هل هي مصادفة أن تكون كافة الخطوات المتخذة من قبل النظام إعلامية قبل أن تكون إجرائياً قانونية؟ فالاتهام والتهم وموعد الجلسة أعلنوا في وسائل الإعلام قبل أن يخطر بها المتهمون!

وهل هو فعلاً أداء أمني متردٍ وفاشل ذلك الذي يقود إلى حجم هائل من المعلومات غير الصحيحة؟ أم أنه من المقصود أن يتم الإعلان عن معلومات تبدو للجماهير خطيرة ويسهل على المحامين نسفها وبذلك تسقط القضية بعد أن تؤدي الدور الدعائي المطلوب منها؟

ما دعاني للتفكير في هذين السؤالين هو السلوك الشاذ المتبع من قبل السلطات المصرية في هذه القضية..

هل يمكن أن نصدق أن ضمير فايزة أبو النجا الوطني قد استيقظ فجأة ضد الهيمنة الأمريكية الإمبريالية على مصر والعالمين العربي والإسلامي؟

هل من الطبيعي أن يعلن "قاضي التحقيقات" عن الاتهامات في "مؤتمر صحفي"؟!

هل يريدون حقاً تلفيق القضية أم أنهم يلفقون التلفيق ذاته؟

أعلم أن للتلفيق فناً وأصولاً، فعلى الملفق أن يخلط الحقائق بالأكاذيب لتنطلي الخدعة على الجمهور. أما أن يكون الحديث كله كذباً فهو بالتأكيد ليس تلفيقاً.

تلفيق مستحيل

كل ما نشر عن مؤسسة سهم الثقة المشهرة بوزارة التضامن الاجتماعي منذ عام 2007 على اعتبار أنها مجموعة شبابية غير مسجلة هو كذب في كذب. وإن كان بعض هذا الكذب يتسم بخفة الظل؛ كمنظمة الدبدوب الدولي، وتصحيح وصف سهم الثقة من جماعة شبابية غير مسجلة إلى جمعية واقتران اسمها بيوم 7 أبريل كي يبدو قريباً من حركة 6 أبريل (وهو تاريخ أول تدريب أقامته مؤسسة سهم الثقة (مؤسسة وليست جمعية) بتمويل من مؤسسة كونراد أديناور الألمانية - ذات الشراكات القوية مع عدة جهات حكومية مصرية - على الإعلام المجتمعي في الفترة من 7 إلى 9 أبريل 2011 بقرية سبورت سبورت الواقعة على قناة السويس بجوار القرية الأوليمبية بالإسماعيلية).

وكل ما أثير عن مشروع "يوشاهد" لمراقبة الانتخابات الذي نفذه المعهد المصري الديمقراطي إنما يدخل في دائرة الهذيان الأمني والقانوني.

حتى الرقم الذي أشيع عن تقاضي المتدربين له في المعهد الجمهوري إنما يدخل في 13000 مبالغة مستحيلة.

هل هو فعلاً خلل أمني جعل أفراد المخابرات يكتبون تقارير مغلوطة في كل من التقط صورة تذكارية على ضفة قناة السويس وهم في قرية سياحية بأنهم يصورون مناطق عسكرية حساسة؟!

الأهداف الحقيقية للقضية

أظن جازماً أن القضية ستنتهي قضائياً إلى لا شيء، وأن الهدف منها ليس محاربة قانونية حتى لو تم التضحية بكباش فداء محلية أو حتى تنفيذ تمثيلية تصفية لإحدى المنظمات الكبيرة. وأرى أن افتعال التلفيق مقصود كي "تنزل القضية على فشوش"، ولكن بعد تحقيقها لعدة أهداف غير واضحة في الزخم الإعلامي المثار حول القضية.

بل أبعد من ذلك، أعتقد أن الكذب مقصود لإفشال القضية قانونياً في الوقت المناسب، لأن العسكر لن يخاطروا بعلاقاتهم الاستراتيجية مع أمريكا.

أما الأهداف الحقيقية - في وجهة نظري - فأراها كالآتي:

1- لفت انتباه الجماهير عن الأخطار والتحديات الحقيقية المتمثلة في ضرورة تسليم السلطة إلى الرئيس المدني المنتخب، وأهمية الإعلان عن الجدول الزمني الواضح لإجراءات انتخابات الرئاسة.

2- تدعيم سيناريو التضامن مع سلطة العسكر ومجلس الشعب المدَجّن ضد أخطار المؤامرات الخارجية العالمية التي تهدد باستقرار الوطن وأمنه الاجتماعي .. إلخ.

3- فتح جبهة فرعية لشغل النشطاء والمنظمات الحقوقية عن الملفات التي تدين قادة العسكر منذ خلع مبارك وحتى أحداث بورسعيد.

4- إبراز "كارت إرهاب" للمؤسسات المدنية المختلفة على طريقة "اضرب المربوط يخاف السايب"، وإحداث حالة من الذعر في الأوساط المدنية وافتعال غضب يشتت التركيز والجهود عن صبه في الاتجاه الأخطر على مجلس العسكر.

5- تحريض عموم الناس على الدفاع عن وطنهم ضد "الخونة" و"العملاء" - بكافة أشكال الدفاع - دون تلويث يد السلطة - التي تناور بالقضية ولن تتخذ إجراءات عقابية حقيقية ضد المنظمات.

والهدف الأخير هدف مفتوح، متروك لمدى "وطنية" هؤلاء "المواطنين الشرفاء" الذين قد يكتشفون أن عميلاً من أولئك المتجسسين على عورات الوطن يسكن قريباً منهم، فينتقمون منه على طريقتهم لكف شره عن المجتمع والوطن والجيش ومجلس العسكر.

وهناك احتمال بأن تكون هذه التمثيلية متفقاً عليها بين العسكر والأمريكان للتظاهر بإيجاد حليف شرقي بديل (الصين وروسيا)، مما يعني الدخول في مرحلة من دغدغة المشاعر (قد تكون حملة الشيخ محمد حسان لجمع قيمة المعونة الأمريكية في هيئة تبرعات شعبية جزءاً منها) بما يمهد لتبرير عدم دعم الثورة السورية (التي يقلب نجاحها موازين القوى بما يؤثر على مصالح الجميع في المنطقة - عدا دول الربيع العربي التي لن تقوم لها قائمة إلا بالتحالف فيما بينها).

لذلك أنصح النشطاء المدنيين والقائمين على المؤسسات والمنظمات المدنية بعدم إعطاء الموضوع أكبر من حجمه، وتفويض المحامين وجبهات الدفاع بتولي الأجزاء الفنية من القضية، مع عدم الانجرار إلى حرب إعلامية خاسرة بكل تأكيد قد ينشأ عنها حشد شعبي فاشي ضدهم (كما حدث بالفعل مع 6 أبريل والاشتراكيين الثوريين).

وأخيراً .. لا تستهينوا بذكاء أعدائكم، فالغبي من ظن نفسه أذكى الناس.

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

بعدما أخفقت الملايين التي خرجت إلى الشارع يوم 25 يناير 2012 في إسقاط المجلس العسكري وإزاحته من سدة الحكم وجعلها البديل عنه في حكم الدولة، وإنهاء 60 عاما من جعل العسكر هم البديل عن الشعب وليس إكمالا لهم في إدارة الدولة؛ وهنا تكون الثورة قد أسست لحقبة جديدة أنهت خلالها ماقامت به ثورة يوليو من وصول العسكر إلى سدة الحكم، لكن الثورة اكتفت حتي تلك اللحظة المباشرة أن تجعل من نفسها ثورة ضد السلطة كما حدث في أميركا الجنوبية حين تمكنت الثورات من تغيير بعض الحكام المستبدين دون أن يصاحب ذلك إحداث تغييرات أساسية في أنظمة الحكومة أو البنية الاجتماعية للدولة، وفي العديد من الحالات تم انتقال هذه الثورات إلى مراحل أعلي، قتحولت إلى ثورات سياسية أو اجتماعية، وهو ما نطمح أن تقوم به الثورة المصرية.

إلا أن الخروج الحاشد يوم ال25 أرسل رسالة حول وضع المؤسسة العسكرية ودورها في طريق المسار الديمقراطي، بدا واضحا من تلك اللحظة أن الثورة مستمرة، لكنها غير قادرة على إسقاط احد أعمدة نظام مبارك الرئيسية، وهنا فرق أساسي وجوهري بين الجيش وهو مؤسسة وطنية منذ إنشائها في عهد محمد على، تحظي بالحب والتقدير، وبين المجلس العسكري الذي أتي بانقلاب ناعم على السلطة وتوليه لمقاليد الحكم في 11فبراير 2011 وجعل نفسه البديل عن الشرعية الشعبية، وهنا يبرز مدي توغل المؤسسة وقوتها في المحافظة على النظام القائم وإجراء عمليات إصلاحية هيكلية من خلال عمليات ترميمية من داخل النظام ذاته دون إجراء تغيير كلي يضعف من مكانتها ومركزيتها داخل النظام، ولعل تدخل المؤسسة العسكرية في مسار الدولة هذا أمر موروث من الدولة العثمانية في فتح الباب أمام النخب العسكرية للتدخل في الشئون السياسية وممارسة السلطة وهو ما كرسته ثورة 52 وأصبح واضحا على نطاق العالم العربي أن معظم الانقلابات التي تمت أتت بعسكريين إلى السلطة، وهذا يعني صعودها إلى قلب المشهد وإدراته، مع وجود فارق يميز المؤسسة العسكرية المصرية فهي تتسم بالقدم وارتباطها بمركزية الدولة، فالدولة أنشأتها وأصبغتها بطابع الشمولية، فهي مركزية شمولية تسعي إلى الاستقلال الذاتي والتفرد وحسم الخلاف لصالحها وتقديم الموقف السلطوي على الموقف السياسي وحسمه. ومع صعود تلك المؤسسات إلى الصدارة تحولت مع مرور الوقت إلي طبقة لها مصالحها وامتيازتها الخاصة التي تدافع عنها، وعلى رأسها:

1. شمولية التوغل والتكوين في أجهزة الدولة.

2. المصالح الاقتصادية.

3. أصبحت المعادل الرئيسي في عملية التوازنات السياسية وحسم الصراع لذاتها.

لقد تم تحويل الجيش منذ 52 من إرادة للتغيير إلى نموذج في بناء السلطة والمجتمع، بمعني آخر عسكرة الحياة المدنية، وأصبح العسكر هم الدولة وأصبحت الدولة هي العسكر، في خلط واضح وتماه تام بين الدولة وبين المؤسسة العسكرية، وقد تم تقنين هذا الوضع وتغليفه بصبغة مدنية من خلال ممارسة العمل السياسي في إطار حزبي، من خلال التجربة الناصرية، وإن سبقته إجراءات قمعية أفضت إلي وجود حزب واحد يهيمن على الحياة السياسية ويحتكر أدوات عملها، وبدا ذلك أكثر تمثيلا في عهد السادات حينما أنشأ الحزب الوطني الديمقراطي وتم تدجينه برجال العسكر وتوغلهم في إطاره، وهنا بدا واضحا ممارسة السياسة من خلال غطاء مدني، ومع الانفتاح الاقتصادي وتصدير مفهوم الدولة الحديثة ومركزية السوق داخلها وتصدير مقولات الديمقراطية ( مدنية الدولة ) وماتبعه ذلك من تحديث للأحزاب الشمولية يإدخال عدد من العناصر المدنية في هيكلها الداخلي، وقد تزامن هذا الانفتاح الاقتصادي مع التحضير لاتفاقية كامب ديفيد وماتبعها من تصفية القطاع العام وهيمنة القطاع الخاص وبالذات وجهه الطفيلي والتيسيير لرؤوس الأموال الأجنبية على حساب الصناعة الوطنية ومكتسبات العاملين المصريين وضرب علاقات مصر الخارجية، وما انعكس على فروع الصناعات الحربية وغير الحربية حولت الجيش إلى الأعمال المدنية، وباتالي أصبح هناك تكوينا طبقيا للسلطة، وانتقلنا من فترة التمييز العرقي إلى فترة التمييز الاقتصادي، وساد جو العداء للديمقراطية وأشكالها المختلفة، وقد اصطبغ جهاز الدولة بهذه الصبغة البيروقراطية والتي أثرت على أدائه وسلوكه على كافة المناحي والاتجاهات، ولقد استطاعت الثورة الفرنسية أن تنتبه لهذا الامر مبكرا؛ إذ عرفت أعداءها اجتماعيا ( الارستقراطية ) بينما الروسية عرفتهم: اجتماعيا/ الرأسمالية/ الثورة المضادة، وقد اجتمعت هذه الطبيعة في المؤسسة العسكرية الحالية متمثلة في المجلس العسكري من خلال هيمنته على مناحي الدولة افتصاديا وسياسيا، فهناك إمساك بمفاصل الدولة والتغلغل في جميع مؤسساتها، فهناك عسكرة تامة لأمانة مجلس الوزراء فكل المحيطين برئيس الوزراء هم لواءات جيش، إلى جانب رئيس الحي ورئيس المدينة والمحافظ ورئيس النادي ورؤساء مجالس إدارة الشركات، والمحليات.....إلخ.

وهنا يقفز إلى العقل التشابة الحقيقي بين المؤسسة العسكرية المصرية والمؤسسة العسكرية الجزائرية مع فارق النشأة، فجنرالات الجزائر يمسكون بمفاصل الدولة ويتغلغلون فيها، فالحاكم العسكري هو المسئول عن المحافظة ( يقابله المحافظ العسكري في مصر ) وتحولهم إلى طبقة لها مصالحها الاقتصادية التي تدافع عنها إلى جانب احتكارها لآليات القوة وعملها، وهناك نقطة تشابه أخري تمثلت في ممارسة المجلس العسكري للسياسة من خلال غطاء مدني بدا ذلك واضحا في وثيقة السلمي، ثم تبنيه لإنشاء العديد من الأحزاب بهدف ضمان الولاء، وهو نفس الفعل الذي قامت به المؤسسة الجزائرية من خلال إنشائها لعدد من الأحزاب المدنية، فخروج العسكر من الحياة السياسية لا يعني ترك السلطة " متمثلة في منصب الرئاسة" بل كف أيدديهم عن مؤسسات الدولة، وبالتالي استحالة مايسمي بالخروج الآمن وعدم اختزاله في مفهوم المحاكمة فقط، وهنا يقفز إلى السطح مسألة الولاء التي تربت عليها أجهزة الدولة ( الداخلية/ الجيش/ المخابرات) ومؤسساتها وأسلوب إدارتها وانحيازها إلى من يحتكر القوة إلى جانب تداخل المصالح، فهي تحتاج إلي تطهير مؤسسي وجذري وقوانين توجه إرادة عملها من سلطوية العمل وكونها أداة قمعية وعقبة في تحول المسار الديمقراطي، إلى كونها أجهزة مؤسسية تعمل لصالح الوطن والمواطن، فهل ستكون هذه المؤسسات على درجة واحدة من الولاء والانحياز لاختيار الشعب، أم أنها ستظل على ولائها القديم، وهذه إحدي الإشكاليات التي ستواجه الرئيس القادم وتضعه في جانب المواجهة مع العسكر، ويظل السؤال الرئيسي ما هو وضع المؤسسة العسكرية في الدستور القادم؟ هذا ما ستكشف عنه الأيام. وللحديث بقية

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

إن التطلع إلي مسألة الديمقراطية في اقطار شمال افريقيا الثائرة، أصبح من القضايا المشتركة لكل الساكنة فيها، صحيح إن كل قبيلة او عشيرة وشريحة نخبوية تفهم بطريقة قد تتميز عن فهم الآخرين من الساكنة الليبية، ولكن الجميع علي استعداد للتطلع، ومن مواقع متعددة، إلي الديمقراطية، ذلك المصطلح والمفهوم المستورد والغير متواجد في لغتنا وثقافتنا العربية! ولكن نقبله لأننا في عصر لا نملك التأثير فيه.

التعبيرات عن الديمقراطية في هذه الاقطار متفاوتة، وجديدة عن هذا التطلع المستحدث في ساحة التداول الديمقراطي فيها، بالرغم من تمتع بعضها للمؤسساتية، لكنها تعبيرات تهدف إلي قيام الإصلاحات السياسية والاجتماعية والاقتصادية ودستوريتها، من أجل استبعاد آليات الانقضاض ومصادرة الحقوق والحريات، إن كانت انقلابا سياسيا أو عسكرياَ.

بالطبيعة، فان هذه الضرورة ليست بدون أثمان وبدون خسائر، وإنما التغيير يقتضى دفع الثمن الوطني للوصول إلي ذلك. بمعني أخر استمرار الأوضاع علي حالها في الحالة الليبية مثلا، سيكلف الجميع خسائر فادحة، وأثمان باهظة الثمن. بينما الانخراط في مشروع وطني جماعي فأنه لن يكلف الليبيين خسائر فادحة، وهو الثمن الذي ينبغي أن يدفع في اى ثورة ربانية وتجديدية. هذه المجتمعات مارست حقوقها المغتصبة من طرف الدولة التسلطية وهي جزء من الموجة الديمقراطية الثالثة، والتي يعيشها الوطن العربي، تدفع هذه المجتمعات إلي بلورة خيارها التحولي الديموقراطي في مجالها الوطني. لذلك التأكيد علي وجودها الديمقراطي في المشهد العالمي والعربي حديث له شجون:

الوعي بالفعل الديمقراطي:

الهبة الربانية التي اجتاحت الاقليم ونجاحاتها مرهون إلي حد كبير علي مدي انتشار الوعي الديمقراطي المتحضر والمتزن، وغير المنحاز إلي ثقافة العقل السبعيني والثمانيني والتسعيني من القرن الماضي. انه العمق والوعي بما هي فيه من ضرورتها، ودورها في وخروجها السلمي من المآزق ألكبري التي تعانيها علي مختلف الُصُعد والمجالات.

الوعي الديمقراطي يبدأ بالاهتمام بكثافة واليات وطرق ومنهجية إدارة أمورنا وقضايانا، بمعني مدي انسجام سلوكنا الوطني، العام والخاص، مع متطلبات المشهد الديمقراطي الوطني. وتظل مهمة النخب "الوطنية" في هذه الاقطار والمؤمنة بنتائج الديمقراطية، وإفرازاتها هو العمل علي تعميم هذا الوعي وتعميقه بمختلف الوسائل والأدوات المجتمعية.

ثقافية الديمقراطية:

إذا الواقع الوطني يحتاج إلي تخليق معمار لثقافية الديمقراطية في اقطار شمال افريقيا الثائرة، ركيزته القيم الكبيرة والحاضنة للشأن والوعاء الديمقراطي المنشود، وإلي قيم ثقافة عملية تحترم الأخر بكل تجلياته وعناوينه، وتسعي إلي تأكيد قيم التنوع والاختلاف والتعدد ألمواطني، حقوقا وواجبات.

للديمقراطية بوابة، يعرفها الجميع، وهي تجذير الخيار الوطني في ثقافية الديمقراطية في الواقع المجتمعي، وذلك لان الديمقراطية أسلوب للحياة ولتلاقي المختلف مع غير المختلف، وهي ليست شكلا سياسيا أو إجراء قانوني، أو الاستيلاء علي المغانم، أو تغيير إفراد واستجلاب إفراد جُدد فحسب، وإنما هي، قبل كل شىئ، ثقافية تقبل المُغاير وتحترمه، تؤمن به بأن الحقيقة الإنسانية للسياسة نسبية، ولا يمكن احتكارها من أي طرف، طال الزمن أو قصر.

وثقافية الديمقراطية المنشودة في هذه الاقطار هي ثقافة تُشجع وتدفع الكل للمشاركة في المجال الوطني والسياسي، باعتباره مجالا عاما وليس خاصا، ومن حق المواطنة إن تشارك فيه، وتتبوأ مواقع الإفراز والتقدم الديمقراطي. الوضع الحالي لا يزال يحتاج إلي ثقافية عملية للتحول الديمقراطي وبشكل مستمر، من اجل البحث عن المزيد من الروافد للواقع المتأزم وتصورات ناضجة تعمل علي احتضان الخيار الديمقراطي، وتدافع عنه ضد الأنانية والجهوية والنزاعات الشوفينية والقبلية التي تحول دون تطوير المشهد الديمقراطي الوطني في مجتمعنا الصاعد.

الإرادة و ثقافية الديمقراطية:

التحول الديمقراطي في أي كيان مجتمعي قائم لا يمكن انجازه صدفة أو بعيداَ عن الإرادة الوطنية، بل هو وليد مخاض مواطني وللجهد نحو الانجاز لهذا التحول. انه وليد لإرادة الإنسان الباحث عن التغيير والرافض والمقاوم لكل الاحباطات والمؤامرات، ضد إرادة التغيير، والتي منها تتم ولادة عملية التحول الديمقراطي. إرادة التغيير ليست حكرا علي فئة نخبوية أو جمعوية أو طائفية أو قبلية، أو حني طبقة المحاربين، فهي الدور المركزي في كل المجتمعات التي مرت بالتحولات ألكبري.

الإيمان بتفضيل الأنظمة الديمقراطية علي أنظمة الاستبداد والقمع والديكتاتورية لا يكفي، وإنما ثقافية الديمقراطية لا تزال بحاجة إلي إرادة التغيير والفعل الحقيق التي تمتلك الاستعدادات الوطنية المخلصة لترجمة التضحيات، ومجابهة ثقافية الخنوع والاستبداد والفردانية السياسية.

أنها الإرادة الاجتماعية (Social Will) تعمل مخلصة لصالح التحول الديمقراطي وإدراك أهميته. التحول الديمقراطي لا يتحقق بالخطب الرنانة وتعطيل المصالح والمظاهرات والاعتصامات والشعارات المستلفة من القرن الماضي، بل من خلال التواصلية والمصالحة مع الوطن، يتجه نحو المأسسة للبني التحتية للمشهد الديمقراطي وواقعه المجتمعي.

وفي ظل غياب السالف الذكر من المنطق، فالتحول الديمقراطي سوف لن يتم بعيدا عن الإرادة الاجتماعية والشعبية للمواطنة، لأنها سوف تفتقد إلي العمق السياسي والوطني والذي يُجذر قواعدها، لا يمكن بعدها والتراجع عن خياراتها. ألديمقراطية كما أسلفنا مشروع اجتماعي بواجهات سياسية،(Social Enterprise) تستبعد في مشهديتها مظاهر الانقلاب السياسي أو الاستيلاء علي السلطة بقوة السلاح، الأمر الذي يعرقل استمرار دولة القانون وتأمين الحريات الافتراضية، وقيام أحزاب متنافسة، وبناء توافقية اجتماعية-سياسية كحد مقبول لفكرة التداول السلمي للسلطة.

هذه المجتمعات الفتية في أمس الحاجة إلي الامتزاج العاقل الرشيد بين هذه المنظومة من قيم التحول والتغير الاجتماعي، يوفر إمكانيات الصعود في خطوات عملية في مشروع وطني ديمقراطي. ممارسة التغيير المجتمعي ليس الكل يمتلك مقوماتها، لأنها تتطلب وعيها وعمقها وقبول نتائجها، ثقافية تعمل علي ترجمة الوعي بالتحول والتغيير إلي برامج مشرعنة سلوكا وعقيدة. والأمر ليس كذلك وبهذه البساطة، فالأمر يتطلب إلي المزيد من التراكم من العمل المضني الصادق السياسي والاجتماعي والحضري، لكي تتحول ثقافية الديمقراطية إلي كثافة وسلوك إلي جزء لا يتجزأ من النسيج المجتمعي بكل عناوينه ومشاربه. إذا الوعي والإرادة وثقافية الديمقراطية دروب لابد من الوعي بها.

شمال افريقيا الثائر وجدلية الحرية والقوة

ما يجري في ألان من مخاض بعد الثورات الثلاث أنهي في وفترة قصيرة حكم الفرد الواحد الحاكم والأوحد في رسم صور المستقبل لهذه الشعوب. هذا المخاض لا يزال يثير العديد من الأسئلة المتعلقة بتاريخ وطبيعة القوة، التي تمتلكها الحكومات والنظم السياسية، التي تتبجح بقوتها الأمنية والعسكريتارية، وقدرتها الدائمة علي إنهاء اى انتفاضة أو أي هبة شعبية في ثواني قليلة.

إن الهبة التي قادتها المواطنة في كل من مصر وتونس وليبيا بكل أيامها وتطوراتها، ألغت كل ما تم التعامل معه بوصفه بديهية سياسية، التي لا يمكن تجاوز تأثيراتها. فثورة الشهيد الليبية وثورة ميدان التحرير المصرية وثورة البوعزيزي التونسية أعادت الاعتبار إلي دور المواطنة في هذه الاقطار، وأهميتها في صنع وصياغة وضعها المستقبلي.

فكبت وتكميم الأفواه والاستبداد، ضد قوي الحراك الاجتماعي والمدني والتي ضد المغاير من الرؤى والفكر والتطلع للانظمة التسلطية التي كانت سائدة، لم تتمكن كل هذه الوسائل من إنهاء دور المواطنة. نعم إن جبروت سلطة الدولة التسلطية قد تتمكن في فترة زمنية من إنهاء كل مكامن التغيير، ولكن قدرتها تبقي مؤقتة. وحينما تتمكن المواطنة من كسر حاجز الخوف والرهبة، فان كل الأسلحة الاخري، لن تتمكن من التأثير في المواطنة الواعية، حتى ولو لم تمتلك شيء للدفاع عن نفسها.

قوة الدولة التسلطية نعم مأهولة بالرغم من هرم واضمحلال وخور، ولكن حينما المواطنة تكسر حاجز الخوف، وتحذف من عقلها إمكانية إن تفرض عليها تلك الدولة التسلطية أجهزتها القمعية، حينذاك ستتمكن المواطنة المظلومة إن تجترح المعجزات.

لذلك في تجربة الدولة التسلطية كما قررتها التجربة المصرية والليبية والتونسية، هو كسر حواجز الخوف. لان كل أجهزة التسلط والقمع ومهما أوتيت من قوة وجاه، فأنها لن تتمكن من الصمود إمام المواطنة القادرة علي تجاوز رياح الخوف، وصممت علي المواجهة.

إن ما جري في هذه الاقطار هو إن الفئات الشبابية، في ظل التعداد السكاني السابق لسنة 2005 إنها تصل إلي ما نسبته 75% من مجموع عدد سكان ليبيا، وفي مصر وتونس تزداد القوة الفتية الشبابية، وان هذه المجتمعات فتية التكوين، بسبب طبيعة مكونها الديموغرافي، وهي التي قادت التغيير. أنها الفئات الشبابية المسحوقة والمهانة في رزقها وكرامتها، وليس لها إلا تجاوز حواجز الخوف، وقررت الوقوف والاحتجاج ضد كل ما يمس كرامتها ومستقبلها.

ان ما يميز هذه الثورات لم تكن مؤدلجة، أو تحت قيادة تيارات إيديولوجية أو سياسية، يسارية أو يمنية متطرفة، وإنما مشروع اجتماعي سياسى وطني، عبرت فيه المواطنة الفتيةعن أمالها وآلامها المجتمعية بعيدا عن التأطير العقائدي الاستهلاكي المبتذل. وبكل الاعتقاد إن كل التنظيمات السياسية الوطنية في المهجر أو في الداخل لم تكن تتوقع ما حصل في بلدانها، وإنما هي التي التحقت بحركة الشارع العربي وتفاعلت معه.

لابد من الإقرار إن المواطنة في هذه الاقطار قد سبقت كل التنظيمات السرية العلنية فيها، وهي التي قادت مبادرات التغيير منذ اليوم الأول من إطلاق شرارتها. لذلك الإنصات إلي المواطنة وتلبية حاجاتها، هي البيئة المناسبة لتخليق القوة بمعاني الحرية القادرة علي إحداث التغيير وتحقيق المشروع الوطني.

لذلك نعتقد إن قوة الدولة الوطنية المستقلة ليس في امتلاكها للأجهزة الأمنية القوية (وشاهدنا كيف تلك الأجهزة سقطت في أول شرارة، في معظم مناطق مصر وتونس وليبيا) والمتغطرسة، وإنما القوة الحقيقية تكمن في مدي انسجام إرادة الدولة مع إرادة مجتمعها، وحين يكون المجتمع هو الذي خلق دولته، وعندما تعمل الدولة كخادم للمجتمع والمواطنة.

وعندما تتناقض الإرادات وتبتعد الدولة عن المواطنة، حينذاك ستكون العلاقة المتبادلة بين الطرفين هي علاقة أمنية وقمعية ومنعية، الأمر الذي يؤدي إلي المزيد من التباعد بين الطرفين. وعندما تصل علاقة المواطنة مع دولتها إلي هذا من النفور، لأنها مهما كان عنفها وغطرستها متهرئة وهرمة من الداخل كما حصل في حالات تونس ومصر وليبيا، ليس للمواطنة من خيار إلا النزول الي الشارع.

القوة الحقيقية دائما مرهونة بمدي الانسجام بين الخيارين المجتمعي والدولاتي. ومن هنا فأن السكوت علي الفساد ورفض المعيارية الشفافة للمواطنة، فدولة المواطنة ائلة الي السقوط، لأنها ابتعدت عن الاهتمام برزق المواطنة وأمنها الاجتماعي والاقتصادي، في الوقت الذي فيه أنها من صلب اهتماماتها.

إن سكوت النظام السياسي وصمته المستمر عن إفساد الذمم وشرائها، والرشاوى كسياسة وطنية، وتشجيع النهب المالي وإعدام القروض، ومنح الاعتمادات المزاجية، وتهريب العملة، والتعامل معهم من خلال مواقعهم في جسم الدولة بالعمولات، يقود حتما إلي سقوط الدولة الحاضنة للفساد باختلاف أنواعه. ففي ليبيا وتونس ومصر لم انظمتها لم تتواني في السماح لإطرافها بممارسة الفساد والاستفادة من قوة الدولة وسلطاتها والاستفادة من السلطة في عمليات الإثراء غير المشروع.

وبالنتيجة إن نموذج الدولة التسلطية المنهار في هذه الاقطار لا تزال تتحمل وزر وتداعيات ملف الفساد، الأمر الذي قاد إلي تفاقم ملف الفوارق الاجتماعية والطبقية واحتكار الثروة وزيادة معدلات الفقر. هذه هي دلالات القوة والحرية في حالة دول شمال افريقيا الثائرة.

كلمات لكنها لا تحتاج إلي تثنية:

الذين قادوا التغيير في هذه الاقطار، لم يتم تأطيرهم في أيديولوجيات نافقه ومغلقة، ولم يتربوا في خلايا لممارسة التخريب المجتمعي، وإنما حركهم الوعي الوطني ورفعوا شعارات "الحرية" "والمشاركة في صنع همهم الوطني" "والكرامة" ورفضهم للفردانية السياسية والفكرية لقيادة مجتمعهم، ورفض إيوائهم في ألسجون بعيدا عن السجال العقائدي المتعلق بالمفاهيم السابقة الذكر، فعبروا عن ذاتهم والذات الوطنية، وما يختلج في صدر وطنهم وعقله، فكانت تلك اللحظة التاريخية الاستثنائية للتاريخ السياسي لشعوب شمال افريقيا الثائرة، التي أدخلتها إلي حركة التاريخ. فالمواطنة فيها التي حملت لواء التغيير الاجتماعي، وخرجت إلي الشوارع والميادين وفي القرى والأرياف والنجوع والمدن، وبلورة مطالبها في التغيير، هي التي قادت مشعل التحول والتغيير، وهي التي فكت ارتباطها مع كل مؤسسات الأبحاث والدراسات لمقولات الإصلاح والثورة.

فالتغيير تحقق في هذه الاقطار دون سيطرة احد علي احد، فقامت انتفاضة ليس هناك من يدعي قيادتها أو ملكيتها، لأنها هبة لا احد يمتلك تبني انجازها، ولا يمتلك صكوك ولادة قيامها، ولأنها تعمل علي رفع الظلم والاستبداد وتفكيك مخزن الاستئثار والاحتكار السياسي. لذلك التاريخ سوف يحتضنها كهبة ربانية.
---------------------
الدكتور ميلاد مفتاح الحراثي- أستاذ العلوم السياسية بجامعة بنغازي - ليبيا.


المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

على امتداد خمس جلسات نقاشية، وسادسة أخرى ختامية، عقد خلال يومي 1و2 مارس 2012، في فندق روتاج بالعاصمة القطرية “الدوحة”، الملتقى السنوي الثالث والثلاثون لـ«منتدى التنمية” الخليجي، لمناقشة “السياسات العامة والحاجة للإصلاح في أقطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية”.

يضم “المنتدى” في عضويته نخبة خليجية من الأكاديميين والإعلاميين، ومن الضالعين في الشأن السياسي العام. تأسس “منتدى التنمية”، كما يقول عنه الموقع الشخصي للدكتور علي الكواري باسم ندوة التنمية في أقطار الجزيرة العربية، على إثر ندوة أعدها ودعا إليها الكواري نفسه، حول كفاءة أداء المشروعات العامة في دول الجزيرة العربية المنتجة للنفط. واستضاف جهاز أبوظبي للاستثمار تلك الندوة التي عقدت تحت رعاية أحمد خليفة السويدي، الذي كان حينها، وزير خارجية دولة الأمارات ورئيس مجلس إدارة جهاز أبوظبي للاستثمار.

وبعد عدد من الاجتماعات اتفق أعضاء الندوة على تغيير اسمها إلى منتدى التنمية، ووضعوا إطاراً تنظيمياً لأشغال المنتدى مازال معمولاً به منذ العام 1986. ويقوم المنتدى لتحقيق أغراضه بعقد لقاء سنوي للأعضاء، وإعداد دراسات ذات أهمية استراتيجية في عملية التطور الحضاري وذات تأثير عليها. كانت الورقة الأولى في اجتماع الدوحة، الموسومة “الفجوة بين تنمية رأس المال البشري والإصلاح المؤسسي: مدخلاً لسياسة إدارة التنمية في دول مجلس التعاون”، من إعداد الباحث السعودي خالد بن عثمان اليحيى، تلاها، في الجلسة الثانية، عرض ومناقشة ورقة الباحث البحريني الشاب عمر هشام الشهابي، التي حملت عنوان “سياسات التوسع العقاري من منظور الخلل السكاني في دول مجلس التعاون”، وخصصت الجلسة الأخيرة، قبل الختامية لمناقشة ورقة الأستاذ حسن علي رضي، التي سلطت الأضواء بشكل موسع على “أحداث البحرين: الأزمة والمخرج”. وضع المشاركون دول مجلس التعاون على مشرحة البحث العلمي، وراحوا ينقبون، على خلفية علمية راسخة، ومن منطلقات أكاديمية موضوعية، عما تعاني منه دول المنطقة من مشكلات تنموية، ويعرضون ما تحتاجه إليه من إصلاحات. أهم ما توقف عنده هذا الملتقى هي تلك الإضاءات السريعة على كل من الأوراق المقدمة، تناولت بشكل في غاية التكثيف، مواطن الخلل في كل بلد من دول الخليج العربية، ويعرون سبل الإصلاح الممكنة، بدءاً من سلطنة عمان، وانتهاء بالكويت، لكن بعد التعريج على السعودية. ليس هنا مجال تناول كل ورقة من تلك الأوراق على حدة، إذ إنه من الأجدى تلخيص ما تناولته الحوارات التي حملت في أحشائها الكثير من التحدي لدى من أثارها، أو من بادر للرد عليها، والتي يمكن تلخيص أهمها في النقاط التالية

1. كان هناك إجماع على الحاجة للإصلاح في منطقة الخليج، لكن ظهرت تباينات التقويمات للقوى التي تدعي اليوم أنها تقود عملية التغيير، وإلى أي حد هي قادرة على إحداثه في الاتجاه الصحيح المطلوب، بدلاً من الانتكاس للوراء، فتتحول العملية من إصلاح حقيقي، إلى مجرد تغيير في الوجوه، شبيه بما نعرفه عن لعبة “الكراسي الموسيقية”. هنا كانت هناك تشخيصات ملموسة للقوى الضالعة في عملية الصراع الخليجية، وعلى وجه الخصوص في تلك البلدان التي عرفت ساحاتها تلك الصراعات.

2. كانت محطة مميزة توقف عندها المشاركون، وهي بروز قوى الإسلام السياسي الخليجية في تلك الأحداث، كأحد العناصر المهمة في صنعها. وكانت هناك عملية استحضار تاريخي لأصول تلك القوى الإسلامية، وما هي العوامل التي قادت إلى بروزها، ومن ثم أدت إلى تراجع القوى السياسية الأخرى التي هي اليوم في حالة تنافس شديدة معها، والتي أطلق عليها البعض صفة “الليبرالية”، في حين اكتفى البعض الآخر باعتبارها “قوى مدنية”. وفي سياق ذلك، برزت علامة استفهام كبيرة هي: ما هو طول الفترة التي ستستمتع القوى الإسلامية بصعودها، وتعاني القوى الأخرى المدنية المنافسة من “ضمورها”، ومن ثم تراجعها؟

3. قضية أخرى في غاية الأهمية، أشبعها المشاركون بحثاً، وهي التعارضات الثانوية في صفوف القوى الخليجية الحاكمة اليوم، ومدى تأثيرها في محصلة صنع القرار داخلها. ما هو الأهم من ذلك، كان انعكاس تلك التعارضات على سرعة أو بطء توصل تلك القوى إلى قرار نهائي إزاء الأحداث من جهة، ودورها في صياغة التحالفات التي تحاول القوى الحاكمة أن تنسجها مع الفئات المعارضة من جهة ثانية. يبرز في ضوء ذلك، مدى قدرة الطرفين على تجاوز الحدود التكتيكية المرحلية قصيرة المدى، التي تحصر التغييرات أو عمليات الإصلاح المطلوبة في إطار ضيق محدود، إلى تلك النقلة الاستراتيجية ذات الأفق الواسع التي باتت هي في أمس الحاجة إليه، كي يفسح في المجال أمام التحولات النوعية القابلة للنمو، فيتمظهر، كل ذلك، في نهاية المطاف في سياسات إصلاحية حقيقية تمس جوهر الواقع الخليجي، وتأخذ بيده، بشكل إيجابي نحو الأمام.

4. مسألة عملية مفصلية أثارها بعض المشاركين، هي ضرورة نقل بعض ما يتوصلون إليه من استنتاجات، ذات علاقة بعملية التطوير والتنمية، إلى أصحاب صنع القرار في المنطقة من جهة، ومن يساهمون في صنع الحدث من قوى معارضة من جهة ثانية، وعدم تركها أسيرة الجدران التي نوقشت بينها. نجاح الملتقى في القيام بذلك، وقدرته في التأثير على تلك الأطراف، لابد وأن تمده بالرغبة في التحول من مجرد لقاء نخبوي يحصر نفسه في الإطار النظري المحض، إلى مؤسسة مجتمعية أكثر حيوية، تمارس دورها الصحيح الملموس في التأثير على صانعي الحدث، ومن ثم تغيير اتجاهه نحو الأهداف الصحيحة، القادرة على المساهمة في التعجيل بعمليات التنمية التي يبحث عنها الجميع، وفي المقدمة منهم “المنتدى” ذاته.

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

حين اختلّ نظام التوازن الاجتماعي بين أطراف الدولة العثمانية، وجد استجداء أتباع المسيحية العربية النصرة والمعونة من إخوة الإيمان في الخارج مبرّرا. في زمن كانت فيه تلك الديانة منهَكَة على جميع الأصعدة. ولكن أن يستمرّ ذلك المسلك حتى عصرنا الراهن، فهو مما ينذر بوجود خلل عميق في البناء الاجتماعي يستدعي المراجعة والتصحيح.

لأنه مما ينافي الصواب أن نزعم أن أتباع تلك الديانة ركن من أركان البيت، في وقت يلاقون فيه رهقا في دينهم ودنياهم في أحضان أوطانهم.

فالناظر في انعكاسات الثورات المجتاحة للبلاد العربية يلحظ العديد من المحاسن التي طالت المسيحية، بما ألحقته من مراجعة لطبقات غائرة في الوعي، جراء ما أُدمن من رؤى وسلوكيات وعوائد، بتنا نراها بمثابة الأمر الواقع، سأولي تلك الآثار بعض الاهتمام.

طيلة العهود السابقة ساد خطاب غير علمي، في تناول واقع المسيحية في البلاد العربية، كان أقرب إلى التخمين الباطني منه إلى الرصد الموضوعي. وهو ما يتنافى مع أغراض التفهم الرصين والتقدير الصائب، فضلا عن مستوجبات التعاطي السياسي والتشريعي والحقوقي المتزن، ما يشي بوهن قدرات العقل في الثقافة العربية. فالقول بأن المسيحية العربية مكوّن أصيل في الثقافة العربية، وأن المسيحي شريك في الحضارة العربية الإسلامية، وَرد في مجمله ضمن أغراض الاستهلاك السياسي، بما افتقر إليه من مصداقية سوسيولوجية، وبما عازه من طرح جاد لمعنى ذلك المكوّن الأصيل ومدلولات تلك الشراكة الحضارية.

فقد راكم ذلك التعامل عديد الأخطاء، التي تفاقمت بتوالي العقود، حتى باتت بمثابة الأمور المستعصية، التي تنذر باهتزازات اجتماعية. فنحن إلى حدّ الآن ليس لدينا تعريف واضح للكيان المسيحي، فهو طورا كيان شرقي غائم، لا ندري أين يبدأ وأين ينتهي، وتارة كيان فئوي طائفي: سرياني وآشوري وفينيقي وفرعوني، إلى حدّ الشوفينية والانعزالية.

وإن نعلم أن هذا الكيان واقع جغرافيّاً في البلاد العربية فشقّ واسع منه، ولاءً واقتداءً ولاهوتا، تابع لكنائس خارجية. وعدم حسم تلك المسائل وبقاؤها في حيز التذبذب والتبعية للخارج انعكست آثاره على الوعي الجمعي، فترى النظر إلى تلك الشرائح أنها أصيلة وأحيانا دخيلة. وقد تدعّم ذلك جراء أن هذا الطرف غدا في العديد من المناسبات الأكثر تحمسا لنسفِ المكوّن الجماعي، والسعي إلى تحويله إلى هشيم إناسي، بما يخالف الإقرار بواقع الحضارة التركيبية ذات الطابع العربي الإسلامي.

كون الثقافة العربية ليست نتاج العرب العاربة وحدهم، وإنما هي مركَّبٌ ساهمت فيه جل المكوّنات الاجتماعية التي تمازجت وتناسلت في المنطقة، من أمازيغ وفراعنة وسريان وكرد وآشوريين وكلدان وزنوج وطوارق وغيرهم، حتى لا نسقط في مغالطة "عرقنة" الثقافة فتتحوّل إلى بنية منغلقة.

نعود لنطرح سؤالا في جوهر المسألة، في الراهن الحالي أين تتلخّص متاهة المسيحية العربية؟ لقد استورد كثير من أتباع هذه الديانة عناصر لاهوتهم، فضلا عن وعيهم بالتاريخ والمجتمع والسياسة للواقع العربي من الغرب، وهي الطامة الكبرى التي ألمت بالعقل المسيحي. بلغ الأمر أن باتت عناصر الحاضنة الحضارية العربية الإسلامية متَّهَمة بالقصور، والحال أن ذلك هو بفعل مسلكيات كافة المكونات الإناسية والاجتماعية في البلاد العربية، ولا يمكن تبرئة أي طرف منه.

مزية أخرى من مزايا التحولات العميقة التي تشهدها البلاد العربية وهي تساقط الأوهام. إذ ثمة فكرة روّجها الغرب وصدّقها كثيرون أن المسيحيين العرب هم صنّاع أيّ أمل في تلك المنطقة الميؤوس من نهضتها، ومن ديمقراطيتها، وكأن قدر تلك الحضارة أن تنهض بنهوضهم وتقعد بقعودهم. والحال أن التحولات الاجتماعية الكبرى تنبع من عمق الكتلة الاجتماعية وليس من هذا المكوَّن أو ذاك.

تلك الفكرة التي روجها الاستشراق وزينها في عقول كثيرين، تدعمت بأوهام من جنس، أن ولوج باب الحضارة الغربية مفتاحه بيد المسيحيين العرب، وأن العقل السياسي الغربي لا سبيل إلى كسب وده إلا بواسطة المسيحيين العرب، وآخر ما قرأته أن تطهير الغرب من الإسلاموفوبيا هو بيد المسيحيين العرب!!

أقّدر أن تلك الأوهام تنامت جراء سذاجة فكرنا السياسي، حين ظننا - في مرحلة سابقة- أن مجرد دفع وفود مختلطة من أهلينا المسلمين والمسيحيين لمخاطبة حاضرة الفاتيكان والغرب، بشأن فلسطين، خلال النصف الأول من القرن السابق، مدعاة لبلوغ مقصدنا.

لقد أجهزت الثورة في تونس، التي تكاد تخلو من المسيحيين، على تلك الأسطورة، بعد أن تبين أن الواقع العربي، بعيدا عن تلك الخدع السوسيولوجية في الريادة، قادر على أن يصنع ثورة ويخطو باتجاه الحكم الرشيد.

في الواقع العربي الاستثنائي الذي نعيشه، غدت مطلّة ثقافة سياسية جديدة، لا مكان فيها لدكتاتورية الحزب الواحد، أو الطائفة الواحدة، أو الدين الواحد، وبالتالي بعد عقود من التخويف من الإسلام السياسي، نشهد هذه الأيام تلاشي ذلك الخوف من صعود الأحزاب الدينية. وإن يكن البعض لم يستوعب بعد حضور تلك الأحزاب في السلطة، فتقديرنا أنهم ما زالوا ينظرون إلى الواقع العربي الجديد بأدوات قديمة.

وضمن السياق نفسه تتفسّرُ خشية البعض على المسيحيين في سوريا، وكان الأحرى سؤال، هل البنية السياسية التي شيّدها البعْث، تضيف شيئا إلى العرب أكثر من تصلّبهم التاريخي وتحنّطهم الاجتماعي؟

ولذلك من جملة الأوهام المتهاوية فهْمُنا لمدلولي الحداثة والعلمانية. فقد عاش العرب وهْمَ الدولة الحداثية في تونس، وما فتئت جماعات تعيش وهْمَ الدولة العلمانية في سوريا، وقد آن الأوان للتحرر من ذلك الوهم المتخلّد لمواجهة الواقع بموضوعية. فأسطورة أن المسيحية في بلاد الشام حاميها وراعيها النظام السياسي السوري الحالي، من الأساطير الكبرى التي استبدت بالعقل العربي الحديث، وهي في طريقها إلى الانهيار كما تهاوت سابقتها عن "القلعة الحداثية" المزيّفة في تونس.

ربما التجاوز الكبير الذي أحدثته التحولات العربية، والإنجاز الفعلي الحقيقي، هو تحطيم الوهْم. ففي مصر أثبتت الثورة أن المسيحي المصري لا سبيل له في الخلاص إلا بالسير رفقة الشريك الحضاري المسلم، وأن التعويل على الغرب المسيحي ملهاة لا طائل من ورائها، وهو وهْمٌ آخر اجتثته الثورة ينضاف إلى سلسلة الأوهام المستبدة بوعينا ولا وعينا.
----------------
المصدر: جريدة الزمان العراقية 30 مارس/ آذار 2012

 

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

لا أحد يستطيع إن يجادل في قيمة الزلزال العربي الذي اكتسح منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في سنة ،2011 والذي شكل متغير دولي وإقليمي في العلاقات السياسية الدولية، وتشكلت بموجبه خارطة سياسية إقليمية لم يعرف بعد مستقبل استقرارها، وكذلك هوية التغيرات التي سوف تؤثر في المُمسك بتوازن القوي الاقليمى والدولي في المنطقة. في هذا الحدث برز لاعبان إقليميان لهما التأثير المباشر في الحراك الإقليمي وزلزلته برمته، المحور الإيراني – التركي الذي شكل مشهديه إقليمية، من خلال عوامل التأثير، ومن يقدم أكثر لبدايات الزلزال العربي؟ وتبني الدعم الأكثر له، وكيفية تحويله إلي "شتاء إسلامي"، في سباق صراعي علي من يفوز بحصاد الربيع العربي في مواجهة "الشتاء الإسلامي" الافتراضي القادم إلي الإقليم، أو العكس، وتحويله إلي دوامة من التنافس علي السلطة بين "العلمانيين" و"الليبراليين" و"الإسلاميين" و" المسلمين" ، وبقايا أنظمة دولة التسلط الأبوية، وعودته إلي المربع الأول.

الزلزال العربي وطبيعته:

لقد تميز الزلزال العربي بقدرته الخارقة علي اقتحام جدار الخوف العربي وتجاوزه، والذي بدونه لا يمكن ألان الحديث عن ثورات، أو انتفاضات، أو اضطرابات، لان جدران الخوف التي بنتها مؤسسات الاستئثار والاحتكار من قبل الدولة التسلطية من خلال الاستغلال والاستعباد وتحويل إرادة مجتمعاتها إلي رهينة أبدية ضد التغيير الذي زلزل خارطة صناع القرار في العالم، لم يكن متوقع حدوثه بالرغم من مصداقية فرضيات الربيع العربي.

وما جري في الإقليم من مخاض أنهي، في وفترة قصيرة حكم الفرد الواحد الحاكم، والأوحد في رسم صور المستقبل لشعوب ليبيا ومصر وتونس. هذا المخاض أثار العديد من الأسئلة المتعلقة بتاريخ وطبيعة القوة الكامنة لدي الثائرين والمنتفضين، مقابل قوة رسمية تمتلكها حكومات ونظم الدولة التسلطية، التي تتبجح بقوتها الأمنية والعسكريتارية، وقدرتها الدائمة علي إنهاء اى انتفاضة، أو أي هبة شعبية في ثواني قليلة.

إن الهبة التي قادتها المواطنة العربية في الإقليم، بكل أيامها وتطوراتها، ألغت كل ما تم التعامل معه بوصفه بديهية سياسية، التي لا يمكن تجاوز تأثيراتها. فثورة المطالب الديمقراطية والعدالة وحريات وحقوق الإنسان أعادت الاعتبار إلي دور المواطنة الفاعلة والمشاركة، وليست المواطنة لم تتمكن من صنع مستقبلها وصياغته.

فكبت وتكميم الأفواه والاستبداد، ضد قوي الحراك الاجتماعي، والمدني، والتي ضد المغاير من الرؤى والفكر والتطلع للنظام السائد، لم تتمكن كل هذه الوسائل من إنهاء دور المواطنة، ودورها المركزي في التغيير السياسي والاجتماعي. نعم إن جبروت سلطة الدولة التسلطية قد يتمكن في فترة زمنية من إنهاء كل مكامن التغيير لدي سكان مدن وشوارع الخوف العربي، ولكن قدرتها تبقي مؤقتة. وحينما تمكنت المواطنة في هذه الدول من كسر حاجز الخوف والرهبة، فان كل أسلحة الدولة التسلطية، لم تتمكن من التأثير في المواطنة الواعية، حتى ولو لم تمتلك شيء للدفاع عن نفسها، إلا أنها كسبت انتفاضة الشوارع والميادين وشرعنة مستقبلها.

قوة الدولة التسلطية كانت نعم مأهولة بالرغم من هرمها واضمحلالها وخورها، ولكن حينما المواطنة كسرت حاجز الخوف، وحذفت من عقلها إمكانية إن تفرض عليها تلك الدولة التسلطية أجهزتها القمعية، حينذاك تمكن "نموذج المواطنة المظلومة" من إن تجترح المعجزات.

لذلك في تجربة الدولة التسلطية كما قررتها التجربة التونسية المصرية والليبية في علم الزلزال العربي، هو كسر حواجز الخوف. لان كل أجهزة التسلط والقمع ومهما أوتيت من قوة وجاه، فأنها لم تتمكن من الصمود إمام نموذج المواطنة القادم من خريف عمرها علي تجاوز رياح الخوف، وصممت علي المواجهة.

إن ما جري في الإقليم من ثورات نموذجية، هو إن الفئات الشبابية الفتية فيها، وفي ظل تصاعد النمو السكاني، كان بفعل المجتمع العربي الفتي كقوة فتية شبابية، وهي التي قادت التغيير الاجتماعي والسياسي في مجتمعاتها. أنها الفئات الشبابية المسحوقة، والمتواجدة في المهاجر ونواصي الشوارع والميادين باحثة عن موعد زلزالها، والمهانة في رزقها وكرامتها، وليس لها إلا تجاوز حواجز الخوف، وقررت الوقوف والاحتجاج ضد كل ما يمس كرامتها ومستقبلها.

فهبات الشوارع العربية لم تكن مؤدلجة، أو تحت قيادة تيارات إيديولوجية، أو سياسية، يسارية أو يمنية متطرفة، وإنما كانت مشروع اجتماعي وطني، عبرت فيه مواطنة دول التسلط عن أمالها وآلامها المجتمعية، بعيدا عن التأطير العقائدي الاستهلاكي المبتذل. وبكل الاعتقاد إن كل التنظيمات السياسية الوطنية في المهجر أو في الداخل لم تكن تتوقع ما حصل في أوطانها، من شدة قوة زلزالها، وإنما هي التي التحقت بحركة شارع ثوراتها وتفاعلت معه.

الذين قادوا التغيير في مثلث الزلزال العربى هذا يتم تأطيرهم في أيديولوجيات نافقه ومغلقة، ولم يتربوا في خلايا للممارسة التخريب المجتمعي، وإنما حركهم الوعي الوطني ورفعوا شعارات " الحرية، والمشاركة في صنع همهم الوطني، والكرامة، ورفضهم للفردانية السياسية، والفكرية لقيادة مجتمعهم، ورفض إيوائهم في ألسجون بعيدا عن السجال العقائدي، فعبروا عن ذاتهم وذات مجتمعاتهم ، وما يختلج في صدر وطنهم، فكانت تلك اللحظة التاريخية الاستثنائية للتاريخ السياسي لهذه الشعوب، التي أدخلها التاريخ إليه. فهي التي حملت لواء التغيير السياسي والاجتماعي، وخرجت إلي الشوارع والميادين وفي القري والأرياف والمدن، وبلورة مطالبها في التغيير،قادت مبادراتت مشعل التحول والتغيير، وهي التي فكت ارتباطها مع كل مؤسسات الأبحاث والدراسات لمقولات الإصلاح والثورة.

لابد من الإقرار إن المواطنة العربية النموذج في دول الانتفاض والتغيير قد سبقت كل التنظيمات السرية العلنية في مجتمعاتها، وهي التي قادت مبادرات التغيير منذ اليوم الأول من إطلاق شرارتها. لذلك الإنصات إلي المواطنة وتلبية حاجاتها، هي البيئة المناسبة لتخليق القوة بمعاني الحرية القادرة علي إحداث التغيير وتحقيق المشروع الوطني فيها.
نعتقد إن قوة الدولة الوطنية المستقلة ليس في امتلاكها للأجهزة الأمنية القمعية القوية (وشاهدنا كيف تلك الأجهزة سقطت منذ أول شرارة، في معظم مناطق مثلث الزلزال العربي)، وإنما القوة الحقيقية تكمن في مدي انسجام إرادة الدولة مع إرادة مجتمعها، حينما يكون المجتمع هو الذي خلق دولتهِ، وعندما تعمل الدولة كخادم للمجتمع والمواطنة. وهنا بيت القصيد في هذه الظاهرة الفريدة والعفوية البناء، في أنها رفضت كيان الدولة التسلطية الذي يعمل علي صنع وفبركة اردتها ومجتمعها، وقررت عفويتها إن تصنع دولتها لكي تعبر عن إراداتها، وتدافع عن خياراتها، وتُحول دولتها الجديدة إلي خادم لها، والتاريخ قد اثبت ذلك في المجتمعات التي دولها تقود العالم.

وعندما تتناقض الإرادات وتبتعد الدولة عن المواطنة، حينذاك ستكون العلاقة المتبادلة بين الطرفين هي علاقة أمنية وقمعية ومنعية، الأمر الذي يؤدي إلي المزيد من التباعد بين الطرفين، كما حصل في مثلث الزلزال العربي. وعندما تصل علاقة المواطنة مع دولتها إلي هذا الحد من النفور، لأنها مهما كان عنفها وغطرستها متهرئة وهرمة من الداخل كما حصل في حالات تونس ومصر، ليس للمواطنة من خيار إلا النزول إلي الشارع.

القوة الحقيقية لدولة القانون والديمقراطية دائما مرهونة بمدي الانسجام بين الخيارين المجتمعي والدول. ومن هنا فأن السكوت علي الفساد، ورفض المعيارية الشفافة للمواطنة، فدولة المواطنة حتما ائلة إلي السقوط، لأنها ابتعدت عن الاهتمام برزق المواطنة، وأمنها الاجتماعي والاقتصادي، في الوقت الذي فيه أنها من صلب اهتماماتها. وبالنتيجة إن دولة مثلث الزلزال العربي المنهارة هي المسؤلة علي تردى وضع المواطنة، الأمر الذي قاد إلي تفاقم ملف الفوارق الاجتماعية والطبقية والحرمان الحقوقي، واحتكار الثروة وزيادة معدلات الفقر. هذه هي دلالات الزلزال العربي.

“الربيع العربي" و" الشتاء الإسلامي":

إن إقحام دلالات العلمانية والإسلامية والليبرالية إلي أتون معارك التحول والانتقال في دول مثلث الزلزال العربي، محاولات غير صادقة وغير بريئة، لرغبة أنصار الإجهاض المجتمعي في تفكيك المحتوي التاريخي لهذه الثورات القاعدية. فهذ الانتفاضات ليس لها من يدعي ملكيتها أو صنعها أو قيادتها، أو ممارسة حق الوصايا عليها، لذلك فهي هبة ربانية شاركت في صنعها قوي فوق العادية. ومن هنا خرجت أصوات بحوث تفكيك المجتمعات لتعلن إن الليبراليين في مأزق، وان العلمانيين زاد صراعهم مع الإسلاميين، وأن الإسلاميين في طريقهم إلي السيطرة في تونس وليبيا ومصر.

فبادرت إلي إطلاق شعار "الشتاء الإسلامي"(Islamic Winter) لضرب الربيع العربي، في محاولة لجعل مجتمعات الإقليم في حالة من أللاتفاق نحو انجاز مهام الانتقال والتحول المجتمعي والديموقراطيه، بأقل الإثمان، استمرارا ووفقا لنظرية "الفوضى الخلاقة"، المصدرة إلي دول الإقليم. بهذا الطرح المخيف، والجديد علي الإقليم المنتفض، تمت عمليات التجهيل لمسارات الانتفاض ألمواطني في مثلث الزلزال، وتقلص حجم اهتماتات الإعلام الالكتروني، والتحول نحو ترويج خطاب " الشتاء الإسلامي"، وذلك لخلق آليات أخري، وحالة جديدة من المواجهات الداخلية في دول "الربيع العربي" .

من جهة أخري أن صعود الدور الإيراني والتركي ودورهما الإعلامي والسياسي في مشهديه التحول والانتقال العربي، تم توظيفه كمحاولة من هذين المركزين الإقليمين للقوة، إلي إن هناك في الأفق شتاءا إسلاميا قادما في الأفق، للاستيلاء علي مواقع صنع القرار في هذا الإقليم. فالصراع المحوري الإيراني –التركي له جذور في تاريخ الإقليم، منذ الآلاف السنين. فالتأثير الإيراني- التركي في تبنيه لخطاب أكثر ترحيب وتشجيع، وأقل عدائية للانتفاضات العربية، كان واضحا منذ البداية.

والمحور الإيراني - التركي، ومن اجل التأثير في ثورات الإقليم، سعي إلي الحصول علي دعم وشعبية وتأييد لسياسته "التوسعية" في الإقليم المتنازع علي قيادته، من خلال التركيز علي نقد "إسرائيل"، وخطورة الشتاء الإسلامي القادم، من خلال نمو تأثير الميول الايديولوجى "لحركة الإخوان المسلمين" في هذه الدول. وذهبت تركيا إلي دعم “الطوائف السنية” في سوريا، الحليف الرئيسي لإيران. وحالة عدم الاستقرار في سوريا، جددت معها التنافس التاريخي التركي الفارسي، وخلق إشارات تخفيف القوة العربية نحوه، مقابل تقلص الدور الأمريكي في الإقليم. وتتوقع دُور صنع القرار في الغرب، إن سوريا، من الممكن أن تتحول إلي جبهات للصراع التركي- الإيراني، وذلك لتوريط تركيا، بدون إن تدري، في نزاع إقليمي، لإلهائها عن مطالبها في الالتحاق بالاتحاد الأوروبي، أو تأخيره، من خلال منحها الدور الإقليمي.

إذا ما هي طبيعة العقيدة الجديدة ("الشتاء الإسلامي") المراد تسويقها في دول الربيع العربي بعد نجاحاتها، ومساندة قاعدة المواطنة لها؟ اقرب الأدلة علي أهمية هذه العقيدة وتأثيرها المستقبلي علي دول الزلزال العربي، والتي ترتكز دعواتها إلي إن العالم ليس ضد الإسلام والمسلمين ونهجهم في الحياة، ولكن العالم ضد "الإسلاميين"،(Muslims and Islamists) بالرغم من دعم العالم إلي ثورات الربيع العربي، في ظل عدم إدراكهم لتوابعه الزلزالية، وبالتالي يتضح إن " الإسلاميين" هم وقود "الشتاء الإسلامي " القادم.
ولكن الحقيقة هي أن المشكل يتجاوز الإدراك الحالي، لدول الإقليم، لخطورة هذه العقيدة علي مستقبل التحول نحو دولة القانون والديمقراطية في هذه البلدان، وان نظرية المراحل لم تستكمل بعد دورتها، في إطار توازن القوي الإقليمي والدولي، والتي يرغبها الغرب، ويرسخها في مناطق التخلف. لا يمكن إن يتناظر المراقب من جهات وقوي، هي خارج مجال الزلزال العربي، إن تتم فيها بناءات ديمقراطية وأنساق اجتماعية وثقافية مستقلة صاعدة ، تضاهي المُمسك بتوازن القوي إقليميا ودوليا. والخيار لها هو الاستدراج العقائدي لهذه المجتمعات لكي لا تنظر إلي المستقبل بعيون الديمقراطية وشراكة مواطنيه.

نظرية "الإسلاميين" و المسلمين" لم تفكك رموزها بعد، نظرا لانشغال إطراف الإقليم بتوابع زلزالها التاريخي، الذي حطم مقولة السيطرة عن بُعد، والانشغال بالوجهة النهائية لدولة القانون والديمقراطية. وإذا نجحت هذه العقيدة الغامضة باستبدال ثورات الربيع العربي إلي ثورات" الشتاء الإسلامي"، إذا كل ما كان مخطط له من أجندة قد نجحت.

العالم من حول إقليم التحولات السياسية والاجتماعية، يُراقب عن كثب تطورات الإقليم، بعد رهانهِ عليه في فك أزمته المالية المستعصية، وخوفهِ من تأثيرات الربيع العربي من الانتقال إلي منظومته الاجتماعية والثقافية، وتخوفهُ من مقولة " الشتاء الإسلامي" المرتقب. إن الخلط العقائدي بين عناوين " دولة إسلامية" و"دولة المسلمين" يُضيف، إلي المشهد التحولي الجاري ألان في الإقليم، المزيد من الإثقال والتخوفات يصعب علينا تلقف خيوطه ألان. والتمييز بين "الإسلاميين" و"المسلمين"، ودورهم في قيادة أزمنة التحول السياسي والاجتماعي في الإقليم، هي مرحلة، يبدو أنها قادمة إلي المنطقة العربية والإسلامية علي حد سواء، وذلك للمزيد من السيطرة الخارجية.

وبالنتيجة، لابد لثورات الربيع العربي إن تخرج من مأسسة أوضاعها بالداخل سريعا، وعدم منحها زمن أخر، بعد تجاوزها لذكراها الأولي، خصوصا وان الحراك الاجتماعي، وعبر التحولات الاجتماعية الإنسانية، التي سجلها التاريخ، نحو الاستقرار، ليس له معدل زمني أ ومعيار ركوني، ولا يمكن التحكم فيه بالقانون أو بالقوة، أو بالردع. الانجاز تحقق ودخل خانة الخلق التاريخي، ولكن محاذيره تكمن في كيفية الحفاظ علي العذابات والدماء والتنازلات التي قُدمت. وإذا دول الإقليم لم تعي ذلك، فأن مقولة "الشتاء الإسلامي"، وإذا وثبت المستقبل فرضيتها، سوف تدفع دول الزلزال العربي، ودول مشابهه أخري، ما لها وما عليها من تضحيات أخري.

المقصد من مطالعة "الربيع العربي" و"الشتاء الإسلامي" : تمر منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمرحلة العبور الديمقراطي والمجتمعي إلي مرحلة المأسسة السياسية والاجتماعية لأوضاع ساكنتها، في اعنف الثورات العربية تُسجل لأول مرة في التاريخ السياسي للمنطقة، وهذا التحول المفاجئ أرعب دولة النظام الأبوي التقليدية، وشكل مشهد متطرف للواقع الذي كان متعارفا علية في سياقات علاقة تلك الدولة الأبوية مع المواطنة، وافرز هذا التغيير ادوار لفئات لم يكن التوقع منها إن تصنعها.

والبانوراما الحديثة التي أسهمت في ذلك اتخذت من الميادين والساحات والشوارع مسرحا لمطالبها ووسيلة إلي صنع التغيير، وفي سياقات عفوية غير مؤدلجة أو معدة مسبقا، والمشهد بعد تحقيقه لم يسلم من تشويه وجهته وهدفيه، من خلال إشعال نيران التطاحن العقائدي، "مسلمين ومسحيين"، "إسلاميين" و"مسلمين"، "علمانيين" و"ليبراليين"، "هويات عرقية وثقافية"، كل ذلك يمكن تقييمهُ ضمن استدراج خارجي لتدويل مرحلة الانتقال والتحول الديمقراطي والمجتمعي في هذه الدول، والوقوف مع من يقدم أجندة خارج الزلزال العربي، وتحويل ربيعه إلي خريف يطول مداه، وعودة الوصايا الدولية والأممية علي مستقبل هذه الثورات.

أو هي مرحلة قادمة يتم الترتيب لها لضرب البنية التحتية " للإسلام في إيران"، وإذا لم يكن الأمر كذلك فان هناك أزمة وعي تزحف مرة أخري من نوافذ الربيع العربي علينا. أو إن الأمر يحتاج إلي إعادة قراءة المتغيرات الإقليمية في المنطقة.

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

إن الحديث عن التسامح في حياة الإنسان عامة وفي حياة المسلمين خاصة ومن الوجهة الدينية بصفة عامة والوجهة الإسلامية بشكل خاص يقتضي ربط التسامح بنقيضه، وهو اللاّتسامح والتعصب وروح الانتقام وسائر الحالات التي تغذي مشاعر الحقد والغل والكراهية والبغضاء والشحناء واختيار طريق العنف بمختلف صوره في مواجهة الآخرين بعيدا عن العفو والصفح والتراحم وعن كل ما من شأنه يجمع ولا يشتت، يقبل الآخر ويحبه ويصغي إليه ولا يقصيه، يتسامى فوق كل ما هو سفيه تافه، ومادامت دلالات وصور وسلوكيات اللاّتسامح منبوذة عقلا وشرعا وواقعا في حياة الفرد والجماعة على الرغم من أن الإنسان مارسها ولازال يمارسها على نحو يشذ عن حاجة الإنسان الدءوبة صوب التسامح باعتباره سبيل ارتياح الإنسانية فرديا واجتماعيا وأمميا، وإمكانية تصنع عالم الأمان والسلام وتُصرف الإنسان إلى الاشتغال برسالته في الحياة وعلى الأرض خلافة وتعميرا وتحضرا.

الرسالة العظيمة أمانة عظمى تحمّلها الإنسان لجهله بمعنى التسامح وبآثار اللاّتسامح، فكثيرا ما يختار مالا يسمح بأداء الرسالة على أكمل وجه، فينزاح عن الفطرة السليمة التي جُبل عليها وعما يوافق السنن الكونية في الطبيعة والإنسان من فكر وسلوك، ويحيد عن الحق باعتباره سبيل النجاة في الدنيا وطريق الخلاص في الآخرة، ومسلك الخير مبني على التواصل والمحبة والحوار والتسامح والتعايش والسلام وسائر القيم العليا السمحة في مقابل القيم الدنيا وأبرزها اللاّتسامح.

إذا كان الحديث عن التسامح يحيلنا بالضرورة إلى التفكير في معاني اللاّتسامح لأن دلالات التسامح تتضمن معاني اللاّتسامح والأشياء كثيرا ما تُعرف بأضدادها، فإنّ موضوع التسامح لا تقوم له قائمة من دون موضوعات أخرى ترتبط به ويرتبط بها ارتباطا سببيا أو غائيا أو منهجيا أو أخلاقيا واجتماعيا.

أبرز هذه الموضوعات التواصل الذي يؤسس للاجتماع البشري ويحققه في مستوى أرقى من كل المستويات التي عرفتها المخلوقات على وجه المعمورة، لما للإنسان من تفرد وتفضيل بالتكريم الإلهي له، فالتواصل سنّة كونية وهبة طبيعة في البشر تتضمن أسباب اندفاع بني الإنسان إلى بعضهم البعض نحو العيش الجماعي والنفور من الفردية وتجنب الاعتزالية باعتبارها شذوذا عن الطبيعة التي تؤكد حيوانية الإنسان في اتجاه الاجتماعية والمدنية، وهي طبيعة وضعت الإنسان في أعلى مراتب سلم ترتيب الكائنات الأرضية في الدرجة والقيمة تأثيرا وتأثرا وفعّالية، فالتواصل يحوي دواعي الارتباط الإنساني في كل مستوياته وفي مختلف أشكاله وصوره، ويزرع حراك التواصل المفعم بالخلود والأبدية بذور التقارب الإنساني في الفكر والسلوك فأنتج وينتج الاجتماع الإنساني بأشكال شتى عرفها التاريخ عبر عصوره الطويلة وإلى الآن، الأسرة والعشيرة والقبيلة والمجتمع المدني والدولة والأمة والمجتمع الإنساني، الاجتماع الإنساني الذي لا يقوم ويستمر ويحقق كل ما يحتاج إليه لضمان هذه القوامة والاستمرارية في غياب التواصل أولا ومن دون التسامح ثانيا، فالتواصل يجمع بني الإنسان ويشد بعضهم إلى بعض بطريق شعوري ولاشعوري يقوم على التجاذب الطبيعي في حدود الطبيعة البشرية التواقة إلى الأفضل والكمال والمفطورة على الخير، الناهدة دوما إلى الأعلى في مقابل الشر وكل ما يعكر صفو حياتها ويحول بينها وبين مراميها، أما التسامح هو المادة الأسمنتية التي تضمن قوة ومنعة واستمرار وديمومة التماسك بين العناصر المكونة للاجتماع البشري أيّا كان تكوينا وبنية وحركة وفعّالية.

لقد منح التكريم الإلهي الإنسان القدرة على الحركة التواصلية، وفي فعاّلية حركة التواصل ونجاعتها ينتج الاجتماع البشري في أرقى الصور التي تعرفها المعمورة، فيحتاج البنيان الاجتماعي إلى التسامح ليقوى ويشتد عوده تأسيسا للحضارة والعمران وضمانا لخلافة الإنسان على الأرض، لكن بلوغ هذا المسعى يشترط تأصيل التواصل وتأسيس التسامح على مسلك الحوار في صورتيه الذاتية والغيرية، بين الأنا وذاته من جهة وبين الأنا والغير من جهة أخرى، الحوار المجسد للفطرة الإلهية والمعبر عن الحقيقة الإنسانية في أرقى صورها، الحوار الذي يتخذ أشكالا عدّة، وأول هذه الأشكال المحاورة الذاتية التي تجري في النفس الإنسانية مجرى الدم في العروق، وتحيي الروح والعقل حياة كل شيء بالماء، إنّها حركة التفكير التي لا تتوقف ولا تنقطع إلاّ في حالات النوم والإغماء ونحوها.

إنّ التفكير بسائر ملكاته ووظائفه حوار، هو أول ما ينطلق من الذات باعتبارها موضوعا مفكرا فيه يثري الحوار والتفكير، وتمثل الذات الإنسانية عالما داخليا ذاتيا غاية في التعقيد والعمق والاتساع، عالم هو مادة خصبة للتفكير والتأمل والحوار مع الأنا في المستوى الأول الذاتي الداخلي، إلى جانب المستوى الحواري الثاني الموضوعي الذي يخص العالم الخارجي ويشتغل فيه التفكير والحوار باستمرار، ومادام الحوار ظاهرة إنسانية طابعها فردي واجتماعي، فهو على المستوى الإنساني الاجتماعي ميادينه شتى تشكل جميع مجالات الاجتماع البشري، وبصفة خاصة مظاهر الثقافة وتجلياتها، الثقافة عامة وثقافة الحياة اليومية والعلم والدين والسياسة والأخلاق والحضارة وغيرها، وصورة الحوار دوما تقوم على إثبات الأنا والاعتراف بالغير وعدم إقصائه والتعاطي معه إصغاء وسماعا، ووصولا إلى التوافق في حده الأدنى أو الأعلى أو عدم التوافق، وتكتمل صورته بالاحترام المتبادل بين الأطراف المتحاورة، فيأخذ الحوار مكانه في شبكة العلاقات الاجتماعية في بنيان الجماعة البشرية المؤسسة على التواصل، في سبيل حمايتها من التفكك من خلال حماية التواصل ذاته واستثمار قيم التسامح ذاته الذي هو جوهر نجاح الحراك التواصلي وسر فلاح الفعل الحواري في أي عصر وفي كل مصر.

أما الصورة السلبية للتواصل والحوار والتسامح تظهر عند اجتماع مضادات الفطرة الإلهية وموانع السنّة الكونية، مضادات وموانع تمنع التواصل وتلغي الحوار بإقصاء الأنا أو الغير أو الأنا والغير معا وتسد كل منافذ التسامح من دون أمل في فك الحصار عنها، في هذه الحال تتغلب الفرقة وتسيطر على الوضع فتشق طريقها في داخل المنظومة الاجتماعية عاطفيا وفكريا واجتماعيا، وتقوى الفرقة ويتسع مجال التشتت باستقواء مشاعر الأنانية والانتقامية وما يصحبهما من مظاهر سلوكية تجنب الإنسانية ما وجدت لأجله، فينحدر الإنسان صوب الأسفل ويفقد كرامته والتكريم الذي خصه الله به وسقط في هاوية البهيمية التي يقودها شرع الغاب وتحكمها مقولة السمك الصغير له الحق في أن يسبح والسمك الكبير له الحق في أن يأكل ولا سبيل إلى النجاة إلا بالعودة إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها فطرة التواصل ومنهجه الحوار المبني على التسامح.

أما الصورة الإيجابية للتواصل في ارتباطه بالحوار والتسامح داخل الاجتماع الإنساني يصنعها الحراك الإرادي من خلال إقصاء كل ما من شأنه يعارض الفطرة الإلهية ويمنع السنّة الكونية من أن تتحقق في حياة الإنسان، فيتجه الحراك الإرادي إلى تجميع كل ما من شأنه يضمن التواصل الذي يستخدم الحوار ويفضل التسامح على غيره وفي كل الأحوال، وذلك من خلال استلهام المعاني والقيم العليا من التاريخ والثقافة بمختلف مظاهرها ومن الواقع المعاش بواسطة إعمال العقل والتدبر في الكون، وهو أمر مطلوب وضروري لتحقيق الدور الرسالي الخلافي المنوط بالإنسان وبوجوده الفردي والاجتماعي، هو ما أكدت عليه وتدعو له الاتجاهات الفكرية والدينية والاجتماعية وغيرها صاحبة الذوق الرفيع والوجدان الطيب والمنطق السليم.

فالاستلهام التاريخي لدلالات ومعاني دعم التواصل وتكريس الحوار وتعزيز التسامح يحيلنا بطريقة مباشرة وغير مباشرة وفي مصادر شتى إلى التتالي الحضاري والتعاقب الثقافي وإلى تلك التراكمية الحضارية الثقافية الإنسانية المفعمة بمواد ومحتويات حضارية وثقافية شتى ذات ألوان زاهية لم تحد عن الفطرة ولم تبغ غير سنّة الدور الرسالي الإنساني الممجد، والأمر ذاته مع الاستلهام العقلي الذي استقى هو الآخر من خلال التواصل مع ذاته ومع محيطه كل ما تحتاج إليه ظاهرة التواصلية من شروط ومن دون أن يعود إلى الاستعانة بغيره، فاجتهد من خلال المحاولة والخطأ وشيّد عوالم إنسانية بلغت من السمو والرفعة درجة كبيرة وبلغ أصحابها من السؤدد درجة أكبر، والأمر أكبر وأوسع وأعمق مع الاستلهام الثقافي والثقافة لسان حال الحضارة تشملها وتعبر عنها، فمن خلال الدين والعلم والفلسفة والسياسة والأخلاق والعرف والتقنية وغيرها كل هذا شكل منابع وقدم مسارات وقاد الإنسانية والعقل وسائر مقومات التثقيف والتحضر وجميع قيم الإنسان العليا نحو تجسيد مهام الخلافة وتأكيد أداء الرسالة، ويتأكد باستمرار الاستلهام التاريخي واستلهام العقل واستلهام الحضارة والثقافة بسائر مظاهرها باستلهام الواقع كل من جهته في عصره وفي مصره، إذ لم يعد خفيا على أحد في واقعنا المعاش في كافة الأصعدة أن من الناس يعيش البؤس واليأس والقنوط ومنهم يعيش الرفاهية والأمل والسعادة.

ففي الحالة الأولى يجافي الإنسان الفطرة ويجحد النعمة ويُدبر عن كل جدّ واجتهاد، متهاو في حضيض الأنانية ونكران الغير، مشبع بروح الانتقام والتعصب والضعف والانهزامية وانكسار الإرادة وعدم الثقة في النفس، مشغول بالانقضاض على ما ينتجه الآخر قيّما وأفكارا وأشياء للاستهلاك ومن دون أدنى حركة في سبيل تحكيم الفطرة والتسلح بقوّة العزيمة لخوض معركة الحضارة والتأسيس للخلافة وأداء الرسالة. أما في الحالة الثانية فالإنسان مُدبر عن كل ما يسيء إلى السنن الكونية ومقبل تماما على كل ما من شأنه يضمن قوّة الحراك التواصلي وقوّة الحوّار وقوّة التسامح ومن وراء ذلك قوّة الإرادة ودماثة خلق حب العمل وبذل الوسع في ذلك بروح عالية شامخة في قبول الآخر والتعاون معه، إذ أن الجميع يستفيد من الجميع والكل يحترم الكل، والجميع مشغول بالأنا استقامة وعملا واجتهادا وبالغير احتراما وتعاونا وبالمجتمع استنهاضا وتطويرا وازدهارا وبالحضارة إنتاجا وعطاء وبالتاريخ استلهاما للقيم والعبر.

لقد تأكد للإنسان عبر التاريخ وبالعقل والشرع والواقع أنّ القوامة الحضارية تقوم على استقامة الفعل الإنساني الفردي والاجتماعي، والاستقامة في الفعل الحضاري تعني كلما تحلّى الفعل في حراكه الذهني أو المادي وهما معا بمعان وقيم هي محل إجماع العقول والشرائع والاتجاهات الدينية والفلسفية والاجتماعية والثقافية وغيرها في خيريتها وإيجابيتها وفي أفضليتها وأولويتها على غيرها، وقد لا تُقبل عليها بعض الاتجاهات في السر والعلن فكرا وسلوكا لكنها عاجزة عن رفضها صراحة ومقالا لأن في ذلك مجلبة لعدائها وخطر عليها، فالتواصل بين الناس بمختلف صوّره وأساليبه فطرة فطر الله الناس عليها، وسنّة كونية لا تنمحي ولا تتحول ولا تتبدل، وضرورة تاريخية لا يتوقف حراكها ولا تتقطع مساراتها، وحتمية إنسانية اجتماعية تحرك الناس نحو بناء الجماعة ونحو السعي إلى المحافظة على أواصر الترابط والتماسك والوحدة فتعددت أشكال الجماعة وتعددت مطالبها، وضرورة حضارية، فما كان للإنسان أن يصنع المدنية والتحضر وسائر منتجات الحضارة وتتناقلها الأجيال من عصر إلى آخر لولا التواصل، وأصل التحضر تواصل الإنسان بخالقه الذي علّمه ما لم يكن يعلم وتواصله مع أخيه الإنسان بعد ذلك.

إن معاني التواصل وإفرازاته لا تقوم لها قائمة في غياب دلالات الحوار ونتائجه، باعتبار الحوار الأسلوب الوحيد الذي يضمن تبادل الفكر والسلوك والمواقف والاتجاهات بين بني البشر، والواقي من منطق الإقصاء والأحادية والتسلط والهيمنة المستبدة بصاحبها وبمن معه، والكاشف لقيّم التواصل ولكل ما يضر أو ينفع نظرا وعملا من أراء وفهوم شتى لا الرأي الواحد، والمفضي إلى سداد الرأي ورشاده الذي لا يخرج عنه إلا صاحب زيغ وظلال، ويكون الحوار إيجابيا كلما تمثل حقّا وفعلا روح التسامح في رقتها ولينها ولطفها وعفوها وإشفاقها وفي سائر محامدها، وكثيرا ما يفشل التواصل في غياب الحوار الإيجابي، وكثيرا ما يفشل الحوار في غياب التسامح، وفي كثير من الحالات لا يجد التسامح مرتعا له في عالم اللاّتواصل واللاّحوار واللاّتسامح.

كثيرا ما يُقال أن الطبيعة تأبى الفراغ وتنفر من العنف والعدوان، فهي تتجه نحو الحركة بدأب وديدان، وتنكشف مخزوناتها وتتعرى طاقاتها وتنفجر في حدود الإرادة الإنسانية وما تبذله من جهد واجتهاد بإيمان قوّي بقدرة الإنسان على التغيير وعلى خوض معارك البناء الحضاري من دون يأس وخيبة أمل، هو العلا الأعلى كما يسميه البعض، لكن حسم المعركة لصالح الإنسان لا يتم إلا بالتواصل والحوار المبني على التسامح، فالمعركة محسومة لغير العلا الأعلى في جو الفرقة والشقاق والتشتت، وفي سيطرة منطق الإقصاء والعنجهية والأنانية وواحدية الرأي، وفي السقوط الحر في بحر أمواجه طوفانية تدفع باتجاه الكراهية والبغضاء والضغينة، فيقتحم الإنسان عالم اللاّتسامح والعنف الذي تتعدد أشكاله، وكثيرا ما ينتهي العنف بالتناحر والاقتتال، فلا تقوم للتعايش قائمة قي غياب الأمن والسلام.

ورد في الأثر الطيب أنّ أحد الحكماء عُرف عنه كثرة العلم، وغزارة الفطنة، والصدق في القول والعمل، يحاور ويهزم، لم ينكسر قط فيما ناظر وحاجّ، فتعجب أهل العلم والحجاج لذلك، ورأوا في الأمر سرّا، وذات يوم سأله أحد تلاميذه عما يفعله قبيل الشروع في المناظرة، فأجابه قائلا: ما ناظرت أحدا قط في حياتي إلاّ سألت الله بيني وبينه أن يّظهر الحق على لسانه هو وليس على لساني أنا. فالتواصل في هذا المشهد عرف الحوار في قمة التسامح. فأين نحن من هذا؟.

* أستاذ بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية - جامعة حسيبة بن بوعلي- الشلف- الجزائر.

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي اصحابها

بدأ الحراك السياسي في موريتانيا منذ ما قبل الربيع العربي أي بعد الانتخابات الرئاسية في 18 يوليو 2009م ، تلك الانتخابات التي جاءت بالرئيس محمد ولد عبد العزيز، الذي كان قاد انقلابا في السادس من أغسطس 2008. على الرئيس المنتخب سيدي ولد الشيخ عبد الله.

لكن ما ميز هذا الحراك السياسي هو ضعف الزخم الشعبي، حيث كان الشعب لا يزال يأمل في وعود الرئيس المنتخب حديثا حتى ولو كان انقلابيا سابقا، فقد كًفَّرَ اتفاق داكار بين المعارضة والرئيس ولد عبد العزيز جريرة الانقلاب تلك.

هذا الأمل هو ما يفسر تلك الهوة التي لا تزال بين الحراك السياسي النشط وبين الفعل الجماهيري، فموريتانيا تشهد معارضة نشطة وحراكا سياسيا سجالا غير أن ذلك لا يصاحبه فعل جماهيري بمستواه. ويعود السبب في ذلك إلى نخبوية الفعل الحزبي السياسي وعدم وجود قواعد شعبية تستجيب للحشد والتعبئة بسلاسة، هذا إذا استثنيا قلة من الأحزاب وعلى تفاوت في ذلك ومنها حزب تواصل ذي المرجعية الإسلامية، الذي أبان عن قدرة على الحشد وقدرة على استخدام أدوات سياسية مؤثرة ومتنوعة منها الساحات الطلابية والعمالية والنقابات المختلفة ومنظمات المجتمع المدني والمنابر الإعلامية...الخ ولعل هذه الفاعلية هي التي جعلت المعارضة تحرص على ضمه إلى منسقيتها بعد أن انفصل عنها عمليا في مسعى منه لاتخاذ خط ثالث سوى الموالاة والمعارضة، وهو ما لم يستطع النجاح فيه طويلا ليجد نفسه مرغما على الاصطفاف مع المعارضة مدفوعا بتباشير الربيع العربي الذي كان مغاربيا بامتياز.

وحتى نقترب أكثر من حقيقة هذا التيار الإسلامي سوف نذكر باختصار أهم المراحل التي مر بها، في مرحلة ما بعد انقلاب 13 أغسطس 2005م الذي أطاح بالرئيس معاوية ولد سيد أحمد الطايع.

تعتبر مرحلة ما بعد الرئيس السابق معاوية ولد سيد أحمد الطايع مرحلة فريدة بالنسبة التيار الإسلامي الموريتاني فقد خبر فيها كل التجارب السياسية والمواقف التي تتيح له تقييم تجربته السياسية، ويمكن إجمالا تحديد ثلاث مراحل مر بها الإسلاميون الموريتانيون وخبروا من خلالها النظام السياسي والساحة السياسية.

أولا:- مرحلة التحمس للتجربة السياسية الجديدة وتبدأ هذه المرحلة مباشرة بعد الانقلاب على معاوية ولد الطايع وتستمر حتى قبول الحزب الإسلامي. وقد تميزت هذه المرحلة ببروز الإسلاميين كلاعب سياسي له وزنه، فقد أكسبهم الصراع مع الحكم السابق شرعية سياسية وشعبية كبيرة خاصة وأن النظام قد جعلهم هدفه الأول في حربه على المعارضة، ومن خلال هذا الزخم حاول الإسلاميين أن يدخلوا اللعبة من بابها الواسع فتقدموا بطلب ترخيص لحزبهم السياسي، غير أن قادة المرحلة الانتقالية كان لهم رأي آخر، حيث رفض الترخيص لهم، لكن لم تشن عليهم حملة سياسية، بل ظل النظام يقدر لهم وزنهم و يتردد في موضوع ترخيص الحزب حتى جاء الاستحقاق الانتخابي، واصطف الإسلاميون إلى جانب المعارضة ودعموا المرشح صالح ولد حننه, قائد المحاولة الانقلابية الفاشلة على معاوية ولد الطايع. ثم في الدور الثاني دعموا مرشح المعارضة، ليفوز الرئيس المدعوم من الجيش والمجلس العسكري، سيدي ولد الشيخ عبد الله.

حاول الإسلاميون في هذه المرحلة المحافظة على توازنهم وانسجامهم مع الخط العام للمعارضة، رغم التصريحات السلبية التي مافتئ أقطاب النظام يطلقونها تجاههم، لكنهم قبلوا الوضع السياسي - رغم ما شابه من انحياز واضح من المجلس العسكري لمرشح بعينه واستخدامه كل الوسائل في سبيل ذلك- وفضلوا الوقوف ضمن سواد المعارضة. التي كانوا جريئين على مناوئتها أكثر من جرأتهم على النظام. لقد حاول الإسلاميون تعزيز رصيدهم الشعبي منتهزين أجواء الحرية وعدم التضييق التي يرى البعض أنها تأتي في إطار صفقة غير معلنة يظهر بموجبها النظام أمام الغرب خاصة بالحزم تجاه التيار الإسلامي السياسي، في المقابل يطلق للإسلاميين العنان للاتصال المفتوح مع قواعدهم الشعبية تحضيرا للمراحل الانتخابية القادمة.

ثانيا:- مرحلة اكتساب الشرعية كانت، أول خطوة بدأ بها نظام سيدي ولد الشيخ عبد الله المنتحب حديثا هي ترخيص حزب الإسلاميين، ليبدؤا مشوار الشرعية التي اختبروها لأول مرة ، وقد بدأت التحضيرات للانتخابات البرلمانية والبلدية وكانت هي أول استحقاق يخوضه الإسلاميون بحزبهم الجديد، لقد أراد النظام من هذه الخطوة كسب الإسلاميين إلى جانبه وشق صف المعارضة القوية بهم. وهو ما تم له بالفعل. وقد أظهرت الانتخابات حضورا جيدا للإسلاميين حيث أصبحوا هم القوة الثالثة تقريبا بعد الحزب الحاكم وحزب اتحاد قوى المعارضة، لقد رأى الإسلاميون في النظام الجديد معطى مختلف يمكن من خلاله تجربة (الموالاة) والدخول في السلطة، كما أن النظام رأى في الإسلاميين حليفا قويا يعينه على المعارضة وعلى رموز الحكم السابق وربما الجيش، وهكذا يقبل الإسلاميون الدخول في الحكومة بحقيبتين. لكن هذه المرحلة لم تعمر طويلا حيث دب الخلاف الحاد بين الرئيس و المؤسسة العسكرية لينتهي المطاف بالإطاحة به، في أغسطس 2008م على يد الجنرال محمد ولد عبد العزيز.

ثالثا:- مرحلة المعارضة (الناصحة) بعد الانقلاب على الرئيس المنتخب بدأت مفاوضات بين المعارضة والانقلابيين (المجلس العسكري) من اجل استئناف العملية الديموقراطية و تسيير المرحلة الانتقالية وبعد مفاوضات طويلة ومريرة بالعاصمة السنغالية داكار أتُّفِقَ على إجراء انتخابات رئاسية. ويلاحظ المراقبون أن سلوك الإسلاميين في هذه المرحلة الانتقالية إبان اشتداد الأزمة مع الجنرال محمد ولد عبد العزيز الذي انتزع السلطة من الرئيس المنتخب لم يكن حاد كعادة معارضتهم للأنظمة السابقة بل إن أطيافا من المعارضة أخرى كانت متقدمة عليهم أشواطا في ذلك ويفسر البعض ذلك بقناعتهم أن ولد عبد العزيز لم يقم بالانقلاب إلا ليحكم، وأنه لن يترك السلطة لذلك يجب رسم سياسة بعيدة الأمد معه. وهو ما تم بالفعل فبعد تنفيذ اتفاق داكار ونجاح ولد عبد العزيز في الرئاسة، تحول الإسلاميون إلى ما أسموه "المعارضة الناصحة" وظلت العلاقات جيدة مع النظام وهو يرسل لهم رسائل طمأنة لم تصل حد المشاركة في حكوماته لكنها كانت واضحة للمراقبين.رغم تردي علاقته مع بقية أطياف المعارضة وتصعيدها ضده.

رابعا:- مرحلة الصدام، لم يستمر خريف الرئيس عزيز والإسلاميين طويلا إذ سرعان ما ساءت الأوضاع الاقتصادية واستشرى الفساد وانفرد النظام بالقرارات المصيرية وهمش المعارضة، التي حزمت أمرها منذ البداية وأعلنت مشروعها لإسقاطه، لكن المعارضة ظلت مفككة وغير قادرة على إحداث نقلة نوعية في المواجهة مع النظام ، إلى أن قرر الإسلاميون نفض أيديهم من النظام والوقوف مع المعارضة، وقد جاء ذلك في شكل تصعيد غير مسبوق من المعارضة يتزعمه الإسلاميون الذين استخدموا كل وسائلهم السياسية بدءا من الإعلام وانتهاء بهيئات العمل المدني وقد أعطوا المعارضة زخما قويا لتبدأ الصدامات مع النظام الذي أدار الصراع بحرفية عالية حيث لم ينجر إلى الاعتقالات والتنكيل التي تجعل الفعل الجماهيري متحفزا، بل ترك لهم حرية العمل السلمي بكل أنواعه قكان يرخص كل أنشطة المعارضة، وقد شكل الإسلاميون بفضل تنظيمهم وقدرتهم على الحشد مقارنة ببقية أطياف المعارضة رأس الحربة وكانت تباشير الربيع المغاربي الإسلامية تغريهم ربما برفع سقف مطالبهم، حتى قبل التأكد من جاهزيتهم الجماهيرية لذلك.

ويمكن إجمالا إرجاع عدم قدرة الإسلاميين على استغلال جو الربيع العربي وتحويله إلى فعل جماهيري تغييري في موريتانيا إلى العوامل التالية:
- هامش الحرية الذي يتيحه النظام مما يحول دون تشكل ضغط واحتقان يسبب ردة فعل جماهيرية يمكن استغلالها.
- عدم وجود احتقان سياسيي بمعناه السلبي حيث النظام السياسي وان كان لا يتعامل مع المعارضة إلا أنها تقوم بدورها بكل حرية، وهو ما يفوت فرصة الانسداد السياسي المولدة للفعل الجماهيري المؤثر.
- تخوف المعارضة غير الإسلامية من هيمنة الإسلاميين على المشهد السياسي في حالة تغير النظام خاصة في ظل المد الإسلامي المغاربي. لذا نجد أن المعارضة غير الإسلامية وان كانت تعلن سعيها للإطاحة بالنظام وعملها الجاد في ذلك إلا أنها عمليا لا تقبل زعامة الإسلاميين لأي فعل جماهيري يقود إلى تغيير النظام.
- عدم قدرة الإسلاميين على الحشد المؤثر الذي يؤدي إلى تغيير النظام، وذلك لافتقادهم قاعدة جماهيرية قادرة على التغيير، فبالرغم من خطابهم الإسلامي المتميز، و قوتهم التنظيمية ، إلا أن الشعب ونتيجة لطبيعته المتدينة لا يجد إغراء يستحق المجازفة، في خطاب الإسلاميين ، كما أن الإسلاميين لم يستطيعوا تطوير خطاب سياسي متميز مقنع لا يستند إلى تلك الخلفية الدينية التي وإن أغرت في مجتمعات متعطشة لها قد لا تكون بنفس الإغراء في مجتمع كالمجتمع الموريتاني المتدين بفطرته تدينا لم ينغصه أي حكم سياسي منذ استقلال البلاد وحتى الآن، وهو ما يفوت فرصة التحام خطاب إسلاميي موريتانيا بتعطش جماهيري يحدث التغيير المطلوب ويخرج نسخة موريتانيا من الربيع العربي إلى حيز الوجود.

باحث من موريتنانيا.

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 

من المخاطر التي تتربّص بالثورات افتقارها، في كثير من الأحيان، إلى الوعي العميق الذي يحتضن أسئلتها المصيرية: لماذا اندلعت؟ وضمن أي خطّ تسير؟ وأي مسار تسلك؟ ذلك أن المنعطفات الكبرى للشعوب تختزل الزمن، ولكن تلك المنعطفات توشك أن تعود بالناس القهقرى أيضا، حين تنحسر النباهة بين مفجّري الثورة، وحين يعشّش وباء الاستحمار في ثنايا الوعي الجمعي، فيغدو مدمّرا.

وليس المسار الذي تسير فيه ثورة تونس في مأمن من تلك المخاطر، ولعل أبرز تجلياته ما يعيشه كثيرون من حال شبيهة بحال الغفلة، التي ينعدم فيها التمييز أحيانا. نسمع لها صدى في مقارنات ساذجة شائعة، بين الحكم الديمقراطي الراهن وحكم الطغيان الآفل، وهو قياس لا يصحّ إلا في عقل سقيم، لأن الحق أحقّ أن يُتّبع، ونظام الطاغية كان باطلا فحقّ أن يكون زهوقا.

فضلا عن ذلك، يترافق ذلك الخلط بمطلبية مجحفة إلى درجة مدمّرة، مبثوثة في جلّ القطاعات الاجتماعية الناشطة والعاطلة، تستند إلى مفهوم خرافي عن قدرات الدولة. والواقع أن الدولة هي قوى الجميع المتضافرة، وليست ذلك الكيان الأسطوري المفارق والخارق، القادر على اجتراح المعجزات. لذلك الأجدى بمن كانوا فاتري الهمّة سابقا أن لا يزأروا كثيرا حاضرا، وحري بالغوغائيين الذين استيقظت فيهم الفحولة بغتة أن لا يغالوا في عتوّهم، لأن الحرّ لا يستعيد كرامته على حساب ثورته.

وثالثة الأثافي في ذلك الوعي المغترب، وهي محنة التدابر المزمنة بين قوى اليسار والقوى الإسلامية في الواقع التونسي. فإن يكن معسكر الإسلاميين قد خاض مراجعات عميقة في مستوى التعاطي مع الآخر، العلماني والقومي واليساري والليبرالي، فإن اليسار التونسي، في الغالب الأعم منه، ما فتئ قابعا في قبو السبعينيات والثمانينيات، زمن التطاحن الإيديولوجي الذي عاشته البلاد، ولا يزال يهوى الصعلكة السياسية المنفلتة. ولذلك ليس اليسارُ التونسيُ اليسارَ اللبناني، الذي عرف كيف يتعايش ويتحالف مع المقاومة الإسلامية، وبالمثل، ليس لليسار التونسي شبهٌ مع اليسار الإيطالي، الذي ترك العقائدية المميتة جانبا، بفضل زعيمه التاريخي بالميرو طولياتي، وانكبّ على مشروع اجتماعي ديمقراطي، رفقة حزب الديمقراطية المسيحية، ليبني إيطاليا عقب اندحار الفاشية.

ذلك أن الوضع المستنفَر في تونس، الذي ما إن يخمد حتى يلتهب ثانية، تؤججه ثلاث شرائح، تفتقر إلى الوعي العميق، وتتميز بالسطحية والتذبذب: وهي طائفة الساسة المتنطّعين، وطائفة المثقّفين العائمين، وطائفة المتديّنين العُصابيين.

في المستوى الأول، ثمة وعي متسافل وساذج لا يفقه أهله أبجديات السياسة محليا، فما بالك إن جرّتهم الدواعي إلى معترك الساحة العالمية، وسأضرب مثلا في الشأن: منذ أسابيع قليلة بلغ جامعة لاسابيينسا في روما "نداء للدفاع عن القيم الجامعية في تونس"، باعتبار الجامعة المذكورة أكبر جامعة أوروبية، لما تضمّه من حشود غفيرة من الدارسين تفوق المئة وأربعين ألف طالب. هذه الدعوة للاستجداء السياسي قدِمت من بلد الثورة تونس، بغرض طلب النصرة من أكاديمي الغرب ضد الحكومة القائمة، وضد السلفيين، وضد الرجعيين، على حد قولها... والحال يُفترض في الثورات أن تتدبّر أمرها وأن تستعفف عن غيرها، وإلا لما حقّ أن تنعت بالثورة بل بالهبّة والفزعة. ومجمل القول أن النداء استهدف أصحابه تقويض ما بُني خلال العام ونصف العام من عمر الثورة، متعلّلين بالمخاطر المحدقة بالمسار الديمقراطي. لم يعر الأكاديميون الإيطاليون النداءَ أهمية تذكر، كان صوتا صارخا في البريّة. وأقدّر أن الوعي السياسي غاب عن أصحاب النداء، من أكاديميين وعمداء ومثقفين وفنانين، وهم يزعمون أنهم نخبة الثورة وصفوتها.

ذلك أن الغرب منكبّ على محنه وعلله وغير آبه بالآخرين، ما لم يتهدّد نهبه وأمنه. وددتُ أن أوعز إلى أهلي وأبناء جلدتي في الضفة الأخرى، أن الغرب الذي يستصرخون ما عاد غرب الستينيات والسبعينيات، الذي يسوق العالم بعصاه، أو ذلك الخزّان للقيم الإنسانية، الذي ما انفك كثيرون في بلاد العُرْب يتوهّمون أنه لا ينضب، فقد جرت في النهر مياه كثيرة. والعاقل من يتعلم الحوار داخل بيته ويستنبت الديمقراطية داخل حقله، وأما توسّل العون من الخارج، فهو كتوسّل الأجداث، يستغيث صاحبه ولا يُغاث.

وفي ما له صلة بالطائفة الثانية، شهدنا في تونس ما بعد الثورة زحفا كاسحا من أشباه القانونيين والمثقفين والفنانين، على الصفوف الأمامية، فالسيل قد جرف معه العجر والبجر؛ وبالمقابل شهدنا تعففا من قبل كثير من الصادقين والعارفين، حتى خُيل للأشباه أنهم سادة المرحلة، والحقيقة أنهم مرائيون نكرات. ذلك أن كثيرا من أكاديمي تونس ممن تدرجوا في مدارج الأستَذَة والعمادة، خلال العشريات السوداء، أو باتوا من كبار الشعراء والكتاب، ذهب في ظنهم أنهم غدوا سلطة معرفية في البلاد، في حين يعود الفضل في علو كعبهم إلى سيء الذكر، زين العابدين بن علي، الذي رضي عنهم ورضوا عنه.

عطفا على ذلك، حين كنت طالبا في جامعة الزيتونة، التي ضربها الطوفان في العهد الغابر، وبقدرة قادر كنتُ من الناجين، كان أستاذنا التجمّعي في مادة علم الاجتماع الديني، الذي شاءت الأقدار أن يُصعّد في مراتب التدرج الأكاديمي إلى عمادة الزيتونة، يقرأ الآية الإنجيلية: "لا يعيش الإنسان بالخبز وحده بل بكلمة من فم الرب"، قائلا: "لا يعيش الإنسان بالحبر وحده..."، ثم يتدارك مصححا: "لا يعيش الإنسان بالخبر وحده...". كنا طلابا في مستهلّ التحصيل العلمي، وكنا نستغرب تدني إلمامه بالديانات والمذاهب، رغم زعمه أنه من كبار المختصين في المسيحية، وأنه من خريجي السربون.

وفي مساق الحديث بشأن الطائفة الثالثة، لا غرو أن التديّن الجديد في تونس قد نبتَ جلّه إبان السنين العجاف، التي عمّ فيها القحط المعرفي والديني، لذلك تجده متخَما بالخرافة والكرامة والغضب والسخط، ويعوزه المنطق والتعقل والعلم، وهو في الحقيقة ليس تديّنا حقا، بل أعراض صنوف العُصاب والاغتراب. وبالتالي، هو تدين غير راشد، الأحرى بأنصاره وأتباعه أن يتدبروا في كتاب الله بكرة وأصيلا. وقد سمعت من يلتمس العون من الزيتونة، جامعا وجامعة، على ترشيده، والحقية أن تلك المؤسسة الدينية الحزينة وما لحقها من خراب، لن يقوم لها مجدٌ بين عشية وضحاها.

في ألمانيا ما بعد النازية تم تجريم الطغمة النازية، وفي إيطاليا ما بعد الفاشية تم تجريم الطغمة الفاشية، وتحميلهما ما لحق البلدين من فساد ودمار، وفي تونس لن تستقيم الأمور إلا بتجريم التجمّع والتجمّعيين، حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود.
--------------

د. عزالدين عناية - أستاذ بجامعة روما لاسابيينسا

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

 


خلال العشريتين الأخيرتين شكّلت مواضيع الدين والتديّن ومؤسّسة الكنيسة، أبرز العناوين في جدول اهتمامات الباحثين الاجتماعيين في إيطاليا. وقد حاز الإسلام نصيباً معتبراً من تأمّلات العاملين في ذلك المجال. كان موسم "ما بعد العلمنة"، كما سماه جوزي كازانوفا، حافلا بالاهتمام بالدين. برزت أثناءه طائفة من علماء الاجتماع الديني في إيطاليا، مثل: غوستافو غويزاردي، وماسيمو إنتروفينيي، وإنزو باتشي، وسابينو أكوافيفا، وفرانكو غاريلّي، وستيفانو ألِيافي، ورنزو غولو، وجيوفاني فيلورامو وآخرين. ثلّة من هؤلاء أوْلت الإسلام اهتماما خاصا، من بينهم ستيفانو أليافي، ورنزو غولو، وإنزو باتشي، وباولو برانكا. توزعت الأدوار وتكاملت، متمحورة حول ثلاثة مشاغل:

- دراسة الإسلام كظاهرة اجتماعية دينية من حيث النشأة والاشتغال، وصولا إلى معالجة الدين باعتباره مؤسسة مركّبة، ذات أوجه روحية وثقافية وسياسية ورمزية.
- رصْد تفاعلات الإسلام المهاجر ومتابعة مساره الاندماجي في مجتمع علماني، يحتكر فيه لونٌ دينيٌ -الكنيسة الكاثوليكية- اقتصاد المقدّس، أو بتعبير الأمريكي رودناي ستارك، تخضع فيه السوق الدينية للمونوبول.
- مدى ما يشكّله الإسلام الداخلي - المقيم في الغرب -، والخارجي - الماكث في العالم الإسلامي -، من تحدّ للأنموذج الغربي، وهل بمقدور ذلك الإسلام أن يسلك طريقا، لا يفضي بالضرورة إلى التصادم؟
يتساءل إنزو باتشي في مستهلّ كتابه "علم اجتماع الإسلام" عن إمكانية تناول الإسلام ضمن مقاربة سوسيولوجية؟ إذ دأبت التفسيرات التيولوجية على تقديم تفسير عمودي ذي طابع ميتافيزيقي، في حين ما ترنو إليه المقاربة السوسيولوجية وهو عرض تفسير أفقي، ينبع من المجتمع ويتطلّع إلى عقلنة ظواهر الدين. فالإسلام قابل للدراسة وفق الأبعاد الخمسة للتديّن التي حدّدها الأميركي شارل يونغ غلوك، والمتمثلة في التجربة، والممارسة، والانتماء، والاعتقاد، والمعرفة، بما سيساهم في بلوغ نتائج اجتماعية.

يباشر باتشي تفهّمه للظاهرة الإسلامية سوسيولوجيا، رغم إقراره بقلّة العتاد، وذلك بالتطرّق إلى شخص النبي ضمْن إطار الكاريزما الفيبري، حيث يجد الإسلامُ البدئيُ، في خطاب القائد الملهم، مبدأَ وجوده ومشروعيته. لتتحول تلك المهابة الروحية، مع النزول بيثرب، إلى قيادة سياسية، يتلخص مشروعها في: صياغة أخلاق كونية تنافي الحصر العرقي، والتطلع إلى تشييد مدينة تتأسس على شرع الله، وإرساء أخلاق عسكرية، وصياغة مفهوم أمة وسط في ممارسة السلطة. غير أن مفهوم الكاريزما ذاك يعتوره الانخرام برحيل الملهم وحصول الفتنة.

في تحليل باتشي للبعد المؤسّساتي للاعتقاد في الإسلام، يصنّف الإسلام في عداد الأديان اللائكية، لتأسّسه على استبطان الإيمان، وعلى مسؤولية الفرد المباشرة أمام الله. فضلا عن اتسام البعد التنظيمي فيه بغياب "الكنيسة"، لذلك في المنظور الغربي هو دين لائكي بطبعه، لافتقاده إلى إكليروس موكل بشأن المقدّس.

في كتابه "علم اجتماع الأديان"، تحدّث ماكس فيبر عن دواعي تطور نمط رأسمالي في فضاءات بروتستانتية دون غيرها، وبرّر غياب ذلك في العالم الإسلامي بموجب أن الأخلاق الاقتصادية كانت مصادَرة ومستحوَذاً عليها من قبل أصحاب السيف. يعتبر باتشي أن معلومات فيبر بشأن الإسلام شحيحة، لتواجد أخلاق اقتصادية واضحة المعالم.

المحور الثاني الذي شغل سوسيولوجيا الدين في إيطاليا، وهو الإسلام المهاجر ومساره الاندماجي في عاصمة الكاثوليكية العالمية. غدا ذلك الإسلامُ واقعةً في متناول الباحث، فما عاد من يدين به قصيّا أو ثاويا في المتون، بل مجاورا في السكنى، ومرئيا في الشارع، مع تميزه بتنام حثيث (بلغ عدد المسلمين في إيطاليا منذ عامين 1.583.000 نسمة، ويحمل مئة وعشرون ألفا منهم جنسية البلد، مع أن عمر الهجرة لا يتعدى ثلاثة عقود)، حتى ان نعت ذلك الدين بالإسلام الإيطالي بات الأقرب إلى الواقع من نعته بالإسلام في إيطاليا، على حدّ تقدير ستيفانو ألِيافي في مؤلفه "الإسلام الإيطالي: رحلة في وقائع الديانة الثانية".

وفي المخيال الشعبي الإيطالي لا فرق بين التونسي والمصري، أو بين الليبي والشامي، فكلّهم "مَرُّوكِينُو"، أي مغاربة، وفق التوصيف الجامع، إنهم امتداد لرُعبٍ قديم ثاو في اللاوعي مثَّله السَّراسِنة وخلّده القول الشائع: "Mamma li turchi!" "أمّاه حلّ الأتراك". لذلك "هم عموما أناس لا يؤتمن لهم جانب.. فمسلمو اليوم هم من سلالة الأمس الشِّداد" (ألِيافي، ص: 68).

بات المهاجر أمرا واقعا في العديد من البلدان الأوروبية، وثمة من يرى أن المسلمين يمكنهم الاندماج في القارة العتيقة، على خلاف من يذهب إلى أنهم لا يتلاءمون مع تعاليم دولة القانون، تحت ذرائع ثقافية ولا سيما دينية، لأن خلفيتهم تستند إلى تشريع يسمو فوق القوانين. طُرحت العديد من الحلول بغرض ترويض مسلمي الغرب، امتدت من الدمج القسري إلى الاندماج الطوعي، وقد كانت حصيلة مجمل التجارب غير مقنعة.

وفي إيطاليا نقدّر أن الإشكال لا يعود إلى تصلّب سياسات المجتمع الحاضن ولا إلى تمنّع المهاجر، بل إلى عُسر تدامج بُنْيتين ليستا في مستوى النضج نفسه، فكان من الطبيعي أن يجد المهاجر رهقا في بلوغ وفاق مع المجتمع. سيلعب عامل الوقت دورا حاسما في تيسير التمازج، رغم ما يصطنعه الإعلام من توتر، تغذّيه توجسات أمنية. كما سيساهم عامل التحول في تقليص احتكار الكنيسة للفضاء في دولة علمانية ديمقراطية، بما يشبه تسلّط الأخ الأكبر، بادعائه حيازة أحقية السهر على شؤون البيت وتدبير أمره في حضور رب العائلة.

كثيرا ما يتردد أن الإسلام هو الدين الثاني في إيطاليا، ولكن ذلك مضلّل أحيانا، إن لم يقع التنبه إلى مقوّمات القوة، مثل الاعتراف القانوني من عدمه (لا يزال الاعتراف الرسمي بالدين الإسلامي معلّقا). والصواب أن ما ينبغي أن يفتّش عنه المسلم، هو الاعتراف به كنِدٍّ وشريكٍ مُواطني وليس ككائن ديني، لأنه كلّما أوغل في التميّز بهويته عمّق رفض الحاضنة الاجتماعية له، فتطوير الإسلام الديناميكي هو ما سيساهم في خلق الاندماج الفاعل، وليس التعلق بسراب الهوية في المأكل والملبس، بما قد يحوّل الدين إلى فولكلور أنثروبولوجي.

لقد تحوّل موضوع الديمقراطية في العالم الإسلامي إلى شغل شاغل لدى العديد من الدارسين، في أعقاب أحداث الحادي عشر من أيلول. ونعرف أن الديمقراطية من معانيها المساواة في الحقوق والواجبات، ولكن بلوغ ذلك في مجتمعات بنيتها الاجتماعية محكومة بالتمايز، هل يبرر العمل بديمقراطية منقوصة في انتظار حصول الاكتمال؟ فالديمقراطية تبدو السبيل لتنفيس الاحتقان الإسلامي، ولتفعيل ذلك كانت التنظيرات متنوعة من التصدير إلى التطوير إلى إلزام العالم الإسلامي بها. في مؤلّفه "هل الإسلام متّسقٌ مع الديمقراطية؟" يلفت رنزو غولو إلى أن الغرب كان مدرَكاً غالبا كمرض للإسلام، ليختتم طروحاته حول الديمقراطية بفصل بعنوان: "الديمقراطية والإسلام: هل التعايش ممكن؟" خالصا إلى أنه بإمكان الغرب أن يساهم في إنتاج تلك الديمقراطية وتطويرها، لكن يبقى دور المسلمين حاسما في دمج الفكرة ضمن نسق نظامهم الثقافي.

في شكل عام، لقد هجر علم الاجتماع الديني في إيطاليا الركودَ والكلاسيكيةَ بفضل التطرق إلى مسألتين: الحركات الدينية الجديدة وما رافقها من تديّن مستحدث، ودخول الإسلام في معترك الاهتمامات السوسيولوجية العلمية.
--------------
د. عزالدين عناية - أستاذ بجامعة روما لاسابيينسا

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها