You are here:الرئيسية>مكتبة الديمقراطية>مقالات رأي>رمزان النعيمي: الإشكال في مسلمة الحتمية الديموقراطية

عبد الغني عماد, سوسيولوجيا الهوية: جدليات الوعي والتفكك وإعادة البناء مميز

السبت، 08 تموز/يوليو 2017 عدد القراءات 356 مرة
الكاتب  سالم كبارة باحث أكاديمي وأستاذ في سوسيولوجيا الإعلام

يستكمل عبد الغني عماد مشروعه البحثي الذي بدأه قبل سنوات في كتاب سوسيولوجيا الثقافة من الحداثة إلى العولمة، ثم في كتابه الهوية والمعرفة، والمجتمع والـديـن، لتكتمل الثلاثية مع هذا الكتاب سوسيولوجيا الهوية: جدليات الوعي والتفكك وإعادة البناء. والواقع أن من يتابع هذا المشروع البحثي منذ بدايته يـجـد نـفـسـه أمــام عـمـل ضـخـم وورشـــة علمية وأكـاديـمـيـة مـتـعـددة الأبــعــاد؛ فـهـي لا تكتفي بتناول الأبعاد النظرية الخاصة بالموضوعات التي تعالجها ً سوسيولوجيا من حيث العرض والتحليل وفق المدارس والاتجاهات المتنوعة، بل تعمد إلى النقد والتفكيك المعرفي لها ومن ثـم تلجأ إلـى التوظيف التحليلي لما يمكن أن يشكل منها مفاتيح تفسيرية لواقع مجتمعاتنا الـعـربـيـة، وهــو مــا شـهـدنـاه بــصــورة واضـحـة ً منهجيا فـي الـعـديـد مـن الـكـتـابـات والمشاريع الـفـكـريـة الـعـربـيـة الـتـي اسـتـقـطـبـت كـثـيـراً من النقاش، وكانت بدايتها مع الجابري والعروي وأركــــون وقـبـلـهـم أنـــور عـبـد الـمـلـك. مــا يميز المداخل التي يدشنها عبد الغني عماد اتصالها الـمـبـاشـر بالسوسيولوجيا الـنـظـريـة مـن جهة والسوسيولوجيا التطبيقية مـن جهة أخـرى، وبخاصة لاعتمادها إشكالية الهوية والثقافة ومــا تـطـرحـه عـلـى مـجـتـمـعـاتـنـا مــن تـحـديـات نشهد آثارها حولنا ً تشظيا ً وتفككا للمشتركات الجامعة ً مدخـلا ً أساسيا للتحليل. مــن هـــذه الـخـلـفـيـة قـــرأت الــكــتــاب فــور صدوره؛ فهو يبحث في سؤال الهوية والثقافة الذي شغل السوسيولوجيين والأنثروبولوجيين والـفـلاسـفـة ولا يـــزال. فـالـهـويـات ســؤال قديم جـديـد، وهــي لا تـتـشـكـل مـن الـعـدم أو الـفـراغ؛ إنــهــا ســيــرورة تـصـيـر وتـنـبـنـي، وهــي سـمـات تـتـحـدد ضـمـن عــلاقــات الـتـمـاثـل والاخــتــلاف وتعكس ارتباط الإنسان بالآخرين وتميزه عنهم في الوقت نفسه. وهي بقدر ما تكون ً تعريفا للذات، تكون ً أيضا ً تعريفا تستدمجه الذات في علاقتها بالآخر.

 

أهمية هـذا الكتاب أنـه يناقش إشكاليات سوسيولوجيا الـهـويـة والـمـقـاربـات المختلفة حـولـهـا، الـتـي أصـبـحـت الـيـوم ً تخصصا ً علميا ً وأكاديميا في العديد من الجامعات، ً تخصصا لـه مـدارسـه واتجاهاته خاصة فـي عالم اليوم الذي يزداد ً تعولما ً وتفككا بنفس الوقت، وهو مـا يتجلى فـي أكثر مـن مـكـان، وبشكل كارثي في الوطن العربي. أهمية هـذا الـكـتـاب مـن ناحية أخــرى أنه يقول لنا بلغة علمية واضحة: إننا نشهد اليوم ً تــحــولا ً جــذريــا فــي مـفـهـوم الـهـويـة نـاتـج من التغيرات التي طرأت على مفهوم «القوة»، فقد أصبحت الثقافة البانية للهويات من الأسلحة الثقيلة فـي الـحـروب الناعمة فـي عـالـم الـيـوم، وبخاصة فـي مـيـدان إنـتـاج الـمـعـارف والأفـكـار والرموز والقيم. أهــم مـا فـي هــذه الـديـنـامـيـات والـتـحـولات الجديدة لمفهوم الهوية يتمثل بـإعـادة ترتيب منظومة الولاءات، والأنظمة الرمزية والمرجعية عند التقاء الفاعلين، ً افتراضيا أو ً واقعيا، من حاملي الثقافات المتباينة و/أو المتنافسة مما يؤدي إلى بلبلة اليقينيات المستقرة، وتحريكها بطريقة غير مسبوقة، وربما غير متوقعة.

 

في الكتاب مطالعات ومساجلات متنوعة فـي مـجـال الـهـويـة والأدبــيــات السوسيولوجية الـتـي عالجت موضوعاتها، ربـمـا لا يتسع هذا العرض لتقديمها، إلا أن ما أود التوقف عنده هو التحليل الـذي يقدمه عماد لمسألة الهوية فـي الـفـضـاء الـثـقـافـي الـعـربـي الـتـي لـم تدخل عليها مـتـغـيـرات متميزة إلا مـنـذ الثمانينيات، وذلـك بتأثير تحولات كبرى داخلية وخارجية. قبلها كانت مسائل التراث والمعاصرة والتنمية والـدولـة محاور أساسية في التفكير العربي، فـقـد بقيت الـمـقـاربـة الـهـويـاتـيـة أحــد تفرعات البحث في مسائل التراث والمعاصرة ومتصلة ً اتصالا شديداً بالمقاربة الأيديولوجية الرامية إلى إحداث التغير. ما حدث مع انهيار التجارب الأيديولوجية الكبرى فـي العالم وقـيـام نظام دولـي جديد بمرجعية قطبية غربية من جهة، والانــفــجــار الـمـعـلـومـاتـي الـهـائـل فــي وسـائـل الاتصال المعولمة من جهة أخـرى، َت َ واكب مع مقولات بـدأت بتنظير فرانسيس فوكوياما عن نـهـايـة الـتـاريـخ ونـهـايـة الأيـديـولـوجـيـات ومـا سينشره صموئيل هنتنغتون بشكل متزامن عن صـراع الحضارات، أدى إلـى ديالكتيك هوياتي جديد على مستوى العالم والمنطقة. فــي الــواقــع هــذا الــمــدخــل الـــذي يـرسـمـه الـمـؤلـف يـذهـب ً تـحـلـيـلـيـا إلــى طــرح مجموعة فـرضـيـات ً منطلقا مـن الـقـول إن مجموعة من المعطيات ساهمت فـي توليد صياغة جديدة لـلـهـويـة فــي الـمـجـال الـعـربـي تـعـتـمـد «الــديــن» وحــدة التحليل الـمـركـزيـة، وهـو مـا أفـضـى في ما بعد إلى تفعيل الانتماء الهوياتي المتمذهب والانقسامي، على أنقاض المشتركات الوطنية التي فشلت الـدولـة العربية بكل نماذجها في ترسيخها وحمايتها حسب تعبيره.

 

يناقش الكتاب في إحـدى خلاصاته هذه الـفـرضـيـة فـيـطـرح حـدثـيـن أسـهـمـا فــي تعزيز هــذا الاتــجــاه، تـمـثـل الأول بـالـثـورة الخمينية على الـشـاه؛ والثاني تمثل بالتحولات العميقة التي أصابت بنية الأنظمة الحاكمة في الوطن الــعــربــي. فـقـد مـثـلـت الـتـجـربـة الـخـمـيـنـيـة في بداياتها ً نموذجا ً ملهما لكثير من الإسلاميين لاعــتــمــادهــا فــي إســقــاط نــظــام الــشــاه عـلـى التظاهرات المليونية من جهة والدعوة السلمية الدؤوبة من جهة ثانية، لكن ممارستها للسلطة وسـيـاسـتـهـا الــخــارجــيــة كـشـفـت عــن مـشـروع طموح يتخطى إيــران بحدودها المعترف بها إلى دول الجوار برمتها. ولأن هـذا الـمـشـروع مـن طبيعة مؤدلجة ومتمذهبة، يـطـرح نفسه فـي مـواجـهـة الادعــاء بـ نهاية الأيديولوجيات ً ومتماهيا مع مقاربة صـدام الحضارات، فهو يتمتع بقدرة توليدية، ويتغذى على جدلية ّ التوحد والانقسام، ّ التوحد مع المتماثلين، والتمايز عن المختلفين، وهي إحدى «استراتيجيات الهوية» التي يتم تفعيلها على وقـع التحديات والـصـراعـات وعلى تخوم الـتـنـوع والاخــتــلاف، ّ تــحــول مــشــروع تصدير الــثــورة وفــق الــنــمــوذج الإيــرانــي إلــى طـمـوح لبناء «مـجـال هـويـاتـي» عـابـر لـلـحـدود والــدول والأوطان ومتجاوز للسيادة الوطنية.

 

الـمـجـال الـهـويـاتـي المتمذهب والـمـؤدلـج الـــذي يـتـرصـده الـكـتـاب مــن طـبـيـعـة مختلفة عــن «الــمــجــال الــحــيــوي» الـــذي تــحــدث عـنـه الألماني فريدريك راتـزل ودرسـنـاه في الكتب العتيقة وطــوره هـوسـهـوفـر، ذلــك أنــه يوظف بـكـثـافـة عـالـيـة الـمـعـطـيـات الـثـقـافـيـة والـديـنـيـة والأيديولوجية وبخاصة للأقليات. فعلى أساس الجيوبوليتيك القديم، وموازين القوى الدولية مطلع القرن الماضي جرى تقاسم النفوذ بين الـقـوى الـكـبـرى، فقامت دول ورسـمـت خرائط وتــحــددت «مــجــالات حـيـويـة» لـكـل مـنـهـا، لكن موازين القوى المعولمة اليوم تبدو في ضوء تـلـك الـتـطـورات أكـثـر هـشـاشـة مـن أي مرحلة سابقة. يـسـتـكـمـل عــمــاد هـــذه الـــقـــراءة بـتـحـلـيـل الـتـحـولات العميقة الـتـي أصـابـت بنية الـدولـة والمجتمعات الـعـربـيـة والـمـتـزامـنـة الـتـحـولات، الـتـي فاقمتها الـعـولـمـة وأدت إلــى الـمـزيـد من تـعـمـيـق أزمـــة الـشـرعـيـة فــي الــوطــن الـعـربـي، وهـــي أزمـــة فـاقـمـهـا فـشـل مــشــاريــع الـتـنـمـيـة والهزائم المتتالية لهذه الأنظمة التي اكتسبت مشروعيتها في الأساس تحت عناوين تحررية وقـومـيـة، ً مـقـتـرنـا هـذا الـفـشـل بـتـحـول الـفـسـاد إلى ثقافة متجذرة تحولت إلى ما يشبه النهب المنظم.

 

يـتـوقـف الـكـتـاب عـنـد الـنـظـام الـسـلـطـوي العربي والآليات التي استخدمها للهيمنة على مـصـادر الـثـروة فـي بــلاده، وهـي آلـيـات انتجت سـيـاسـات قــادت إلــى كــوارث اجـتـمـاعـيـة وإلـى تهميش كل نظيره، إلا أن الكارثة الكبرى تمثلت باعتماده على آلة بطش وقمع راحت تمعن في ممارسة العنف من جهة والتمييز الفاضح بين مكوناتها الأولية، القبلية والطائفية والمذهبية، ويــبــيــن، مــن جـهـة أخـــرى، كـيـف عــمــدت إلـى توظيف هـذه الانـتـمـاءات في صراعاتها لتثبت هيمنتها، وكـيـف لـجـأت إلــى سـيـاسـات قمعية تستند إلـى عصبية أو تحالف عصبيات، وهو ما أسهم بعودة مسألة الأقليات إلى التداول من جهة، ّ وعمق أزمـة الشرعية لـدى هـذه الانظمة من جهة أخرى. لــذلــك يـخـلـص إلـــى أن هــشــاشــة الــدولــة وتبعيتها هي نتيجة طبيعية رغم تضخم آلتها الـقـمـعـيـة والأمـنـيـة؛ فـقـد ظـهـرت حــال انـكـسـار هيبة الدولة الـولاءات والانتماءات «الأولية» لما قبل الدولة، وكما احتمت الدولة القمعية وقوى الـثـورة الـمـضـادة بأقليات إثنية أو طائفية أو مذهبية ممتدة خــارج الـحـدود أو حتى بنخب عسكرية ضمن منظومتها الأمنية للدفاع عن مصالحها الـمـهـددة مستخدمة آلـتـهـا القمعية والتدميرية، احتمت فـي المقابل قـوى الـثـورة بحاضنتها الشعبية وانتماءاتها وامـتـداداتـهـا، وهو ما خلق تغذية متبادلة لصراعات اتخذت ً طابعا ً هوياتيا ً ومذهبيا، استفادت منه الأجنحة الأكــثــر ً تـطـرفـا وأدلــجــة عـلـى الـجـبـهـتـيـن، على حساب قوى التغيير والاعتدال. في مشهد كهذا من الطبيعي كما نخلص مـع الـكـتـاب، أن تعتمد الأطـــراف الـمـتـصـارعـة الخطاب الهوياتي الـمـؤدلـج الـذي بـدأ مضمراً ومـسـتـتـراً، لـكـنـه مـا لـبـث أن كـشـف عـن نفسه بـوضـوح تحت وطـأة العنف الـعـاري والتدخل الأجنبي والإقليمي المتنوع والمتعدد. وكشف الـصـراع الـدامـي فـي الـعـراق وسـوريـة ومـن ثم الـيـمـن ولـبـنـان، عـن وقـائـع تـشـكـلات هوياتية مـذهـبـيـة مــؤدلــجــة تـمـتـلـك قــوى مـيـلـيـشـيـاتـيـة ضـاربـة، تتخطى ولاءاتـهـا حـدود أوطـانـهـا من جهة، وتشكل بنفس الوقت قوى رديفة للدولة، مندمجة فيها أو موازية لها. مـا يـحـدث حـولـنـا الـيـوم يـؤكـد كـل ذلـك؛ فما يجمع المقاتلين القادمين من إيـران تحت أعلام الحرس الثوري أو من « ّ الهزارة الشيعة» في أفغانستان من جهة، والمقاتلين الشيشان والـتـركـمـان والمتطوعين الـقـادمـيـن مـن بلدان أوروبــيــة وغـربـيـة شـتـى تـحـت أعــلام السلفية الـجـهـاديـة مـن جـهـة أخــرى، منطق «جـهـادي» واحد لا علاقة له بالحرية أو الانتقال السياسي أو الإصــــلاح الــديــمــقــراطــي. بــيــن شــعــارات «المقاومة والممانعة» والـدفـاع عن «المراقد» حــتــى «لا تــســبــى زيــنــب مــرتــيــن»، يـتـأسـس خطاب هوياتي متوحش ومتمذهب يقوم على الإقـصـاء والإلــغــاء، ِّ مـوظ ً ـفـا الـنـصـوص الدينية ّ كـعـدة أيديولوجية قاتلة لا تصلح إلا للتكفير المتبادل.

 

يـضـعـنـا الـكـتـاب عـلـى نـحـو صـــادم أمــام عقل هوياتي «أداتـي» مؤدلج ومتمذهب، نجح فـي اجتياح مساحات واسـعـة مـن المشتركات والـجـوامـع ّ الـهـشـة فـي الأســـاس، فـقـد تفككت «الهوية القومية» ّ وتشظت «الهوية الوطنية»، وتـحـولـت الـهـويـة الدينية التوحيدية الجامعة إلى سرديات مذهبية انقسامية، وتقف الدولة كمؤسسة جامعة على تخوم التفكك والتشظي وإعادة التشكل وفق منطق «المجال الهوياتي» الــذي يـرتـسـم عـلـى أرض الـصـراع الـدامـي، في ظل تجاذبات دولية كشفت ً أيضا عن صراعات ومصالح آخذة في التشكل وفق منطق تعددية الـمـجـالات الهوياتية فـي عـالـم استعصى على الأحــاديــة الـقـطـبـيـة الـتـامـة. خـلاصـات صـادمـة لـكـنـهـا سـوسـيـولـوجـيـا الــواقــع الــعــربــي الــذي يعكس ً ديالكتيكا ً انقساميا ً مريعا في وقائعه الـمـرة الـتـي تـعـود بنا مـرة أخــرى إلـى الحقيقة ُ التي لا مفر منها وهـي أننا يـوم فقدنا هويتنا العربية دخلنا مـربـع الــدم ولـن نـخـرج منه إلا بإعادة بنائها من جديد من جهة ثانية، لكن ممارستها للسلطة وسـيـاسـتـهـا الــخــارجــيــة كـشـفـت عــن مـشـروع طموح يتخطى إيــران بحدودها المعترف بها إلى دول الجوار برمتها. ولأن هـذا الـمـشـروع مـن طبيعة مؤدلجة ومتمذهبة، يـطـرح نفسه فـي مـواجـهـة الادعــاء بـ نهاية الأيديولوجيات ً ومتماهيا مع مقاربة صـدام الحضارات، فهو يتمتع بقدرة توليدية، ويتغذى على جدلية ّ التوحد والانقسام، ّ التوحد مع المتماثلين، والتمايز عن المختلفين، وهي إحدى «استراتيجيات الهوية» التي يتم تفعيلها على وقـع التحديات والـصـراعـات وعلى تخوم الـتـنـوع والاخــتــلاف، ّ تــحــول مــشــروع تصدير الــثــورة وفــق الــنــمــوذج الإيــرانــي إلــى طـمـوح لبناء «مـجـال هـويـاتـي» عـابـر لـلـحـدود والــدول والأوطان ومتجاوز للسيادة الوطنية.

 

 

المصدر:

http://www.caus.org.lb/PDF/EmagazineArticles/salem_kabara_Moustaqbal_%20Arabi_460_%20final.indd-4.pdf

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة