب التباعد بين الطرفين بان الصوفية فى السودان يعتبرون تاريخيا ان حركة الاخوان المسلمين التى خرج من رحمها حزب المؤتمر الوطنى والجماعات السلفية والوهابية هم خصمهم التقليدى.بالاضافة الى عمق الصراع الفكرى والعقدى بين الصوفية والجماعات الاخرى التى من ضمنها المؤتمر الوطنى.

الاعلام والانتخابات..حياد سلبى ومصداقية مفقودة
خصص المؤلف الفصل الثانى عشر من الكتاب لتغطية المشهد الاعلامى أثناء الانتخابات الرئاسية الاخيرة بالسودان.وقام برصد وتحليل أداء وسائل الاعلام السودانية خلال العملية الانتخابية لمعرفة ما إدا كانت قد إلتزمت بالمهنية والحياد فى أدائها وتغطيتها للمواد الاعلامية دات الصلة بالعملية الانتخابية؟ والى اى درجة طبقت قواعد المساواة بين المرشحين فى اغراض الدعاية الانتخابية؟ وهل قامت وسائل الاعلام بتغطية نشاطات الاحزاب والمرشحين بصورة موضوعية ومحايدة؟ وهل قامت باحترام القوانين والمواثيق المحلية والدولية اثناء تغطيتها للحملات الانتخابية للمرشحين؟ وهل قامت وسائل الاعلام السودانية بدورها الكامل فى تمليك المواطنين المعلومات اللازمة والضرورية عن العملية الانتخابية والمرشحين والاحزاب والبرامج حتى يتمكنوا من اختيار افضل من يكثلهم؟ ودهب المؤلف الى أن الاجابة على هده الاسئلة تقودنا بالضرورة الى حتمية الاقرار بان المشهد الاعلامى خلال الانتخابات لم يكن خاليا من العيوب، بل كان مليئاً بالنواقص والسلبيات والقصور.وعزا المؤلف القصور الدى شاب الاداء الاعلامى خلال الانتخابات الاخيرة بالسودان الى الهيمنة الحكومية الصارخة على الاعلام الحكومى والخاص، بالاضافة الى خضوع وتبعية الاجهزة الاعلامية الحكومية الى تأثيرات السياسيين من الحزب الحاكم اكثر من تغليبه للمعايير المهنية.وكشف المؤلف عن الانحياز الدعائى الصريح والواضح لاجهزة الاعلام خلال الانتخابات لمرشح المؤتمر الوطنى باعتباره رئيس الجمهورية الحالى.

واعاب على اجهزة الاعلام استخدامها بواسطة كوادر المؤتمر الوطنى كمنابر لتشويه المنافسين لهم فى الانتخابات من خلال بث الاخبار غير الصحيحة وترويج الاشاعات.واعترف المؤلف بوجود بعض الظواهر الايجابية فى تغطية بعض وسائل الاعلام للعملية الانتخابية واصفا اياها بـ المحدودة.ولم يغب عن المؤلف فى تناوله للمشهد الاعلامى السودانى خلال الانتخابات الاخيرة دور الاعلام العربى والاجنبى حيث وصف اهتمامه بالانتخابات بانه غير مسبوق وقال ان وجود الاعلام الاجنبى المكثف بالسودان خلال فترة الانتخابات لعب دورا مهما فى توازن الرسالة الاعلامية بين المرشحين ووفر منبرا محايدا لهم وجعل من احتكار الجزب الحاكم للاجهزة الاعلامية الحكومية امرا غير دى جدوى. حتى لا يأخذ علينا البعض أننا أصدرنا أحكاماً جزافية وانفعالية بشأن أداء أجهزة الإعلام السودانية أثناء الحملة الانتخابية، وحتى لا نتهم بأننا حملنا على وسائل الاعلام واعتبرناها مشجباً علقنا عليه فشلنا فى الانتخابات ولئلا يزعم أحد ما أننا انطلقنا من أرضية التبرير; تبرير الخطأ أو الفشل، لا أرضية التحرير، تحرير المجتمع من أوهام الأغلام، وحتى لا يدعي أحد أننا في حكمنا على أداء وسائل الاعلام لم نراع المعايير العلمية، يجب علينا أن نساهم في وضع القارئ الكريم في الصورة، ليس تبشيعاً بسلوكيات دول العسكر ولا حتى انتهاراً لطغيانها، ولكنه تأمل في الواقع وتشريح له، لنضع لبنات بناء الدول الحرة، الدول التي تاهت في نفق التحول الديمقراطي، فلا هي تقتنع بأنها عسكرية ولا أهلها يعيشون الديمقراطية، هذه الدول تمر بمرحلة خطيرة تستدعي منا أن نبذل وسعنا في التوصيف والتشخيص، وننقل ما نستطيع رؤيته من كل الزوايا، ونحاول الحل، فإن لم نفلح في وضع الحل المناسب والقوي الذي يستطيع أن يضعنا في الطريق، فعلى الأقل نكون قد أهلنا غيرنا واختصرنا عليهم الطريق ليبدأو الحل من نقطة انتهينا إليها نحن. لسنا بأنبياء ولا معصومين، ولكننا لسنا بالشياطين، نحن اخترنا أن نغالب الأوهام ونسعى في سبيلنا دون تردد، بنينا تقيمنا للواقع الإعلامي على أساس، ولا ننكر أنه في إحدى أوجهه تلامس مع التجربة الشخصية، فليس هنا أوثق من أن تعايش الحدث، لذلك فنحن نوثق في هذه المرحلة جزء من معايشتنا الشخصية اللصيقة لمسار الإعلام السوداني هبوطاً وصعوداً، ونؤسس التوثيق على معرفتنا لأدق تفاصيل الضغوط التى مورست من قبل السلطة الحاكمة على بعض مؤسسات الإعلام وذلك بحكم ما يربطنا من علاقات صداقة مع هذا الوسط الاعلامى تكونت على مدى سنوات طويلة توليت فيها مسؤولية العمل الاعلامى فى المعارضة (التجمع الوطنى الديمقراطى) وفى الحزب الاتحادى الديمقراطى حتى يومنا هذا، حتى أصبحت بشكل من الأشكال عضو في المنظومة الإعلامية السودانية، روح الزمالة بيني وبين الكثير من الأساتذة الاعلاميين كسرت حواجز الإنتماءات فكان الغضب يتسرب إلي لا محاباةً لصفتي الشخصية، ولكنه كان جأراً بالشكوى من زميل إلى زميله.

وشدد المؤلف على أن تركيزه على إظهار الجوانب السلبية فى أداء أجهزة الإعلام السودانية أثناء مرحلة الانتخابات وتجاهله للملامح الإيجابية على قلتها لم يكن القصد منه التقليل من أهميتها أو تسويق وجهة نظر حزبية وتسجيل الانتصار لها، بل أن ما نقوم به هو مجرد محاولة للتوثيق من خلال رصد العيوب والثغرات والنواقص والسلبيات حتى يمكن تلافيها مستقبلاً.وأكد أن انتخابات ابريل كانت مأساة انتخابية مستدركاً أنها لم تكن أول انتخابات ولن تكن آخر انتخابات، وإن حكمنا فى النهاية على أداء أجهزة الإعلام السودانية أثناء الفترة الانتخابية يأتى من منطلق سياسى عام أكثر من كونه دراسة مهنية متخصصة، ولكنه تأسس على معطيات مهنية، اصطحبت تقارير المراقبة العامة التى وثقت للتجربة، وحملت الرؤية السياسية.

وأكد المؤلف قائلا:من الصعب تصور إمكانية إجراء انتخابات ديمقراطية فى بلد ما من دون دور أساسي بل وحاسم لوسائل الإعلام في تشكيل رأي عام ووعي لدى الناخب حول المرشحين الذين سيقترع لهم ولآرائهم ولمواقفهم من القضايا التي تهمه.

الانحرافات والتجاوزات الانتخابية
فى الفصل الثالث عشر من الكتاب قام المؤلف فى هذا الجزء بنشر ما رصده المراقبون من وقائع تزوير ومشاهد حية لتجاوزات وأخطاء مهدت الطريق لفوز المؤتمر الوطنى وخسارة بقية الاحزاب المنافسة، وأورد نماذج من التجاوزات والانحرافات والأخطاء التى شابت العملية الانتخابية فى كل مراحلها فحولتها إلى مسخ مشوه .وقال ان ابرز تلك الممارسات تتمثل في قيام مرشحو المؤتمر الوطني ومنتسبوه بممارسة أساليب الترغيب والترهيب لكسب الأصوات على أساس شراء الأصوات والتزوير السافر، والقيام بتزوير إرادة الناخبين. وأشار المؤلف الى انهم من خلال تقارير معتمدة وموثقة قاموا بتسجيل جملة من التجاوزات والانتهاكات أثناء العملية الانتخابية شملت عدة مراحل هى :ترسيم الدوائر الجغرافية، السجل الانتخابى،الترشيح، الحملة الانتخابية، الاقتراع، الفرز والعد وإعلان النتيجه، الطعون أمام المحاكم وأجملها فى الآتى: جاء التعداد السكانى سابقا لعملية ترسيم الدوائر وقد كان خطوة أولى فى طريق طويل نحو التزوير وقد حمل التعداد مغالطات مكشوفة مثل تعداد ولايات دار فور الذى فاق ال ٨ مليون نسمه بالرغم من الحرب الدائرة ونزوح الملايين من الإقليم، كما حمل مفارقات مثل أن يكون تعداد سكان هيا أكثر من تعداد سكان مدينة بورتسودان والتى تعتبر من المدن ذات الكثافة السكانية العالية وكذلك فاق تعداد سكان همشكوريب تعداد سكان مدينة كسلا والأمثلة كثيرة وليس هناك أدل على فساد الإحصاء السكانى من الاتفاق بين المؤتمر الوطنى والحركة الشعبية على تأجيل الانتخابات فى ولاية جنوب كردفان وزيادة عدد مقاعد الولايات الجنوبية فى المجلس الوطنى .

لذلك جاء تقسيم الدوائر ويحمل بين طياته كل الفساد والتزوير لأنه كان مبنيا على نتيجة التعداد السكانى فحصل المؤتمر الوطنى على التقسيم الذى يريده بزيادة عدد الدوائر فى المناطق التى أرادها كما شطرت وقسمت الدوائر التى فيها نفوذ تقليدى للقوى السياسيه الأخرى. عمد المؤتمر الوطنى فى هذه المرحلة على تقليل عدد المسجلين فى مناطق النفوذ الحزبى التقليدية وذلك عن طريق شهادات السكن التى تقوم باستخراجها اللجان الشعبية التابعة له وزيادة نسبة التسجيل فى مناطق معينه مثل دارفور والخرطوم وقد كان المنشور الذى أصدرته المفوضية بواسطة أمينها العام (جلال محمد احمد) قاصمة الظهر للنزاهة والشفافية إذ لا يعقل أن تقوم المفوضية بمخالفة القانون الذى ينظم أعمالها وذلك بإصدار منشور سمح بموجبه للقوات النظامية بالتسجيل فى مواقع عملها وبمخالفه صريحة وصارخة لقانون الانتخابات وقواعده الذى حدد ضوابط التسجيل ومنها الإقامة فى موقع التسجيل لمده لا تقل عن ثلاثة أشهر وحتى أن المنشور لم يضع أى ضوابط لتسجيل تلك القوات وفبمجرد لباس الزى العسكرى (طبعا متاح للكل (يمكن التسجيل ودون التأكد من هوية المسجل أو مكان عمله أو سكنه، وقد عاس المؤتمر الوطنى فسادا فى هذه الجزئية بمساعدة المفوضية . وتم نشر السجل الانتخابى الابتدائي والذى كان يحمل مظاهر الفساد بين طياته لذلك كانت الاعتراضات من قبلنا والطعون أمام المحاكم التى لم تلتفت لها.

الترشيح : قدم الحزب مرشحين على مستوى رئاسة الجمهورية والولاة والدوائر الجغرافية القومية والولائية والقوائم الحزبيه والمرأة فى كل الولايات وقد مارس المؤتمر الوطنى إرهابا على مرشحى الحزب وذلك بتقديم طعون لا أساس قانونى لها متمنين أن تقوم المحاكم بإلغاء ترشيح أولئك حتى يكون الفوز مضمونا لهم دون الحوجه لخيار التزوير والذى اضطروا له لاحقا ولكن كانت الدائرة القانونية للحزب قدر التحدى فتصدت لتلك الطعون كمثال لذلك الطعون المقدمة فى مواجهة مرشحى الحزب لمنصب والى الجزيرة ودائرة رفاعة .

كما قدم المؤتمر الوطنى مجموعه من المرشحين لا تنطبق عليهم الشروط القانونية ومنها العلم بالقراءة والكتابة وذلك بعدة دوائر منها ما هو بالقضارف أو البحر الأحمر وقد تجلى ذلك الأمر بأحد دوائر الحصاحيصا حينما تم ترشيح شخص أعمى فكيف له أن يكون ملم بالقراءة والكتابة ( هؤلاء سيكونون ممثلى للشعب تحت قبة البرلمان للدفاع عن حقوقه وحين الطعن فى تلك المخالفات أمام المحاكم المختصة كانت كالعادة مؤيده لأفعال المؤتمر الوطنى .

فترة الحملة الانتخابية شهدت مجموعة مخالفات للمؤتمر الوطنى تمثلت فى الآتى :كل القنوات الفضائية والإذاعات العامة والخاصة داخليا وخارجيا وكذلك بعض الصحف تعمل فى الدعاية للمؤتمر الوطنى . استغلال المؤتمر الوطنى لإمكانية الدولة بما فى ذلك افتتاح المشروعات التى كانت مؤجلة إلى حين الحملة الانتخابية والوعود بالمشروعات الجديدة. الصرف الغير محدود للمؤتمر الوطنى والذى لم تحدد له المفوضية سقفا إلا بعد نهاية الفترة وذلك بمخالفة القانون وقد كان المؤتمر الوطنى وقتها صرف ما يفوق ال ٣٣ مليون دولار. شكلت المفوضية لجنة إعلامية لتوزيع الفرص فى وسائل الإعلام القومية بين الأحزاب فخصصت بعض الدقائق لمرشحى الرئاسة ودقائق أخرى لتقديم برامج الأحزاب ولم تكن هناك عدالة فى توزيع الفرص خاصة وأن المؤتمر الوطنى مهيمن على المقاليد الإعلامية . أصدرت المفوضية منشورا لتنظيم الحملة الانتخابية وذلك لتقييد القوى السياسية فى مواجهة المؤتمر الوطنى . المنشور سئ الذكر والخاص بالقوات النظامية من أثاره أن أصبحت ثكنات تلك القوات شريحة هامه فى حسم النتيجة لذلك كانت الحملة الانتخابية مستهدفة لتلك الشريحة فتقدم الحزب بطلبات للجان الانتخابات بالولايات بالسماح لمرشحيه بدخول تلك الثكنات لطرح برامجهم الانتخابية إلا أن الرد كان ودون تردد هو الرفض.

. وبالإضافة إلى ذلك فقد أفسدت الانتخابات بمجموعة كبيرة أخرى من الانتهاكات التى رصدتها لجان المراقبة المستقلة وأثرت بدورها على المصداقية الضائعة للعملية الانتخابية. وقد تضمنت هذه الانتهاكات: استمرار سياسة الاعتقالات السياسية وشراء الأصوات والعبث المتعمد فى قوائم الناخبين رصدت تقارير مندوبونا تفشى ظاهرة العنف خلال العملية الانتخابية فى مراحلها المختلفة بصورة غير مسبوقة تركزت فى المناطق التى تنافس فيها مرشحوا حزبنا مع قيادات بارزة من الحزب الحاكم ففى دائرة الدبة قام أنصار مرشح المؤتمر الوطنى بالتهجم على مهرجان التدشين الكبير الذى أقامه أهل الدائرة لمرشحهم ابن المنطقة والقيادي البارز بالحزب الاتحادي السيد طه على البشير واعتدوا بالضرب على بعض منتسبى الحزب الاتحادى وأصابوهم إصابات بالغة وجروح كبيرة والأمثلة على ذلك كثيرة إذ لم تسلم ولاية من الولايات من أعمال عنف مورست ضد المعارضين للمؤتمر الوطنى فى الشمالية وفى سنار وفى نهر النيل وفى القضارف وفى الخرطوم وغيرها من المناطق الأخرى.

فقد استمرت اللجنة فى تلقى تقارير عديدة عن انتشار حالات الاعتقال المنظم لمؤيدي حزبنا فى معاقل تركزهم فى مناطق نفوذهم . امتلأت مقرات الاقتراع فى معظم الدوائر بقوات الأمن الذين قاموا فى معظم الحالات بالتدخل لمنع مؤيدى المعارضة من دخول اللجان. فيما سمحت لمؤيدي حزب المؤتمر الوطني فقط بالدخول .وقد شكل التدخل المنظم للقوات الأمنية لصالح الحزب الحاكم انتهاكا واضحا لقواعد الحرية والعدالة فى الانتخابات فنزع عنها المصداقية والنزاهة بالكامل. وندعو لان يكون دور القوات النظامية هو حفظ الأمن والنظام على أن لا يتعدى بأى حال من الأحوال حفظ النظام العام دون التدخل لصالح أو ضد أى من الأطراف المتنافسة فى العملية الانتخابية أن كنا نريدها حرة ونزيهة وذات مصداقية فى مناطق عديدة قام مرشحو المؤتمر الوطنى ووكلاؤهم بتسخير كل إمكانيات الدولة لصالح مرشحى المؤتمر الوطنى كما قاموا برشوة الناخبين بصورة علنية وبمبالغ كبيرة من اجل ضمان أصواتهم. فى معظم الحالات سجل المراقبون حدوث أنشطة دعائية وتأثير على إرادة الناخبين بالترهيب والترغيب قام بها مرشحو المؤتمر الوطني داخل وخارج اللجان. كما سجل المراقبون حالات عديدة من منع مندوبي مرشحى المعارضة من الدخول إلى اللجان، وحالات متعددة من تعديل قوائم الناخبين. كما أن الشكاوى من المواطنين حول الأخطاء فى قوائم الناخبين فى جميع الدوائر كانت مستمرة.

شهادة المنظمات الدولية حول العملية الانتخابية
خصص المؤلف الفصل الخامس عشر من كتابه حول الانتخابات الرئاسية فى السودان لتقارير المنظمات الدولية خاصة منظمة هيومان رايتس ووتش، مركز كارتر، وبعثة الاتحاد الاوربى، وأورد النص الكامل لتقارير بعثات المراقبة الخاصة بتلك المنظمات حرفياً بدون تدخل من جانبه.وقال إن تقارير بعثات المراقبة للمنظمات الدولية قد أثبتت صحة قولنا بعدم نزاهة الانتخابات التى لم يشهد لها بالشفافية سوى حزب المؤتمر الوطنى ومفوضية الانتخابات.

بعثة الاتحاد الأوروبي
وصفت بعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة الانتخابات السودانية، العملية الانتخابية التي جرت في السودان في نيسان/أبريل ٢٠١٠ بأنها عانت من اضطراب عام، ونواقص في الإطار الانتخابي، وقالت إنها رصدت مخالفات خلال فترة الحملة الانتخابية، بجانب أحداث عنف خاصةً في الجنوب، وأكدت البعثة في تقريرها النهائي عن الانتخابات، أن العملية نقصتها الشفافية وتجاهل الاحتياطات التي تمكن من ضمان النزاهة، ودفعت الانتخابات المشينة الاتحاد الأوربى للتقدم بـ٤٦ توصية للاستفادة منها في الانتخابات المقبلة .وأكدت فيرونك دي كيسر رئيس المراقبين وعضو البرلمان الأوروبي ببرج الفاتح أن الأصوات التي حصل عليها الرئيس عمر البشير في الانتخابات، أكثر مما أعلنته المفوضية، وأرجعت الأمر إلى أخطاء في إدخال البيانات بالحاسوب، وقالت: هنالك عدم شفافية في المسألة، وأوصت كيسر بمزيدٍ من الوضوح من الناحية القانونية، لا سيما فيما يتعلق بالشكاوى والطعون، ودعت لتغيير ميثاق العمل السوداني للمراقبة الانتخابية ليتوافق والمعايير الدولية لمراقبة الانتخابات، ونادت كيسر بتعديل دستوري ومؤسسي بعدم عقد الانتخابات التشريعية والتنفيذية على كل المستويات في نفس الوقت في المستقبل، وقالت: يجب ألا يسمح بأعضاء إضافيين في البرلمان الوطني بدون تغيير دستوري مسبق، وأي تغيير في الأمر سيقوض الطبيعة المنتخبة، وأوصت بمراجعة الحصانات القانونية لأعضاء مفوضية الانتخابات الواردة في القانون، وتعديله ليتطلب نتائج تفصيلية لمحطات الاقتراع، ودعت للمراجعة الشفافة والمهنية للسجل الانتخابي. وأشارت كيسر إلى ضرورة أن تعمل المفوضية على تأسيس ميثاق عمل للأحزاب السياسية والمرشحين المتنافسين، وأن يشمل الميثاق العقوبات القانونية المنصوص عليها في حالة عدم التوافق، ودعت رؤساء الجيش والشرطة خاصة في الجنوب لإصدار الأوامر لموظفيهم بعدم التدخل بأيّة طريقة في عمليات الفرز والاقتراع والتجميع ونقل الأوراق وأكد تقرير بعثة الإتحاد الأوروبي لمراقبة الانتخابات التنفيذية والتشريعية ٢٠١٠ فى السودان أن العملية الانتخابية شهدت نواقص هامة وفقا للمعايير الدولية ولكنها تمهد الطريق للتطور الديمقراطي في المستقبل.

هيومن رايتس ووتش
وبعد الانتخابات صدر تقرير مفصل من منظمة هيومن رايتس ووتش جاء فيه ذكر الانتهاكات الحقوقية، وأصدرت المنظمة يوم 26 أبريل 2010 فى نيويورك بيان الخلاصات الذى ورد فيه: أن القمع السياسي والانتهاكات الحقوقية في شتى أنحاء السودان − بالإضافة إلى الإخفاقات الإدارية والمشكلات الفنية − شابت أول انتخابات سودانية تشهد تعددية حزبية منذ أكثر من عشرين عاماً. وقالت هيومن رايتس ووتش أن على السلطات السودانية أن تحقق على الفور في انتهاكات حقوق الإنسان التي وقعت وأن تقدم المسؤولين عنها للعدالة.وقالت المنظمة إن إعادة انتخاب الرئيس عمر البشير، التي أُعلن عنها في ٢٦ أبريل/ نيسان ٢٠١٠، ليس لها أثر قانوني على اتهامات المحكمة الجنائية الدولية المنسوبة إليه، على حد قول هيومن رايتس ووتش. وقالت جورجيت غانيون، مديرة قسم أفريقيا في هيومن رايتس ووتش ان ما حرك قلقنا إزاء هذه الانتخابات هو المشكلات الفنية التي اعتورتها وانتهاكات حقوق الإنسان التى تقوض من حرية ونزاهة التصويت في شتى أنحاء السودان وأثناء الانتخابات الوطنية، من ١١ إلى ١٥ أبريل /نيسان، أفاد مراقبو الانتخابات الدوليون والوطنيون بمشكلات وثغرات لوجستية وإدارية كثيرة، بالإضافة لمزاعم تزوير، منها تصويت الفرد أكثر من مرة والتلاعب بصناديق الاقتراع. وكانت العملية الانتخابية تتسم بالفوضى بشكل خاص في الجنوب، مع الإبلاغ عن مشكلات كثيرة في أغلب ولايات الجنوب. وفي الولايات الشمالية، تبينت هيومن رايتس ووتش استمرار الحكومة التي يهيمن عليها حزب المؤتمر الوطني في التكريس لأجواء تقييدية أثناء عملية الانتخابات، عبر المضايقات والتهديدات والاعتقالات للناشطين، وأعضاء المعارضة، ومراقبي الانتخابات.

ووثقت هيومن رايتس ووتش حالات أقل من القيود المفروضة على الحقوق السياسية عنها في الشهور السابقة، لكن الشرطة وضباط الأمن مستمرون في ارتكاب انتهاكات حقوقية. كما ظلت القوانين القمعية مطبقة، على النقيض من المطلوب بموجب اتفاق السلام الشامل لعام ٢٠٠٥. في أحد الأمثلة بالخرطوم، قام عناصر من الشرطة والأمن في ثياب مدنية باعتقال ناشطة تبلغ من العمر ١٨ عاماً في ٣١ مارس/آذار، وتم احتجازها لمدة ليلة، واستجوبوها بشأن توزيع منشورات، تدعو فيها الناس للتصويت ضد حزب المؤتمرالوطني . وضعوني في حجرة مظلمة طيلة ساعات، وراحو:» وقالت لهيومن رايتس ووتش يسألوني من يدعمني وكم أتلقى من النقود كما وثقت هيومن رايتس ووتش عملية الترهيب أثناء التصويت. ففي أحد الأمثلة من جنوب دارفور، طرد الجنود المراقبين من مركز اقتراع واعتدوا على أحدهم، قائلين.« سنقتل أي أحد يقف ضد البشير »وفي جنوب السودان، اكتشفت هيومن رايتس ووتش ارتكاب الحركة الشعبية لتحرير السودان − التي تهيمن على الحكومة الإقليمية، لانتهاكات عديدة وتكريسها لأجواء من القمع أثناء تصويت الأفراد. ورغم أن العنف كان في حده الأدنى أثناء عملية التصويت، إلا أن هيومن رايتس ووتش وثقت عدة وقائع من الاحتجاز التعسفي وترهيب الناخبين، وأعضاء المعارضة ومراقبي الانتخابات من الأحزاب السياسية، ومراقبي الانتخابات المحليين، من قبل قوات الأمن في عدة ولايات جنوبية، منها غرب الاستوائية، ووسط الاستوائية، وغرب بحر الغزال، والوحدة، وجونقلي.

بعثة مركز كارتر
أما مركز كارتر فلم يختلف كثيرا عن غيره من الراصدين لنزاهة الانتخابات وموافاتها في مصداقية نتائج الانتخابات للمعايير الدولية إذ شكك فى النتائج التي أعلنتها المفوضية القومية ووصف المركز فرز الأصوات بأنه كان غير منظم في وفوضويا إلى حد كبير، وأن عملية الفرز لم تتم بشفافية وأنها كانت غير منظمة إلى حد كبير وغير شفافة ومعرضة للتزوير الانتخابي وتثير شكوكا جدية في دقة » العملية الانتخابية برمتها وأكد مركز كارتر الذى أشرف على الانتخابات السودانية أن هذه الانتخابات لا ترقى إلى المعايير الدولية.

دور القضاء السودانى فى نزاهة وحرية الانتخابات
فى الفصل الخامس عشر من الكتاب حاول المؤلف بخلفيته القانونية الاجابة على سؤال :ماهو دور القضاء السودانى فى ضمان نزاهة وحرية الانتخابات؟ وعرض فى هذا الاطار المعايير الدولية التى أقرها البرلمان الدولى وأوردها الاعلان الدولى أساساُ لضمان نزاهة وحرية الانتخابات.ومضى المؤلف الى القول بأنه بالرغم من حرص المشرع السودانى التاكيد على استقلال القضاء بنصوص واضحة فى دستور السودان الانتقالى لعام ٢٠٠٥ حيث نصت المادة ١٢٣ الفقرة ٢ على: أن تكون السلطة القضائية مستقلة عن الهيئة التشريعية والسلطة التنفيذية. والمادة ١٢٨ من الدستور السودانى التى توجب أن: يكون قضاة المحكمة العليا وكل قضاة المحاكم الوطنية الاخرى مستقلون ويؤدون مهامهم بدون تدخل.بالرغم من هذه النصوص الصريحة فى الدستور على استقلال القضاء الا أن القضاء السودانى يبقى خاضعا بشكل كبير للسلطة التنفيذية وهو ما يؤكد أن هنالك ثمة فوارق بين النظرية والتطبيق ظهرت بشكل واضح وملموس اثناء سير العملية الانتخابية من خلال انحياز المفوضية الكامل لحزب المؤتمر الوطنى ومن خلال عجز القضاء بكل اسف عن إنصاف من لجأوا اليه متظلمين من عسف الجهاز التنفيذى وجور مفوضية الانتخابات ووضعوا امامه حالات الغش والتدليس والاكراه واستعمال وسائل الضغط وعدم سلامة اجراءات الفرز ودقتها واثبتوا له أن عملية الانتخاب قد تمت بالمخالفة للقانون فكان حالهم كحال المستجير بالجمر من الرمضاء فلم يجدوا الحماية عند الامناء على حماية الحقوق والحريات ولم يجدوا الانصاف عند القائمين على نشر العدالة ولم يجدوا القانون عند المسؤولين عن تطبيق احكام القانون.وساق المؤلف نماذجاُ عديدة من الطعون التى تقدم بها لدى المحاكم المختصة وأورد نماذج من الاحكام التى أصدتها المحاكم بشأن تلك الدعاوى.وقال أن تعامل القضاء بصورة غير مهنية وغير عادلة مع الطعون التى تقدموا بها دفعه للكتابة عن القضاء السودانى ودوره السلبى فى العملية الانتخابية الاخيرة مؤكدا ان لقضاء وقف عاجزا عن ضبط ايقاع العملية الانتخابية ومراقبتها والاشراف عليها والفصل فى مخالفاتها بسبب ميوله الواضح وانحيازه لجهة على حساب جهات أخرى مخالفا بذلك رسالة القضاء السودانى فى الحفاظ على استقلاليته ومهنيته واداء دوره بصورة ممتازة فى المسيرة الوطنية السودانية إلى ماقبل مجىء الإنقاذ للسلطة بانقلابها العسكرى فى يونيو ١٩٨٩ م والذى بموجبه سيطر حزب معين ومجموعة سياسية معروفة على مقاليد الحكم فى البلد وفرضوا هيمنتهم على مؤسسات الدولة كافة وحولوها إلى مؤسسات حزبية بعد أن جردوها من حيدتها وقوميتها واستقلاليتها وجعلوا من مؤسسات حكومية عرفت على مدى تاريخ السودان بالاستقلالية خاضعة وتابعة للسلطة التنفيذية بيد أن مؤسسة القضاء مقارنة ببقية مؤسسات الدولة تعد هى الاكثر تماسكا إلى حد ما وذلك بسبب الموروث القيمى والثقافى والقانونى الذى تحلى به قضاة السودان وحصنهم من الانجراف للدخول كلية فى العملية السياسية.إن الواقع السودانى الراهن يعكس بجلاء أن القضاء فى السودان تعرض خلال عقدين من الزمان منذ يونيو ٨٩ وحتى يومنا هذا للتدخل من قبل السلطة السياسية والتنفيذية فى شئونه المباشرة وبالتالى لم يعد قضائنا مستقلا بدرجة كاملة وان كان هناك قضاة مستقلون والسبب فى ذلك يعود بالدرجة الاولى إلى أن استقلالية القضاء والقضاة لا تتوفر الا فى ظل وجود سياسة مستقلة بالبلاد لان استقلال القضاء يحتاج إلى ارادة سياسية مستقلة وهى مفقودة حاليا إلى حين اشعار آخر.وبعد أن شهد شاهد من اهل القضاء من القضاة الثقاة بفشل الهيئة القضائية فى اداء دورها بالصورة المطلوبة والمرغوبة خلال سنوات حكم الانقاذ للسودان سواء تجاه القضاة انفسهم تدريبا وتاهيلا واعدادا أو تجاه المجتمع فى مجال محاربة الفساد وصون الحريات والدفاع عن حقوق الانسان والحرص على سيادة دولة القانون وفرض هيبته على الجميع لهذا السبب ظل العديد من المراقبين والمهتمين بملف العدل فى السودان يحذرون من خطورة الخروج على الاصول العدلية ومن مغبة ممارسات حكومة الانقاذ التى تعمل على تدمير القضاء وافساد منظومة العدالة من خلال سعيها المحموم إلى وجود قضاة موالون لها داخل الهيئة القضائية لتمرير الاحكام التى تريدها مما يؤدى إلى تعطيل العدالة وافسادها ولهذا السبب رسخ انطباع لدى المواطنين السودانيين بان ثوب القضاء السودانى لم يعد ناصع البياض بل اصبح ملطخا ببقع سوداء يجب أن يتطهر منها لشعورهم بان هناك بعض القضاة الذين ينتمون للحزب الحاكم ويقبلون بتدخلات السلطة التنفيذية والسياسية فى سير العدالة بل يباركون ويبررون ذلك السلوك المشين. فى أعقاب الانتخابات الأخيرة وماشهدته من انتهاكات عديدة مست نزاهة العملية الانتخابية وما جرى خلالها من عمليات تزوير شاب نتائج العديد من الدوائر لصالح مرشحين عن حزب المؤتمر الوطنى وماشهدته من أعمال عنف وبلطجة تمت فى ظل الحياد السلبى للأجهزة الأمنية أو التدخل الايجابى منها لصالح مرشحى حزب المؤتمر الوطنى كل ذلك أبرز أهمية دور القضاء فى عملية الإصلاح السياسى وأدى لتزايد إهتمام غالبية القوى السياسية السودانية على اختلاف توجهاتها بدور القضاء فى الإصلاح السياسى ومن هنا كان الخطاب السياسى حول استقلال القضاء واستعادة دوره فى تحقق سيادة دولة القانون وحماية الحقوق والحريات الفردية والعامة قاسما مشتركا اعظم بين القوى السياسية كافة بيد أن ثمة اتهامات أصبحت توجه للسلطة الحاكمة بتسييس القضاء والتاثير على نزاهته واستقلاله من خلال التحكم فى ميزانية الهيئة القضائية واتخاذ ذلك ذريعة للتدخل فى شئونها ومحاولة السيطرة عليها مما يدعونا للتشديد على ضرورة توفير الاستقلال المالى للسلطة القضائية القائم على استقلال موازنتها.كما أن الواقع اثبت بالرغم من تدخل السلطة التنفيذية فى القضاء الا أن القضاة ليسوا جميعهم قابلين للرضوخ للضغوط الحكومية فهناك شواهد تدل على أن بعض القضاة رفضوا السماح للحكومة بالمساس باستقلاليتهم ووقفوا بشجاعة ضد الضغوط السياسية والامنية التى مورست ضدهم لتسهيل عملية تسييس القضاء والقضاة والحق يقال أن الحكومة لجأت لمواجهة هؤلاء القضاة الرافضين لهيمنتها على مهنيتهم وتدخلها فى شئونهم لجات إلى فصلهم من الخدمة حيث شهدت فترة الانقاذ فصل عدد كبير من القضاة المعارضين لتسلط الحكومة والرافضين للانضمام للحزب الحاكم.ان المتابع لعمليات الرصد والمتابعة والتقارير التى قامت بها بعض المؤسسات المتخصصة يلحظ بجلاء أن الملفات والقضايا ذات الصبغة السياسة عادة توكل إلى قضاة طيعين سرعان ما يتم مكافأتهم وترقيتهم وربما تعيينهم فى مناصب مهمة لذلك كنا وسنظل فى مقدمة الداعين لتحقيق الاستقلال الكامل للقضاء وفصله تماماعن السلطة التنفيذية كما ندعو مخلصين لوضع رؤية متكاملة وخطة محكمة لاستقلال القضاء والقضاة فى السودان ووضع آليات تمنع تورط القضاة فى الفساد أو الانحراف أو المداهنة لاى نظام حكم فى البلاد كما كان يجرى فى مراحل ما قبل الإنقاذ كما ندعو لضرورة أن تبادر الحكومة بالقيام بالإصلاحات القانونية المستعجلة التى من شانها أن تساهم فى خلق نظام قضائى سودانى مستقل ونزيه يتوافق مع المعايير الدولية واحكام الدستور الوطنى وتاتى فى مقدمة خطوات اصلاح النظام القضائى ضرورة اقناع الحكومة السودانية بتوقفها الفورى عن التدخل فى اعمال القضاء حتى يؤدى دوره المنوط به بطريقة عادلة ونزيهة ومستقلة.وحتى تعود للقضاء السودانى سيرته الناصعة وللقضاة مكانتهم المتميزة فى المجتمع لابد من ابعاد كل من دارت حوله شبهات أو شائعات عدم النزاهة من القضاة ولابد من اقالة وابعاد كل القضاة الذين صمتوا على الجرائم الانتخابية التى ارتكبها حزب المؤتمر الوطنى خلال الانتخابات الاخيرة التى شهدت تجاوزات واسعة بشهادة كل العالم.إننا نعتبر بعض القضاة مشاركون فى عمليات التستر على تزوير الانتخابات الاخيرة وذلك بالنظر إلى أكثر من ألف طعن هى إجمالي الطعون الانتخابية في الانتخابات السودانية الأخيرة المنتهية عام ٢٠١٠ عكفت على اعدادها الدوائر القانونية المختصة بالحزب الاتحادى الديمقراطى ورفعتها امام المحاكم المختصة مطالبة بالنظر فيها، لإصدار القرار النهائي بشأن صحة عضوية بعض الأعضاء الذين نجحوا في هذه الانتخابات، بعد أن بينت بالدليل القاطع والحجة الدامغة أن هذه الانتخابات باطلة ويتعين إعادتها مجدداً وبشكل عام رصدت تلك الطعون التجاوزات والانتهاكات في انتخابات2010 .وأحالت عرائضها طبقاً للقانون إلي القضاء لتنفيذ ما انتهت إليه، وأصبحت الكرة في ملعب القضاء الذي خيب ظن الجميع بتجاهله المتعمد لهذه الطعون تحت دعاوى ومبررات واهية ومضحكة.فاتحا باحكامه الجائرة التى اصدرها بخصوص الطعون الانتخابية باباً واسعاً للجدل − لا ينتهي بمرور الوقت − باعتبار أنها تكشف عن قضية جوهرية أصبحت تقلق بال الكثيرين في الفترة الأخيرة حيث إنها لا تتعلق بصحة عضوية البرلمان أو الرئاسة أو الولاية المتنازع عليها بين الخصوم فقط، وإنما تعصف بعدة مبادئ راسخة كالفصل بين السلطات، واحترام الأحكام القضائية.

لهذه الأسباب تم رفض نتائج الانتخابات
الفصل السادس عشر من الكتاب سرد فيه المؤلف الاسباب التى دفعته لرفض نتائج الانتخابات وعدم الاعتراف بها، موضحاً أن رفضه للنتائج مبنياً على سليقة رفض الحيف والظلم ولم، يكن هربًا من الهزيمة ونتاج الديمقراطية،فقال نحن حماة الديمقراطية وبناتها،نحن نحمي من تجئ به الصناديق وتأسيساً على ذلك خاض حزبنا تجربة الانتخابات بالرغم مما شابها من مؤشرات وحقائق التزييف وقمع الحريات والتلاعب في السجل الانتخابي والإرهاب الانتخابي . ومنذ ساعات الاقتراع الأولي رصد مندوبو حزبنا مئات من حالات التزييف والغش والتجاوزات.وفى هذا المنعطف التاريخى المهم وبعد أن انتهت عملية الاقتراع فى جميع انحاء الوطن وفى مهاجر الغربة المنتقاة نضع أمامكم الحقائق التالية :
1- العملية الانتخابية كواحدة من آليات التحول الديمقراطى كان استحقاقا وطنيا وشعبيا من خلال اتفاقية نيفاشا للسلام والتى هى محصلة لنضال كل قطاعات الشعب السودانى وهى ليست منحة من احد.
٢. الحزب الاتحادى الديمقراطى تحسبا لهذا التحول سعى للوصول الى اتفاق حد ادنى للوفاق الوطنى مع الحكومة والقوى السياسية الاخرى ليعالج بشكل جزرى ازمة الحكم فى السودان، إلا أن كل المحأولات لم يكتب لها النجاح بسبب تعنت نظام الانقاذ وتشبثه بالسلطة، بمفهوم واحد إلا وهو أن الوفاق الوطنى يعنى أن يجلس الجميع تحت شجرة الانقاذ وليس تحت راكوبة السودان.
٣ .طرحنا مفهوم الحكومة القومية التى يمكن أن تشرف على الانتخابات لضمان الحيدة والنزاهة وايضا تم رفض هذا الطرح.
٤. طرحنا أن تكون المفوضية العليا للانتخابات بطريقة قومية تشارك كل القوى السياسية فى تشكيلها على أن يكون اعضاؤها ممن عرف عنهم النزاهة والكفاءة وتم رفض هذا المقترح.
٥. تم تشكيل اللجنة العليا لمفوضية للانتخابات من الاسماء المعروفة لديكم وهم قدامى النظام المايوى السابق وتربطهم بنظام الانقاذ الكثير من الخيوط التى تجعلهم لايستطيعون التعامل بنفس القدر بين مرشحى الحكومة والقوى السياسية الاخرى، أن لم يكونوا تحت السيطرة والتوجيه المباشر لمرشحى المؤتمر الوطنى وهذه المسألة القت بظلالها على الاخفاقات والخطايا التى صاحبت العملية الانتخابية. وكانت النتيجة كالاتى:-
١. تم اجراء الانتخابات الخطأ للشعب الصح، وبشهادة المراقبين الدوليين فإن الإنتخابات التي جرت لم تف بالمعايير الدولية المتعارف عليها.
٢. كنا نخشى التزوير ولكن ماظهر اثناء الانتخابات هو افظع وامر وابشع من التزوير حيث أن بطاقات انتخابية خاطئة تم تسليمها لولاية باكملها واستغرقت اجراءات إعادة طباعة وإعادة شحن وتسليم البطاقات الجديدة اكثر من ١٢ ساعة.
3 هناك مرشحين أُسقطت اسماؤهم من البطاقات الانتخابية، وهناك دوائر انتخابية تم .استبدال بطاقاتها مع دوائر اخرى وتم استبدال رموز المرشحين فى بعض الدوائر.
٤ .توصلنا أخيرا إلى أن ماجرى ليست أخطاء إدارية وفنية ومهنية فقط بل ماجرى هو جريمة فى حق الشعب السودانى تضاف اليها اعمال الترويع والبلطجة التى مورست ضد وكلاء المرشحين حيث تم حبس البعض خارج اطار القانون من الساعة ٨:٠٠ صباحا حتى ٤ عصرا .
٥ .سادت الفوضى والاضطراب جميع مراكز الاقتراع داخل وخارج السودان مما فتح الباب واسعا أمام حالات التزوير غير المسبوقة في تاريخ الإنتخابات السودانية. أن سجل الشعب السودانى حافل بالدروس والعبر والمواقف الثورية المنحوتة فى لوحات الشرف وعلى جدران التاريخ القريب والبعيد من عمر الإنسانية... لقد رفعتم رايات العزة والكرامة والوطنية وشهد لكم العالم هبات وثورات أصيلة تاريخية... بهذا أعاهدكم بأن أظل على العهد فى منازلة الخطوب وشحذ الهمم من أجل حقوق المواطنة والحريات العامة وكريم العيش موقفاً صلباً ومبدئياً لا نكوص عنه كما عهدتموه وخبرتموه .وبصفتى مرشحا لرئاسة الجمهورية خضت هذه الانتخابات أعلن الآتى :
• رفضى التام وعدم إعترافى بنتائج انتخابات رئاسة الجمهورية وما يترتب عليها من خطوات لاحقة ولن أشترك فى أى حكومة تعتمد نتائج هذه الانتخابات المزورة.
• أن هذه النتيجة التي تم إعلانها اليوم لم تعكس التمثيل الحقيقي لأهل السودان كما أنها لم تعبر عن إرادة جماهير الشعب السوداني.
• نؤكد تمسكنا بالخيار الديمقراطي كآلية للتدأول السلمي للسلطة عن طريق الإنتخابات على أن يتم مراجعة جميع الأخطاء التي صاحبت العملية الإنتخابية ومعالجة التعقيدات التي أفسدت العملية الإنتخابية على أن يتم العمل مستقبلا على فصل عملية الإنتخابات الرئاسية والولائية والتشريعية من بعضها البعض.
• نؤكد التزامنا بحق الاستفتاء لأهلنا في الجنوب مع استعدادنا التام للعمل بكل ما أوتينا من امكانات لتحقيق الوحدة الطوعية.
• لابد من اجراء تحقيق شامل لكل ما صاحب العملية الانتخابية من خطايا وتزوير وتجاوزات واخطاء ومحاسبة المسؤلين عنها بدءا باللجنة العليا لمفوضية الانتخابات.
وإستشهد المؤلف فى رفضه لنتائج الانتخابات بما ورد فى البيان الذى أصدره رئيس الحزب الاتحادى الديمقراطى مولانا السيد محمد عثمان الميرغنى يوم 19 مايو 2010 وجاء فيه:إن الحزب الإتحادي الديمقراطي الأصل يعلن رفضه التام للانتخابات الاخيرة وعدم الإعتراف بنتائجها جملة وتفصيلاً، ويطالب بإعادة كاملة للانتخابات على كافة مستويات الحكم في البلاد وللخروج من المأزق السياسي الراهن الذي دخلت فيه البلاد نتيجة لهذه الانتخابات بممارساتها الفاسدة ونتائجها المرفوضة، فإن الحزب يدعو لحوار وطني جامع بين القوى السياسية الوطنية يفضي للاتفاق حول القضايا المصيرية التي تواجه بلادنا في المرحلة المقبلة، وفي مقدمتها ضرورة تضافر الجهود لجعل الوحدة خياراً جاذباً حتى تأتي نتائج الإستفتاء على تقرير المصير لأهلنا في جنوب السودان دعماً وتعزيزاً لوحدة السودان تراباً وشعباً، وكذلك الإتفاق على حل عاجل وشامل لقضية دارفور .إن الحزب الإتحادي الديمقراطي الذي رفع راية الحرية والديمقراطية، وسعى لتحقيق السلام وتأكيد الوحدة عبر إتفاقية الميرغني / قرنق في ١٦ نوفمبر ١٩٨٨ م يشيد بجماهيره التي أعادت التاريخ وهي تتلاحم مع قياداتها أثناء العمل الكبير في حملة الإستعداد للمشاركة في الانتخابات بمختلف مراحلها، أن قيادة الحزب إذ تحي هذا الدور الكبير لكوادر وجماهير الحزب بمختلف قطاعاته الشبابية والطلابية والنسوية والمهنية في جميع بقاع السودان، رغم ظروف القهر والتغييب وممارسات الحكم الشمولي السلطوي لاكثر من عشرين عاماً وضعف إمكانيات الحزب المادية، لعلى ثقة تامة بأن جماهير الحزب ستواصل الجهود والعمل الجاد لتمتين بناء الحزب والإستعداد للجولة القادمة للإنتخابات، والتي ستكون قريباً بعون الله متمسكة بما اتيح من هامش الحريات التي ناضلت من اجلها وحققتها بالكفاح دون منة من أحد وسيكون النصر المؤزر حليفها بمشئة الله طال الوقت أم قصر . كما إننا على ثقة تامة أن جماهير حزبنا رغم غضبتها من عمليات التزوير الفاضحة الواضحة سوف تتحلى بما عرف عنها من يقظة من هذه الظروف الدقيقة التي يواجهها الوطن . وسوف لن تستجيب لأي استفزازات من أي جهة كانت حرصاً منها على سلامة الوطن والمواطنين .

لو كنت رئيساُ للسودان
الفصل قبل الاخير خصصه الاستاذ حاتم السر للحديث عن ماذا كان سيفعل اذا انتخب رئيسا للسودان حيث بدأ بتعريف نفسه بأنه مرشح المؤتمر العام للشعب السوداني ومرشح لكافة الأحزاب الاتحادية وكافة الديمقراطيين والوطنيين والمستقلين وقوى الوسط السياسي وقوى التغيير وكافة الفقراء والمهمشين في الأقاليم وأضاف أنه تعهد وإلتزم للمواطنين الكرام بأنهم لو إنتخبوه رئيساً لهم أن يقوم بالاتى: نحن امة وشعب عملاق تسبقنا سمعتنا الطيبة أينما ذهبنا وحللنا.

نحن أفضل بكثير من إن يكون قدرنا ما شاهدناه في العشرين سنة الماضية من بطش وتنكيل وإقصاء. نحن شعب كريم متسامح بحيث لا يمكننا إن نسمح للمواطنين الفقراء منا بالموت على أرضية المستشفيات من جراء الإهمال الرسمي للدولة، لعدم قدرتهم على شراء الدواء الغالي. نحن شعب طيب وكريم بحيث لا يمكن لسياساتنا وقرارات سياسيينا حول التعليم الأساسي إن تؤدي إلى حرمان الآلاف من ابنائنا من التعليم لعدم سدادهم الرسوم المدرسية، وان تؤدي إلى انتحار تلميذ في ولاية النيل الأبيض أو الجزيرة لعدم قدرة والده لسداد رسوم دراسته الأولية. نحن شعب مسلم أكرم من إن نمسك جثث بعضنا كرهينة للرسوم الصحية وفاتورة المستشفيات والمستوصفات الخاصة الباهظة الثمن.

نحن شعب طيب وكريم بحيث لا يمكن إن يكون غذاء أبنائنا طلاب الجامعات فتة (بوش).ولا يمكن إن يكون فراشهم التشرد وهمهم وجل تركيزهم في رسوم الاسكان قبل إن يكون في تحصيل الدرس والعلم. نحن امة ذات قيم واخلاق ووازع ديني أكثر من تكون جرائم اغتصاب الأطفال وقتلهم هي الجريمة الأولى المنتشرة الآن في السودان.لا يمكن إن نكون شعبا كريما وطيبا ونفطنا يتدفق في جيوب الفساد والإهدار في الوقت الذي تموت فيه مزارعنا عطشا. لا يمكن إن نكون شعبا رسالياً وتكون جريمة الفساد المالي وسرقة المال العام والثراء الحرام، وشراء الشقق في دول الخليج واسيا هي الهم الأساسي لهؤلاء الرساليين المتنفذين فينا. نحن بكل تأكيد أفضل من العشرين سنة الماضية. نحن شعب طيب ومتسامح ولكن ولا يمكننا إن نسمح بان تكون بلادنا مقبرة للنفايات المسرطنة.

لا يمكن إن تكون بلادنا مسرحا لغسيل الأموال الدولية في الوقت الذي لا يجد فيه مرضى الكلى في عاصمتنا الدواء اللازم لغسيل الكلى. نحن أكرم من إن نسمح بإفقار شعبنا وأهلنا واستنزاف الريف وتركيز التنمية في عاصمة البلاد فقط. في هذه الليلة أوجه حديثي للشعب السوداني بكل أقسامه المختلفة، بكل أحزابه السياسية ومنظماته المدنية، في مختلف ربوع البلاد، لأقول لهم إن هذه اللحظات التاريخية من عمر الوطن، إن هذه الانتخابات هي فرصتنا للتخلص من هذا الظلام والمضي قدما بشعبنا في طريق النور والتطور، نحو سودان جديد، سودان القرن الحادي والعشرين. في نفس هذه الانتخابات سيطلب منك مرشح المؤتمر الوطني، وذات نظام الإنقاذ الذي عرفتموه بكل سؤته، نفس نظام الجبهة القومية الإسلامية الذي أطاح بالديمقراطية، وظل يحكم البلاد منفردا، سيطلب منكم تجديدا وتمديدا لأربع سنوات أخرى لرئاسته. أربع سنوات أخرى لمواصلة جبروته وتسلطه، أربع سنوات أخرى لمزيد من الفشل السياسي والوطني. ونحن هنا الليلة لنقول للأخ الرئيس البشير، لن يسمح لك شعبنا بفترة رئاسية أخرى في هذه الانتخابات اذا كانت حرة ونزيهة وديمقراطية.

لن يسمح الشعب بان تكون الأربع سنوات القادمة نسخة مكررة من سنوات الإنقاذ الظلامية. في ابريل القادم سيقول الشعب السوداني كلمته، سيقول "كفاية" واحد وعشرين سنة ظلم. مرشح المؤتمر الوطني يتباهى بسجل انجازاته. ولكننا نقول له لا يمكن إن يفوت مثل هذا الكلام على عمال النسيج البسطاء الذين أقفلت مصانعهم في مارنجان والخرطوم بحري لعدم توفر الطاقة اللازمة لتشغيلها ولكثرة الضرائب الباهظة. وسنقول له كيف ستتحدث عن انجازات لمزارعي مشروع الجزيرة الذين نهبت أراضيهم وبيعت للأجانب، وسرق عرقهم وتم بيع ممتلكات مشروعهم وبيع منازلهم ليتركوا في العراء. كيف سيقول هذا الكلام للمواطنين البسطاء في شمال السودان في مناطق المناصير الذين غمرت المياه أراضيهم ومنازلهم وتركوا في الصحراء تتناوشهم الذئاب والرياح. كيف يمكن إن يتحدث عن انجازات في الأمن والاستقرار لمواطني دارفور، كيف يمكنه إن يتحدث للملايين الذين يعيشون في المعسكرات التي تديرها المنظمات الدولية، عن الامن وهم يتغذون على حساب المعونات الدولية. أي انجاز هذا الذي يحول شعبه للعيش في معسكرات النازحين! كيف يتحدث الأخ الرئيس عن توفر الأمن والبلاد يقتل فيها كل فترة طالب أو يختطف من الجامعات بصور تدعو للشكوك. كيف يتحدث عن استتباب الأمن وأطفالنا تأكلهم الكلاب الضالة في أطراف العاصمة هذه الأيام. كيف يتحدث عن انجاز في تصدير النفط والشعب السوداني لا يعلم أي شيء عن أموال النفط وأين تذهب الملايين التي يدرها النفط. كان من المؤمل إن تتحسن الأوضاع المعيشية بتصدير النفط ولكن الذي حدث هو العكس تماما.

أنا اعتقد إن الاخ البشير مرشح المؤتمر الوطنى ونظامه لا يعرفون الطريق الصحيح إنقاذ السودان، وقادوها للطريق المعاكس تماماً في اليوم الذي قفزوا فيه للسلطة بالانقلاب وتركوا طموحات وآمال الشعب خلفهم. دعنا نقول لهم بكل وضوح إن الرئيس البشير خدم النظام والحزب الذي أتى به أكثر مما خدم شعبه ووطنه. وسخر كل إمكانيات الدولة والسلطة والثروة لخدمة المؤتمر الوطني، دون كل الشعب السوداني. إن هذه القناعات هي التي أضاعت البلاد ومزقتها. سجل الإنقاذ واضح وجلي لا يحتاج إلى جدال. بدءا بالمعتقلات وبيوت الأشباح، والفصل من الخدمة العامة لأسباب سياسية، والتشريد، والانهيار الاقتصادي، انهيار التعليم، وسياسات التمييز والتهميش ضد الأقاليم، وبذر بذور الفرقة والحروب، وتفشي الأمراض والجوع وانهيار البيئة وتلوث مياه الشرب وانتشار السرطانات، وإقصاء التجار والمستثمرين الشرفاء من المنافسة في السوق، انتهاءً بتهديد وحدة الوطن وفقد أجزاء عزيزة منه. واحد وعشرين عاما من التردي والفشل.

نقول لهم إن الشعب السوداني لا يرغب في استمرار هذه السياسات، إن الشعب السوداني يرغب في التغيير وفي مستقبل أفضل من واقع اليوم. ونقول لهم إن الشعب لديه معايير مختلفة لقياس التقدم في البلاد. نحن نقيس التقدم بعدد الوظائف الجديدة وانخفاض نسبة العطالة وسط شبابنا. نقيس التقدم بتوفير وسائل الإنتاج الزراعي، وبقدرة الأسرة على مقابلة تكاليف المعيشة، ورسوم الدراسة، والرعاية الصحية، وبقدرتها على توفير قرشا ابيضا لليوم الأسود. نحن لا نقيس تحسن الاقتصاد بعدد العمارات التي انتشرت في العاصمة بصورة فوضوية فى الميادين العامة ووسط المساكن الشعبية، أو بعدد المليونيرات الجدد من أقطاب النظام الذين اثروا بأموال الدولة، ولكن بتوفير الفرص المتكافئة للجميع للتنافس الحر الشريف في السوق، وبمنح الأولوية للاستثمارات التي تعود بالفائدة للمواطنين، ورعاية المشروعات الاستثمارية الصغيرة التي تساعد في خلق الوظائف.

لأنني في الشباب العطالة أرى إخواني وأصدقائي. وفي وجه طفل صغير في شرق السودان يحاول استذكار دروسه رغم انقطاع التيار الكهربائي، أرى أسرتي. وفي وجوه أسرة تم طردها من بيت الحكومة بعد إن تم بيعه وتشريدهم أرى اهلي.ولانني في وجه المشردين والنازحين في دارفور واللاجئين في دول الجوار والغرب أرى شعبي وعشيرتي.وأرى ذلك في وجه الرأسمالية الوطنية التي تم إجبارها على اقفال مصانعها وهجرها بفعل السياسات الجائرة والضرائب الباهظة والجبايات التي تستهدفهم دون سند قانوني، وارى ذلك في وجوه المزارعين البسطاء الذين يشكون ليل نهار لعدم قدرتهم على زراعة وري أراضيهم.

هؤلاء هم أبطالنا ومثلنا الأعلى، ونيابة عنهم سنخوض هذه الانتخابات ولو أصبحت رئيسا منتخبا للسودان فسوف اجعل من اوجب واجبات الحكومة العمل من اجل صالح المواطن وخدمته، لا إن تعمل ضده. عليها إن توفر فرص العيش الكريم للجميع وليس لفئة معينة من محاسيبها، وعليها إن توفر السلام لا الحروب. كما إن الخطوط العريضة لبرنامجنا لمستقبل السودان الجديد ستكون على النحو التالى: هو إن نتفق جميعا اننا نحب هذا الوطن، ولكن علينا إن نعامل بعضنا البعض بكرامة واحترام، وان نفتح الحياة العامة للمنافسة الحرة الديمقراطية والعادلة حيث البقاء للأصلح، وان نوفر شروط الإبداع والاختراع لأنها شروط التطور إن نعمل مع جميع الأطراف على ايجاد حل عادل لقضية دارفور لأنها قضية عادلة، وان نحافظ على اتفاقية السلام الشامل، واتفاقية سلام شرق السودان، وان نؤمن على حق الشعب الجنوبي في تقرير المصير، وان نعمل بقوة لكي يكون خيار الوحدة الوطنية بين الشمال والجنوب خيارا جاذباً.

نؤكد على اهمية حكم القانون، وتسيير العدالة، وضرورة محاسبة مجرمي حرب دارفور، ومحاسبة المفسدين في جرائم سرقة المال العام. إن نحافظ على مكتسبات التحول الديمقراطي التي فرضتها اتفاقية السلام الشامل،لأنها لم تكن منة من النظام الحاكم، وانما ثمرة لمشوار طويل من النضال الشعبي الذي كان رأس الرمح فيه حزبنا العملاق الاتحادي الديمقراطي في قيادة التجمع الوطني الديمقراطي وكافة القوى التي تصدت للطغيان العسكري، وانتزعت هذا الهامش من الحريات وجعلت الانتخابات واقعا ممكنا. إن نعيد النظر في النظام السياسي المعطوب، وبنظرة سريعة للحروب التي دارت في جنوب السودان، وجبال النوبة، وجنوب النيل الأزرق ودارفور وجنوب كردفان، وشرق السودان، نستطيع إن نقول لا احد في هذه الأقاليم سعيد أو راضي بهذه الوحدة. نريد تطبيق النظام الفدرالي اللامركزي لانه فيه حل لمشاكل هذه البلاد، وفيه حل لمشكلة تمركز السلطة والدكتاتورية في العاصمة. لذا لابد من اعادة هيكلة الدولة على أسس جديدة وحديثة. سنعمل على مراجعة كافة القوانين بصورة تلائم المواثيق الدولية لحقوق الانسان وتحفظ كرامته. إن نعالج الأوضاع المعيشية المتدهورة بمعالجات اسعافية سريعة ترفع المعاناة عن كاهل الجماهير، وتخلق وظائف جديدة وتحسن الاجور.

إن نعمل على برنامج اسعافي سريع وتحديث لقطاعي الكهرباء والمياه، اذ لا يعقل إن تعيش مدننا وقرانا في ظلام دامس في القرن الحادي والعشرين، وان يشرب شعبنا المياه الملوثة في بلاد كانت مرشحة لتروي ظما دول الصحراء الكبرى والخليج. إن نعالج الخلل الذي لحق بالنظام التعليمي والصحي ببرامج عالمية حديثة تتبع فيها ارقى وسائل البحث العلمي والتقني، وان نتبع الدراسات الحديثة لكشف أسباب تفشي السرطانات والأوبئة الأخرى في السودان. وسنقوم باعادة تقييم التعليم العالي الذي شهد تدهورا مريعاً، وإعادة السمعة والهيبة للجامعات السودانية. إن تتبع الدولة سياسات تمييز ايجابي تجاه الأقاليم المهمشة والقطاعات الفقيرة بحيث تركز فيها التنمية القادمة، بصورة تؤدي إلى تطوير المدن فيها وتوطين أهل الريف، وإعادة إسكان النازحين والذين شردتهم الحروب في مساكن تليق بهم وتحفظ إنسانيتهم. إن نعيد تخطيط المدن والاسواق بصورة حديثة تواكب التطور والمعايير الدولية ونؤسس البنية التحتية للمدن ونحسن مستوى الشوارع. إن نتبع سياسات اقتصادية حديثة تقوم على اتاحة الفرصة للمنافسة العادلة بشروط مشجعة من الدولة للاستثمار الوطني وخفض الضرائب، بصورة تؤدي إلى خلق وظائف للشعب السوداني. وان نشجع الاستثمار الأجنبي بمحفزات وشروط تفرض عليه توظيف العمالة المحلية ونقل الخبرة والتكنولوجيا في فترة وجيزة.

إن نضع استراتيجة لترشيد استخدام عوائد البترول بطريقة فعالة تدعم القطاعات الإنتاجية الزراعية والصناعية والخدمية وفق أولويات محددة وإجراء المزيد من المسوحات والاستكشافات النفطية والغاز الطبيعي. يشتمل برنامجنا على استراتيجية وسيايسات تؤدي إلى إنشال قطاع الزراعة والثروة الحيوانية من وهدته واتخاذ الخطوات العملية الكفيلة بإعادة تأهيل المشاريع الزراعية القومية الكبري ومعالجة المشاكل التي يعاني منها المزارعون في كافة أقاليم السودان وتوفير التمويل والمدخلات الإنتاجية وغيرها من متطلبات هذا القطاع الحيوي والهام.سنعمل على وضع استراتيجيات وسياسات لجذب القوى البشرية المهاجرة للاستفادة من العقول والخبرات السودانية المنتشرة في دول الخليج العربي وأوروبا وأمريكا الشمالية وتشجيعها للعودة للوطن للمساهمة في تطويره وتقدمه. سنهتم بالشباب باعتبارهم عماد المجتمع وعدته للمستقبل وهم القطاع الحيوي الفاعل ولهذا سيعمل الحزب على إنشاء مراكز الشباب ودعم الأنشطة والأندية الرياضية وتوفير متطلبات النشاطات الثقافية والفنية للشباب والطلاب والموارد اللازمة لممارستها في جميع أنحاء البلاد وذلك من خلال خطط وبرامج محددة لكل نشاط سواءا في المجال الرياضي أو الثقافي أو الفني أو غيره.

وسنعمل على وضع موجهات تضمن ديمقراطية الأجهزة الإعلامية وأهمية تمتعها بالحساسية الثقافية، وتشجيع الطباعة والنشر والاهتمام بالتراث والتنوع الثقافي في أقاليم السودان المختلفة.سيولي حزبنا قطاع الأمن والدفاع بجميع مكوناته أولوية قصوى باعتباره حارس الدستور والنظام الديمقراطي ووحدة الوطن وسلامة أراضيه وتأمين المواطنين في أرواحهم وممتلكاتهم ومكتسباتهم الاقتصادية والاجتماعية وموروثهم الثقافي. وسنعمل على ضمان قومية وحيادية القوات المسلحة والأجهزة الأمنية الأخرى وتسليحها بشكل جيد للقيام بواجباتها بكفاءة واقتدار.

ستقوم استراتيجيتنا في العلاقات الخارجية على إقامة علاقات مباشرة وصداقات وشراكات اقتصادية تقوم على المصالح المشتركة بما ينفع شعبنا ودولتنا. وسنعمل من خلال هذه الاستراتيجية على إزالة ما لحق باسم السودان في المحافل الدولية من تشوهات لحقت به في السنوات العشرين الماضية.هذا هو التغيير الذي ننشده. وهذه هي الأشياء التي سنفعلها.ولكن الأشياء التي لن نفعلها هي تبادل الاتهامات والأوصاف غير اللائقة التي درج بعض قادة الإنقاذ على إطلاقها . نحن نريد من خلال هذه الانتخابات إن نضع أسسا جديدة للتعامل السياسي تقوم على الاحترام المتبادل، بحيث يمكننا الخلاف والاختلاف دون التعرض لكرامة الفرد وشخصيته والطعن في وطنيته.

نحن نمر بوقت حرج للغاية من تاريخ امتنا ونشهد مزيد من الانقسامات الحادة في جسد هذه الأمة السودانية بسبب الصراع السياسي. لذلك ندعو الناس للاتفاق على إن الوطنية ليست لها حزب معين، كلنا نحب هذا الوطن، ونريد له الخير، لذلك عندما ننتخب رئيسا يجب يكون رئيسا لكل السودانيين، وعندما نختار حكومة يجب إن تكون حكومة لكل السودانيين وليست حكومة لحزب واحد. إن ما يواجه السودان هذه المرة، وفي وقت هذه الانتخابات ليست امرا سهلا، لذلك فالانتخابات التي تواجهنا تتطلب وفاقا سياسيا وشعبيا اكبر وتنازلات مصيرية من البعض من اجل مصلحة بقاء هذا الوطن موحدا، لأن ما ضاع خلال العشرين عاما الماضية لا يمكن تعويضه. إن حركة التغيير تسير الان، وان هنالك غليان وتململ وعدم رضا في كل بقاع السودان، يطالب بالتغيير ووضع حد لاستمرار هذا النظام، وهذه السياسات الفاشلة. شهدنا معارضة جميع الأحزاب لهذا النظام، وشهدنا المسيرات، وشهدنا حركة كفاية وحركة قرفنا. هذه الانتخابات ليست عني أو عن الحزب الاتحادي الديمقراطي فقط، هذه الانتخابات حول خياراتكم انتم فهل ترغبون في التغيير لسودان جديد ومستقبل مشرق؟ أم ترغبون في استمرار نفس النظام ونفس السياسات ونفس الوجوه. ان التغيير الذي ننشده لن يأتي من قبل نظام الإنقاذ، إن هذا التغيير يستهدف هذا النظام في المقام الأول. إن التغيير الذي ننادي به لا ياتي منا وحدنا، إن التغيير ياتي منكم جميعا التغيير ممكن وسيحدث لان الشعب السوداني يرغب فيه الان، وان الشعب عندما رغب في سياسات جديدة وقيادات جديدة هب مرتين واسقط الدكتاتوريات العسكرية.لدي قناعة تامة إن هذا سيحدث مرة ثالثة الآن والثالثة واقعة. التغيير قادم لأننا شاهدناه بصعود قيادات شابة جديدة للعمل السياسي في الخرطوم وفي دارفور وفي شرق السودان وجنوب السودان وشماله، رأيناه في عيون الشباب المتطوعين لحملتنا الانتخابية دون التقيد بحزبية معينة.رأيناه يحدث داخل الإنقاذ نفسها عندما رضخت لشرط التحول الديمقراطي الذي فرضه نضال شعبنا الأبي.ورأيناه في قيادات الإنقاذ التي تخلت عنها بعد إن أقرت بفشل نظامها والطريق المسدود الذي يسير فيه بعد إن رأت بعينيها سقوط مشروعها الحضاري.نعدكم بأننا لن ننشد معارضة من الخارج مرة أخرى، لنصارع نظاما دكتاتوريا آخرا، لأن هذا سيكون آخر الأنظمة الدكتاتورية وان أيامه أصبحت معدودة. وان يوم حسابه سيكون يوم ٧ ابريل القادم عندما يقول الشعب السوداني كلمته فيه.فى تلك اللحظات، وفي هذه الانتخابات سيقول الشعب السودان كلمته وسيخطو خطوته الكبرى نحو المستقبل الجديد، نحو الحرية والديمقراطية والسلام، نحو السودان الجديد الذي ينتظركم وينتظر أبناءكم.

ويختم المؤلف كتابه بالفصل الثامن عشر الذى خصصه بالكامل لنشر ملاحق هامة تشتمل على عدد من الوثائق والمذكرات المطلبية والبيانات الاحتجاجية وبعض الدراسات القانونية الخاصة بالعملية الانتخابية بعضها صادر عن لجنة الانتخابات بالحزب الاتحادى الديمقراطى والبعض الآخر عن بقية القوى اسياسية السودانية موجه للمفوضية القومية للانتخابات ومن بين أبرز تلك الملاحق مذكرة من رئيس لجنة الانتخابات بالحزب الاتحادى الديمقراطى لرئيس واعضاء المفوضية القومية للانتخابات بشأن البطء وعدم الوضوح لسير العملية الانتخابية.وهناك مذكرة من القوى السياسية والمرشحين لمفوضية الانتخابات بخصوص علاقتها مع القوى السياسية.بالاضافة الى مذكرة احتجاجية مرفوعة من القوى السياسية الى المفوضية بخصوص خروقات وأخطاء اليوم الاول للانتخابات.ووثيقة تتحدث عن مخالفات المفوضية القومية للانتخابات للقانون المنظم للانتخابات.وهناك مذكرة قانونية عن عدم دستورية انتخابات ابريل 2010.وأورد المؤلف فى هذا الفصل بعض الردود التى كتبتها المفوضية القومية للانتخابات على مذكرات المرشحين والقوى السياسية.
--------------------------------------------------------
(*)نائب رئيس تحرير صحيفة الإتحادى السودانية.

 

الآراء المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

كتاب يحمل دعوة الإصلاح ويساهم في اقتراح أجندته في قطر (أنظر مقدمة الكتاب المرفق رابطها أدناه).

صدر هذا الكتاب عن منتدى المعارف في بيروت (عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. / هاتف: 009611739877).

شارك في طرح موضوعات الكتاب ومناقشتها كوادر قطر معنية بالشأن العام كما يتضح من أسماء المشاركين ومن فهرس الكتاب:

الفهرس:

مقدمة: قطريون من أجل الإصلاح... الدكتور علي خليفه الكواري.

أسماء المشاركين.

الفصل الاول: الدور التشريعي لشعوب دول مجلس التعاون... الدكتور حسن عبد الرحيم السيد.

الفصل الثاني: توجهات التعليم العام والتعليم العالي في قطر... الدكتور عبد الله جمعه الكبيسي.

الفصل الثالث: المدينة التعليمية في قطر: نظرة استطلاعية...الأستاذ سعد راشد المطوي المهندي.

الفصل الرابع: إستراتجية التنمية الوطنية لدولة: مراجعة نقدية... الأستاذ عيسى شاهين الغانم.

الفصل الخامس: السلطة القضائية في دولة قطر... المحامي يوسف أحمد الزمان.

الفصل السادس: الإعــلام القـطـــري...المسيرة والتحديات... الدكتور أحمد عبد الملك.

الفصل السابع: الخلل السكاني.. من يوقف كرة الثلج؟!... الأستاذ محمد هلال الخليفي.

الفصل الثامن: الحاجة للإصلاح في قطر... الدكتور علي خليفه الكواري.

الفصل التاسع: نظرة على الغاز الطبيعي في قطر... المهندس محمد سعود الدليمي.

الفصل العاشر: حالة البيئة في قطر... الدكتور خالد راشد الهاجري.

الفصل الحادي عشر: الحالة الثقافية في قطر... الدكتور مرزوق بشير بن مرزوق.

لقراءة مقدمة الكتاب، اضغط هنــا.

للإطلاع على لقاء الاثنين: الدورة الأولى: http://dr-alkuwari.net/mondaymeeting

لقاء الاثنين: الدورة الثانية: http://dr-alkuwari.net/node/372

المشاركون في لقاء الاثنين: http://dr-alkuwari.net/sites/akak/files/names-until-moday_17.pdf

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

تاريخ بلدان الخليج العربي عبر القرن الماضي كله يؤكًد بأن تلك البلدان تأثًّرت بمختلف أحداث المشرق العربي السياسية وتفاعلت مع التغيرات الثقافية والفكرية في الوطن العربي كلًه.

بعد تفجُّر ثورتي تونس ومصر النًّاجحتين وامتداد آثارهما إلى العديد من أقطار المشرق والمغرب العربيين بنسب متفاوتة، طُّرح السؤال الآتي:

هل ستتأثًّر مجتمعات الخليج العربي بذلك المدٍّ الثوري؟ وقد جاء الجواب سريعاً، أولاً في البحرين ثم في المنطقة الشرقية السعودية، ثم في مسقط، وإلى قدراً محدود في الكويت. ويستطيع الأخوة الأعضاء من تلك الأقطار الحديث عن ذلك.

حالة البحرين: كان تأثًّر البحرين أكبر بكثير من غيرها لأسباب عدًة:

1- وجود إشكالات وقضايا دستورية وقانونية ومعيشية عالقة فملفات من مثل الخلاف حول شرعية دستور 2002 المنحة بالمقارنة إلى دستور 1973 العقدي ، وملف قانون الانتخابات الذي تراه المعارضة منحازاً ضد تمثيل أكثر عدلاً للناخبين الشيعة ، وملف سلطات واستقلالية المجلس التشريعي المنتخب وعلاقته بمجلس الشورى المعيًّن ، وملف ما تسميه المعارضة بالتجنيس السياسي ، وملف ملكية ومضاربات الأراضي البحرية المدفونة ذات الأحجام الكبيرة وتأثيره السلبي على السياسة الإسكانية وذلك بوجود قوائم انتظار طويلة للحصول على سكن قد تمتد بأصحابها من محدودي الدخل إلى الانتظار لعشرين سنة من أجل الحصول على بيت متواضع أو قرض محدود ، وملف الفساد المالي والإداري. كل تلك الملًفات ، وغيرها العديد ، كانت تحتاج إلى حوار بشأنها والتوصًّل إلى حلول معقولة ، لكنًّها ظلُّت عبر العديد من السًّنين معلقة بانتظار طرحها في فترات الهياج السياسي.

2- وجود جمعيات سياسية نشيطة وعلنية ولها أعضاء في البرلمان وأنشطة مجتمعية وإعلامية كبيرة، كذلك وجود نقابات تاريخية منظُّمة ومرتبط بعضها بالجمعيات السياسية. إضافة لذلك وجود مؤسسات مجتمع مدني مهنية وحقوقية ونسائية شديدة التنوًّع والارتباط بالسياسة.

3- وجود شارع مجيًّش سياسياً منذ خمسينات القرن الماضي وقابل للحراك السياسي الجماهيري الواسع والملتزم .

4- تصادف مرور عشر سنوات على العمل بالميثاق الوطني وذلك بتاريخ 14 فبراير 2011 ، ووجود توجُّه لدى جلالة الملك والقوى السياسية لتقييم تجربة ديموقراطية ما بعد الميثاق ولفتح حوار مجتمعي بشأن تطوير تلك التجربة إلى مستويات ديموقراطية أعلى. ولما جاء ت مناسبة 14 فبراير البحرينية في قلب الأحداث العربية الكبرى كان طبيعياً أن تتأثًّر بأطروحاتها وأهدافها ووسائلها واعتمادها الكبير على وسائل التواصل الاجتماعي وعلى قيامها في الأساس على أكتاف الشباب غير المنتظم في أحزاب سياسية ، مثلهم مثل زملائهم الشباب في مصر وتونس واليمن وغيرها.

5- من الممكن إضافة عاملين آخرين وهما : أولاً إجراء جلالة الملك اتصالات ببعض القيادات السياسية والتأكيد لها بأنه شخصياً يفكًّر في إجراء مراجعة تقييمية لتجربة ما بعد الميثاق الديموقراطية ومن ثمُ تطوير العملية الديموقراطية 0 وثانياً ، وجود أكثر من ثلاثمائة معتقل ينتظرون المحاكمة منذ بضعة شهور وينتمون أساساً لجمعيتين انشقتا عن الوفاق ، الجمعية الأم ، ورفضتا الاندماج في الحياة البرلمانية وآمنتا بضرورة تجيش الشارع في كثير من المناسبات. تلك بعض من الأسباب التي جعلت البحرين أكثر قابلية للتأثرٌ بأحداث الوطن العربي المتعاظمة والواعدة.

المراوحة بين الأمني والسياسي

وقد كان لدى الكثيرين انطباع بأن المظاهرات التي عرف عن قرار أصحابها الخروج يوم 14 فبراير ستكون محدودة في العدد وفي التأثير على الأوضاع العامة. وفٌهم أن التوجيهات كانت بالحرص الشديد على سلمية المظاهرات إلى أبعد الحدود ، فلا يقذفون الحجارة ولا يحرقون إطارات السيارات ولا يرفعون أعلاماً غير بحرينية. الموضوعية تحتُّم القول بأن المظاهرات التزمت في يومها الأول بالسلمية وكان بالإمكان إعتبارها نوعاً من حريٌة التعبير عن الرأي الذي يكفله الدستور والميثاق الوطني. لكٌن مقتل متظاهر في اليوم الأول ومقتل أخر يحضر جنازته في اليوم التالي غيًّر المشهد جذرياً. لقد تعمُّد الحراك بالدم ودخل موضوع الأموات الشهداء على مسرح الأحداث. وكان الموضوع من الخطورة بمكان بحيث خرج جلالة الملك نفسه على شاشة التلفزيون البحريني ليبدي أسفه لما حدث ويعلن عن تكوين لجنة تحقيق 0 كما قدُم وزير الداخلية اعتذاراً عمَا حدث وأمر بالتحقيق الفوري.

كانت الخطوتان مهدًئتين وحاملتين لمسؤولية قيادية رفيعة المستوى سياسياً وأخلاقياً 0 لكن ما إن مرُت 18 ساعة تقريباً على تلك الخطوتين الرُائعتين حتى هوجم المتظاهرون في دوار اللؤلؤة في ساعات الفجر وأعلن عن وفاة أربعة من المعتصمين. كان ذلك مفاجئة وإشعالاً لفتنة طائفية. ومن أجل التهدئة أمر جلالة الملك بانسحاب القوات المسلُّحة وقوات الأمن وسمح بالاعتصام السلمي في دوار اللؤلؤة.

عودة المعتصمون إلى الدوار

لكن مع الأسف فان الشهيد الميًّت يظل يصرخ في قبره ليولًّد ألف ثائر حيُ يتكلمون باسمه 0 ولمدة ثلاثة أسابيع التالية ظلُت الألوف تتجمُع في دوار اللؤلؤة وتجوب الشوارع في مظاهرات صاخبة. في هذا الجو المرتبك ارتكب المحتجون في الدوار ، ومعهم الجمعيات السياسية الرًاكضة تلهث من ورائهم ، ما يمكن اعتباره أخطاء وخطايا ، كان من أهُمها ما يلي:

1- جنحت بعض الخطابات اليومية في الدُوار نحو التجريح المبتذل لبعض شخصيات الحكم الكبيرة.

2- ارتفع سقف المطالب إلى حدود غير معقولة من مثل مطلب إسقاط النظام ، أي إسقاط حكم العائلة الحاكمة. وذلك بالرغم من أن هذا المطلب سيعنى نسفاً لمحطات تاريخية أساسية في تاريخ ما بعد الاستقلال البحريني ونسفاً لمواثيق مجتمعية دستورية بين المجتمع والعائلة الحاكمة من مثل الاستفتاء الذي قامت به هيئة الأمم المتحدة في بداية السُّبعينيات وأكٌد عروبة البحرين وارتضاء غالبية كبيرة بحكم آل خليفة ، ومن مثل دستور البحرين عامي 1973 أو عام 2002 وميثاق العمل الوطني في عام 2000اللًّذان نصُا على أن الحكم يكون وراثياً في عائلة آل خليفة.

3- ثم جاءت الطًامة الكبرى عندما طرح بعضهم شعار المطالبة باستبدال الحكم الملكي الحالي بنظام جمهوري فكان ذلك صداماً مباشراً مع الحكم واجتيازاً لخطً سياسي أحمر يهيًئ للعنف.

4- ثم أضيف لذلك إغلاق شارع يمتدُ من دوار اللؤلؤة إلى مرفأ البحرين المالي ، وهو شارع بالغ الأهمية لأنه يمثل المدخل الرئيسي للمنطقة التجارية في وسط العاصمة. هنا انتقلت حريًّة التعبير إلى حريُّة الفعل التي لا يمكن إلاٌ أن تؤدًي إلى الاعتداء على مصالح الغير وحقوقهم. وهذا ما حدث إذ بدأ تجار البحرين بالشكوى العلنيًّة ضدُّ ما اعتبروه تهديداً لمصالحهم وأرزاقهم.

5- ووصل الفعل العبثي إلى قمًته بأخذ قرار التظاهر في منطقة الرفاع ، أمام قصر جلالة الملك وبالرغم من التحذيرات التي أطلقها الكثيرون من أن ذلك الفعل هو عبث جنوني لا مكان له إلاٌ أن بعض المتظاهرين ذهبوا إلى الرفاع وحدثت اصطدام مروعة مع أهالي الرفاع ومع قوى الأمن.

6- إذا أضيف إلى كل ذلك بأن حدث اقتناع عند كثيرين من قادة السنًّة بأن ما يجري كان يتخطُاهم بل وقد يكون ضدٌ مصالحهم ، وبالتالي تجمًّع عشرات الألوف أمام جامع الفاتح للتأكيد على أن الشارع السنًّى له مطالبه ومواقفه السياسية الخاصة به.. أذا أضيف ذلك الانشقاق المجتمعي يتبيًن لنا مدى تعقُّد الموضوع وانتقاله ليصبح أزمة مجتمعية بامتياز. هنا أصبح الدوار أمام ساحة أخرى وأمام حكم.

وهنا وصلت سلطة الحكم إلى اقتناع بأن الكيل زاد عن حدًه وأنه قد حان الوقت لحسم الموضوع.

وهكذا بتاريخ 16 مارس دخلت قوات درع الجزيرة وأصبحت البحرين ساحة صراع إقليمي وأعلن عن تطبيق قانون السلامة الوطنية ( قانون الطوارئ) وأخلي الدٌّوار بالقوة ، بل ومسح نصبه من الوجود ، ودخلت البحرين في جحيم الانشطار الطائفي والمجتمعي الذي لم تعرفه طيلة تاريخها، كما انتقلت البحرين إلى تغليب الحلول الأمنية على الحلول السياسية 0 لقد قبض على الكثيرين الذين جأروا بالشكوى من جرّاء تعذيبهم وتحقير كرامتهم وفيهم الكثير من النساء ، وقُّدم الكثيرون إلى المحاكم العسكرية ، وصدرت أحكام بالإعدام والسجن المؤبد ، وقام ملثمون بفرز الناس عند نقاط التفتيش حسب أسمهم الطائفي ومناطق سكنهم... إلخ

هل كان بالإمكان أفضل مما كان

هل كان بالإمكان تجنٌّب ذلك ؟ نعم ، كان بالإمكان لو تمُ مايلي:

1- عدم التصدي بالقوة للمظاهرات في الأيام الأولى الأمر الذي عُّمد الحراك السلمي بالدٌّم.

2- عدم طرح الشعارات الخاطئة التي سبق ذكرها.

3- الاقتصار على الاعتصام في الدوار وعدم التعرًّض لمصالح الناس المعيشية اليومية.

4- عدم إقحام المستشفي الحكومي الأساسي ، مستشفي السلمانية في موضوع الصًّراع السياسي الذي كان مكانه الدُّوار وشوارع المظاهرات السلمية غير المربكة لحياة المواطنين.

5- عدم تلكًّو الجمعيات السياسية في الدخول في الحوار الواعد الذي طرحه سمو ولي العهد وباركه جلالة الملك. وكان سموه قد طرح نقاطاً هامة كجدول أعمال للحوار. وهنا يجب القول بأن خوف الجمعيات السياسية من فقدان الشارع في الحاضر والمستقبل جعلها تفقد توازنها وتفضًّل التكتيك على الاستراتيجي.

6- عدم تشتُّت وتصاعد المطالب واقتصارها على مطلب تعديلات دستورية معقولة وإصلاحات أساسية لجعل المجلس المنتخب مؤسسة فاعلة ومستقلة قادرة على تحقيق إصلاحات معيشية كثيرة.

7- العمل بجديُّة أكبر وبفهم أعمق لإجراء تفاهم متوازن بين مطالب دوار اللؤلؤة وساحة جامع الفاتح الكبير وذلك من أجل جعل الحوار حواراً بين مجتمع متفاهم متعاضد وسلطة حكم كانت مهيُّأة لقبول الكثير من الحلول الإصلاحية .

8- التعامل من قبل مختلف الجهات مع ما حدث سابقاً وذلك إبٌان فترة قانون السلامة الوطنية ، بتسامح ، وحفظ صارم لكرامة الناس الإنسانية الأساسية ، والرٌفض التام لمشاعر الكراهية والحقد الأعمى والتحدًي الطفو لي ، وتغليب الحلول المدنية على الحلول الأمنية العسكرية ، وممارسة حساسية إنسانية شديدة لروح ومنطوق قوانين الحقوق الإنسانية في التعامل مع أي متُهم ـ وعدم السٌماح لبعض الموتورين بإشعال الفتن الحارقة للجميع.

لقد ارتكب الجميع أخطاء وخطايا وأضاعوا فرصة تاريخية للانتقال بصيرورة الديمقراطية إلى الأمام.

المستقبل أولى

الآن وقد أوقف قانون السلامة الوطنية وطرح جلالة الملك شعاري إعادة بناء اللحمة الوطنية والرجوع إلى طاولة الحوار غير المشروط.. تحتاج الجمعيات السياسية وغيرها من الفاعلين الرسميين وغير الرسميين في حقل السياسة والدٍّين للاستفادة من دروس وعبر تلك التجربة. وذلك للبدء بمسيرة الألف ميل بعد أن كانت تلك المسيرة منذ بضعة شهور أقصر من ذلك بكــــثير .

تحتاج البحرين الآن أن تصعد فوق الطائفية والقبلية والعائلية ، والمهاترات الإعلامية وجنون الموتورين والانتهازيين وأصحاب المصالح الضيٍّقة ، ومماحكات الصًّراعات الإقليمية المذهبية والسياسية... تحتاج أن ترتفع فوق كل ذلك وتغلُّب الوطنيُة الجامعة والدًّين الجامع والعيش التاريخي المشترك ومبادئ الديموقراطية لتصبح البحرين واحة عيش وسلام لجميع أهلها ضمن عروبتها وإسلامها ووطنها العربي الكبير.

هذا تحدً تاريخي يجب مواجهته وفي البحرين عقلاء كثيرون.

*مداخلة رئيسية قدمت في اللقاء التخصصي لمنتدى التنمية، دبي 9-6-2011. سوف تنشر هذه الورقة قريبا مع بقية الأوراق وما جرى عليها من نقاش في كتاب بعنوان "معالم نظام حكم ديمقراطي منشود في دول مجلس التعاون"، يقوم بتنسيقه وتحريره الدكتور علي خليفه الكواري.

الأوراق المنشورة لا تعبر عن رأي الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

أولاً- مقدمة

في شرق المشرق العربي، أو معظم الجزيرة العربية، يقولون عما هو جميل ومؤقت، بأنه "ربيع فايت"، استمتع به أو خذ منه ما تستطيع، فالله وحده يعلم متى من المحتمل أن يتكرر، وقد لا يتكرر في نفس البقعة لفترة طويلة قادمة. لقد كان شتاء العرب طويلاً ومظلماً، ومن مصلحة العرب، كل العرب، أي حكاماً وشعوباً، أن يدوم الربيع العربي، والشراكة الطوعية في الوطن بين الحاكم والمحكوم، هي ما يضمن ذلك الدوام، أما البديل، فحتى الشتاء المظلم، سيكون رحمة، ولكنه غير قابل للعودة، ولنا في بعض نماذج الربيع العربي ... مثال.

شغل العرب خلال معظم القرن الفائت، بوضع حجر الأساس لمشروعهم، ولكنهم توقفوا عن استكمال ذلك الأساس، ودون أساسات، لا يمكن استكمال مشروع البناء، وحجر الأساس، هو حاكم عربي، يبدأ إصلاحياً، وينتهي الأمر به في أن يتحول إلى كل المشروع، أو هو الدولة. ومنذ سقوط الاتحاد السوفييتي في عام 1991، ومشروع الحكم في كل العالم حولنا، تحول إلى مشروع دولة، ومشروع الدولة ببساطة، يعني نقل أو انتقال الشعب من أصفار على يسار الرقم (01)، إلى أصفار ثم أرقام، على يسار الرقم (10)، وذلك يحول الرقم من خانة الآحاد، إلى خانة العشرات، أي يضاعف قيمته عشر أضعاف على أقل تقدير.

والربيع العربي حدث عنوة، إما بإخضاع الرقم لانحناءة قسرية، والعبور من فوقه إلى يمينه، أو من ثقوب في الرقم ناتجة عن محاولات تفجيره للمرور من تلك الثقوب، ونتائجها في الحالتين، ما بين الباهظة في الحالة الأولى، والمدمرة إذ أنها سوف تؤدي إلى تفتت الرقم وتحوله إلى صفر آخر كما في الحالة الثانية. ولا مصلحة لأحد، لا الشعب ولا الحاكم، في ولوج الربيع عنوة، وعلى الحكام العرب جميعاً، أن يعرفوا بأن لا خيار سوى ولوج ذلك الربيع، وأفضله وأقله تكلفة، هو الخيار الإرادي. لقد فشل العرب فشلاً ذريعاً في مشروعهم التنموي، لأن مشروع الحكم يتناقض مع مشروع الدولة، ولا تنمية دون دولة، فالحصيلة كانت تخلف وبطالة، وفوق تلك البيعة البائسة، قهراً وسلباً لكرامة الإنسان، والمقالة سوف تستعرض ماضي العرب، وواقعهم، ومتطلبات المستقبل للربيع الدائم لمن يتبقى منهم دون إصابات قاتلة.

ثانياً- الربيع العربي
1- بعض التاريخ

تختلف أقطار الوطن العربي عن ما حولها في عالم اليوم، باستثناء كوبا وشمال كوريا وماينمار أو بورما، فحتى بداية الربيع العربي، لم يكن في الوطن العربي مشروع دولة، كلها كانت مشروعات حكم، ومشروع الحكم بتكوينه وآلية الإبقاء عليه، يتناقض مع مشروع الدولة. والتنمية الاقتصادية، بالمعنى الذي نعرفه، أي تحقيق وضمان استمرار النمو المستدام، والعدالة النسبية في توزيع منافعه بين الأجيال المتعاقبة وضمن الجيل الواحد، لا يمكن تحقيقه دون مشروع دولة، لذلك، لا مناص من سقوط مشروع الحكم، لأنه لا يحقق أدنى مقومات الاستقرار اللازم لمشروع الدولة.

ومشروع الحكم، غير قابل للديمومة، لأنه يعتمد قواعد أو أسس هشة، وتزداد خطراً وهشاشة بمرور الزمن، أهمها، تقديم الولاء على الأداء في مناصب الدولة الرئيسية، والدولة في الغالب تحتكر كل شيء، والثاني عصا الأمن الغليظة. والولاء ثمنه الفساد والإفساد، والأمن ثمنه التغاضي عن الانحرافات حتى يتحول إلى سلطة مطلقة طاغية وفاسدة، وقليلاً قليلاً، تنحسر الموارد المتاحة للسواد الأعظم من الناس، ويزداد الشعور بالظلم والقهر مع ازدياد الكبت. ومع الانحراف الشديد في توزيع منافع النمو، أو المكافأة للموالين وجهات الأمن، يزداد صراع القمة، وتضيق دائرة الثقة، ومع الزمن، تنحصر في أقرب المقربين، صلبهم من رابطة الدم، وهكذا تحولت الجمهوريات إلى وراثية أسوة بالملكيات.

وبلهجة بدو الشام، تضيق دائرة المستفيدين من المنسف، وتتوسع دائرة الخاضعين للسيف، الحاكم الذي يبدأ بنفس إصلاحي، ينتهي الأمر به يعيش بدائرة ضيقة محكمة لا يرى خارجها، وإغواء السلطة المطلقة والثروة الضخمة، يجعله لا يسمع سوى ما يحب، ويخلق عالمه الخاص به، حيث تختزل الدولة في شخصه والمقربين جداً منه، فلا مدينة ولا جامعة ولا إستاد رياضي ولا ميدان أو شارع رئيسي، سوى باسمه أو باسم من يحب. ولا يختلف حاكم عربي في الجمهوريات أو الملكيات العربية عن الآخر، ولكن تتفاوت فقط حدة اختزال الدولة في شخصه، طبقاً لاختلاف مدى تقدم المجتمع وعراقته، وطبقاً للمدى الزمني الذي مر على حكم الزعيم.

في نوفمبر 2002، يقابل الإعلامي الأمريكي الشهير "دان راذر" صدام حسين، وفي ختام مقابلة طويلة، يسأله عن مدى شعبيته، فيرد صدام حسين مبتسماً، بأنه للتو استلم نتيجة الانتخابات الرئاسية، وكانت المشاركة الشعبية في الاقتراع 100%، أي أن عزرائيل لم يطأ فضاء العراق ما بين تحصين جداول الناخبين وإجراء الانتخابات، أي لبضعة أشهر، وتم التصويت له بنسبة 100%، ويضيف صدام، لا بأس لو أراد "دان" خصم 5-10%، فالشعبية والحب لازالا طاغيان. وفي انتخابات نوفمبر 2010 في مصر، فاز حزب الرئيس أو "حزب الحاكم" بـ 99% من مقاعد مجلس الشعب المصري، وأشرس المنافسة لم تكن مع المعارضة، وإنما بين المحبين له، أو مرشحي الحزب الحاكم، توطئة لتنفيذ عريضة التوقيع بالدم لشرعنة التوريث. ومن يستمع إلى خطاب القائد العقيد القذافي –أو أي زعيم آخر- سوف يلحظ كم هو مهووس بعشق ملايين الليبيين له، وأنصاره يرددون شعار "الله ومعمر وليبيا وبس"، أي "معمر" قبل ليبيا، وربما يقولون أكثر من ذلك في جلساتهم الخاصة، أنهم، أي الزعماء، مغيبون.

ولو استعرنا مؤشراً رقمياً على ما يؤدي إليه اختزال مشروع الدولة بمشروع الحكم، نلحظ أن علاقة النمو الاقتصادي بمنافعه عكسية على مستوى دائرة "السيف" الواسعة، وهو ما يؤدي حتماً إلى تحول كل بلد عربي إلى برميل بارود. إذ تشير آخر الأرقام المنشورة في 02/05/2011 لـ IIF أو "Institute of International Finance"، إلى تفوق الدول العربية في أرقام البطالة، وضمنها تفوق بطالة الشباب المتعلم، أو أعواد الكبريت. ففي كل الدول العربية، بلغ معدل البطالة الكلي في عام 2009 نحو 11.5%، ولكن، بطالة الشباب ضمنه بلغت أكثر من الضعف، أو 25.2%، بينما هذه المعدلات لجنوب وشرق آسيا 4.8% للبطالة الكلية و11.3% لبطالة الشباب، وفي أمريكا اللاتينية 7.7% و15.7% على التوالي. وواضح تفوق معدلات بطالة الدول العربية، ولا فرق في ذلك بين أغنياء العرب وفقرائهم، فمعدل البطالة الكلي في السعودية طبقاً لنفس المصدر هو 10.2% وضمنه بطالة الشباب 23.2%، وفي مصر 9.5% للبطالة الكلية، و27.2% لبطالة الشباب. والمستقبل حتى أسوأ مما تعرضه الأرقام، فالهرم السكاني في المنطقة عريض القاعدة، وفي بعض الدول العربية يبلغ اتساع القاعدة نحو ضعف المتوسط العالمي، ذلك يعني أن وضع سوق العمل سوف يكون أكثر سوءاً لارتفاع معدلات تدفق العمالة الجديدة إليه. وواقع الحال أسوأ حتى في الحاضر، فمعظم الدول العربية، إن لم يكن جميعها، لا تنشر أرقاماً صحيحة عن وضع البطالة، فهي ولأسباب سياسية، ونتيجة غياب منظمات المجتمع المدني، تبالغ في خفضها. وبعض الحاضر أسوأ في سوق العمل لبعض الدول الصغيرة والغنية، لأنها تشتري استقرارها المؤقت بخفض البطالة السافرة مؤقتاً باستبدالها بالبطالة المقنعة مرتفعة التكلفة، بما يخرب رأس المال البشري ويقوض تنافسية اقتصادها، وينقل الانفجار الأكثر عنفاً إلى المستقبل.

لقد وفر الماضي خلطة شديدة الانفجار في معظم الدول العربية، فالفساد الكبير أو الإثراء غير المشروع، وعصا الأمن الغليظة، بما تعنيه من احتباس للبخار، مع بطالة مرتفعة وحقيقتها أعلى من المعلنة، ومضاعفة للشباب ضمنها. لذلك، لم يكن مستغرباً، عندما أشعل البوعزيزي فتيل ثورة تونس، وأن تمتد الشعلة من المحيط إلى الخليج.

2- بعض الحاضر

الوطن العربي أمام واقع لا يختلف عما حدث في أوروبا الشرقية ما بين حراك بداية الثمانينات في بولندا "ليش فاليسا" عندما بدأ حراك ثورة العمال على مشروع حكم العمال، وانتهى بسقوط جدار برلين في آخر الثمانينات، وسقوط الاتحاد السوفيتي في بداية التسعينات. وفي آخر كلمة للرئيس أوباما عند زيارته لبولندا قبل نحو شهر، طلب منها تعليم تجربتها في التحول الديمقراطي السلمي للدول العربية، بينما لازالت الدول التي قاومت التحول الإرادي مثل دول الاتحاد السوفييتي والاتحاد اليوغسلافي، ولاحقاً أوكرانيا وبيلاروسيا، يعانون من تداعيات خطرة لإطالة أمد التحول الطوعي.

وعند قراءة حاضر الوطن العربي، لا يقارن ما حدث في تونس ومصر بما يحدث في ليبيا أو اليمن أو سوريا، ففي تونس ومصر، لم تنحاز المؤسسة العسكرية لمشروع الحكم على حساب الدولة، واختزل ذلك كثيراً من الوقت، وقلل من تكلفة التحول. النموذج الآخر، هو تلك الدول التي أسست مؤسستها العسكرية لحماية أمن الحكم وليس أمن الدولة، وسلمت قياداتها للأقارب ممن ارتبطت سلامتهم ونفوذهم ومصالحهم، بسلامة الحاكم ودوام حكمه، وفي سبيل بقاء غير مستحق، لا بأس بزوال الدولة. السيناريو المحتمل للدول التي دخلت حقبة مبكرة من الحروب الأهلية، سوف يكون سيناريو قريب –وليس مشابه- لما حدث للعراق منذ عام 2003، والعراق دولة أسسها صحيحة، وإن انحرفت إلى لبننة الديمقراطية، أي طائفيتها، ولكن آليات تفعيلها ضعيفة، بعد تدمير كل أسس المجتمع المدني تماماً من قبل مشروع الحكم.

بقية الدول العربية، لديها نفس الخليط القابل للانفجار، وهي إما أنها واجهتها أمنياً مثل البحرين، أو أنها تحاول الإصلاح دستورياً مثل المغرب، أو تحاول شراء الوقت مثل دول الخليج الغنية. وبعد نحو 6 شهور فقط على بداية انتفاضة تونس –17 ديسمبر 2010-، يظل الوقت مبكراً لتقويم مسار الأحداث في المنظومة التي تبدو مستقرة، ولكنها حتماً غير مؤمنة ضد الأحداث، وهو ما سوف نعرض له عند الحديث عن بعض المستقبل. وذلك يجعل حساب التكاليف لهذه المنظومة، وتحديداً التكاليف المباشرة في الوقت الحاضر، أمراً صعباً، لذلك سوف لن يشملها تحليل تكاليف الحاضر المباشرة.

وتشير تحليلات أولية، إلى أن أوضاع كلا من تونس ومصر سوف تسوء قبل أن تتحسن، فالنمو السالب وارتفاع معدلات البطالة واستنزاف احتياطي النقد الأجنبي هي ثمن لا يمكن اجتنابه. فنمو الناتج المحلي الإجمالي في عام 2011 سيكون سالباً بنحو -1.5% لتونس وفي مصر سالباً بنحو -2.5%، مقارنة بنمو موجب لتونس في عام 2010 بنحو 3.4% ولمصر بنحو 5%. ويذكر وزير التكوين المهني والتشغيل التونسي بتاريخ 27/05/2011 من باريس، أن معدل البطالة قفز إلى 16% بعد أن كان 13.3% في عام 2009. وفي 29/05/2011، يذكر رئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المصري أن معدل البطالة في مصر في الربع الأول من عام 2011 ارتفع إلى 11.9% بعد أن كان 9.5% في نهاية عام 2009. ويعتمد الاقتصادان بشكل رئيسي على تدفقات النقد الأجنبي من السياحة التي أصيبت بضربة –هبطت حجوزاتها في تونس للصيف الحالي بنحو 55% مقارنة بالصيف الفائت-، والاستثمار الأجنبي المباشر الذي توقف، وتحويلات العاملين في الخارج، وبعضها توقف بالكامل تقريباً، مثل التحويلات من ليبيا. وهذا الوضع الاقتصادي الخانق، سوف يسوء قبل أن يتحسن، فالانفلات الأمني، وسواد الروح الانتقامية، ومحاولة اختطاف الثورة، والبحث عن النموذج للخروج من هذا الوضع، فيه بعض التجربة والخطأ، كلها ستؤدي إلى تأخير بلوغ المستوى الضروري من الاستقرار لدوران عجلة الاقتصاد من جديد. ورغم ذلك، ليس هناك طريق اخترعه العقل البشري في الانتقال من مشروع الحكم إلى مشروع الدولة سوى هذا الطريق، وتونس ومصر سيقدمان مستقبلاً نموذجان لابد من تقليدهما في كل الدول العربية الأخرى، الفارق، بأنهما سيكونان أقل نماذج التحول كلفة مقارنة بالدول الثلاث الأخرى.

وأوضاع الدول التي بات العنف فيها يمثل بداية حروب أهلية، أكثر سوءاً بكثير، وفي بداية مايو 2011، قدر تقرير لـ IIF، أن يبلغ النمو السالب في كلاً من اليمن وسوريا في عام 2011 نحو -4% و-3% على التوالي، بينما لم تتوفر أرقام ليبيا. وفي 29 مايو 2011، يذكر وزير الصناعة والتجارة اليمني بأن اليمن تخسر نحو 5 مليار دولار أمريكي بسبب الأزمة، محذراً من أن الانهيار يحيق بالبلد ما لم يتلقى مساعدات. ولإعطاء بعض المعنى لحجم الخسائر المقارن، من المتوقع أن تبلغ خسائر اليابان من الضربة الثلاثية، أو الزلزال والتسونامي والتسرب الإشعاعي، نحو 235 مليار دولار أمريكي، وتساوي نحو 4% من حجم ناتجها المحلي الإجمالي. بينما خسارة الـ 5 مليار دولار أمريكي في اليمن تساوي 16.0% من ناتجها المحلي الإجمالي، أي أربعة أضعاف خسائر اليابان، وتبقى خسائر الطبيعة بلا أحقاد وثارات شخصية، والأخيرة تكلفتها أكبر وأعمق. وما نعرفه، هو أن هذه الدول تسير في حساب التكاليف إلى الأسوأ، وما نعرفه هو أننا لن نصاب بالدهشة إذا سلكت دول عربية أخرى نفس الطريق، وما لا نعرف، هو المدى الزمني لخروج أي بلد مأزوم من أزمته، وحساب تكاليفها، ومعها إمكانات تعافيه من عدمها، أو احتمال التحول إلى دولة فاشلة.

3- بعض المستقبل

في تقرير أعده فريق صندوق النقد الدولي وقدمه إلى قمة "الثمانية الكبار" "G8" في دوفيل – فرنسا بتاريخ 26-27/05/2011، يذكر في مقدمته، بأن الاستقرار الاجتماعي والسياسي لن يتحقق في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ما لم تنجح في خلق ما بين 50-75 مليون فرصة عمل جديدة خلال عقد من الزمن. وذلك لن يتحقق إذا استمر نموذج التنمية القديم الذي ساد في الفترة ما بين 1980-2010، فخلالها حققت المنطقة معدل نمو اقتصادي حقيقي منخفض، أو 3% مقابل معدل 4.5% للدول النامية والناشئة الأخرى. والنمو لنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي كان الأدنى في العالم، أو 0.5%، فقط بسبب ارتفاع معدل النمو السكاني البالغ 2.5%، والبطالة كانت الأعلى في العالم وراوحت ما بين 10-12%، وضمنها كانت بطالة الشباب أكثر من الضعف، وبطالة المتعلمين منهم هي الأعلى، بما يعنيه من انفصال التعليم عن متطلبات سوق العمل. ويقدر التقرير حاجة الدول التي شملها العنف إلى تمويل خارجي للسنوات الثلاث 2011-2013 بنحو 160 مليار دولار أمريكي، ودون الأخذ في الاعتبار تكلفة أي برامج إصلاح جديدة.

كان الوطن العربي على مدى جيل كامل –وقبل ذلك بكثير- فاشل في تبني مشروع تنمية، لأن موارده استخدمت في الإبقاء على مشروعات حكم، وأول متطلبات النجاح في المستقبل، هو التحول إلى مشروع دولة في كل قطرعربي. ومشروع الدولة في كل قطر، يعني أن السلطة السياسية مؤقتة، والكيان دائم، بينما في مشروعات الحكم، السلطة دائمة، والكيان في مهب الريح، لذلك مهما بلغت تكلفة التحول، هي ضرورة لا فكاك منها، ولا استثناء لها. ويشير الواقع العربي إلى انقسام الدول العربية إلى ثلاث فئات، الأولى حسمت أمرها بتكلفة عالية، ولكن محتملة على المدى المتوسط إلى الطويل، مثل تونس ومصر، وأخرى دخلت نفق العنف، وبلغ حدود التصفية ما بين مناصري مشروع الحكم ومناصري مشروع الدولة، وسوف تنتهي بتكاليف هائلة، وربما غير محتملة. وفئة ثالثة لازالت ظاهرياً ونسبياً هادئة، ولكنها تحمل داخلها كل التناقضات التي تفضي إن عاجلاً أو آجلاً إلى نفس المصير، ولا أحد يريد لأي منها ولوج مرحلة العنف.

قبل بضعة سنوات، استخدمت قناة CNN الإخبارية جملة قالها الملك عبدالله ملك الأردن، وكررتها كثيراً باستخدامها مقدمة لبرنامج، ملخص الجملة هو، "أن الديمقراطية تعني أشياء مختلفة للأمم المختلفة"، ولم تكن جملة صحيحة. فالديمقراطية لكل العالم تعني شيء واحد، حكم الناس من قبل غالبيتهم ولمصلحة معظمهم، أي لا سيادة لفرد أو لقلة على الناس، والشعب مصدر السلطات، حينها فقط تخلق دولة الدستور الديمقراطي والقانون، وحينها فقط، إما أن تنجح السلطة السياسية في تحقيق احتياجات معظم الناس، أو ترحل بسلام وتستبدل بواسطة صناديق الاقتراع. وتؤكد المؤشرات بأن أسبانيا حالياً لديها مؤشرات كمية أكثر سوءاً، فالبطالة الكلية 21.3%، وبطالة الشباب ضمنها 45%، لذلك خسر الحزب الاشتراكي الحاكم آخر انتخابات بلدية، وقام بتسمية زعامة مختلفة، وسوف يخسر الانتخابات العامة القادمة، فلدى أسبانيا آلية سلمية للتغيير الإرادي السلمي. ولكن العرب، حاولوا، خلافاً لكل العالم، حياكة ديمقراطية خاصة بهم، وكانت الفاتورة باهظة التكاليف، والبضاعة رديئة وقليلة، وحان وقت انتقال العرب طوعاً إلى قاعدة لتداول السلطة، تم بنائها وترميمها باستمرار على مدى 4 قرون تقريباً، وسقط كل ما عداها.

وأكاد أجزم، بأن السنوات العشر القادمة حاسمة، ولن تترك بلداً عربياً دون تغيير جوهري، وأمام ما تبقى من تلك الدول خياران لا ثالث لهما، إما التغيير الإرادي الواعي قليل التكلفة، وإما واحد من نموذجي التغيير العربي، أي العنيف المؤقت، أو العنيف جداً والكارثي. وإن ترددت تلك الدول في أخذ خيار التغيير الإرادي، فالوقت هو الفاصل فقط بين ولوج أحدها والأخرى خيار التغيير العنيف، ويمكن استعارة مثال قاطع لإثبات تلك الخلاصة. فالجزيرة العربية تضم 7 دول عربية، طال العنف بدرجات متفاوتة ثلاث منها، هي أقلها ثراء مؤقت، بينما بدت الدول الأربع الأخرى أكثر استقراراً باستخدام الأموال لشراء وقت إضافي، ودفعت الأربع أو وعدت بالدفع لاثنتان من جيرانها ببعض المال لشراء الهدوء المؤقت فيهما، أو 20 مليار دولار أمريكي على مدى 10 سنوات. والمال لن ينجح بديلاً للتغيير الإصلاحي الإرادي، ولا دعوة الأردن والمغرب للانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي، أو مقايضة المال بالأمن، بديل، فدروب الأمن والاستقرار واضحة، وهي مشروع مجتمع متجانس ومتماسك يوفر مقومات الأمن ومتطلبات التنمية، ينجح فيه الاقتصاد في تحقيق ما يحتاجه الناس، ويخلق ما يكفي من فرص عمل، ذلك هو مشروع الدولة مقابل مشروع الحكم.

والتقرير السابق ذكره المقدم من فريق صندوق النقد الدولي لاجتماع قمة الثمانية الكبار، يذكر، بأن نسبة صادرات دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا العربية غير النفطية في عام 2009 أي الدول العربية، بلغت 28% فقط من ناتجها المحلي الإجمالي. بينما هذه النسبة لدول حوض الباسيفيك –باستثناء اليابان والصين والهند- بلغت 56% من ناتجها المحلي الإجمالي، أو ضعف النسبة لدول المنطقة غير النفطية، ذلك يعني أن مناطق العالم الأخرى تصنع وتزرع ما يحتاجه العالم خارجها، بينما منطقتنا عاجزة، وتستهلك ما يصنعه ويزرعه الآخرون، ولا تبيع للآخرين ما يسهم في تمويل شراء احتياجاتها غير بيع أصل زائل، وهو نموذج غير قابل للصمود. ولنا مصلحة جميعاً، في أن لا نحرق مواردنا في الهدم وفي صراع مع بعضنا البعض، وما لم نفعل ذلك مبكراً، فقد نفشل في المستقبل في تبني أي نهج ناجح، وعليه لابد لعملنا وتركيزنا من أن ينصب على التفاهم حول الانتقال الإرادي إلى مشروع الدولة.

خاتمة

ما بين وفاة الشاعر الفذ التونسي الذي تنبأ بكسر الشعب للقيد إذا آمن بإرادة الحياة، وإحراق الفيزيائي الشاب التونسي نفسه بعد منعه من العيش ببيع الخضار، 76 عاماً، فشل فيها العرب في صناعة أمة صلبة منافسة، وفشلت فيها كل أقطاره في صناعة نموذج ناجح. وكانت حصيلتها على مستوى الأمة، تحقيق أدنى معدلات النمو الكلي، ونحو 0.5% فقط من نصيب الفرد العربي من ذلك النمو، مقابل 7 أضعافه للدول النامية والناشئة، وحقق العرب وكل قطر عربي أعلى معدلات البطالة الكلية وأكثر من ضعفها بطالة الشباب، والأعلى لدى المتعلمين منهم ويظل واقعها أسوأ من المنشور، فتحولت دولهم إلى براميل بارود، وشبابهم إلى أعواد كبريت.

وبدلاً من معالجة تلك الأوضاع بعلاج مسبباتها، اكتفوا بحجر الأساس في مشروع الدولة، أي مشروع الحكم، وأداروا مشروع الحكم بتقديم الولاء على الأداء، فانتشر الفساد، وساءت جداً مؤشرات توزيع منافع النمو لصالح الفاسدين. وتولت اليد الغليظة جداً للأمن، إخفاء الخطايا بالاستخدام المسرف للعنف، وتحولت معظم أجهزة الأمن إلى مفسدة مطلقة، ومع ازدياد الجشع وانحسار المكافأة وضخامة البخار المحبوس، تآكلت دائرة المنسف وانحصرت في رابطة الدم.

ولم تصل إلى نظم الحكم العربية الرسالة بانحسار دول حجر الأساس أو مشروعات الحكم في كل العالم، فأشعل البوعزيزي فتيل امتدت ناره من المحيط إلى الخليج، وفي تقديري، أنها 10 سنوات أو نحوها تفصل كل الأقطار العربية عن حقبة التغيير الإرادي أو القسري. والإفادة من دروس الربيع العربي تحت التنفيذ، أكثر من كافية لدعوة صادقة وجادة من أجل التغيير الإرادي، أما البديل، فهو دفع فاتورة التحول القسري، وبعضها غير محتمل، ويحول بعض دولنا إلى دول فاشلة، أسوة بالصومال وأفغانستان.

وأشد المخاطر التي تواجه التحول الإرادي إلى ربيع دائم، خاصية الاستحواذ على مستوى القمة، فالتاريخ العربي ما بين دولة الخلافة الأولى التي قتل فيها ثلاثة من الخلفاء الراشدين الأربعة، ودولة الخلافة العثمانية الأخيرة التي يقطع في الخليفة نسل إخوته لمنع منافسته ونسله على السلطة، لا توفر استثناءاً للتداول السلمي للسلطة. ولم تستفد أنظمة الحكم العربية الحالية مما حدث لأوروبا الشرقية، ولا لصدام حسين، ولا حتى لمبارك وبن علي والبقية، فالكل يعتقد أنه استثناء، وذلك غير صحيح. الأمر الآخر، هو خاصية الإقصاء على مستوى القاعدة، فثقافتنا فيما يبدو لا تتسامح مع الاختلاف، فأنت أما معي أو ضدي، حتى لو كانت مساحة الالتقاء ضعف مساحة الاختلاف، تظل خصماً أو حتى غير موجود. فالقوى السياسية الشعبية، ومنظمات المجتمع المدني، غير ديمقراطية داخلها، ولا تجاه الغير، رغم أنها تردد، أن السياسة هي "فن الممكن"، ولكنه يبقى في حيز الشعار، أما الواقع، فالسياسة، فهي أنا.

يبقى الأمل في نموذج ماليزيا التي نجحت وبتفوق في مشروع دولتها، وتبعتها تركيا بعد حكم العسكر حامي العلمانية من زمن أتاتورك، ويحكمها حالياً حزب إسلامي، يحترم دستور الدولة المدنية، ويطمح في تحويل تركيا إلى عاشر أكبر اقتصاد في العالم بحلول العام 2020. دولتان إسلاميتان بدءاً بخانة العشرات، وانتقلتا حالياً إلى خانة المئات، وتخطت مصر خانة الآحاد، ومخاضها طويل حتى تستقر في خانة العشرات، ولكن طريقها صحيح، ومن المتوقع أن تقدم نموذج عربي يحتذي، وسوف تدخل خانة المئات، والرهان هو على الوقت.

الكويت 13-6-2011

*مداخلة رئيسية قدمت في اللقاء التخصصي لمنتدى التنمية، دبي 9-6-2011. سوف تنشر هذه الورقة قريبا مع بقية الأوراق وما جرى عليها من نقاش في كتاب بعنوان "معالم نظام حكم ديمقراطي منشود في دول مجلس التعاون"، يقوم بتنسيقه وتحريره الدكتور علي خليفه الكواري.

 

الأوراق المنشورة لا تعبر عن رأس الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

 

تهدف هذه الورقة تقديم قراءة انعكاس تحركات الشارع العربي الراهنة على واقع الشارع السعودي، وتعطي سردا تاريخيا مقتضبا للمعارضة السعودية منذ تأسيس الدولة . والورقة تحليل لهذه اللحظة التاريخية، في ضوء تراث علم الاجتماع السياسي، وليس معالجة . وإن كانت تعطي بعض المقترحات العابرة التي تقتضيها المناسبة. فالثورات العربية من أجل الديمقراطية تضاهي سقوط جدار برلين ولا بد أن تكون لها نتائج بقدر أهمية نتائج سقوط جدار برلين.

ولا نستطيع أن نجري مبكرا حسابا للنتائج والتوقعات لانعكاس الثورات العربية على المنطقة، لأن فيها الكثير من التعقيدات والتعرجات. وحتى الآن لم تستقر سفينة الثورات العربية. ولا يوجد (رختر سياسي) لقياس توقعات انفجار الناس. ولكننا نؤكد أن الحراك الشعبي والسياسي العربي انطلق من عقاله.

لقد استقر في الوعي الجمعي السعودي كما هو شأن الشعوب العربية قاطبة، أن الشعوب تستطيع تغيير واقعها، ولكنهم يخشون كثيرا نتائج محاولة تغيير الواقع. فهم أمام مفترق طرق: النموذج اليمني والليبي والسوري والنموذج التونسي والمصري.

لمحة تاريخية حول المعارضة في المملكة العربية

فمنذ قيام المملكة العربية والقيادة السياسية تواجه معارضة تتراوح ما بين المعارضة المسلحة والانقلاب العسكري، و من الاحتجاجات إلى المطالب والعرائض .
ففي عهد الملك عبد العزيز حصلت موقعة ألسبله المسلحة التي قام بها الأخوان وهم جيش الملك عبد العزيز من القبائل البدو الذين وحد بهم الملك عبد العزيز المملكة بأقل التكاليف أو بدون تكاليف . وكادت هذه الموقعة أن تجهض تجربة الوحدة بكافة مكاسبها . لولا إرادة الله . وكذلك حركة الضابط الشمراني الانقلابية التي لم تنجح في مؤسسة عسكرية جنينية . ثم حركة كلية قوى الأمن الداخلي. ثم حركة الضباط الطيارين ، ثم الأمراء الأحرار ، فالقوميين ، والبعثيين، والشيوعيين . ثم الاحتجاجات على وجود التلفزيون ومدارس البنات . ثم احتلال الحرم لمدة 15 يوما بقيادة جهيمان العتيبي سليل الأخوان . وكانت شبيهة بموقعة السبلة بمقدماتها ونتائجها.

فكلا الموقعتين جلها من القبائل البدو ، الذين يرون أن وجود الدولة جاء بجهدهم العسكري والأمني وبكثافتهم السكانية. ورغم ذلك صاروا مهمشين سياسيا وتنمويا واقتصاديا . فالإدارة العليا في الدولة خلوا من (المتطلعين والمقتدرين وأصحاب المؤهلات العليا منهم كما بينت ذلك في كتابي حول النخب السعودية الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية).
ثم تلت كل ذلك الاحتجاجات على وجود القوات الأجنبية في الحروب الخليجية منذ عام 1990.

وفي عهد الملك سعود قبل ذلك واجهت الدولة تدهورا اقتصاديا حيث عجزت الخزينة عن دفع مرتبات الموظفين لمدة تسعة أشهر ونيف . مما أدى إلى استياء بين أوسع فئات المجتمع ، أدت إلى ظهور معارضة تمثلت بالكوادر المثقفة من القوات المسلحة والكوادر المدنية وعمال شركة أرامكو من السعوديين غير الراضين عن استغلال الأمريكان لهم في شركة أرآمكو وهضمهم لحقوق العمال السعوديين والعرب . أما معارضة المثقفين فتبلورت في تشكيلهم تنظيما ديمقراطيا ثوريا سريا ، دعوه (جبهة الإصلاح الوطني) وأعلن عدة أهداف تحدثنا عنها بالتفصيل في كتابنا (النخب السعودية). وفي ذلك الوقت تم تأسيس صحيفتي الفجر الجديد ، وصحيفة أخبار الظهران في المنطقة الشرقية . وقد قامت الحكومة باعتقال الجبهة وقفلت الصحيفتين.

كما أسست منظمة تلاميذ المدارس في القصيم في تلك الفترة . وقد تستغربون أن من مطالبهم الرئيسية حل هيئة الأمر بالمعروف .هذا قبل ستون عاما.

وقد جرت اشتباكات بين التلاميذ وهيئة الأمر بالمعروف في بريدة . وكانت من مطالبهم كذلك إصلاح التعليم وتأسيس جامعات . وذلك في الأربعينات من القرن المنصرم.

وفي عام 1956قام الملك سعود بزيارة المنطقة الشرقية واستقبلته معارضة منظمة بشعارات مناهضة للإمبريالية ومطالبة برحيل القاعدة الأمريكية . حيث صدر مرسوم ملكي بتجريم المظاهرات والمعاقبة عليها بالسجن لمدة لا تزيد عن ثلاث سنوات.

وما زالت المطالبات مستمرة وفي خلال الخمس سنوات ألأخيرة ظهر أكثر من بيان وعريضة إضافة إلى المقالات تطالب كلها بالإصلاح وتؤكد على ضرورته.

وفي التجربة السياسية السعودية مع كل المعارضات يتضح أن القيادة السياسية السعودية تنجح في وأد كل المقاومات, مما يعطيها قدرة على تمكين نفسها. و قد يكون من ضمن ذلك التمكين إعطاء قدر ضئيل من المطالب . لعل أهمها مطالب المتشددين من السلفيين فإن كانوا قضوا على حركة جهيمان فأنهم تبنوا مطالبهم بتمكين المتشددين مما سبب تأزم مع الداخل ومواجهة مع الخارج لعل أهمها أحداث 11سبتمر.

وملف الإصلاح في السعودية من صنف السهل الممتنع . فعند الأزمة الداخلية أو الخارجية تخرج الحكومة ملف الوعود بالإصلاح حتى تهداْ العاصفة ثم تعود الأمور كما كانت ( حليمة إلى عادتها القديمة ).

ففي عهد الملك عبد العزيز أنشئ ديوان المجاهدين لاستيعاب المحاربين القدامى كنتيجة لثورة السبلة، وعلاجا لما ذكرنا سابقا. ومع خلاف الملك فيصل مع الملك سعود، وعد فيصل بإصلاحات سياسية لم ترى النور بعد توليه الملك . وفي حرب الخليج الثانية أصدر الملك فهد أنظمة للحكم والمناطق . ولكن لم يغير ذلك من الأمر شيئا.

المعارضة بعد 11سبتمبر

وبعد أحداث 11سبتمر وظهور عرائض كثيرة تطالب بإصلاحات واسعة. قامت الحكومة بتأسيس مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني، باعتباره إسلوب سياسي فعال لتحقيق الإصلاح. إذ راح المركز يطوف مدن المملكة مدعيا أن هدفه الإصلاح ومدعيا أنه يترجم أفكار المواطنين إلى واقع ملموس. وفي ختام كل لقاء تنتهي النتيجة برفع برقية إلى الملك بالشكر والعرفان ثم تطوى صحائف اللقاء وتأخذ طريقها إلى أرشيف المحفوظات. وإذا حصل إصلاح فهو في زيادة الرواتب للعاملين في الدولة، تلتهمه زيادة الأسعار التي تلي زيادة الدولة للرواتب مباشرة. مما يزيد من شدة وطأة الحاجة على الذين لا يعملون في الحكومة. وإذا كان هناك مشاريع للتنمية، وهي لا بأس بها، فتنفيذها محصورا في شركات عائلية محدودة. أو أسماء واجهات لأصحاب النفوذ في الدولة . مما جعل صغر الطبقة الوسطى خصوصية سعودية، رغم إنفاق المليارات سنويا.

ونستطيع أن نذكر انتخابات مجالس البلديات وهي انتخابات نزيهة ولكن تأثير المجالس البلدية أقل من تأثير أصغر موظف في جهاز البلدية, و التي من المفترض أن المجلس البلدي هو المشرع والمراقب على التنفيذ . ونذكر مشاركة النساء في مجالس الغرف التجارية اللائي لا يجتمعن مع الرجال في جلسة واحدة إلا عبر التلفون ورغم ذلك فصوتهن عوره.
ولو دبرت هذه الملايين المصروفة على الحوارات والدعاية السياسية والعلاقات العامة للخارج لتحقق على الأقل الإصلاح التنموي الذي قد يلطف المزاج الاجتماعي إلى حين.

ولكن ما حققه الحوار الوطني هو فرز الشعب السعودي إلى تيار سلفي تشظى إلى تيارات شتى . من الجهادية السلفية إلى التي ترى الطاعة للسلطان حتى لو جلد ظهرك وأخذ مالك.
وأفكار مثقفه مبعثرة يدعونها السلفيون تيارات ويقسمونها إلى حداثة وليبرالية . كل هذه التقسيمات ترفع صوتها في المساء حتى يخبل للسامع أن الزحف المليوني سيسبق طلوع الشمس بقليل. أما في الصباح الباكر فالكل يهرول إلى الطاعة والتنفيذ . وأقصى حيلة الجسور منهم مقال يقضي وقتا أكثر من وقت كتابة المقال في المراجعة والتمحيص ، خوفا من رئيس التحرير . فهو يخاف رئيس التحرير أكثر مما يخاف أحد القيادة السياسية. فيستخدم ذكائه الخبيث لتمرير المقال ل للنشر وتلك غايته وأقصى أمانيه.

والتنظير في المؤلفات السياسية نادرة جدا. وقد تظهر المؤلفات في القصص التي يدعونها روايات , وهي كلها أو في مجملها تتحدث عن المسكوت عنه والذي يمارس أكثر من الممارس في المجتمعات المنفتحة بكثير . أو بقيادة المرأة للسيارة أو كشف وجهها بالأسواق أو السفر بالطائرة بدون ولي محرم. وتلك التيارين السلفي والمثقف نشاطهم السياسي في مناكفة بعضهم البعض وسلاح كل منهم على الآخر هو السلطة . فالسلطة تطلق يد المتشددين ، في تكفير المثقفين واتهامهم بالمعاصي وتفتح الصحف فسيحة للمثقفين لمهاجمة المتشددين واتهامهم بالتزمت والتشدد . والحكم و القاضي للجميع هي السلطة . فإذا ذهب السلفي إلى السلطة ليشتكي المثقف للشك في دينه وجد المثقف قد سبقه يشتكي السلفي لأنه أخر البلد وخلق مشكلة للدولة مع الغرب وكل خيوط اللعبة بيد اللاعب الأقوى الذي هو ولي الأمر ( ويا قلب لا تحزن وارقد إن عليك ليلا طويلا ).

أما القسم الثالث الذي أفرزه الحوار فهو المثقفين من الشيعة و رغم نشاطهم الحركي وثقافتهم حصروا مشاريعهم الإصلاحية في حرية العبادة المذهبية وممارسة الطقوس المذهبية . باستثناء بعض المطالب الوطنية ، تمثلت في ( رؤية لحاضر الوطن ومستقبله ) و ( شركاء في الوطن ).

وكل هذه التيارات بشتى آيدولوجياتها بعيدة كل البعد عن مقتضيات المرحلة في المنطقة لبعدها عن المشروع الإصلاحي الوطني ، والاتفاق على المشتركات الوطنية والاقتصادية والسياسية والتنموية.

إن السجال بين الأطراف لا يكتشف الصواب ، بل التعصب ضد ثقافة الآخر . إننا في هذه الحالة نستدعي الصراع العثماني – ألصفوي . والسؤال الكبير الذي علينا جميعا الإجابة عليه ، لماذا المذهب هو التعبير ألمطلبي بدلا من الحقوق المدنية والمشتركات الوطنية التي يجب أن نلتف حولها جميعا؟

إن السعودية بحاجه إلى هندسة اجتماعية في الحكم والإدارة التعددية المجتمعية لعل أهمها تعزيز مبدأ المواطنة . من خلال العدل في توزيع الثروة والسلطة والمشاركة الفاعلة في الإدارة العليا والوسطى في الدولة . فكل مجتمع تنعدم فيه العدالة الاجتماعية يكون مولد للنزاع والشقاق . فالنجاح في إدارة التعددية المجتمعية يعزز الهوية الوطنية والشرعية السياسية للدولة.

القيادة السعودية

القيادة السعودية تقف ضد، من كل الثورات العربية خوفا من حمى العدوى وتشرب السعوديين ثقافة المظاهرات والاحتجاجات .فإذا تحولت الدول العربية المتوسطية مع الرافدين وتجاوب لها باب المندب على أنظمة جديدة بمفاهيم ديمقراطية شبابية وبمطالب يستعص على الأنظمة الوراثية التأقلم معها . ولاسيما أن من بينها ثورة مصر . ودول الخليج لازالت تحتفظ ذاكرتها ثورة 52 وتأثيرها في كافة المنطقة.

القيادة السعودية تدرك حجم النتائج لهذه الثورات وتقلق مضجعها ولكنها لا تستطيع أن تفعل شيئا فهي منقسمة على نفسها فريق ( إلى يمين متطرف ) يرى أن الإصلاحات تفتح شهية الشعب السعودي على التدرج بهم إلى الملكية الدستورية وهذه دونها خرط القياد ( فهم يموتون ولا يرون أنفسهم ملكة السويد فهم يرون الشعب بعيون قبل ستين عاما ) .وفريق وسط معتدل على رأسهم الملك يرى أن الإصلاحات تستديم بقاء العائلة فهم يرون الشعب بعيون ما بعد الثورات العربية وهناك أمورا أخرى داخلية فيما بينهم ، لا أرى الدخول في تفاصيلها . أدت إلى انسداد التفكير في إدارة المجتمع وفق المتغيرات المعاشة في العالم العربي.

نحن لم نضع أيدينا حتى الآن على مشروع دولة . بل هناك مشروع عائلة حاكمة تتأرجح حسب المد والجزر للشارع السعودي. و في القنوات المعلوماتية . وترصد بدقة ردود الفعل الخارجي أكثر من الداخل.

القيادة السعودية وقفت مع رئيس اليمن دون بقية الرؤساء الذين طاولتهم الثورات وانحيازها لعلى عبد الله صالح لأسباب سياسية. ويعود ذلك إلى موقف الرئيس من الحوثيين المتداخلين حدوديا مع السعودية, وللسعودية حيثيات سياسية في هذا الصدد:

1- منطقة صعده يقطنها قبائل يمنية سعودية في آن ً واحد لا تستطيع أن تميز اليمني من السعودي ولا أن تسمهم وسم الجمال . فهم أخوان وأبناء عمومه وعشيرة . متداخلين بالسكن والجغرافيا . مما يسهل العبور والتسلل والتهريب ومما يصعب السيطرة عليها .

2- الحوثيون يرفعون الشعار الطائفي مما يعطي إيران قدم راسخة في اليمن خاصرة السعودية.

3- القضية الحدودية وقد ثبتت قبل مدة بسيطة , وتخشى السعودية من أي نظام جديد أن يلغي الاتفاقية. ولاسيما أن المطالب اليمنية المتطرفة تتوغل إلى الطائف في عمق الجغرافيا السعودية.

4- في غياب نظام صالح ستقوى القاعدة في اليمن . والسعودية استطاعت أن تحيد القاعدة أمنيا عن المملكة.

لقد أسقطت الثورات العربية الفزاعات التي ترسلها السلطات الحاكمة بين آونة وأخرى ، حول القبيلة والطائفة والإسلام السياسي والقاعدة والإرهاب وغيرها من الفزاعات التي ترسلها للداخل والخارج. لقد انصهرت كل هذه الفزاعات في الثورة والمواطنة ، وأصبحت الأمة في رجل واحد وقبيلة واحدة وطائفة واحدة ، وتحولت مطالب المواطنون بألا يكونوا رعايا وسكان بل إلى مواطنين وأصحاب قرار.

النخب السعودية

لا يوجد في المجتمع السعودي نخب فاعلة سواء في الجماهير أو من القيادة السعودية. إلا التيار الديني السلفي ومن يدعمه من القيادة السياسية لتقوية مركزه على الفريق الآخر من الأسرة الحاكمة هذا من جانب واحتواء التيار السلفي من جانب آخر. فلا هناك مجتمع مدني ولا أحزاب ولا كتل مؤثرة ولا تيارات مثقفة أو تجارية . و لا دور يذكر لمشايخ القبائل رغم قبلية الدولة . ولكن هناك كتاب مقالات في الصحف ورغم أن أكثرهم أساتذة جامعات فلا يصل تأثيرهم حتى إلى الصفوف الجامعية.

الشباب

الثورات العربية أحدثت في الشباب السعودي وعيا سياسيا عن عملية الإصلاح وهناك طاقات شبابية كامنة تملك إبداعات وتنظير جيد . يلمس ذلك من خلال المواقع وشبكة المعلومات . هذه الطاقات تفتقر إلى رموز أو مجتمع مدني يطور ذلك الوعي ويعقلنه لإبراز المطالب للمجتمع والعائلة الحاكمة.

ليس هناك مساطر لقياس انعكاس الثورات العربية على المجتمع السعودي . فخريطة الرأي العام في السعودية تفتقر إلى صحافة حرة وإلى مجتمع مدني ، وإلى مراكز للرأي العام والبحوث ، وإلى ديوانيات على النموذج الكويتي . مصدر المعلومات قمة الهرم ، ولا يوجد ردود صاعدة إلى قمة الهرم . والردود المتوقعة هي ردود البيروقراطية الأمنية و الاستخبارات على شتى تخصصاتها ومعظمها يعطل الصالح ويمرر الطالح.

الجمهور يرقب من يبدأ ليكون هو العاشر وليس الأول . أفراد المجتمع كل يود أن يقوم ألآخر بالنيابة عنه . التضحية حتى بالصوت باهتة جدا . ويحسبها بحساب التاجر والتغيير لن يقدم لهم على طبق من ذهب . الحرية لها ثمنها والديمقراطية لها تكاليفها والربح على قدر المخاطرة.

هناك من الشباب وهم قلة من بداء يشعر بأهمية أن يكون الشباب جزء من العملية السياسية وليس على الهامش كسائر المجتمع الذين أكتفوا بالهامش . هل هذا تفكيك سياسي أم هو واقع مجتمع؟

لقد تشرب المواطن السعودي كأخيه في الخليج ثقافة المصطلحات السياسية المتعلقة بالديمقراطية وحقوق الإنسان والمواطن الحر ،والدستور والقانون ، والانتقال الديمقراطي، واستقلال السلطات ، والتوزيع العادل للثروة ، والتعددية السياسية، ومحاربة الفساد و المناطقية والقبلية ، وتفكيك عصابات الثروة والمقاولات والمناصب العليا ومجالس الشركات وحرية الصحافة ومنابر الإعلام وحرية التفكير والتعبير وحرية الصوت العالي . وعدم فرض الرقابة على المواقع الكترونية ، وكرامة الإنسان ، وتعزيز المواطنة ، وتوسيع الحكم المحلي ، وديمومة التنمية وتعزيز سلطة القضاء واستقلاليته ، وتعزيز دور مؤسسات الرقابة وحق الناس في التأمين الصحي والتعليم المجاني وحرية المذهب والمعتقد وألا يحمل الناس على مذهب واحد . كل هذه المقولات أصبحت ملازمة محكية في المجتمع الشبابي . في المجالس والمنتديات.

علينا أن نعلم أن الثورات العربية المعاصرة لم تكن بدافع المثقفين ولا المفكرين ولا المجتمع المدني و لا كل المؤسسات المدنية . ولا الجيش ولا الخارج ولا كل المؤثرات التقليدية .
الدافع الحقيقي هي الأنظمة ذاتها التي أوغلت في غياب الفساد و الاستبداد و الاستهانة بالشعوب لدرجة لم يكن في مقدور الشعوب تحملها . فكانت ردود أفعالها كبت متراكم في الداخل فانفجرت كالبركان في وقتها وعلى سجيتها ولآت حين مناص.

وعلى كل فلا يوجد ما يطمئننا أننا في مأمن من أحداث المنطقة . و لا يمكن الركون إلى الهدوء الظاهر الذي يكمن خلف خريطة الانتشار الأمني الواسع.
الأنظمة في الخليج والسعودية من أكبرها, لم يظهر حتى الآن ما يعطينا بصيص من الأمل أنها فهمت شعوبها . وإن كانت مدركة لكل ما يدور حولها إلا أنها لازالت في غيبوبة من هول الواقع من حولها ولم تستفيق بعد . وليس هناك سفينة نجاة تنجيهم مما حصل في الدول العربية ولا أحد يتنبأ ما تخفيه مستقبل الأيام . إلا رضا شعوبها . والهرولة في الإصلاح الحقيقي إلى أبعد مدى . فمن منا يتوقع ما حصل لزين العابدين ولا لحسني مبارك . وما حصل بهذه السرعة وبهذه السهولة وقلة التكلفة.

في الختام

ومن رؤيتي الخاصة أنه على النخب الفكرية والثقافية والدينية في السعودية التدرج بمطالب الإصلاح . لعلها تبدأ على النحو التالي:

1- انتخاب نصف مجلس الشورى.

2- تمكين مجلس الشورى من مراقبة موارد الدولة ومصروفاتها ،وإعداد الميزانية.

3- حصر حصة العائلة المالكة في وظائف الدولة بالوزارات ذات السيادة فقط . دون التدخل في الوظائف العامة بما فيها إدارة المناطق و دون التزاوج بين السلطة والمال وهذا ما فعله الملك عبد العزيز . مع تحديد ما يكفيهم من مخصصات من قبل مجلس الشورى.

4- يؤسس مجلس للقضاء منتخب من القضاة وكبار العلماء من كافة المذاهب . يعين القضاة ويعزلهم ويصدر قانون للقضاء ولوائحه . ويشرف ويتابع وليس للملك أو الحكومة عليه أي سلطة . وتخصص ميزانيته من الدولة.

5 - فصل الإدعاء العام عن وزارة الداخلية وربطه في مجلس القضاء المقترح . وعدم توقيف أو سجن إلا بموجب حكم قضائي صادرة من محكمة عدلية.

6 - تحديد ميثاق يقيم علاقة جديدة محورها كوننا مواطنين وليس سكان، شركاء و ليس رعايا.

7- التقارب المعيشي بين فئات المجتمع والمناطق . والتوازن في التنمية وتوزيع الموارد في كافة أنحاء المملكة . فقد قال أحد الكتاب الغربيين إذا رأيت المجتمع منقسم إلى أ و ب فانتظر الثورة.

8- أن تكون الإدارة العليا والوسطى حق مشاع لكل القادرين من عموم المواطنين على مختلف فئاتهم ومذاهبهم ومناطقهم . والأفضلية للجدارة والأهلية والاستحقاق والقادرين على إدارة مجتمع التعدد.

9- أن يكون المواطنون أحرار في خياراتهم العقائدية وعاداتهم وتقاليدهم الاجتماعية ، دون أن يطغى مذهب على مذهب آخر. أو عادات منطقة على عادات منطقة أخرى . وأن تكون حريات المذاهب في العبادات فقط.

إن واجب ندوتكم هذه رفع الصوت عاليا لتجنيب مجتمع الخليج نتائج الكارثة في سوريا وليبيا واليمن . فليس كل صاحب سلطة زين و حسني مبارك ولا كل جيش هو جيش مصر وتونس.

إن النصح وحتى المطالبة أو المعارضة في صالح العائلات الحاكمة وهم ركن محوري في مجتمعنا ومن نسيجنا الاجتماعي ولا نريد إلا الخير لنا ولهم . لو كان هناك تفكير حكيم أو رأي سديد أو بصيرة نافذة أو خوفا على مواقعهم بالسلطة.

إن العائلات الحاكمة في الخليج إذا أرادت السلامة من بركان الثورات العربية وهداهم التفكير الرشيد ، فستكون أفكاركم ومثلكم هي نبراسهم وهي حزام الأمان وسفينة النجاة والملاذ الآمن لهم ولنا لأننا جزء منهم وهم جزأ منا .

المدينة المنورة 14-6-2011

*مداخلة رئيسية قدمت في اللقاء التخصصي لمنتدى التنمية، دبي 9-6-2011. سوف تنشر هذه الورقة مع ما بقية الأوراق وما جرى عليها من نقاش في كتاب بعنوان "معالم نظام حكم ديمقراطي منشود في دول مجلس التعاون"، يقوم بتنسيقه وتحريره الدكتور علي خليفه الكواري.

الأوراق المنشورة لا تعبر عن رأي الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي اصحابها

 

حتاج إلى تقديم قراءة ديمقراطية في دساتير وممارسات الدول العربية، بعد أن أصبحت الديمقراطية شعارًا أجوفًا ترفعه نظم حكم الفرد أو القلة السائد على الساحة العربية، دون تحديد لمفهوم الديمقراطية أو إلتزام بالمقومات العامة المشتركة لنظام الحكم الديمقراطي من حيث النص والممارسة.

وسوف أبدأ قراءة حالة الديمقراطية في بلدي قطر، أملا أن يثير ذلك نقاشا وأن يؤدي إلى إصلاح ديمقراطي، وأن يحفز من هم أكثر اختصاصا مني على تناول دساتير بقية الدول العربية بقراءة ديمقراطية، تساعدنا على بناء مؤشر عربي لحالة الديمقراطية في الدول العربية.

في دراسة سابقة حول مفهوم الديمقراطية المعاصرة، توصلت إلى أن المقومات العامة المشتركة للدستور الديمقراطي هي مايلي(1):

أولاً: أن لا سيادة لفرد أو لقلة على الشعب، والشعب مصدر السلطات.

ثانياً : إقرار مبدأ المواطنة باعتبارها مصدر الحقوق ومناط الواجبات.

ثالثاً: سيطرة أحكام القانون والمساواة أمامه، وأن يسود حكم القانون وليس مجرد الحكم بالقانون

رابعاً: عدم الجمع بين السلطات في يد شخص أو مؤسسة واحدة.

خامساً: ضمان الحقوق والحريات العامة، دستوريًا و قانونيًا وقضائيًا، ومن خلال ضمان فاعلية ونمو المجتمع وتنظيماته الأهلية المستقلة عن السلطة، ورفع يد السلطة وكف نفوذ المال عن وسائل الإعلام وكافة وسائل التعبير، وتأكيد حق الدفاع عن الحريات العامة وعلى الأخص حرية التعبير وحرية التنظيم.

سادساً: تداول السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية -في النظام الجمهوري والنظام الملكي- سلمياً، وفق آلية انتخابات حرة ونزيهة وفعالة تحت إشراف قضائي كامل ومستقل بوجود شفافية تحد من الفساد والإفساد والتضليل واستغلال نفوذ الحكومة والمال وغيره في العملية الانتخابية.

ومن أجل ذلك سوف أقوم بقراءة توضح طبيعة الدساتير القطرية بشكل عام والدستور الدائم لعام 2004 بشكل خاص، وتهربها المستمر من استحقاقات نظام الحكم الديمقراطي، هذا بالرغم من أن دساتير قطرية منذ عام 1970 درجت على وصف نظام الحكم في قطر بأنه نظام حكم ديمقراطي.(2)

أولا: مرحلة ما قبل الاستقلال

بدأ التحول في قطر من إدارة مشيخة تقليدية إلى نمط من الإدارة الحديث في عام 1950، بعد تصدير النفط عام 1949 وتعيين مستشار بريطاني على رأس الإدارة العامة.
أنشأ المستشار إدارات حكومية ووضع ميزانية عامة للدولة (3). وقد صاحب هذه الفترة بروز مطالبات أهلية متفرقة في نصيب من دخل النفط وحسن استخدام عائداته، بعد أن تم تخصيص ربعه للحاكم قبل دخول عائدات النفط إلى خزينة الحكومة، كما خصص لأسرة الحاكم رواتب شهرية ومخصصات عالية من ميزانية الدولة ناهزت ربع عائدات النفط أيضا.

وفي ضوء ذلك كان لقبائل وعائلات قطرية مطالبات من دخل النفط، لم تسفر عن أكثر من رواتب متواضعة لبعض الشخصيات والعائلات، ومخصصات سنوية تتراوح بين 500-1000 روبية لكل أفراد القبائل والعائلات القطرية، سميت "جواعد أو قواعد" سنوية وأنشئ لها ديوان خاص وحسابات منتظمة لا تزال قائمة بالرغم من استنكاف الأغلبية العظمى من أهل قطر عن أخذها.

وقد عبر الشعراء ومنهم الشاعر سلطان العلي عن تذمر أهل قطر وما آلت إليه رواتب بعض شباب أسرة الحاكم- الذين يطلق عليهم شعبيا آنذاك أهل البيب (أنبوب نقل النفط)- بقصيدة نبطية اذكر منها البيت التالي:

البيب فاض ومنقع السيل لبنان وأهل الملاهي من غديره يرون

ولعل تناولي في رسالتي لنيل الدكتوراه عام 1974 موضوع تخيص عائدات النفط وانعكاساتها على التنمية، كان ضمن البحث عن حقيقة ما حصل لعائدات النفط وكيف أنفقت. وقد بينت الرسالة أن ما خصص للحاكم وأسرته من عائدات الدولة من النفط حتى عام 1970 بلغ 64,7% في قطر و42,7 في أبو ظبي و42% في البحرين و5,5 في الكويت (4).

وكان معظم أهل قطر منذ عام 1946 قد توجهوا للعمل في شركة نفط قطر وفي الحكومة وكونوا منذ عام 1950طبقة عاملة لها مطالبات نقابية ووطنية موحدة. كما توجه اهتمام الفئات الأكثر وعياً منهم والعاملون في شركات النفط إلى المطالبة بالمشاركة في الشأن العام، وذلك في ضوء حالة من تفاعل الرأي العام القطري وبروز مفهوم الشعب، مع الدعوات القومية التي انطلقت في أرجاء الوطن العربي وكانت مصر وسوريا مركزها(5).

وفي هذه الفترة ظهرت لجان العمال في دخان وأم سعيد ورأس أبو عبود وكانت هناك مطالبة بلجنة تمثل العاملين في الحكومة. كما أسست حوالي عام 1955 الجمعية الإسلامية التي منعتها الحكومة عن النشاط واعتقلت البارزين فيها بحجة حصول القائمين عليها على مساعدات من حاكم البحرين.

كما ظهرت أيضاً تجمعات أخرى وإلتحق طلاب قطر في الداخل والخارج بتيار المطالبة إلى جانب العمال والتجار.

وفي عام 1959 أسس نادي الطليعة وزاول نشاطا ثقافيا استقطب الجمهور القطري بما طرحه من نقد من خلال مسرحه ومجلته الشهرية حتى أغلق وزج بأعضائه في السجن، كما تم حظر الانتساب إلى الأندية عام 1961. وتلا ذلك نادي الجزيرة الاجتماعي الذي استقطب عدد من الطلاب إلى جانب العاملين في شركات النفط، وأسست فرقة الأضواء بقيادة عبد العزيز ناصر. وفي هذه الفترة نشأت امتدادات للأحزاب والحركات القومية في قطر، جذبت لها أنصارا من الطلاب والعمال وبعض التجار.

وفي ضوء هذا الحراك المتنوع الذي استمر طوال خمسينيات القرن العشرين كانت مسألة المشاركة في إدارة الشأن العام مطروحة، واستجابت الحكومة برئاسة المستشار الانجليزي لتلك المطالب بفكرة إنشاء مجلس بلدي ينتخب ثلثي أعضائه وفق وثيقة أطلق عليها دستور مجلس بلدية الدوحة. وهذا الدستور الذي يقر بحق أهل قطر في انتخاب ثلثي أعضاء المجلس البلدي المكون من 24 عضو، هو أول استجابة لمطالب المشاركة في الشأن العام بشكل حداثي وخارج الأطر التقليدية. ولكن هذا المجلس، الذي كان من المفترض انتخاب ثلثي أعضائه، لم يرى النور ولم يجري انتخابه، وإنما عين أعضاءه من قبل الحاكم.

واستمرت حكومة قطر من عام 1957-1960 تتجنب الاقتراب من تلبية الطلب الشعبي بالمشاركة في الشأن العام والدعوة للاستفادة من عائدات النفط في التنمية وإعادة توزيعها بشكل عادل. وبالرغم من قوة المطالبة الشعبية بالعدل والمساواة والمشاركة بشكل عام، فإن الإصلاح الإداري الذي شهدته حكومة قطر اعتبارا من 1962 لم يطرح فكرة المشاركة على مستوى مجلس بلدي أو مستوى أعلي منه حتى تاريخ تقديم عريضة الحركة الوطنية في مارس 1963والتي ترتب عليها اعتقال العشرات من أهل قطر وإبعاد بعضهم من البلاد (ملحق رقم 1).

وعندما تمت الاعتقالات وفصل قادة العمال وقطعت البعثات الدراسية عن بعض طلاب البعثات وأجهضت الحركة العمالية خاصة والحركة الوطنية عامة، أصدر حاكم قطر بيانا إيضاحيا لمنهاج العمل الشامل لتقدم البلاد، نشر في الجريدة الرسمية في 3/6/1963(6).

وفي هذا البيان الإيضاحي والذي يعتبر بمثابة إعلان دستوري، نجد حكومة قطر تستجيب بشكل غير مباشر لأغلب المطالب التي اعتقل وأبعد من أجلها عدد من أهل قطر الممثلين والمتعاطفين مع الحركة الوطنية والعمالية. ومن بين تلك الاستجابات ما ورد في ختام البيان حول صدور المرسوم رقم ( 4 ) لسنة 1963 الذي ينظم انتخاب وتعيين أعضاء المجلس البلدي. ويعد البيان الإيضاحي أيضا بإنشاء مجلس استشاري أعلى يمثل أهل الرأي في البلاد.(7)

ومما يؤسف له حقاً أن المجلس البلدي الثاني هذا لم ينتخب بالرغم من تحديد الدوائر الانتخابية ومواعيد الانتخابات التي أجل منها الواحد تلو الآخر. وكذلك فان مجلس الشورى، الذي أعلن بعد بضع سنوات، اقتصر على آل ثاني وأصبح مجلس لأسرة الحاكم، ومع ذلك فإنه لم يفعل.(8)

وجدير بالذكر أن سكان قطر، التي أظهر شعبها حراكا وطنيا يجهله البعض، في أواخر الفترة المدروسة عام 1970، كان 111 ألف نسمه فقط، المواطنون منهم 42% (حوالي 47 ألف نسمه) من السكان و20% من قوة العمل.(9) وقد كانت نسبة المقيمين العرب تفوق نصف نسبة المقيمين وكان لهم دورا هاما في الحراك.

ثانياً: مرحلة النظام الأساسي المؤقت

صدر النظام الأساسي المؤقت بتاريخ 2/4/1970 قبل إعلان الاستقلال بستة أشهر في سبتمبر أيلول 1970(10). وهذا النظام الأساسي جاء استجابة لمتطلبات الاستقلال ورغبة بريطانيا أن تنهي حمايتها، بإعطاء صورة حداثية للدولة التي استعمرتها ونظام الحكم الذي خلفته بعدها. كما عبر النظام الأساسي المؤقت عن رغبة الحاكم وولي العهد في تثبيت التفاهمات التي تمت بموافقة بريطانيا عام 1960وتم بموجبها اقتسام السلطة بينهما.

وقد نص النظام الأساسي المؤقت لعام 1970 في مادته الأولى على أن "قطر دولة عربية مستقلة ذات سيادة.... دينها الإسلام والشريعة الإسلامية مصدر رئيس لتشريعها، ونظامها ديمقراطي، ولغتها الرسمية هي اللغة العربية. وشعب قطر جزء من الأمة العربية"، ونصت الفقرة (حـ) من المادة (5) على أن "توجه الدولة عنايتها في كل المجالات لإرساء الأسس الصالحة لترسيخ دعائم الديمقراطية الصحيحة...." وتؤكد الفقرة (جـ) من المادة (8) على أن "هدف التعليم هو إنشاء شعب قوي الجسم والتفكير والشخصية، مؤمن بالله، محلى بالأخلاق الفاضلة، معتز بالتراث العربي الإسلامي، مجهز بالمعرفة، مدرك لواجباته وحريص على حقوقه."

هذه بعض المواد التي تقرب نظام الحكم في قطر- من حيث النص وليس الممارسة- من نظام الحكم الديمقراطي وتؤكد مع غيرها من المواد في الباب الاول (نظام الحكم) والباب الثاني (المبادئ الجوهرية لسياسة الدولة) والباب الثالث (الحقوق والواجبات)، على بعض من مفردات نظام الحكم الديمقراطي من حيث النص دون أن يحدث انتقال حقيقي من نظام حكم الفرد أو القلة إلى نظام حكم ديمقراطي كما تؤكد بقية المواد.

فإذا انتقلنا إلى الباب الرابع (السلطات) نجد المادة (17) تقول "يصدر الحاكم القوانين بناءً على اقتراح مجلس الوزراء، وبعد أخذ مشورة مجلس الشورى على الوجه المبين في هذا النظام. كما تنص المادة (18) على أن "السلطة التنفيذية يتولاها الحاكم بمعاونة مجلس الوزراء على النحو المبين في النظام الأساسي". وبذلك نجد أن السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية موكلة للحاكم ومجلس الوزراء. ويتضح ذلك من الاختصاصات الموكلة للحاكم ونائب الحاكم ومجلس الوزراء والتي تعبر عن اقتسام السلطة بينهما دون وجود سلطة تشريعية مستقلة عن السلطة التنفيذية، وهنا نجد سلطة مطلقة للحاكم يتقاسمها مع ولي العهد نائب الحاكم.

ولعل المادة (43) من الفصل الرابع (مجلس الشورى) من الباب الرابع (السلطات)، تخرج مجلس الشورى من نطاق السلطة وتؤكد صفته الاستشارية البحتة غير الملزمة، حيث تنص على أن "ينشأ مجلس شورى ليعين برأيه الحاكم ومجلس الوزراء في أداء مهامهما. ويسمى هذا المجلس " مجلس الشورى" ويعبر مجلس الشورى عن رأيه في شكل توصيات".

وجدير بالذكر إن مجلس الشورى هذا لم ينتخب ولم يعين طوال السنتين التي استمر فيهما العمل بالنظام الأساسي المؤقت لعام 1970.

وفي الباب الخامس (أحكام عامة) تقول المادة (74) "يجوز للحاكم تنقيح هذا النظام الأساسي بالتعديل أو الحذف أو الإضافة إذا رأى أن مصالح الدولة العليا تتطلب مثل هذا التنقيح". وبذلك يتأكد أن النظام الأساسي المؤقت خاضع لإرادة الحاكم.

ثالثاً: مرحلة النظام الأساسي المؤقت المعدل

لا يختلف النظام الأساسي المؤقت المعدل لعام 1972(11) عن النظام الأساسي المؤقت لعام 1970. والتعديل الذي جرى يتمثل في حذف المادة (21) و(26) اللتين كانتا تعبران عن تفاهمات 1960 واقتسام السلطة بين الأمير وولي العهد نائب الحاكم. إضافة الى النص على تولي الأمير رئاسة مجلس الوزراء مباشرة، حيث تغير لقب الحاكم إلى الأمير في النظام الأساسي المؤقت المعدل وأصبح يتولى رئاسة مجلس الوزراء أيضا. وبذلك تتركز كافة السلطات في يد الأمير رئيس مجلس الوزراء، وتضيق مساحة اتخاذ القرار ويصبح القرار العام قراراً فرديا بامتياز. الأمر الذي أدى الى إجراء تعديلات متتالية في النظام منذ السنة الأولى وفي كثير من الأحوال عطلت مواد دون الالتفات الى ضرورة تعديلها رسميًا. ومما يؤسف له حقا أن أهم ما جاء في النظام المعدل، من إقرار مبدأ انتخابات عامة سرية مباشرة، هي نفسها التي استهدفتها التعديلات في عامي 1973 و1975.

وجدير بالتنبيه أن هذه التعديلات التي نصت على الانتخابات في النظام الأساسي المؤقت المعدل لعام 1972، قد تم التأكيد عليها أيضا في ديباجته بالنص التالي: "فقد شمل التعديل الإحكام المنظمة لتشكيل مجلس الشورى، فقضي بأن يشكل هذا المجلس لأول مرة من عشرين عضواً يصدر بتعينهم أمر أميري مع جواز أن يعين الأمير عدداً آخر من الأعضاء لا يتجاوز أربعة إذا رأى أن الصالح العام يقتضي ذلك، وعلى أن تبقى اختصاصات هذا المجلس على ما كانت عليه وأن تكون مدته سنة واحدة أصلاً. كما قضي بذات الوقت بإنشاء مجلس شورى جديد عند انتهاء مدة مجلس الشورى الأول، مع مراعاة أن يتم تشكيله بالانتخاب العام السري المباشر وفقاً للقواعد التي يصدر بها قانون خاص ينظم ذلك الانتخاب العام وأن يصدر هذا القانون خلال ثلاثين يوما من تاريخ انتهاء المدة المذكورة وأن تتم إجراءات الانتخابات خلال ثلاثين يوماً من صدور القانون المشار إليه."

ومما هو جدير بالملاحظة أيضا أن عقدة الانتخاب لدى السلطة القطرية، عبر تاريخها الماضي والحاضر، قد أدت إلى تعديل المادة (45) بقرار أمير دولة قطر رقم (1) لسنة 1973 وبقراره رقم (7) لسنة 1975، بما يجيز استمرار مجلس الشورى المعين لمدة تتعدى العام الذي وعد به النظام الأساسي المؤقت المعدل، فأصبح نص المادة (45) "مدة مجلس الشورى سنة ميلادية تبدأ من تاريخ أول اجتماع له." وأضيف إليها "ويجوز مد هذه المدة إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك". وعلى ما يبدو أن المصلحة العامة من وجهة نظر السلطة قد اقتضت مد السنة الواحدة الاستثنائية للعمل بمجلس شورى معين مدة تناهز ربع قرن، إضافة إلى حوالي سنوات عشر من عمر الدستور الدائم لدولة قطر لعام 2004 التي نصت المادة (150) منه على أن يلغى النظام الأساسي المؤقت المعدل المعمول به في الدولة والصادر في 19/4/1972، وتبقى سارية الأحكام الخاصة بمجلس الشورى الحالي إلى أن ينتخب مجلس شورى جديد." وفي عام 2010 تم التمديد 3 سنوات أخرى لمجلس الشورى المعين القديم.

ومن المفيد أن نقف عند ظروف تعديل النظام الأساسي المؤقت، فقد جاءت التعديلات بعد إزاحة الحاكم السابق وتولي نائب الحاكم ولي العهد رئيس مجلس الوزراء للسلطة. وقد كان لهذا الظرف دوافعه للإعلان عن توجهات يرضى عنها الشعب ويستحسنها الرأي العام العربي. ومن هذه التوجهات انتخاب مجلس شورى بالاقتراع العام السري المباشر، بعد أن كان انتخاب هذا المجلس يعطي الحاكم حق اختيار مرشحين فائزين من كل أربعة تنتخبهم الدائرة الواحدة من الدوائر الانتخابية العشر. ولذلك فإن النظام المعدل لعام 1972 ألغي ما جاء به النظام المؤقت لعام 1970 وجاء بمبدأ الانتخاب السري المباشر، واعتبر التعيين لمدة عام واحد استثناءً. ولكنه تخلى عن وعده الصريح وتحديد موعد لإجراء اقتراع عام سري لأعضاء مجلس الشورى، فثبت بذلك مبدأ تعيين أعضاء مجلس الشورى المعمول به حتى الوقت الحاضر.

كما يلاحظ أيضا على ديباجة النظام المعدل علو نبرته الوطنية والقومية والإسلامية وتأكيده على أن تكون الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس لتشريعها، بعد أن كان النص في النظام المؤقت " الشريعة الإسلامية مصدر رئيس لتشريعها" المادة (1) في كل من النظامين. وكذلك نلاحظ تأكيد ديباجة النظام المعدل لعام 1972 على البعد العربي والعلاقات العربية حيث يربط توجه قطر للنهوض بنفسها بما "يؤهلها للقيام بدورها الأكمل في التضامن مع الدول العربية الشقيقة تضامناً فعالاً نافعاً لبلوغ ما ننشده من عزة ورفعة ومنفعة لأمتنا العربية الخالدة وسلام وأمن العالم أجمع".

وإضافة إلى ذلك كان من بين الاستجابات للمطالب الوطنية تحويل مخصصات الحاكم السابق إلى ميزانية الدولة وفقا للمرسوم رقم (43) لسنة 1972.

رابعاً: الدستور الدائم لعام 2004

يقترب دستور قطر الدائم لعام 2004 من حيث النص في بعض مواده من مقومات نظام الحكم الديمقراطي، ولكن الإحالة على مواد أخرى في الدستور أو ألإحالة على القوانين إضافة إلى المادة 150من الدستور عطلت ذلك الاقتراب.

في الباب الأول (الدولة وأسس الحكم) نجد تقارب في أغلب المواد بين ما جاء بالدستور وبين ما جاء في النظام الأساسي المؤقت لعام 1970 والنظام الأساسي المؤقت المعدل لعام 1972. ومثال ذلك هو المادة (1) التي نصت على أن " قطر دولة عربية ذات سيادة مستقلة. دينها الإسلام، والشريعة الإسلامية مصدر رئيسي لتشريعاتها، ونظامها ديمقراطي، ولغتها الرسمية هي اللغة العربية، وشعب قطر جزء من الأمة العربية".

وتنص المادة (6) على أن "تحترم الدولة المواثيق والعهود الدولية، وتعمل ع ى تنفيذ كافة الاتفاقيات والمواثيق والعهود الدولية التي تكون طرفاً فيها." وهذه المادة تجعل من مواثيق واتفاقيات حقوق الإنسان وغيرها من الاتفاقيات والعهود الدولية التي صادقت عليها الدولة، جزءا من مرجعية دستورها.

أما المادة (17) فقد ابتعدت عن المبادئ الديمقراطية حين نصت على أن "المخصصات المالية للأمير وكذلك مخصصات المساعدات والهبات، يصدر بتحديدها قرار من الأمير سنوياً". وهذه المادة قد تجعل جزءا رئيسيا من النفقات العامة خارج ما يحق لمجلس الشورى المنتخب (المنتظر) مناقشته وإقراره عندما يمارس رقابته على المال العام ويمارس حقه في إقرار قانون الميزانية العامة للدولة.

وجدير بالذكر أن حاكم قطر في فترة النظام الأساسي لعام 1970 كان يحصل على 25% من عائدات شركة نفط قطر ( الحقول البرية فقط ) من خارج الميزانية. وبعد صدور النظام الأساسي المؤقت المعدل لعام 1972, صدر مرسوم رقم (43) لسنة 1972 بأيلولة مخصصات ألأمير السابق إلى الخزينة العامة. وبذلك ألغيت كافة المخصصات من خارج الميزانية وأصبحت بذلك مخصصات الأمير جزء من النفقات العامة تخضع لما يخضع له الإنفاق العام من ضوابط ومحددات.

في الباب الثاني والثالث (المقومات الأساسية للمجتمع) و(الحقوق والواجبات العامة)، نجد المادة (34) تنص على أن "المواطنون متساوون في الحقوق والواجبات العامة". ولكن قانون الجنسية لعام 2005 وعدد من الإجراءات و الأوامر الإدارية والأعراف المشيخية، تعطل مبدأ المواطنة المتساوية.

وتتطرق بقية المواد في هذا الباب إلى تأكيد حرية كل من التعبير والبحث العلمي والصحافة والطباعة والنشر، وحرية التجمع وتكوين الجمعيات وحق كل فرد في مخاطبة السلطات العامة. ولكن تلك المواد أيضا تحيل إلى القانون تنظيم هذه الحريات. والقوانين السارية من المحتمل أن تعطل ما جاء في الدستور من حريات. ومثال ذلك ما نشاهده من حرية تكوين الجمعيات وحرية التعبير والتجمع وحرية النشر. كما إن هذا الباب يتجاهل حرية التنظيم ولا يتيح حق التعبير السلمي، وفي ذلك انتقاص لضمانات نظام الحكم الديمقراطي.

وتؤكد المادة (54) على أن الوظائف العامة خدمة وطنية. كما تؤكد المادة (55) على أنه "للأموال العامة حرمة وحمايتها واجب على الجميع وفق القانون". ولكن لم تظهر في الدستور المادة (41) من النظام الأساسي لعام 1970 التي تنص صراحة على انه "لا يجوز لرئيس مجلس الوزراء أو الوزراء أثناء توليهم مناصبهم، أن يزاولوا أي عمل مهني أو تجاري، أو أن يدخلوا في معاملة تجارية مع الدولة".

في الباب الرابع (تنظيم السلطات)، نجد في الفصل الأول منه (أحكام عامة) ملامح نظام حكم ديمقراطي من حيث بعض النصوص، فالمادة (59) تنص على أن "الشعب مصدر السلطات ويمارسها وفقاً لأحكام هذا الدستور." والمادة (60) تقول "يقوم نظام الحكم على أساس فصل السلطات مع تعاونها على الوجه المبين في هذا الدستور". وتنص المواد (61) و(62) و(63) على أن "السلطة القضائية تتولاها المحاكم" وتنتهي كل من هذه المواد الثلاثة بعبارة "على الوجه المبين بالدستور".

ثم تأتي بقية فصول الباب الرابع لتوضح كيف تمارس كل من السلطات الثلاث:

ففي الفصل الثاني منه (الأمير)، عندما نقرأه مع بقية فصول الباب الرابع نجده يضع الأمير فوق السلطات وهو مصدرها دون وجود نص على ذلك، وفي الوقت نفسه يجعل السلطة التنفيذية من اختصاصه حيث تنص المادة (120) على أن "يقوم مجلس الوزراء بمعاونة الأمير على أداء مهامه وممارسة سلطاته وفقاً لأحكام الدستور".

ومن اختصاصات الأمير الواردة في المادة (67) 1- رسم السياسة العليا للدولة بمعاونة مجلس الوزراء" و" 2- المصادقة على القوانين وإصدارها. ولا يصدر قانون ما لم يصادق عليه الأمير". وآخر الصلاحيات (الفقرة 10) تنص على تولي الأمير "أي اختصاصات أخرى بموجب هذا الدستور أو القانون". وهذه الاختصاصات غير المحددة يمكن أن يكون مصدرها القانون، ما صدر منه في السابق وما سوف يصدر في المستقبل باستمرار وجود مجلس الشورى المعين أو المجلس المنتخب.

وإذا توقفنا عند الاختصاص الثاني من اختصاصات الأمير فإننا نجد أن المادة (106) في فصل السلطة التشريعية تنص على ما يلي:
"1- كل مشروع قانون أقره مجلس الشورى يرفع للأمير للتصديق عليه. 2- إذا لم يرد الأمير التصديق على مشروع القانون, رده إلى المجلس في غضون ثلاثة أشهر من تاريخ رفعه إليه مشفوعاً بأسباب عدم التصديق. 3- إذا رد أي قانون خلال المدة المبينة في البند السابق وأقره مجلس الشورى مرة ثانية بموافقة ثلثي الأعضاء الذي يتألف منهم المجلس صدق عليه الأمير وأصدره. ويجوز للأمير عند الضرورة القصوى أن يأمر بإيقاف العمل بهذا القانون للمدة التي يقدر أنها تحقق المصلحة العليا للبلاد..."

وهذه المادة تجعل مصير العمل بالتشريعات في يد الأمير وتقديره للمصلحة العامة، وتجرد "السلطة التشريعية" من أهم اختصاصاتها. وتأتي المادة (68) لتجرد السلطة التشريعية أيضا من اختصاص الرقابة على بعض المعاهدات والاتفاقيات التي يكون لها قوة القانون, حيث تنص على أن "يبرم الأمير المعاهدات والاتفاقيات بمرسوم ويبلغها لمجلس الشورى، مشفوعة بما يناسب من البيان. وتكون للمعاهدات والاتفاقيات قوة القانون بعد التصديق عليها ونشرها في الجريدة الرسمية.."

وتنص المادة (75) على أن "للأمير أن يستفتي المواطنين في القضايا الهامة التي تتصل بمصالح البلاد، ويعتبر موضوع الإستفتاء موافقاً عليه إذا أقرته أغلبية من أدلوا بأصواتهم، وتكون نتيجة الاستفتاء ملزمة ونافذة من تاريخ إعلانها. وتنشر في الجريدة الرسمية. ويلاحظ أن هذه المادة لا تعطي مجلس الشورى أي دور في قرار إجراء الاستفتاء. كما أن نتيجة الاستفتاء بأغلبية من أدلوا بأصواتهم فيه وليس بأغلبية من لهم حق التصويت أو أي أغلبية أخرى. وهذا ربما يعني انه حتى لو تمت مقاطعة الاستفتاء فإن المقاطعة لاتهم وسوف يقر موضوع الاستفتاء بأغلبية من صوتوا دون اعتبار بمن لهم حق التصويت.

السلطة التشريعية، وإذا عدنا إلى بقية فصول الباب الرابع (تنظيم السلطات) لنستوضح النصوص عن أحكام الدستور التي تمارس من خلالها المادة (59) الشعب مصدر السلطات....." والمادة (60) التي تقول "يقوم نظام الحكم على أساس فصل السلطات مع تعاونها..." فإننا نلاحظ ما يلي:

تنص المادة (76) على أن "يتولى مجلس الشورى سلطة التشريع، ويقر الموازنة العامة للدولة، كما يمارس الرقابة على السلطة التنفيذية، وذلك على الوجه المبين في هذا الدستور."
ونجد المادة (78) تنص على إن "يصدر نظام الانتخاب بقانون"، والمادة (79) تنص بأن"تحدد الدوائر الانتخابية التي تقسم الدولة إليها ومناطق كل منها بمرسوم".

وعلينا هنا أن نتذكر أن قانون أول انتخابات قادمة سوف تضعه السلطة التنفيذية دون وجود أحكام دستورية تلزم السلطة التنفيذية بتحقيق متطلبات الانتخابات الديمقراطية ومن أهمها إشراف قضاء مستقل بعيدا عن تدخل السلطة التنفيذية. كما أن تحديد الدوائر الانتخابية يتم بموجب مرسوم، الأمر الذي قد يطلق يد السلطة التنفيذية عند كل انتخابات في هندسة نتائج الانتخابات من خلال إعادة تفصيل الدوائر الانتخابية والمبالغة في عددها.

وإذا لاحظنا كيف أجهضت انتخابات المجلس البلدي وانصرف عنها المواطنين وأخذنا في الاعتبار ما رشح عن اقتراح 30 دائرة انتخابية لانتخاب 30 نائبا وما قيل عن قانون الانتخابات من طرف، يجعلنا لا نتفاءل بقانون انتخابات ديمقراطية تحت إشراف قضائي، يتم فيه تقليص الدوائر الانتخابية إلى الحد الأدنى الذي يعزز التصويت على أساس اعتبارات وطنية. هذا إذا لم يتم إجراء حوار وطني حول قانون الانتخاب الأول.

وتنص المادة (104) على أن "للأمير أن يحل مجلس الشورى بمرسوم يبين فيه أسباب الحل، على أنه لا يجوز حل المجلس لذات الأسباب مرة أخرى، وإذا حل المجلس وجب إجراء انتخابات المجلس الجديد في موعد لا يتجاوز ستة أشهر من تاريخ الحل. والى أن يجري انتخاب المجلس الجديد يتولى الأمير بمعاونة مجلس الوزراء سلطة التشريع."
ومن قراءة المادة (104) نجد أن الأمير ومجلس الوزراء (السلطة التنفيذية) من حقهم أن يصدروا التشريعات في فترة حل المجلس دون النص على ضرورة عرضها على مجلس الشورى عند إعادة انتخابه.

ومن هذه المواد والمواد (106) و(75) و(68) (عندما يأذن بانتخاب مجلس الشورى)، نرى إن السلطة التنفيذية يمكن تجاوزها من قبل السلطة التنفيذية عند الضرورة التي يقدرها الأمير وبالتالي تجعل من الأمير مرجع السلطة التشريعية وليس الشعب.

وإذا نظرنا إلى الاختصاص الثاني الجديد والهام لمجلس الشورى "إقرار الموازنة العامة للدولة" فإننا نجد ما يلي:

المادة (107) (المؤجلة) تنص على أنه "يجب عرض الموازنة العامة على مجلس الشورى قبل شهرين على الأقل من بدء السنة المالية، ولا تعتبرها نافذة إلا بإقراره لها..."
وجدير بالذكر أن النص على وجوب عرض الموازنة العامة للدولة على مجلس الشورى، من أجل إقرارها، يشير إلى تطور من حيث النص المقارن في كل من النظامين الأساسيين لعام 1970 / وعام 1972 الفقرة (3) من المادة (51) والمادة (55) اللذين نصًا على أن اختصاص مجلس الشورى يقتصر على "مناقشة ميزانية المشروعات العامة الرئيسية" وتقديم توصيات. وهذا هو الحال الآن حتى يتم انتخاب مجلس الشورى. ولكن تبقى هذه المادة من الدستور الدائم غامضة من حيث حق مجلس الشورى في مناقشة المخصصات والمساعدات والهبات التي نصت عليها المادة (17) من الدستور التي سبقت الإشارة إليها. كما أن هذه المادة تتحدث عن الموازنة العامة ولا توضح ما يخص الاحتياطي العام للدولة واستثماراته، ولا تبين ما إذا كان من حق مجلس الشورى إقرار الحساب الختامي للموازنة العامة و ومراقبة جهاز قطر للاستثمار والاطلاع على تقرير ديوان المحاسبة التابع للسلطة التنفيذية وليست له صلة رسمية بالسلطة التشريعية كما جرت عليه العادة في الدول الديمقراطية.

وتتناول المواد من (108) إلى (112) ما يتعلق بالاختصاص الثالث لمجس الشورى، ممارسة الرقابة على السلطة التنفيذي. ونجد إن هذه الرقابة لا تشمل مراقبة وإقرار اختصاصات الأمير أو مجلس الوزراء أو رئيس مجلس الوزراء وإنما تقف عند حد إبداء الرغبات للحكومة في المسائل العامة (المادة 108). وتضيف المادة (111) قائلة "كل وزير مسئول أمام مجلس الشورى عن أعمال وزارته، ولا يجوز طرح الثقة عن وزير إلا بعد مناقشة استجواب موجه إليه.. ويعتبر الوزير معتزلا من تاريخ سحب الثقة."

السلطة التنفيذية تنص المادة (62) التي سبق الإشارة إليها أن " السلطة التنفيذية يتولاها الأمير ويعاونه في ذلك مجلس الوزراء على الوجه المبين في هذا الدستور". وتنص المادة 118 على أن "يكون تشكيل الوزارة بأمر أميري بناء على اقتراح رئيس الوزراء....". وتؤكد المادة 120 على أن "يقوم مجلس الوزراء بمعاونة الأمير على أداء مهامه وممارسة سلطاته وفقا لهذا الدستور وأحكام القانون". وتنص المادة 121 على انه "يناط بمجلس الوزراء، بوصفه الهيئة التنفيذية العليا، إدارة جميع الشؤون الداخلية والخارجية التي يختص بها وفقا لأحكام هذا الدستور وأحكام القانون". وتفصل المادة اختصاصات مجلس الوزراء. وبذلك نجد هناك اختصاصات للسلطة التنفيذية لا تعتبر من اختصاصات مجلس الوزراء. ومثال ذلك مجلس الدفاع والمجلس الأعلى للتعليم والمجلس الأعلى للاستثمار والهيئة العليا للتخطيط التنموي وكثيرا" من المؤسسات و الهيئات العامة مثل قناة الجزيرة وأجهزة الرياضة وقطر للبترول، وبالتالي لا تخضع عملية اتخاذ القرار فيها والرقابة عليها لما تخضع له اختصاصات مجلس الوزراء.

ويلاحظ أن اختصاصات السلطة التنفيذية لا يخضع منها لرقابة مجلس الشورى التشريعية، إلا ما يتطلب اصدر قانون أما ما يكتفي في إقراره بأمر أو مرسوم أميري فإنها لا تدخل تحت سلطة أو رقابة مجلس الشورى المنتخب (المنتظر) على ضعفها.

السلطة القضائية تنص المادة 129 على أن "سيادة القانون أساس الحكم في الدولة.." وتنص المادة 130 على أن "السلطة القضائية مستقلة وتتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها، وتصدر أحكامها وفق القانون". وتنص المادة 137 على أن "يكون للقضاء مجلس أعلى يشرف على حسن سير العمل في المحاكم والأجهزة المعاونة لها، ويبين القانون تشكيله وصلاحياته واختصاصاته". وتأتي في الفصل الخامس المادة 140 التي تقول "يعين القانون الجهة القضائية التي تختص بالفصل في المنازعات المتعلقة بدستورية القوانين واللوائح، ويبين صلاحياتها وكيفية الطعن والإجراءات التي تتبع أمامها، كما يبين القانون أثار الحكم بعدم الدستورية.

ونجد هنا أن استقلال القضاء هو جزء من استقلال السلطة التشريعية التي تصدر القوانين إضافة إلى ضرورة قيام وصلاحيات محكمة دستورية تفصل في دستورية القوانين وما في حكمها، وإذا علمنا أن المحكمة الدستورية لم تنشا حتى الآن وأن كل القوانين السارية حاليا السابقة على إعلان الدستور واللاحقة له حتى يتم انتخاب مجلس شورى جديد في المستقبل غير المعروف، تم تشريعها من قبل السلطة التنفيذية، فإن السلطة القضائية مثلها مثل السلطة التشريعية في الدستور ما زالت تابعة للسلطة التنفيذية وغير مستقلة.


الفصل الخامس: الأحكام الختامية

ونجد هنا المادة (141) تنص على أنه "يبقى صحيحا ونافذا ما قررته القوانين واللوائح الصادرة قبل العمل بهذا الدستور ما لم يجري تعديلها وفقا لأحكامه ولا يترتب على العمل بالدستور الإخلال بالإحكام والمعاهدات والاتفاقيات الدولية التي تكون الدولة طرفا فيها". وهنا أيضا نجد الدستور لا يخضع القوانين واللوائح السابقة على صدوره لإحكام الدستور ومرجعياته وإنما يعتبرها نافذة حتى يتم تعديلها. ونحن نعرف صعوبة بل استحالة تعديل قانون بدون موافقة السلطة التنفيذية. ولعل هذا هو السبب وراء كثرة الإحالة في مواد الدستورعلى القانون.

وبعد عدة مواد يفاجئنا الدستور في المادة 150وهي الأخيرة، بجملة أقحمت عليها -ولم تتعرض لتوضيحها المذكرة التفسيرية- ووضعت بالتالي مصير العمل بفصل ما سمي السلطة التشريعية والمواد من 76 – 116 حوالي ثلث مواد الدستور، في يد السلطة التنفيذية حيث نصت المادة 150 على أن "يلغي النظام الأساسي المؤقت المعدل المعمول به في الدولة والصادر في 19/4/1972، وتبقى سارية الأحكام الخاصة بمجلس الشورى الحالي إلى أن يتم انتخاب مجلس الشورى الجديد". وبذلك تساوى الدستور بالنظام الأساسي الذي جاء ليحل محله.

خلاصة وخاتمة

يتضح من قراءة تجارب قطر الدستورية أن نظام الحكم في قطر مازال مطلقا برغم ما طرأ عليه من انفتاح سياسي وإعلامي، وبذلك فإنه لم ينتقل بعد إلى نظام حكم ديمقراطي مع إنه قد تم النص منذ عام 1970 على أن "نظام الحكم في قطر ديمقراطي" . ويمكننا ملاحظة عدم الانتقال من خلال المعاير الستة لنظام الحكم الديمقراطي التي بدأنا بها هذه الورقة:

أولا: معيار أن لا سيادة لفرد أو لقلة على الشعب، واعتبار الشعب مصدر السلطات:
يتضح من هذا البحث أن الأمير وليس الشعب هو مصدر السلطات وأنه المرجع الأخير لتحديد الخيارات واتخاذ القرارات العامة وفي التشريع، وليست هناك مشاركة شعبية مستقلة تذكر عن إرادة السلطة التنفيذية، وذلك وفقا للنظامين الأساسين لعام 1970 و1972 وكذلك للدستور الدائم لعام 2004 حتى بعد تفعيل "فصل السلطة التشريعية" والمواد من 67-116 المعطلة نتيجة لعدم إجراء انتخابات أعضاء مجلس الشورى حتى الآن.

ومن هنا يمكننا القول أن دستور 2004، إلي جانب طريقة وضعه عن طريق لجنة معينة، مازال حتى عندما يتم تفعيل كافة فصوله والعمل بكل مواده نصا وروحا، فإنه لن يحقق الانتقال إلى نظام حكم ديمقراطي، وإنما يحقق درجة عالية من الانفتاح السياسي التي يمكن أن تقود تدريجيا للانتقال المرجو إلى نظام حكم ديمقراطي وإمارة دستورية في قطر. هذا إذا ارتفع أفراد وجماعات الشعب القطري إلى مستوى المسئولية التاريخية. وهذا أمر يتوقف على إرادة الدولة كما يتوقف على إرادة أفراد الشعب وجماعاته.

ثانيا: إقرار مبدأ المواطنة باعتبارها مصدر الحقوق ومناط الواجبات: مبدأ المواطنة هو حجر الأساس في الدولة الديمقراطية، وبمقتضاه تقف الدولة على مسافة واحدة من جميع مواطنيها. وذلك باعتبار الدولة مؤسسة تنشأ بإرادة مواطنيها وفق شرعية دستور ديمقراطي يمثل عقدا اجتماعيا متجددا بين المواطنين، شاركوا في وضعه ويعبر عن إرادتهم.

وإذا نظرنا إلى مدى الأخذ بمبدأ المواطنة هذا في قطر فإننا نجد قانون الجنسية الجديد لعام 2005 يميز بين المواطنين في الحقوق السياسية أكثر من قانون الجنسية لعام 1961 ويحرم المتجنسين وسائر سلالاتهم من حق المشاركة السياسية دون تحديد زمن معلوم. وهناك تساؤلات دستورية حول توقيت ومضمون قانون الجنسية (14).

وعلى أرض الواقع نلاحظ عدم مراعاة المادة (24) من دستور 2004 التي تنص على "المواطنون متساوون في الحقوق والواجبات العامة." ويتضح ذلك في وجود امتيازات وتمايز في من يتولى المسئوليات الحكومية، وفي المكانة الاجتماعية وفي الحصول على مخصصات مالية ومادية من المال العام وتمييز في النفوذ التجاري وفي تولي المناصب العامة، يحصل عليها بعض المواطنين دون غيرهم.

ثالثا: سيطرة أحكام القانون والمساواة أمامه، وأن يسود حكم القانون وليس مجرد الحكم بالقانون: إن الحكم بالقانون هو السمة الأبرز في قطر كما هي في أغلب الدول العربية حيث تتحكم السلطة في الناس بموجب قوانين قد تتعارض مع الدستور ومرجعياته. فكل المبادئ الديمقراطية الواردة إما أنها مقيدة بمواد أخرى في الدستور أو إنها تحيل المضمون إلى القانون الصادر قبل العمل بالدستور وبعده. وفي غياب سلطة تشريعية مستقلة عن السلطة التنفيذية، واعتبارها المصدر الأخير للتشريع في حدود مرجعيات الدستور، إضافة إلى عدم قيام محكمة دستورية تمثل رأس قضاء مستقل، فإن احتمال "الحكم بالقانون" وارد على حساب "حكم القانون"، والذي يتطلب بالضرورة أن يخضع القانون للمواد الحاكمة في الدستور ولمرجعيات التشريع مثل كون الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع، وكذلك العهود والاتفاقيات الدولية لحقوق المواطن والإنسان حتى يكون القانون مشروعا. ففي الوقت الحاضر نجد أن القوانين في غياب سلطة تشريعية مستقلة ومحكمة دستورية فاعلة قد تنشئ أو تحجب حقوقا وتفرض التزامات قد تتعارض مع ما ورد من مبادئ ديمقراطية ومرجعيات دستورية تم النص عليها، ومنها المادة (1) من الدستور.

رابعا:عدم الجمع بين أي من السلطات التنفيذية أو التشريعية أو القضائية في يد شخص أو مؤسسة واحد: الوضع الحالي في قطر في ضوء غياب سلطة تشريعية مستقلة عن السلطة التنفيذية وعدم قيام المحكمة الدستورية يجعل السلطات كلها في يد الأمير وليس هناك فصل بين السلطات.
خامسا: ضمان الحقوق والحريات العامة دستورياً و قانونياً وقضائياً، ومن خلال ضمان فاعلية ونمو المجتمع وتنظيماته الأهلية المستقلة عن السلطة وتأكيد حق الدفاع عن الحريات العامة وعلى الأخص حرية التعبير وحرية التنظيم. ولعل نظرة سريعة على حال الحريات العامة ومنها حرية التعبير المتوقفة على رضا السلطة التنفيذية ومن تعيينهم على رأس الأجهزة والوسائل الإعلامية الخاصة والعامة، وحرية التنظيم شبه المعدومة، تشير كلها إلى قيود ثقيلة على حرية التعبير الجماعي السلمي وحرية تكوين الجمعيات والمؤسسات الخاصة، بترك سلطة الترخيص للسلطة التنفيذية والحرمان من المراجعة القضائية لقراراتها.

ومطلوب أيضا أن يتسع قانون الجمعيات لكافة جمعيات ومؤسسات النفع العام وأن يكون هناك قانونا خاصا للتنظيمات المشتغلة بالسياسة، وأن يسمح بقيام الجمعيات المهنية والنقابية وقيام جمعيات أهلية للدفاع عن حقوق المواطن والإنسان. وذلك وصولا للجماعات السياسية التي يتطلب نظام الحكم الديمقراطي قيامها من أجل التنافس على السلطة وفق برامج وطنية، وتداولها بشكل دوري عبر انتخابات حرة ونزيهة وفاعلة. ولعل الإطلاع على قانون الجمعيات والمؤسسات وصولا لتعديله الأخير في القانون رقم (10) لعام 2010، تجعلنا ننتظر الكثير من الإصلاحات القانونية كي ترتقي حرية التعبير والتنظيم إلى مستوى الحد الأدنى لمتطلبات المبادئ العامة لدستور عام 2004, وتجاري أغلب دول المنطقة على الأقل.

سادسا: معيار تداول السلطة -في النظام الجمهوري والنظام الملكي- سلمياً وفق آلية انتخابات حرة ونزيهة و فعالة. وهذا المعيار غائب بالكامل حتى بعد أن تجرى انتخابات مجلس الشورى. ومما يؤسف له أن السلطة في قطر مازلت تخشى الانتخابات التي أصبحت تشكل عقدة العقد. وحتى عندما تفكر فيها فإنها تسعي من خلال ما تشير إليه تصريحات اللجنة العليا للانتخابات إلى ضبط نتائجها مسبقا عن طريق قانون الانتخابات ومرسوم الدوائر الانتخابية التي يقال إنها قد حددت بثلاثين دائرة لانتخاب ثلاثين عضو لمجلس الشورى المنتظر. وكان حريا أن تكون قطر كلها دائرة واحدة فقط وان تجري الانتخابات تحت إشراف قضاء مستقل.

يكشف التحليل السابق لحالة الديمقراطية من خلال دستور قطر الدائم- والدائم وجه الله- اختلافات جوهرية بينه وبين مفهوم الدستور الديمقراطي الذي تم ذكر مقوماته أعلاه.
فدستور قطر يبدأ بالتأكيد على أن نظام الحكم في قطر ديمقراطي، وأن الشعب مصدر السلطات كما يؤكد على الفصل بين السلطات واستقلال القضاء وعلى المساواة بين المواطنين وقيام حريات عامة، ولكن سرعان ما يضيف فقرة إلى كل من تلك المواد أو إحالة على مواد في الدستور متعارضة معها، أو ترك الأمر للقوانين والمراسيم واللوائح، التي في بعض الحالات نجدها لا تراعي مع الأسف، المواد الحاكمة في الدستور ومرجعياته. الأمر الذي يفرغ تلك المواد من مضمونها الديمقراطي وتجعل من الأمير، وليس الشعب، مصدر السلطات والمرجع الأخير لها، لغياب الفصل بين السلطات وبسبب عدم استقلال القضاء وغياب محكمة دستورية.

و لعل ما وجدناه من قصور وتردد وإرجاء في تفعيل النظامين الأساسيين والدستور وابتعادها عن مقومات الدستور الديمقراطي تعود إلى أن النظامين ودستور قطر لعام 2004- مثل سائر دساتير دول مجلس التعاون باستثناء الكويت- هي دساتير منحة، لم تضعها جمعيات تأسيسية منتخبة من الشعب.وهذا يجعلنا نقول أن انتقال قطر إلى نظام حكم ديمقراطي لن يتم إلا بقيام دستور تعاقدي تضعه جمعية تأسيسية منتخبة من جميع المواطنين وفق نظام انتخابات ديمقراطية حرة ونزيهة وفعالة تحت إشراف قضاء مستقل. فالديمقراطية حق أصيل لكل مواطن وليست منحة يمن بها على الشعب وينتقص منها.

وجدير بالتأكيد أنني سبق وأن أكدت على أهمية أن يكون دستور قطر دستورًا ديمقراطيًا في مقالة بعنوان "دستور ياجماعة"، نشرت على نطاق واسع في فترة إعداد الدستور عام2001. كما سبق وأن طالبت عريضتا عام 1991 وعام 1992 بوضع دستور ديمقراطي من قبل مجلس منتخب (انظر ملحق رقم 2 وملحق رقم 3).


الدوحة 20-3-2011


الملاحظات 1- علي خليفة الكواري، نحو مفهوم جامع للديمقراطية في البلدان العربية، المستقبل العربي، العدد 338، 4/2007، بيروت، لبنان.
2- الطموح القطري بأن يأتي الدستور الدائم دستورا ديمقراطيا كانت له إرهاصات قبل صدور الدستور عام 2005، في عدد من الكتابات منها كتابات الدكتور حسن عبد الرحيم ومقالتي في عام 2002 بعنوان"دستور يا جماعة" وكتابات نورة السعد وآخرون. وعندما تم التمديد في عام 2010 لمجلس الشوري المعيين ثلاث سنوات استغرب عدد من الكتاب منهم الدكتور عبدالرحمن بن عمير النعيمي ولحدان بن عيس المهندي ومحمد بن هلال الخليفي وآخرين ذلك التمديد الذي يستمر بموجبه تعطيل فصل السلطة التشريعية في الدستور الدائم.(انظر مدونة نحو مجلس تشريعي منتخب في قطر)
http://toparliamentaryelection.blogspot.com
3-علي خليفه الكواري، تنمية للضياع أم ضياع لفرص التنمية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1996، ص 159-170.
4- علي خليفه الكواري، "النفط وعائداته: خيار بين الاستهلاك والاستثمار"، في: هموم النفط وقضايا التنمية في الخليج العربي, كاظمة,الكويت 1985. ص162.
5--علي خليفه الكواري، تنمية للضياع أم ضياع لفرص التنمية، مرجع سابق، ص 159-170
6-إدارة الشئون القانونية، مجموعة قوانين قطر حتى 1966، د.ت، ص 614-619.
7- المصدر السابق.
8-المصدر السابق ص 561-567. وقانون رقم (6) لسنة 1964 بإنشاء مجلس الشورى ومرسوم رقم لسنة 1964 بتعيين أعضاء مجلس الشورى.
9-علي الكواري، نحو فهم أفضل لأسباب الخلل السكاني، مجلة دراسات الخليج والجزيرة العربية، جامعة الكويت، الكويت 1983.ص 12.
10-إدارة الشئون القانونية، مجموعة قوانين قطر 1961-1980 ص 1-11.
11- إدارة الشئون القانونية، مجموعة قوانين قطر 1961-1980 ص14-25.
12- إدارة الفتوى، وزارة العدل، الدستور الدائم لدولة قطر، الدوحة، د.ت.
13- الراية القطرية 26/9/2010: قانونيون يستعجلون تشكيل المحكمة الدستورية ص7.
14- حسن عبد الرحيم السيد، الصفة الدستورية لأحكام الجنسية القطرية وأثرها على قانون الجنسية الجديد، مجلة الحقوق العد 3-لسنة 2008، جامعة الكويت، الكويت 2008

 

ملحق (1): مطالب عريضة 1963 وأسماء الموقعين عليها

بسـم الله الرحمـن الرحيـم
1 – محاكمة عبد الرحمن محمد آل ثاني على العمل الشنيع الذي ارتكبه في حق جماهير شعبنا أثناء المظاهرات المؤيدة للوحدة العربية وعلى المسئولين تنفيذ ذلك فورا شرط أن تكون المحاكمة علنية .
2 – تنظيم الأمن العام والشرطة وتعريب القيادة .
3 – الاستغناء فوراً عن غير العرب الموجودين في الشرطة والأمن العام .
4 – توظيف القطريين في الشرطة وتخصيص رواتب خاصة لهم بمعدل 800 روبية للشرطي الوطني .
5 – العدالة يجب أن تسود جميع طبقات الشعب بدون أي استثناء بما في ذلك العائلة الحاكمة .
6 – الاستيلاء على الأراضي التي استولت عليها العائلة الحاكمة بحكم نفوذها وتوزيعها على المواطنين الذين لا زالوا يدفعون ثمن سكناهم .
7 – منع العائلة الحاكمة من مزاولة الإعمال التجارية لأنها تسبب منافسة للتجار .
8 – إعفاء الشعب القطري فوراً عن دفع ثمن استهلاك الكهرباء والماء مساواة بالعائلة الحاكمة
9 – إجبار العائلة الحاكمة على دفع قيمة استهلاك الكهرباء والماء الخاصة بعقاراتهم المؤجرة حتى لا يسبب إعفاءهم منافسة غير عادلة للمواطنين في ميدان التأجير .
10 – إجبار العائلة الحاكمة بتسديد الديون التي عليهم للتجار فوراً .
11 – على الحكومة الاعتراف رسمياً بنقابات العمال وبحق الاشتراك مع النقابات الدولية .
12 – إلغاء الجوازات الدبلوماسية عن العائلة الحاكمة فوراً ماعدا المسئولين عن الحكم .
13 - بناء المستشفيات في ألأحياء الشعبية ألآهلة بالسكان مع مراقبة دقيقة يقوم بها ممثلين من أبناء الشعب على الوسائل الصحية
14 – إنشـاء بلدية على نـظم حديثـة .
15 – انتخاب مجلس بلدي ممثلاً لجميع طبقات الشعب .
16 – إشراك الشعب في الاطلاع على المشاريع التي تقوم بها الدولة .
17 – فتح مديرية للشئون الاجتماعية على النظم الحديثة .
18 – تعيين لجنة تشرف على تصدير البترول شريطة أن يكونوا من المواطنين المخلصين .
19 – تنظيم دائرة الهجرة والجوازات ومنع صرف الجنسيات إلا بطريقة مشروعة وقانونية .
20 – نطالب بتعيين رؤساء لجميع الدوائر الحكومية من القطريين .
21 – نطالب بترقية موظفين الحكومة من القطريين وزيادة رواتبهم بمعدل 50 % .
22 – منع جميع الدوائر الحكومية من استيراد السيارات والعمل على استئجار ما تحتاجه من سيارات من منظمة سيارات الأجرة الوطنية .
23 – تأمين خدمات الماء و الكهرباء والمستشفيات للقرى الآهلة بالسكان وتعبيد الطرق لها ومد الهاتف .
24 –تأميم شركة البرق واللاسلكي وتعريب دائرة البريد .
25 – إلغاء أرقام السيارات الحكومية عن سيارات الجميع ماعدا الرسميين .
26 – فتح إذاعة وتلفزيون وسينما تمشياً مع المدنية والحضارة .
27 – يجب على الذين يمثلون الحكومة في المؤتمرات الدولية أن يكونوا من القطريين .
28 – يجب تنظيم المحاكم على أسُس سليمة وتنفيذ الحكم الصادر منها على الجميع بما في ذلك العائلة الحاكمة .
29 – حماية حرية الفرد في شتى المجالات .
30 – إنشاء دائرة الطابو لمسح الأراضي .
31 – منع التجار الأجانب من استيراد البضائع من الخارج .
32 – على الحكومة أن تنشر ميزانيتها السنوية على الشعب .
33 – إزالة الفوارق الطبقية والقضاء على الفوضى والاستهتار والاستبداد .
34 – اللجان المختصة من الشعب لها الحق في إعلان الإضراب وفكـه .
35 – للجنة الإتحاد الوطني أن تصدر نشرات وبيانات حسب الظروف .
-------------------------------------------------------------------------------
**ملاحظة عامة تتعلق بتحرير هذه العريضة وتصحيح الأسماء: تم إجراء تصحيح وتوضيح بعض الكلمات واستكمال الأسماء من أجل نشر هذه الوثيقة، دون أي تغيير في المعنى. وقد ذكر لي الصديق خليفه بن خالد السويدي أحد من ساهموا في كتابة العريضة مع الأخ هتمي بن أحمد الهتمي وأخرين، أن الاسماء تم إختيارها من بين الذين كان لهم دور في التحرك دون أن يطلب منهم التوقيع على العريضة.

أسمـاء اللجنـة الممثلـة لهيئـة الإتحـاد الوطنـــي 1 – هتمي أحمد الهتمـي
2 – أحمد محمد المهندي
3 - عيسى بن علي الخليفي
4 – أحمد بن علي المهندي
5 – راشد محمد الحساوي
6 – راشد محمد العامري
7 - سعيد بن ربيعة الكواري
8 – ناصر بن عبد الله المسند
9 – خليفة بن عبد الله العطية
11 – خليفة بن خالد السويدي
12 – عبد العزيز أحمد النعيمي
13 – عبد الرحمن الخـاطـر
14 – أحمد ناصر عبيدان
15 – محمد عبد الله ذياب
16 – جاسم محمد البادي
17 – خالد الشريف
18- سالمين بن خالد السويدي
19 – عبد الله محمد العطية
20 – خالد بن ناصر السويدي
21 – خليل بن إبراهيم المهندي
22 – حميد بن ربيعة المهندي
23 – حمد بن عبدالله العطية
24 – فيصل بن جبر النعيمي
25 – أحمد بن صالح السليطي
26 – علي بن حسن بو مطوي المهندي
27 – علي بن محمد المناعي
28 – خلف بن سلطان المريخي .
29 – ظاهر بن سلطان المريخي
30 – حسن ألحاي المناعي
31 – يوسف بن راشد المهندي
32 – محمد بن سعد الكبيسي
33 – عبد العزيز بن عبد الله الخاطر
34 – خلف بن محمد الكواري
35 – غانم بن علي السويدي
36 - محمد بن خالد الربان
37 – أحمد بن محمد السويدي
38 – سعد بن مسند المهندي
39 – محمد بن سلمان المناعي
40 – عبد الله بن علي السويدي
41 – جبر بن سلطان طوار الكواري
82 – عيسى الكواري
83 – خليفة بن غانم الكبيسي
84 – عبد الكريم الناصر
85 – جاسم بن علي الكواري
86 – بيات بن محمد العسيري
87 – جمعة إسماعيل
88 – عبد العزيز حسين نعمة
89 – عبد العزيز محمد السويدي
90 – خميس بن فضل النعيمي
91 – عبد العزيز محمد بو زوير
92 – إبراهيم بن راشد المالكي
93 – ماجد بن سعد السعد
94 – عبد الله عيسى النصر 42 – جاسم جيداه
43 – غانم بن عيسى
44 – أحمد بن عبد الرحمن العبيدان
45- إبراهيم بن عبد الله العلي
46 – عيسى بن على المناعي
47 – علي بن خلفان السويدي
48 – محمد بن خلفان السويدي
49 – عبد الله بن خلفان السويدي
50 – خليفة بن محمد السويدي
51 – اسماعيل بن ابراهيم هيدوس
52 – عبد الرحمن بن عيسى المناعي
53 – أحمد بن عبد الله المسند
54 – شبيب العطية
55 – علي بن ناصر العطية
56 – حمد بن صقر المريخي
57 – سالم بن خليفة بن عجاج الكبيسي
58 – شعيل بن ناصر العطية
59 - نصر مبارك النصر
60 – راشد غانم السهلاوي
61 – عبد الرحمن الكبيسي
62 – سعد بن صالح الكواري
63 – سلطان محمد الكواري
64 – حسين محمد العجيل
65 – خلف بن محمد اللنجاوي
66- جبر علي العطية
67 – حمود بن صالح السليطي
68 – محمد بن عبد الله العطية
69 – عبد الله يوسف ميكانيك
70 – محمد نور العبيدلي
71 – إبراهيم الباكر
72 – إبراهيم العسيري
73 – عبد الله عبيدان
74 – تركي بن عبدالله بن تركي
75 – أحمد بن عبد العزيز المهندي
76 – سعيد غانم الكواري
77 – محمد يوسف جيداه
78 – مبارك بن هتمي الهتمي
79 –راشد بن حصين النعيمي
80 – صالح محمد حمزة الكواري
81 – حمد بن خليفة الخليفي
95 – سلطان بن حسن الخليفي
96 – علي بن يوسف الخاطر
97 – عبد الله بن جمعة الكبيسي
98 – أحمد بن علي بن عمران الكواري
99 – عبد العزيز علي بن عمران الكواري
100 – عوض بن مبارك
101 – حسين ماجد السليطي
102 – راشد السهلاوي
103 – إبراهيم بن عبد الله العلي
104 – راشد بن سند
105 – فارس بن عبد الله البنعلي
106 – عبد الله بن إبراهيم
107 – يوسف جمال

ملحق (2): نص عريضة 1991 وأسماء الموقعين عليها

بسـم الله الرحمـن الرحيـم

التاريخ 21 / 12 / 1991
صاحب السمو الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني حفظه الله
أمير دولة قطر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أكثر من عشرين عاماً مرت على استقلالنا المجيد وعلى النظام الأساسي، عشرون عاماً شهدت فيها قطر الكثير من الانجازات والمعوقات والتحديات التي عايشها أبناء هذا البلد حيث كان لتكاتفهم وصمودهم سواء قبل الاستقلال أو بعده أثر في التصدي لها .
ولكن المعوقات باتت الآن من الضخامة والخطورة على تلك الإنجازات والمكاسب مايشكل هاجساً وقلقاً على مستقبل وطننا العزيز وشعبه، الأمر الذي يتطلب منا جميعاً قيادة وشعباً وقفة تاريخية للتصدي لها بإرادة التعاون والتشاور وحكم القانون، لـذا يا سمو الأمير فإنه إنطلاقاً من حرص ديننا الحنيف على النصح والمشورة (وأمرهم شورى بينهم) وتطبيقاً لمقولة رسولنا الكريم (صديقك من صدقك لأمن صدقك) وتمكيناً لإرادة العقد الإجتماعي والسياسي الذي إرتضيناه جميعاً وما يخولنا به هذا العقد من حق يوجب المصارحة والمكاشفة في قضايا الوطن وهمومه ومستقبله. وبإعتباركم رأس السلطة السياسية العليا في وطننا العزيز والذي أنتم ياسمو الأمير وقيادته حريصون على تقدمه وإزدهاره وتماسكه، ونحن بدورنا نشارككم هذا الحرص ونضع إيدينا وأفكارنا وأرواحنا رهناً من أجل ذلك، فإننا نتقدم لسموكم بهذه العريضة.
ياسمو الأمير، إن كثيرا من المخلصين من ابناء هذا الوطن قد أصيبوا بخيبة أمل عندما وجدوا أنفسهم إما متسولين للوظيفة العامة وإما مهددين بالإستغناء عن خدماتهم وهم في قمة عطائهم . فسياسة التوظيف تدار بطريقة لا تخدم مصالح الوطن، وإستغلال الوظيفة والمنصب من جانب بعض القيادات الإدارية والسياسية أصبح بارزاً. أما التعليم، فمن المؤسف القول بأنه قد أصبح معوقاً للتنمية لا داعماً لها وذلك لعدم ملائمة مخرجاته لمتطلبات التنمية، وفي ظل غياب حرية التعبير وعدم إرتباط السياسة الإعلامية بمصالح المجتمع غلب على الإعلام كيل المديح للمسئولين بإبتذال يتنافى مع روح العصر، وإنتفى دوره الطبيعي كمراقب لمسيرة المجتمع. كذلك تفاقمت مشكلات الجنسية وما يتبعها من إهدار لابسط حقوق المواطنه حيث أصبحت قضايا الجنسية في وطننا تُدار بطريقة غير عقلانية ألحقت الضرر بالوطن وكثيراً من سكانه. و بالإضافة إلى كل ذلك فإنه مع الارتفاع المستمر للأسعار والثبات الطويل للأجور والرواتب شهد مجتمعنا تدهوراً واضحاً لمستويات المعيشة، فالغلاء أصبح غولاً يطارد المواطنين أينما كانوا ـ وفي ظل سياسة الصحة للبعض لا للجميع ومشكلات الاسكان التي تؤرق الكثير من أبناء وأسر هذا الوطن أمتد الخطر ليُهدد أبسط حقوق المواطن. كما تفاقمت مُعاناة القطاع الخاص القطري نتيجة للخلل في الإدارة الإقتصادية دون بوادر قريبة للحل.
إن هذه المعوقات تتطلب منا ياسمو الأمير وقفة تاريخية لإمتلاك إرادة التشاور والتغيير للأفضل، حيث لا سبيل لتجاوز هذه السلبيات إلا بتحقيق المطلبين:-
أولاَ :- الدعـوة الكريمة من سموكم وإلتزام الإرادة السياسية والإجتماعية بها في وطننا العزيز نحو قيام مجلس منتخب للشورى ذي سلطات تشريعية ورقابية موسعة وتحقيق المشاركة السياسية الفعالة من خلاله. وفي الوقت الذي يشكل فيه تحقيق هذا المطلب وفاء بالعهد الذي قطعته السلطة على نفسها قبل عشرين عاماً بالأخذ بمبدأ الإنتخابات فإن فيه إقراراً بحق المواطنين في إدارة شئون وطنهم، ويأتي متامشياً مع مايقره شرعنا الإسلامي الحنيف من دعوة للشورى والإلتزام بها وتطور العالم والنظام العالمي الجديد من حولنا.
ثانياً:- تكون مهمة هذا المجلس (التأسيسي) وضع دستور دائم يكفـُل قيام الديمقراطية ويـُحدد أُسس الحكم والنظام السياسي والإجتماعي والإقتصادي والحضاري ويُصبح أساس التشريع ومرجعاً لكافة السلطات في المجتمع ويضمن قاعدة الحق والواجب.
هـذا وتفضلوا ياسمو الأمير بأخلص تحياتنا وتمانيتنا لسموكم ولوطننا وشعبنا بالعزة والتقدم.

والله ولي التوفيق

الإســــماء عيسى شاهين الغانم محمد صالح الكواري
علي عبدالله المناعي راشلد لملوم المسيفري
ناصر محمد سعد النعيمي علي سعيد ابو سطوه الهاجري
جبر سيف المسلم حسين محمد الفضالة
فهد محمد سعد النعيمي محمد هلال محمد المهندي
حمد حمدان محمد المهندي ناصر محمد نهار النعيمي
محمد هلال الخليفي علي خليفة الكواري
عبد اللطيف محمد النعيمي محمد خميس السويدي
عبد الله ناصر آل خليفة جابر علي راشد المهندي
شافي حسن الفرحان النعيمي خالد راشد شرعان الخيارين
خليفة معوض الرميحي جبر فضل النعيمي
علي ابراهيم باكر عبد الله خليفة عبد الله السيد
فؤاد عبد الله المناعي سيف علي محمد الكواري
أحمد راشد إبراهيم المهندي عبد الله محمد سلمان
عبد اللطيف سلطان الكواري محمد حسن محمد السيلطي
عمران عيسى محمد الكواري حمد مبارك سعيد المهندي
إبراهيم عبد الرحيم يوسف حسن السيد عبد الرحمن أحمد درويش جاسم
عبد الرحمن ناصر البدر خالد سعد محمد السليطي
حمد عبد الله المسند أحمد علي حسين الدوسري
ناصر ناصر راشد النعيمي حمزة محمد صالح الكواري
راشد سعد سعد المهندي محمد خليفة السيد
جاسم على احمد كلا محمد سعيد أبو سطوة الهاجري
علي صالح الفضالة سلطان غانم سلطان الغانم
حمد عبد الله الرميحي محمد يوسف بهزاد
عبد الله السيدعبد اللطيف خالد سلمان الخاطر
عبد الله علي عمـر المناعي حمد حسن الفرحان
ضافي راشد حسن المري

 

ملحق (3): نص عريضة 1992 وأسماء الموقعين عليها

بسـم الله الرحمـن الرحيـم
صاحب السمو الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني أميـر دولة قطـر حفظه الله ورعاه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بتاريخ 21 / 12 / 1991 تقدم عـدد من أبنائكم المواطنين برسالة إلى سموكم وضعت بين يديكم مايلاحظونه من عقبات تعترض مسيرة الوطن ، وتقدموا إلى سموكم بمطلبين .
أولهمـا: "قيـام مجلس للشورى مُنتخـب ذي سلطات تشريعية ورقابية موسعة، وتحقيق المشاركة السياسية الفعالة من خلاله"
وثانيهما: "أن تكون أولى مهمات هذا المجلس ((التأسيسي)) وضع دستور دائم يكفُـل قيام الديمقراطية..."
إن هذين المطلبين الجوهريين يتفقان حسب إعتقادنا مع النظام الأساسي المؤقت المُـعدل، الذي تؤكد صفته (المؤقتة)، على ضرورة وضع دستور أو نظام أساسي فيما بعد، وهذا مانصت عليه المادة (70) منه، ويتفق المطلب الأول، مع ماورد في ديباجته، حول "إنشاء مجلس شورى جديد، عند إنتهاء مجلس الشورى الأول، مع مراعاة تشكيله بالإنتخاب الحر السري المباشر" كما نصت المادة (46) منه. ومما لاشك فيه أن في السير إلى تحقيق هذين المطلبين تطبيق سليم لعهد سموكم الذي عبر عنه النظام الأساسي المؤقت المُـعدل الذي وضعتموه، وقبلتم البيعة على أساسه، ولعل أفضل ما يعبر عن توجهات سموكم الخيرة، ماورد في ديباجة النظام الأساسي عن عزمكم "السير قـُدماً بوطننا العزيز في مرحلة الإنطلاق العظيم نحو بناء مجتمع أفضل، ينعـُم فيه المواطنون جميعاً بمزيد من الرفاه والعدل والمساواة والعلم والصحة، ويزاولون هم والسلطات العامة على حد سواء ممارسة مالهم من حقوق وماعليهم من واجبات"
يـا سمـو الأميـر... تلك، في رأينا مُنطلقات الدعوة إلى تحقيق المطلبين العادلين . وهي دعوة جديرة برعايتكم بصرف النظر عن تشكيك المستفيدين من غياب مسائلة مجلس مُنتخب للشورى . ولقد أحزننا أن يكون هناك سوء فهم ، وردة فعل ، وتشكيك في دوافع من قدموا المطلبين إلى سموكم ، بدلاً من النظر في المطلبين نفسهما ، وتفهم الدواعي التي تجعل من وجود دستور دائم ومجلس شورى مُنتخب خاتمة طيبة لفترة الإنتقال ـ وإنجاز يفخر به الحاكم ويطمئن إليه المواطن .
سمو الأمير..... أنتم رئيس الدولة، ذاتكم مصونة، وإحترامكم واجب. وإلى جانب ذلك أنتم المرجع والملاذ الأخير للمواطنين بعد الله عز وجـل. فإذا حُجـب المواطنون عن مُخاطبتكم فمن يخاطبون غيركم. وإذا لم ينقلوا إليكم هموهم ويطلعوكم على طموحاتهم ويعبروا عن أرائهم بشكل علني مسئول فكيف يعبرون.
من هذا المُنطلق ، وحرصاً على وشائج الروابط الموضوعية التي لا يتماسك المجتمع أو يتقدم دون إستمرارها، نُـناشدك ياسمو الأمير أن تكـُـف أذى بعض الأجهزة الحكومية عن المواطنين، وأن تُـلفت نظر جميع المسئولين إلى ضرورة مراعاة حقوق المواطن ، بإعتباره إنسان قبل كل شيء ، وإعتبار كل مُـتهم بريء حتى تثبُت إدانته. نُـناشدكم ياسمو الأمير أن يطـال إختصاص القضاء جميع أجهزة الدولة، وأن ينشأ قضاء إداري وقضاء دستوري ـ يحمي النظام الأساسي من تعطيل اللوائح والتعليمات لأحكامه.
ياصاحب السمو... إن مزاولة المواطنين "هم والسلطات العامة على حد سواء ممارسة مالهم من حقوق وما عليهم من واجبات" يقتضي أن تخضع السلطات العامة لسيادة القانون . ويحكم بينها وبين المواطن قضاء نزيه مُستقـل ، مثلما يخضع المواطنون لسيادة القانون وحكم القضاء ، وبذلك يوضع مبدأ "كل الناس سواسية أمام القانون ولهم الحق في التمتع بحماية كافية منه دون تفرقة"، مواضع التطبيق. إن هذا المبدأ العادل نص عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وأوجبته قبل ذلك الشريعة الإسلامية، وأكد عليه النظام الأساسي المؤقت المـُعدل.
وختـاماً ياصاحب السمو........... تقبلوا فائق التقدير والإحترام

الأسماء:علي خليفة الكواري - محمد هلال الخليفي
محمد صالح الكواري - حمد حمدان المهندي
خالد سلمان الخاطر- محمد سعيد الهاجري
عبد اللطيف سلطان الكواري- عمران عيسى الكواري
شافي حسن الفرحان النعيمي - حمد حسن السليطي
حمد عبد الله حمد الرميحي - علي سعيد ابو سطوة الهاجري
علي عبدالله حمد المناعي - جبر سيف المسلم
فهد محمد سعد النعيمي- محمد هلال سعد المهندي
حمد حسن الفرحان النعيمي- حسين محمد الفضالة
عيسى شاهين الغانم- جابر علي راشد المهندي
ناصر محمد سعد النعيمي- محمد راشد عبد الرحمن المهندي

ملاحظة: على إثر عريضة 1991 وبعد حوالي شهرين تم اعتقال كل من عبداللطيف النعيمي وراشد لملوم المسيفري. وبعد صدور العريضة الثانية تم منع على خليفة الكواري ومحمد صالح الكواري من السفر، ثم تم إعتقال عيسى شاهين الغانم ومحمد صالح الكواري لبضعة أشهر. وقد تعرض الموقعين لضغوط وتعرض بعضهم لعقوبات اقتصادية.

--------------
** نشر هذا البحث في مجلة إضافات (مجلة الجمعية العربية لعلم الاجتماع)، العدد 13 شتاء 2011. ونشر أيضا في ثلاث مقالات متفرقة قبل أن يتم تنقيحها ووضعها في شكلها الحالي، مضافا إليها مطالب وأسماء المشاركين في كل من عريضة 1963 (الملحق1)، وعريضة 1991(الملحق 2)، وعريضة 1973 (الملحق 3).

مرفق: البحث في صيغة PDF

 

الأفكار الواردة في هذه الورقة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها.

ويرحب الموقع بأي تعليقات على الأفكار المطروحة في الورقة.

مقدمه:

يُعقد لقاء الاثنين بمجلس الدكتور علي خليفة الكواري بواقع مرة كل شهر تقريباً، وهدف هذا اللقاء مناقشة الظواهر الاجتماعية الخاصة بالواقع الاجتماعي المحلي، كما يهدف أيضاً لإتاحة ألفرصه لمجموعة من المثقفين ألقطريين للتحاور بشكل حر, حول موضوع يتم الإعداد له مُسبقاً من قبل أحد المشاركين، ومن نتائج مثل هذه الندوات تنمية فهم موضوعي حول حجم وطبيعة المشكلات التي يعاني منها المجتمع.

بالإضافة لذلك فإن هذه الندوات لها دور حيوي يتمثل في تقريب وجهات النظر بين المهتمين بالشأن العام.

وقد قام عدد من الأخوة الزملاء بتقديم أوراق عمل حللت مجموعة من الظواهر الاجتماعية وكان لي نصيب في هذا الجهد تمحور حول قضايا التعليم العام والتعليم العالي ، وفيما يلي عرضاً وتحليلاً لهذا الموضوع:

محاور الموضوع:

التعليم العام
المحاولة الأولى 1990
المحاولة الثانية 1996
المحاولة الثالثة 1997
المحاولة الرابعة 2001
التعليم العالي (جامعة قطر)
أهم نتائج عملية التطوير
أثر عملية التطوير على البيئة الجامعية

التعليم العام: محاولات إصلاح التعليم العام

كان معظم الحاضرين في تلك الندوة من غير المختصين في المجال التربوي، وكان يشغل ذهنهم أثناء الحديث قبل الشروع في عرض موضوع الندوة، التطورات الأخيره التي حدثت بدءً من مطلع عام 2001 والتي شكلت صدمة للمختصين وغير المختصين بدرجات مختلفة.

وقد رأيت أن أرجئ الحديث عن هذه الفترة للبدء بمقدمة تاريخية لمحاولات إصلاح النظام التعليمي, التي سبقت هذه المرحلة ، ليتعرف الحاضرون على الجهود التي بذلتها وزارة التربية والتعليم في مضمار إصلاح التعليم.

ومن أبرز تلك الجهود ما يلي:

محاولة الإصلاح الأولى (1990)

تعاقدت وزارة التربية والتعليم مع مكتب اليونسكو الإقليمي للتربية في الدول العربية بتاريخ 23/10/1990 لإجراء مراجعة تقويمية للنظام التعليمي من أجل اقتراح خطة مبرمجة تهدف إلى تطويره ، وقدم الخبراء تقريراً لوزير التربية والتعليم يقع في 232 صفحة أشتمل على وصف وتحليل للواقع التربوي.

وكان التقرير بمثابة دليل عمل متكامل من شأن الأخذ به في إطاره الشامل أن يساعد النظام التعليمي على الانتقال بأسلوب منهجي يغير من الواقع الذي كان يعمل من خلاله إلى مستوى أفضل من حيث وضوح السياسات والأهداف ، و من حيث كفاءة النظام الإداري والمالي ، وحداثة المناهج وجودة محتواها ، وفعالية أساليب التعليم والتعلم وطرق التقويم والقياس والارتقاء بكفاءة البيئة المدرسية مما يكون له مردود إيجابي على مخرجات التعليم وكفاءته. وقد عبر وزير التربية والتعليم عن تقديره واهتمامه بموضوعيه هذا التقرير والذي ستوليه الوزارة كل عناية واهتمام ،كما عبر الأمير لدى مقابلتة لرئيس الفريق عن عميق أهتمامه بمهمة فريق التقويم وعن قناعته بضرورة تقويم نظام التعليم، أما ولي العهد فقد عبر كذلك عن اهتمامه بالتقرير وأكد أن الدولة ستولى تقرير الفريق عناية فائقة، وتجعل تطوير التعليم من أولويات إهتماماتها.

وبالرغم من كل الحماس الرسمي لعملية إصلاح التعليم إلا أن الواقع سار بعكس ذلك تماماً، فلم تؤخذ نتائج تقرير فريق اليونسكو مأخذ الجد، ولم تؤمن لها الإمكانيات المادية والبشرية. بل حدث عكس ذلك تماماً إذ خفضت مرتبات وعلاوات المعلمين غير القطريين وجُمدت مشاريع المباني المدرسية وخُفضت بنود الصيانة للمباني المدرسية والأجهزة العلمية والمعملية إلى حدودها الدنيا.

وعانت وزارة التربية والتعليم خلال الأعوام 1992– 1996 صدمة خيبة الأمل في تحقيق مشاريع وآمال الإصلاح التربوي واكتفت برصد مشاريع وخطط الإصلاح التربوي كما وردت في تقرير فريق التقويم في تقاريرها السنوية من باب رفع العتب وبراءة الذمة .

محاولة إصلاح الثانية (1990 )

وفي عام 1996 كلف الأمير لجنة مكونة من تسعة أعضاء من داخل دولة قطر ، وكانت مهمة اللجنة القيام بتقويم وتطوير نظام التعليم في إطار نظرة شاملة تتناول جميع مكوناته بمنهجية علمية وقد استعانت اللجنة بفريق من المختصين والباحثين من جامعة قطر ومن وزارة التربية والتعليم بلغ عددهم حوالي سبعين عضواً توزعوا على لجان.

نتائج أعمال اللجان:

وقامت اللجنة بإنجاز أعمالها في مجلدين بعنوان ( واقع التعليم العام في دولة قطر وتوصيات لتطوير التعليم). ومن خلال دراسة تقارير اللجان نُبرز النقاط التالية:

مُحصلة التقارير كانت رصداً للواقع وإبرازاً لجوانب القوة والضعف فيه، بالإضافة لتقديم عدد من التوصيات والمقترحات لتحسينه وتطويره.


كشفت التقارير عن بعض القضايا المُلحة مثل :

أ – النقص في مؤهلات المعلمين التربوية.
ب – النقص الكبير في عدد وكفاءة المباني المدرسية
جـ - النقص الكبير في عدد وكفاءة المختبرات العلمية
د – الانخفاض المُستمر في الميزانية لسنوات من 85/1986 – 95/1996
وقد جاء عمل اللجان في مجمله قوياً في رصد الواقع وتحليله, ضعيفاً في بلورة رؤية متكاملة لإصلاح التعليم وتطويره ، ماعدا توصيات ومقترحات وردت في نهاية كل تقرير لا يضمها إطار فلسفي ولا تدعمها رؤية كليه.

يُعد هذا نقصاً منهجياً كبيراً لمُساهمة اللجنة الرئيسية لأن المشكلات التي كشفت عنها اللجان في تقاريرها معروفة وقد سبق أن تناولها بالعرض والتحليل فريق خبراء اليونسكو المُشار إليه سابقاً.

محاولة الإصلاح الثالثة ( 1997 )

لم تقف محاولات إصلاح التعليم عند ذلك الحد بل أمتدت الجهود للاستعانة بهيئات أخرى مثل المكتب الإقليمي بهيئة الأمم المتحدة (UNDP ) والمكتب الإقليمي لليونسكو في قطر ، فقد قام فريق العمل التابع لهيئة الأمم المتحدة بتقديم مشروع عن التنمية البشرية المُستدامة في دولة قطر ، ويعتبر المشروع دراسة حالة تهدف إلى إعادة قراءة بيانات التنمية في دولة قطر للتعرف على أوضاع التنمية فيها، وقد تناول المشروع دراسة عدة قطاعات كالصحة والزراعة والثروة المائية والتركيبة السكانية وقوة العمل وقطاع التربية والتعليم.

وفي مجال التربية والتعليم أعُدت دراسة بعنوان ( التعليم في قطر بين الكم والكيف ) وحاولت الدراسة في فصولها الأخيرة أن تطرح مشروعاً لإعداد إستراتيجية لتطوير التعليم العام في قطر .
أما المكتب الإقليمي لليونسكو في قطر ، فإن مساهماته كثيرة ومن أبرزها دعوة فريق من المختصين في فبراير من عام 1997 مكون من سبعة خبراء أربعة منهم من الولايات المتحدة الأمريكية ، وواحد من الجامعة الأمريكية ببيروت ، وآخرين من ماليزيا ومن منظمة العمل الدولية بالكويت . وكانت مهمتهم تقديم دراسة حول إستراتيجية الموارد البشرية في دولة قطر. وقدم فريق الخبراء رأيه في خمسة مجلدات باللغة الإنجليزية، تناولت قضايا التعليم المختلفة وواقع التركيبة السكانية وقوة العمل.

قد توصل فريق الخبراء إلى نتائج عامة حول واقع التعليم وضرورة إصلاحه كالتي توصلت إليها فرق لجان الخبراء السابقة. ولم يكن مصير هذا الجهد بأفضل من جهود المحاولات السابقة، التي لم توضع مُقترحاتها موضع التنفيذ ، وأصبح تكرار ضياع فرص إصلاح التعليم ظاهرة تُثير التساؤل.

ونلاحظ من تتبع تلك الجهود السابقة والمتلاحقة زمنياً أنها تدور في نطاق إصلاح النظام التربوي من خلال وزارة التربية والتعليم. ولم نر ملاحظة واحدة من قِبل جميع الخبراء اللذين قاموا بدراسة الوضع التربوي تُشير إلى اعتماد اللغة الإنجليزية كلغة أولى للتعليم.

محاولات إصلاح التعليم " التعليم لمرحلة جديدة " ( 2001 )

جاء الأخذ بنظام التعليم لمرحلة جديدة الذي طُبق في العام الدراسي 2004 / 2005 مبتوراً عن السياق التاريخي لمحاولات إصلاح التعليم السابقة، دون توضيحاً كافياً للأسباب والدوافع الكامنة وراء هذا التحول المفاجئ في السياسة التعليمية على مستوى مُتخذي القرار.
وسأحاول أن أقدم لكم بإختصار عرضاً وتحليلاً لهذا النظام من خلال المحاور التالية:

– كيف تحول نظام التعليم من نظام له مكوناته الوطنية والقومية التي تُعلي من اعتزاز الدارسين فيه بلغتهم العربية وتراثهم الوطني والقومي وبثقافتهم الإسلامية العريقة إلى نظام هش في تلك المبادئ والقيم التربوية ؟

حدث ذلك عندما تعاقدت الدولة مع مؤسسة ( رند ) في مطلع عام 2001 لتقديم مشروعاً لإصلاح التعليم العام، وقد تم الأخذ به بحذافيره.

المحور الأول : الموقف من وزارة التربية والتعليم:

طرحت مؤسسة (رند) ثلاثة بدائل لإصلاح التعليم.

البديل الأول:

إصلاح التعليم من خلال وزارة التربية والتعليم، وقد أستبُعد هذا البديل بحجة أن وزارة التربية والتعليم بحسب رأي ( رند ) غير مؤهلة لقيادة متطلبات الإصلاح التربوي المرغوب فيه، لأنها تتصف بخبرات تاريخية يغلُب عليها طابع النظام الإداري البيروقراطي المركزي. وبهذا حُكم على وزارة التربية والتعليم بإطلاق رصاصة الرحمة عليها.

بعد ذلك تم طرح بديلين آخرين متلازمين وهما:

نظام المدارس التعاقدية Charter School والذي أُطلق عليه مُسمى ( المدارس المُستقلة).
نظام الكوبونات Voucher School .

قد تم اختيار البديل الأول منهما لأنه يجمع بين مسؤولية الدولة في تحمل أعباء تكاليف التعليم وبين تمتع المدارس في النظام الجديد باستقلالية مُطلقة في إدارة شؤونها التعليمية والإدارية.

ونشهد اليوم عملية ترويج مُكثفة للأخذ بنظام الكوبونات الذي وصُف بأنه نظام تعليمي يتمتع بحرية كبيرة لأولياء أمور الطلبة لإختيار المدارس التي يرغبون في إرسال أبنائهم للدراسة فيها من خلال منحهم كوبونات لتغطية كُلفة التعليم حسب المراحل التعليمية المختلفة.

ومن الواضح أن هذا البديل يهدف في نهاية المطاف إلى تحويل نظام التعليم الحكومي إلى تعليم خاص . والذي سيترتب عليه تخلي الحكومة عن مسؤوليتها المباشرة على الإشراف على متطلبات التعليم كأحد مكونات الدولة.

ولنا أن نتخيل بعد ذلك نوع المخرجات التعليمية في البديلين التي ستتأثر بتوجهات وتوجيهات جداً مختلفه , ومدى تأثيرها في قيادة المجتمع في المستقل.


المحور الثاني : إعادة هيكلة النظام التعليمي من منظور جديد:

- إنشاء المجلس أعلى للتعليم وهيئاته.

صدر مرسوماً أميرياً في عام 2002 بإنشاء المجلس الأعلى للتعليم وهيئاته التابعة له بصفته السلطة العليا المخولة برسم سياسة التعليم في الدولة والإشراف على خطة تطويرها وتنفيذها وتشكل المجلس برئاسة ولي العهد ونائب للرئيس وثمانية أعضاء يمثلون بعض وزارات الدولة وهيئاتها والقطاع الخاص وضم المجلس ثلاث هيئات الأولى تختص بشؤون التعليم والثانية بشؤون التقويم والثالثة تختص بشؤون التعليم العالي والبعثات .


المحور الثالث : شكل ومضمون وفلسفة هذا النظام:

الشكل العام لإدارة المدارس:

منحت المدارس الحكومية لأفراد أصطلح على تسميتهم بأصحاب التراخيص ، يتمتعون بصلاحيات مطلقة في الشؤون الإدارية والمالية والتعليمية ، وتم إغرائهم في بدء مسيرة التعليم بالاحتفاظ بفائض الميزانية لأنفسهم.

وبهذا تحولت المدارس المستقلة في نظر أصحاب التراخيص إلى مدارس ربحية مما أدى إلى تدافع أعداداً كبيرةً منهم ، ومعظمهم من غير المختصين ومن غير المؤهلين قيادياً وتربوياً ، للحصول على مدرسة جديدة كلما أعلن عن فوج جديد من هذه المدارس.
مضمون التعليم ومحتواه وفلسفته ولغته :

مضمون التعليم:

أنحصر موضوع التعليم في أربع مواد رئيسية اشتملت على اللغة العربية واللغة الإنجليزية والعلوم والرياضيات ، لكل مراحل التعليم العام.

وتركت باقي المواد مثل الثقافة الإسلامية والجغرافيا والتربية الوطنية والرياضة والرسم لأصحاب التراخيص ومديرو المدارس ليقرروا ما يتناسب منها لمدارسهم.

فإذا علمنا أن المواد الأربع الرئيسية قد خُصص لكل واحدة منها خمس ساعات أسبوعياً أي بمعدل 20 ساعة من مجموع ساعات الجدول الدراسي الأسبوعي البالغ 26 ساعة ، فإن المتبقي هو 6 ساعات أسبوعياً لتغطية باقي المواد ، فإذا حللنا هذا الخلل المقصود في البناء النسبي لهذه المُقررات الدراسية ، نجد أنها تركز على الجوانب العقلية وتهُمل ما عداها من الجوانب الوجدانية والثقافية والبدنية.

وهو مبدأ مخالف لما يؤكد عليه المختصون في بناء المناهج الدراسية الذين يهتمون دائماً بضرورة مراعاة التوازن النسبي في توزيع المواد الدراسية ، بحيث تؤدي في تكاملها إلى بناء شخصية الدارسين بناءاً متوازناً عقلياً ووجدانياً وثقافياً وجسمياً.

محتوى المنهج العام والمُقررات الدراسية:

عندما بدأ التعليم على أرض الواقع في المدارس المستقلة لم يكن لدى القائمين على إدارة هذه المدارس منهج تعليمي عام واضح الأهداف والمحتوى للعملية التعليمية ولم يكن لديهم مُقررات دراسية تترجم محتوى المواد الدراسية بحيث توحد الإطار التعليمي والتربوي العام للعملية التعليمية في هذه المدارس.

والنتيجة التي ترتبت على ذلك هي إفساح المجال للمدرسين في تلك المدارس طبقاً لخبراتهم السابقة بالإعتماد على موضوعات من مصادر مختلفة لأغراض الدارسة ومتطلباتها الضرورية دونما سياق منهجي متكامل يربط فيما بينها.

مما أدى إلى ظهور مدارس أشبه بالجزر المنعزلة التي لا يرطبها خط فكري عام وواضح.

فلسفة النظام التعليمي:

من المتعارف عليه عالمياً أن لكل نظام تعليمي فلسفة واضحة المعالم ، تشتمل على منظومة من المبادئ والأهداف والغايات والخطط والبرامج ، تُشكل الإطار المرجعي الذي يسير على هديه العاملون في الحقل التربوي بحيث تشكل العامل المشترك فيما بينهم.

لكن الذي حدث أن فلسفة النظام التعليمي الجديد لم تنشر ولم يعرف عنها شيئاً. والسؤال المشروع الذي يمكن طرحه في هذا المجال: لماذا حُجبت هذه الفلسفة ؟ وهل هي مخفية كسر من الأسرار لدى مؤسسة (رند) التي كلفت بإعداد هذا النظام والإشراف على تنفيذه؟

لأنه من غير المعقول أن يتم التحول من نظام تربوي قد مضى عليه أكثر من خمة عقود إلى نظام تربوي جديد دون أن يسبقه إعداد فلسفة شاملة لكل مكوناته التعليمية والتربوية المختلفة، وأن تكون مُعتمدة من مجلس الوزراء ومُتاحة للمختصين وغيرهم من المهتمين بالشأن العام، أخذاً بمبدأ الشفافية.

لغة التعليم :
كما ذكرت لكم في حديثي أن فلسفة التعليم لم يعرف عنها شيئاً ، وهل كان من ضمن عناصرها التأكيد على أن تكون لغة التدريس باللغة الإنجليزية.
ولكن لاحظنا أن المدارس المستقلة قد وجهِت من قِبل هيئة التعليم بإعتماد اللغة الإنجليزية لتدريس مواد العلوم والرياضيات والحاسب الآلي.
هذا التوجه أثار علامات استفهام كثيرة، منها أن النظام التعليمي الجديد قد تخلى عن التدريس باللغة الرسمية التي نص عليها الدستور.
وقد ترتب على ذلك أن أصبحت اللغة العربية وهي تُمثل الوعاء الفكري للمواطنين لغة ثانية للتعليم، مما سيضعف الاعتزاز بها لدى الناشئة، وبالتالي يضعُف إحساس الإنتماء لديهم لثقافة وطنهم وتقاليده ولتاريخ أمتهم العربية وأمجادها وثقافتها وقضاياها القومية والإسلامية.

وأتفق مع القائلين بضرورة تعلم اللغة الإنجليزية بطريقة سليمة عالية الكفاءة ، ولكن ليس على حساب اللغة العربية للمُبررات التالية:

أ-أن اللغة العربية لغة عريقة في تاريخها غنية بمفرداتها ومعانيها ومشتقاتها وبلاغتها، وهي من اللغات الخمس المُعتمدة في هيئة الأمم ومنظماتها الرئيسية. وهي فوق هذا وذاك لغة القرآن الكريم.
ب- أن جميع دول العالم تحرص على أن تكون لغتها القومية هي اللغة السائدة في مجال التعليم والتعلم في جميع مراحل التعليم العامة.
ج-أن جميع دول العالم لا تتخلى عن التدريس بلغتها القومية إلا تحت ظروف الإستعمار القاهرة، فكيف ببلدنا وهو دولة مستقلة ذات سيادة وجزء من العالم العربي ولغته الرسمية هي اللغة العربية كما نص عليها الدستور يقع في مثل هذا التناقض؟ ! .
ه-إن الحقائق التي تعني بمُدخلات التعليم الجيد تؤكد أنه لا يوجد معامل إرتباط بين التدريس باللغة الإنجليزية وبين عملية إصلاح التعليم والتقدم العلمي.

مصير الثروة البشرية المواطنة من المُدرسات:

قبل تطبيق النظام التعليمي الجديد كانت وزارة التربية والتعليم تعتمد في تسيير مدارسها على ما يقرب من 95 % من مجموع مُدرسيها من النساء من القطريات ، يغطون كل مدارس البنات وجزء كبير من مدارس البنين في المرحلة الإبتدائية التي أُطلق عليها مُسمى المدارس النموذجية.

هذه الثروة البشرية من المُدرسات التي تم إعدادها على المستوى الجامعي تم الإستغناء عن نسبة كبيرة منها بحجة أنها غير مؤهلة للقيام بمتطلبات التعليم لمرحلة جديدة لأنها متأثرة تاريخياً بخبرات وأساليب العمل في وزارة التربية والتعليم . وبهذا ضاعت هذه الثروة البشرية دون مُبررات كافية، وكان الأجدر بالقائمين على السياسة التعليمية أن يحافظوا عليها وأن يستثمروها أفضل إستثمار من خلال البرامج التأهيلية والتكوينية المتعارف عليها.

أكتفي بهذا القدر من العرض والتحليل لمسار التعليم العام وما وصل إليه وأنتقل للحديث عن التعليم العالي ، وسأركز على مرحلة الإصلاح التي شهدتها جامعة قطر في مطلع 2003،
وسأترك الحديث عن فروع الجامعات الأجنبية التي تحتضنها المدينة التعليمية للإبن سعد المطوي

التعليم العالي : (جامعة قطــر)

شهدت جامعة قطر منذ نشأتها في عام 1977 عملية تطوير وتحديث لمكونات نظامها التعليمي، وكانت تلك الجهود تتم من خلال الاعتماد على قدراتها الذاتية، ولكن في عام 2003 حدث تطوراً أخر شكل حالة إنفصال تام عن الماضي بكل ماله من حسنات وبكل ما فيه من نواقص.

وسأحاول أن أعرض بشيء من التحليل أهم التطورات التي حدثت في الجامعة خلال هذه الحقبة.

دور مؤسسة (رند) في عملية تطوير الجامعة:

بعد أن أنجزت مؤسسة رند مهمتها بصياغة هيكلية النظام التعليمي العام، كلفت من جديد في عام 2003 بإجراء مماثل لإصلاح نظام التعليم الجامعي وقد أسفرت جهود مؤسسة رند في تحقيق النتائج التالية:
– تشكيل مجلس أمناء للجامعة برئاسة ولي العهد.
– منح الجامعة إستقلالها الإداري والمالي والأكاديمي.
– إقرار هيكل أكاديمي جديد للجامعة.
– إصدار قانون جديد للجامعة.
– إقرار لوائح أكاديمية وإدارية جديدة للجامعة.
لا يتسع المجال أيها الزملاء للحديث المفصل عن تلك العناصر ولكن الذي يهمكم مدى إنعكاس عملية التطوير على البيئة الجامعية . والتي سألخصها على الشكل التالي:
– عدم مشاركة معظم أعضاء هيئة التدريس القطريين في عملية التطوير:
إنشغلت مؤسسة ( رند ) واللجنة العليا في الجامعة ولجانها الفرعية خلال المدة من 2003 – 2007 . بصياغة اللوائح الأكاديمية والإدارية للجامعة .
وقد طبقت مؤسسة ( رند ) نفس المنهج الذي سارت عليه من قبل عندما كلفت بتغيير هيكلة التعليم العام ، حيث التزمت بسرية تامة ، وشددت على اللجان الفرعية بأن لا يفصحوا للجمهور الجامعي عن شيء من سير أعمال اللجان حتى يتم إنجاز المهمة بالكامل، وكان المُبرر لهذا الإجراء من وجهة نظري مؤسسة ( رند ) واللجنة العليا في الجامعة هو تجنب مقاومة توجهات خطط الإصلاح الجامعي.

من الواضح أن عملية التغيير التي حدثت في الجامعة قد جاءت ضمن سياسة فرض الأمر الواقع، دون الإهتمام ببذل أي جهد لإقناع الجمهور الجامعي بجدوى هذا التغيير، منطلقة من مفهوم خاطئ بأن أي محاولة لإقناع معظم أعضاء هيئة التدريس لن تجدي نفعاً وأن نتيجتها مضيعة للوقت والجهد لأن معظمهم محافظون ومقاومون للتغير وبخاصة أعضاء هيئة التدريس القطريين.

هذه الإجراءات المقصودة لعزل معظم أعضاء هيئة التدريس القطريين عن المشاركة بالرأي في مستقبل جامعتهم قد أثر بدرجات مختلفة على جوانب كثيرة من حياة الأستقرار والرضى في المحيط الجامعي.

– ظاهرة الإستغناء عن خدمات أعضاء هيئة التدريس القطريين:

كما رأينا من قبل عندما تحدثنا في القسم الأول من هذه الندوة ، كيف تم هدر الثروة البشرية من العاملين في وزارة التربية والتعليم ، فقد طالت سياسة الهدر هذه أعضاء هيئة التدريس القطريين غير الجامعيين ، وقد حدث ذلك عندما أُقر قانون التقاعد في الجامعة. كان عدد أعضاء هيئة التدريس القطريين في العام الأكاديمي 2001 – 2002 قد بلغ 306 حسب التقرير الإحصائي للجامعة . أنخفض هذا العدد إلى 222 في العام الأكاديمي 2008 – 2009 بفاقد بلغ 94 عضواً. وفي كل عام تفقد الجامعة عدداً من أعضاء هيئة التدريس القطريين الذين بلغوا سن الستين عاماً. بالإضافة لذلك فإن إدارة الجامعة تنتهج أسلوب المساومة لمن تبقى منهم ولم يبلغ الستين لترك الجامعة.

ونتوقع في السنوات المقبلة أن تعانى الجامعة من نقص شديداٍ في عدد أعضاء هيئة التدريس القطريين وبخاصة أن سياسة البعثات لدرجة الماجستير والدكتوراه تكاد تكون متوقفة، وعندها يصبح شعار توطين المعرفة لا معنى له. وهذا التوجه المنافي لكل الأعراف والتقاليد الجامعية، يثير كثيراً من علامات الإستفهام التي لا نجد لها أي تفسير منطقي، لأن أعضاء هيئة التدريس القطريين اللذين تم الإستغناء عن خدماتهم والذين هم على قائمة الإنتظار, قد حصلوا على درجاتهم العلمية من جامعات أجنبية مُعترف بها. ومعظمهم أيضاً من الحاصلين على درجة الأستاذية في تخصصات مختلفة. والجامعات في كل أرجاء العالم تسعى دائماً للإفتخار بالإحتفاظ بقوتها الوطنية من أعضاء هيئة التدريس فيها، لأنه من أهم المعايير التي تقيم على أساسها، فماذا بقي اليوم لجامعة قطر أن تزهو به في المحافل الأكاديمية الدولية.

– لغة التعليم في الجامعة:
من الواضح أن سياسة مؤسسة (رند) قد نجحت في سعيها لإضعاف مكونات اللغة العربية على مستوى التعليم العام، وقد حققت أهدافها على مستوى التعليم الجامعي، فبالرغم من أن قانون الجامعة لم يحدد لغة التعليم، إلا أن لوائحها الأكاديمية قد نصت على أن اللغة العربية هي لغة التعليم في الجامعة، ولكن الممارسة الفعلية قد خرجت عن ذلك بفرض اللغة الإنجليزية على معظم برامج وتخصصات الكليات في الجامعة، وعلى معظم المعاملات الإدارية والمالية.

لسنا من الذين يعترضون على الإهتمام بتدريس اللغات الأجنبية ومنها اللغة الإنجليزية كأحد المُدخلات الضرورية لتمكين الطلبة من إتقانها والإستفادة منها لمعرفة العلوم والمعارف العصرية، ولكننا نرى أن الغلو في هذا المجال له إنعكاسته الخطيرة على دور الجامعة في تعزيز الثقافة العربية وإثرائها على مستوى الدارسين وإعدادهم كقوة فاعلة تعتز بثقافتها ولغتها القومية. من الواضح أن في صلب ذلك التوجه إنجراف مهين نحو التبعية الثقافية الغربية ومتطلباتها الخطرة على حاضر الوطن ومستقبله.

كان من المفروض أن تتصرف الجامعة بمسؤولية تجاه ثقافة المجتمع الذي يتعرض بشكل قوي لعمليات التغريب وأن تعمل على تأكيد دورها كجامعة وطنية في الدفاع عن ثوابت المجتمع المتمثلة في لغته وثقافته العربية والإسلامية لا أن تنجرف هي الأخرى في مجال ثقافة التغريب وتعزيزها وبخاصة أن هناك فروعاً لجامعات أجنبية تحتضنها المدينة التعليمية تقوم بهذا الغرض.

- محو الذاكرة الجامعية على مستوى الأفراد والوثائق والسجلات:
لم تتوقف جهود التغيير التي سعت إليها مؤسسة (رند) عند حد ما أشير إليه سابقاً، بل طال التغيير أيضاً مكونات عديدة من أرث الجامعة. فقد تم إلغاء مصادر النشر من حوليات ودوريات، وتم كذلك تدمير الوثائق والسجلات الجامعية، وأصبح الجمهور الجامعي اليوم لا يعي إلا حلقات باهتة من تاريخ الجامعة. ونحن كغيرنا من المختصين يعرفون أنه من تقاليد الجامعات في العالم الإهتمام بحفظ ذاكرة جامعاتهم والعمل على صيانتها من خلال المحافظة على وثائقها وسجلاتها الأكاديمية والإدارية وحمايتها من التلف، لأن تلك المواد تروي قصة مراحل تطورها والجهود التي قام بها العاملون في الجامعات عبر الزمن.

خـاتمـــة

ماذا نستنتج مما عرضناه عن واقع التعليم العام والعالي بالإضافة لما تم عرضه لظواهر أخرى من قبِل الأخوة الزملاء في الندوات السابقة؟

يمكن أن نضع أيدينا على خيط يربط بين مجموعة من الظواهر الإجتماعية ، يُفسر لنا توجهات المسار المستقبلي لمجتمعنا الذي سيصُبح فيه معظم المواطنين خارج عملية التأثير في صُنع القرار ومن هذه الظواهر ما يلي:

1 – ظاهرة تغريب التعليم العام والعالي وهشاشته التي ستنعكس على نوعية المخرجات في الحاضر والمستقبل.
2 – ظاهرة الإعتماد شبه الكامل على اللغة الإنجليزية في التعامل في الإدارات الحكومية، والإعتماد الكامل على التعامل باللغة الإنجليزية في قطاع المؤسسات الصناعية والتجارية.
3 – ظاهرة برمجة إزاحة المواطنين عن مواقع صُنع القرار، وتهميش ذوي الخبرات منهم ومن ثم إحالتهم على التقاعد أو البند المركزي.
4 – ظاهرة كارثة الخلل السكاني وإفرازتها الخطيرة على قوة العمل المواطنة وعلى ثقافة المجتمع القومي.

أيها الأخوة الزملاء أقف عند هذا الحد من الحديث عن همومنا المشتركة وأترك الباب مُشرعاً لتساؤلاتكم وأسئلتكم عن ما جرى ويجري للتخطيط لمُستقبلكم ومُستقبل أبناؤكم..


المصادر

لمزيد من التعرف على خلفيات هذه الندوة يمكن الرجوع للمصادر التالية:

1 – عبد الله جمعة الكُبيسي، محاولات إصلاح النظام التربوي والتعليم (حولية كلية التربية – العدد 15 لسنة 1999)
2 – عبد الله جمعة الكبيسي، النظام التعليمي في دولة قطـر - التعليم لمرحلة جديدة - دار الثقافة والطباعة والنشر، الدوحة - 2010.
3 – عبد الله جمعة الكبيسي، التعليم العالي في دولة قطـر – دراسة وصفية تحليلية، مقدمة للقاء السنوي الثاني والثلاثين لمنتدى التنمية، البحرين - 2011 .

* محاضرة مقدمة بتاريخ 16/5/2011- لقاء الاثنين الذي يقام في مجلس الدكتور علي خليفة الكواري.

** الدكتور عبدالله جمعة الكبيسي أستاذ أصول التربية والمدير الأسبق لجامعة قطر.

 

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها