الاثنين 20 أكتوبر 2014
الرئيسية | من نحن | خريطة الموقع | روابط | اتصل بنا |
كلمة المرور:
أحمد نجيب الشابي: تعقيب على الإستبداد الحداثي..

فيما يلي تعقيب الأستاذ أحمد نجيب الشابي على ورقة الدكتور رفيق عبدالسلام حول الإستبداد الحداثي: تونس نموذجا.. وكذا رد الدكتور رفيق على التعقيب..

يعرف الأستاذ رفيق عبد السلام، في ورقته، منذ البدء المقصود من الاستبداد الحداثي وهو " تلك الحالة الاستبدادية التي تؤسس شرعيتها على المدونة الحداثية وتستعمل أدوات سيطرة حديثة" ويرى أن ظهور هذه الحالة يفند من ناحية القناعة الشائعة عن الأصول الشرقية للاستبداد وينفي من أخرى " العلاقة الترابطية بين التحديث والديمقراطية".

ويخصص المحاضر ورقته للبحث في أسباب هذه الحالة الاستبدادية و يرجعها إلى أن التحديث ظاهرة وفدت مشوهة من المركز الإمبريالي إلى بلدان الأطراف لاقتصارها على أدوات السيطرة والإخضاع المتمثلة في ثالوث الجيش والأمن والإدارة دون المؤسسات المدنية وأدوات الضبط والمراقبة القضائية الأخرى. وفي رحم الظاهرة الاستعمارية ولدت نخب محلية متشبعة بقيم الحداثة أغنت المركز الإمبريالي عن الحضور المباشر وسهلت انتقال إدارة المستعمرات إلى هذه "النخب الجسرية" (Bridge head elite) التي ورثت عنه الدولة لا في بعدها الجغرافي وحسب(حدودها الترابية) وإنما وعلى وجه الخصوص في نمط علاقاتها بالمواطنين ذلك أن هذه النخب الجسرية بعلمنتها للمجتمع السياسي انقطعت عن فضائها الشعبي ودخلت معه في صراع عنيف. علاقة البنوة هذه بين الدولة الوطنية والمركز الإمبريالي هي التي تفسر انتهاج القمع من طرف النخب الحاكمة أسلوبا وحيدا لمعالجة أزمة الشرعية التي تعاني منها في علاقتها بالداخل(المسألة الثقافية) وبدول الجوار(الجغرافية السياسية والثقافية).

وكان من المتوقع، كما يوحي بذلك العنوان، أن يتركز البحث على دراسة حالة مخصوصة، الحالة التونسية، ليبرز المحاضر من خلالها السمات العامة للاستبداد الحداثي في البلاد العربية وأسبابه البنيوية والتي من شأنها أن تؤيد أطروحة البحث ، إلا أن الباحث فضل الانطلاق من عرض تاريخي لتطور مفهوم الاستبداد ولنظريات بعض المفكرين الأوربيين حول علاقة المركز الإمبريالي بدول الأطراف من جهة تصدير أدوات الإخضاع الحديثة دون مؤسسات المشاركة السياسية( وخصص لهذا القسم نصف صفحات البحث المحتوي على 22 صفحة) ليستخلص استمرار هذه العلاقة القسرية بين النخب الحاكمة و شعوبها في ضل الدولة الوطنية (سبعة صفحات) ويتطرق في النهاية إلى عرض سريع للتاريخ السياسي للدولة التونسية منذ الاستقلال( الصفحات الأربعة الأخيرة من البحث) في محاولة لتفسير العوامل التي سهلت قيام حكم فردي شمولي في هذا البد (صغر حجم البلاد وتجانسها الإثني والديني وغلبة التمركز الحضري فيها وانشقاق الحركة الوطنية قبيل الاستقلال وهيمنة الحزب الحاكم على الدولة ومؤسسات المجتع المدني). وقد أثر المنهج المتبع، بلا شك، على مجرى البحث من حيث انتقاء الوقائع وتحليلها. وفي ما يخصنا فقد اخترنا التقيد قدر الإمكان بالنموذج التونسي في مناقشة الورقة.

العلمنة عامل توتر ومصدر للاستبداد السياسي

تقوم أطروحة البحث على أن " واحدة من النتائج المباشرة والخطيرة الناتجة عن التأثيرات الإمبريالية تتمثل في علمنة الحقل السياسي وما نتج عن ذلك من اغتراب وانفصال الهياكل السياسية عن قاعدة إسنادها الشعبي بسبب تفكيك جسور التواصل والتفاهم بين الحاكمين والمحكومين" (صفحة 9) وأن هذه العلمنة هي التي تؤسس لحالة الاستبداد في البلاد العربية.
والمتأمل في التاريخ السياسي الحديث للبلاد التونسية لا يمكنه أن ينكر دور هذا العامل الثقافي في تأجيج الصراع السياسي ودفع أطرافه إلى بسط هيمنتها أو محاولة بسطها عن طريق العنف. ولا شك أيضا في أن هذا التمزق الثقافي تولد عن صدمة الاتصال بالخارج والاحتكاك به.

"لماذا تأخر العرب وتقدم غيرهم" سؤال فرض نفسه على النخب في بلداننا منذ مطلع القرن التاسع عشر وانتهى المصلحون في الغالب إلى أن السبب يعود إلى التقدم العلمي وحسن نظام الحكم في الغرب وربطوا استفاقة الشرق ونهضته بمدى تقدمه في نشر التعليم وإصلاح نظام الحكم عن طريق" اقتباس علوم الغرب وتنظيماته بما لا يتعارض مع شرائعنا " على حد تعبير المصلح التونسي خير الدين باشا.

وفي سعيها للاقتباس تفرقت النخب العربية والإسلامية شعبا ومسالك مختلفة ومتعددة. وفي تونس برزت إلى جانب حركة الإصلاح الإسلامي المرتبطة برواد النهضة في مصر (الأفغاني وعبده ورشيد رضا) حركة الشبان التونسيين الذين تبنوا في العقد الأول من القرن العشرين الفكر التحرري الدستوري واعتبروا أن التقدم يكون بالنهل دون تردد من الثقافة الحديثة وذهبوا يطالبون السلطات الفرنسية بتحقيق مبادئ الحرية والمساواة للتونسيين في إطار اتفاقية الحماية. ودخلت هذه الحركة في صراع مع الثقافة العربية والإسلامية ومع رموزها من مشائخ جامع الزيتونة مصلحين ومحافظين على حد سواء. ولكن ومع احتلال طرابلس سنة 1911 وبداية الحرب العالمية الأولى دب الخلاف بين رموز هذه الحركة حول موقع اللغة العربية (خير الله بن مصطفى مؤسس حركة الكتاتيب العصرية ) وحول الموقف من تركيا التي دخلت الحرب في محور معاد لدولة الحماية فاختار اغلبهم الانتصار إلى تركيا وانتهى زعماؤها مبعدين إليها (علي باش حامبة) فيما حافظت قلة قليلة على موقفها المتعاون مع سلطة الحماية( عبد الجليل الزاوش) وفقدت كل تأثير يذكر في الحياة السياسية والثقافية.

ومع نهاية الحرب أعادت النخبة السياسية تجميع صفوفها حول رمز من رموز الحركة الإصلاحية الزيتونية وهو الشيخ عبد العزيز الثعالبي الذي توجه إلى مؤتمر الصلح في فرساي ليطرح على الدول المنتصرة قضية استقلال تونس، لكنه ولما اكتشف أن أحدا من الدول المنظمة للمؤتمر لم يكن ليصغ إلى مثل هذا المطلب كتب إلى أصحابه في تونس يقترح عليهم تعديل برنامجهم والنزول به مرحليا إلى المطالبة بدستور ينظم حقوق التونسيين في ضل اتفاقيات الحماية. وكان ذلك منطلق تأسيس الحزب الحر الدستوري سنة 1920. ولم تمر بضع سنوات على التأسيس حتى دب خلاف بين قيادة الحزب في غياب زعيمها الشيخ الثعالبي الذي هاجر إلى المشرق وبين ثلة من الشبان العائدين إلى تونس بعد تخرجهم من الجامعات الفرنسية في موفى العشرينات من القرن الماضي. وكان الحبيب بورقيبة واحدا من أبرز تلك المجموعة وأكثرهم نشاطا وتأثيرا. ولم يتخذ الخلاف بعدا ثقافيا في ذلك الوقت بل تركز حول ما آخذه الشبان العائدون على قيادة الحزب من خمول ورتابة في أسلوب العمل. ولم تمر خمس سنوات على عودتها حتى انشقت المجموعة الشابة عن القيادة وأسست الحزب الحر الدستوري الجديد في عام 1934. لم تشهر القيادة الجديدة أيا من خلافاتها الثقافية مع الحزب القديم بل أظهرت تشددا في الدفاع عما اعتبرته وقتها مقومات لهوية للشعب التونسي الإسلامية ، من ذلك أن خاضت، وفي خلاف مع بعض من مشائخ جامع الزيتونة(الشيخ محمد الطاهر بن عاشور)، صراعا حادا ضد استيعاب التونسيين في الجنسية الفرنسية ومنعت من خلال أحداث دامية دفن المتجنسين بالمقابر الإسلامية كما دافع بورقيبة ذاته بشدة عن الحجاب باعتباره مقوما من مقومات الهوية الوطنية التي يتجه التمسك بها في مواجهة الاحتلال وجاء ذلك من خلال معكرة صحفية حادة خاضتها قوى متعددة ضد المصلح التونسي الطاهر الحداد الذي نادى، في مطلع الثلاثينات، بخلع الحجاب.

أجل بورقيبة إذن الإصداع بقناعاته الثقافية وتحاشا إثارة أي نوع من الخلاف الذي من شأنه تعطيل مشروعه السياسي في توحيد الشعب التونسي وقيادته نحو الاستقلال، ولكن وما أن تحقق له الوصول إلى الحكم، في ظروف تاريخية لا زالت تثير الجدل، حتى شرع في إنجاز ثورة كمالية أذهلت المراقبين وحولت وجه تونس في بحر سنوات قليلة.

استقلت تونس في 20 مارس 1956 ولم تمض خمسة أشهر عن ذلك التاريخ حتى ألغى بورقيبة في 3 أوت 1956، المحاكم الشرعية ووحد النظام القضائي على منوال النظام الفرنسي وفي الثالث عشر من نفس الشهر أصدر مجلة الأحوال الشخصية التي ألغت تعدد الزوجات وحددت سنا أدنى للزواج وجعلت منه مسألة رضائية تعقده المرأة دون تدخل من الولي ونظمت الطلاق وأخضعته إلى نظر القضاء. ولم تمر سنة على الاستقلال حتى منحت النساء حق الانتخاب. وفي شهر ماي 1956 حلت الأوقاف العامة وبعد عام ألحقت بها الأوقاف الخاصة التي كانت تمثل ربع الأراضي التونسية. وفي شهر جويلية 1957 ألغي النظام الملكي وكان بورقيبة قد ألغى عاما قبل ذلك النظام الإداري التقليدي وعوضه بنظام المحافظات (الولايات). وفي سنة 1958 ألغي التعليم الزيتوني في إطار تعميم للتعليم العصري القائم على ازدواجية اللغة (العربية والفرنسية) وفي عام 1960 ناد بورقيبة المواطنين إلى التخلي عن الصيام في شهر رمضان وأشهر إفطاره وحمل الجنود والتلاميذ في المدارس على الإفطار معتبرا أن الأمة في حالة "جهاد أكبر ضد التخلف" وشملت السياسة التحديثية كل مظاهر الحياة من ملبس (منع ارتداء الزي التقليدي على القضاة) و"تهذيب" للقب العائلي ومقاومة للأكواخ (المساكن الطينية) وإعادة تنظيم المدن على المنوال الأوربي.

واستهدفت هذه الإجراءات القوى الاجتماعية المحافظة ومؤسساتها الثقافية والسياسية واستندت إلى مرجعية حداثية تربت عليها النخبة الحاكمة في الجامعات الفرنسية واعتمدت أسلوب المباغتة ووسائل الإكراه واندرجت ضمن حالة استبدادية قامت على الحكم الفردي وهيمنة حزب أوحد على الدولة و على مؤسسات المجتمع المدني كافة. ففي أعقاب إعلان الجمهورية سنة 1957 حول بورقيبة الوزراء إلى كتاب دولة مسؤولين لديه وأعلن أن تقييد سلطات رئيس الدولة وتوسيع سلطات المجلس النيابي المدرجة في مشروع الدستور فقدت مبررات وجودها بعد أن ألغيت الملكية وأطيح بالباي. وفي مؤتمر الحزب الدستوري الحاكم المنعقد بمدينة سوسة سنة 1959 تقرر تعويض هيئات الجامعات المنتخبة من القاعدة في المحافظات (الولايات) بلجان تنسيق يعينها الديوان السياسي (المكتب السياسي) وعلق بورقيبة على هذا القرار بالقول: " لقد توصلنا في مستوى الدولة إلى مركزة للسلطة بيد الحكومة ويجب على الحزب أن يخضع إلى نفس التصور، يجب عليه أن يتناغم مع الدولة وأن يتجانس عمله مع عمل الحكومة ... إن الظروف تقتضي قيام نظام قوي، شديد التمركز، خاضع لانضباط دقيق لا يقبل أي نوع من تشتيت الجهد".

ولم تشرف المرحلة الدستورية الانتقالية على الانتهاء سنة 1959، والتي كان يتمتع فيها الحبيب بورقيبة بسلطة التشريع عن طريق إصدار الأوامر(المراسيم) التي لها قوة القانون، حتى سن مراسيم تخضع ممارسة حرية الصحافة والتعبير والاجتماع والتجمع وتأسيس الأحزاب والجمعيات وغيرها من الحريات العامة إلى السلطة التقديرية لوزير الداخلية وهي قوانين تناقض المبادئ التحررية الواردة بالدستور ولا تزال تتحكم في الحياة السياسية في تونس حتى اليوم.

وفي مؤتمر الحزب المنعقد سنة 1964 في مدينة بنزرت والذي تقرر فيه إلغاء صفة "التحرري" من اسم الحزب وتعويضها بصفة"الاشتراكي" ليصبح الحزب الاشتراكي الدستوري، تقرر إخضاع كل الهيئات النقابية والمهنية إلى إشراف الحزب وإرساء تداخل بين أجهزته وبين مؤسسات الدولة على منوال الأنظمة السائدة في الكتلة الاشتراكية.
مجمل هذه الأحداث تؤيد أطروحة الباحث في نشوء نخبة علمانية أسست شرعيتها على مدونة حداثية واستندت إلى سلطة الدولة لتدخل تغييرات على البنية التقليدية للمجتمع وأن مشاريعها هذه تعارضت مع القوى الثقافية والسياسية التي همشتها الحداثة الوافدة من المركز الاستعماري بل ومع المعتقدات والمشاعر الشعبية وأن هذا التعارض يفسر إلى حد ما التجاء هذه النخب إلى الاستبداد نظاما للحكم وهو استبداد لا يستند إلى الموروث الشرقي لبلداننا وإنما اعتمد وسائل ضغط وإخضاع حديثة أعادت إنتاج العلاقة التي كانت قائمة بين الحاكم والمحكوم في الحقبة الاستعمارية أي أنها لم تؤسس لحقوق المواطنة ولمبدأ السيادة الشعبية.

لكن للمرء أن يتساءل إذا كانت هذه الاختيارات الثقافية تقف وحدها وراء هذا" الاستبداد الحداثي" أم أن أسبابا غير ثقافية أسهمت بقسطها في ظهوره وهل أن الاختيارات العلمانية تقف وحدها وراء الأزمة الثقافية التي أسست للاستبداد أم أنها لا تمثل سوى وجه من أوجه هذه الأزمة؟

الأسباب غير الثقافية في ظهور الاستبداد الحديث

إذا ما اعتمدنا الحالة التونسية عينة للدرس والنظر يتضح أن ظاهرة الاستبداد تعود إلى أسباب أخرى غير ثقافية يمكن تلخيص بعضها في الآتي:

الأسباب الجغرافية السياسية

أشار الباحث إلى أن الخلاف البورقيبي- اليوسفي أسهم في خلق الظروف الملائمة لقيام حكم فردي شمولي في تونس واعتبر أن الخلاف ولئن انطلق كخلاف سياسي بين رجلين فقد تحول إلى نوع من الاستقطاب حول مسألة الهوية والخيارات الثقافية والمجتمعية. ويستحق هذا الحدث أن نتوقف عنده قليلا.

استمر كفاح الشعب التونسي ضد الاستعمار الفرنسي لأكثر من سبعين عاما واتخذ أشكالا متعددة تخللتها القلاقل والاضطرابات حتى بلغ مرحلة الكفاح المسلح عام 1952. و جاء هذا التطور في أعقاب الحرب العالمية الثانية وما تلاها من أحداث في المستعمرات (هزيمة الفرنسيين في مدينة ديان بيان فو الفيتنامية) ومن تبدلات في العلاقات الدولية ( ظهور الكتلة الشرقية) كما جاء في سياق نضوج حركة التحرر في كامل منطقة المغرب العربي وانتقالها إلى مرحلة المقاومة المسلحة بتزامن في بلدانه الثلاثة. وفي محاولة لتطويق هذا التطور وعزل الجزائر والاستفراد بها رأت فرنسا أن تتنازل للتونسيين والمغاربة عن شكل من الحكم المحلي يرجئ قضايا الاستقلال الكامل إلى مرحلة لاحقة ( عشرين سنة) وفيما رفض المغاربة هذا الحل قبله بورقيبة، باسم سياسة المراحل، فكان مثارا لخلاف مع صالح بن يوسف، الرجل الثاني في الحزب الدستوري، ولانقسام داخل الحركة الوطنية انتصرت فيه الدولة المستعمرة لبورقيبة ومكنته من الحكم في ظروف اتسمت بتصفيات دموية لخصومه( اغتيالات ، اختطافات، قتل تحت التعذيب، محاكمات عرفية وإعدامات ). وكان أنصار صالح بن يوسف اعتبروا اتفاقية الاستقلال الذاتي "خطوة إلى الوراء" قياسا إلى ما كانت تسمح به الظروف التاريخية لمنتصف الخمسينات وتخليا عن الثورة الجزائرية الوليدة. وحضت هذه المعارضة بدعم شعبي واسع.

العنف الدموي الذي واجه به أنصار بورقيبة هذا الانقسام أسهم بقسط كبير في نحت ملامح النظام الشمولي الذي قام بعد الاستقلال. كما أسهمت ظروف الحرب في الجزائر وتبعاتها الجغرافية- السياسية والعسكرية في دفع النظام الجديد إلى تشديد قبضته الأمنية خاصة أنه لم يكن ينظر بعين الاطمئنان إلى قوات جيش التحرير الجزائري المتمركزة غرب البلاد ولا إلى الأعداد الكبيرة من اللاجئين الجزائريين الذين انتشروا في مختلف المدن. و من جهة أخرى أسهم اشتداد الصراع مع النظام الناصري، الذي انتصر لصالح بن يوسف، في تعزيز المخاوف الأمنية لدى النظام التونسي والذي واجهها بسلسلة من المحاكمات الاستثنائية والإعدامات.

واعتبر الباحث في مجرى تحليله أن هذا الصراع مثل تصادما بين شرعيتين: شرعية يوسفية تستند إلى المخزون العروبي الإسلامي وشرعية حداثية بورقيبية تتخذ من فرنسا نموذجها الأكمل. وإذا كانت الموضوعية والأمانة التاريخية تقتضيان الإقرار بحضور هذا البعد الثقافي في الصراع إلا أن الوقوف عنده في مجرى البحث عن تأثيرات العلمنة ودورها في ظهور حالة الاستبداد الحداثي يحجب عنا حقيقة أن هذا الصراع كان يجري بين قوى حداثية (الناصرية واليوسفية وجبهة التحرير الجزائرية من جهة والبورقيبية من جهة أخرى) ولا يمكن اختزال نزاعها في مجال "الرمزية التداولية" على حد تعبير الكاتب. فهذه القوى ولئن اختلفت مع بورقيبة في موقفه من الدين ومن المخزون العروبي فهي تشترك معه في المدونة الحداثية والتي يفترض المحاضر أنها هي التي تقف وراء الاستبداد الحداثي في مصر الناصرية وفي جزائر هواري بومدين وسوريا وعراق البعث.

المسألة الثقافية، على أهميتها، لا تفسر وحدها إذن بروز حالة الاستبداد السياسي الحداثي في تونس بل تداخلت معها وتضافرت نزاعات سياسية داخلية و أخرى إقليمية لها رهاناتها وتأثيراتها الخاصة(المصالح السياسية للبلدان وتحالفاتها الدولية في نطاق مؤتمر بندونغ وحركة عدم الانحياز والتحالف مع المعسكر الاشتراكي ضد دول الحلف الأطلسي وهي قضايا تتجاوز الأبعاد الدينية المباشرة وإن هي تضمنت قضايا التضامن العربي والإسلامي) .

ومن المفارقات التاريخية الجديرة بالتذكير في نهاية هذه الفقرة أن مجرى الأحداث أثبت في بحر أقل من عام أن الظرف التاريخي لمنتصف الخمسينات كان سانحا لإنجاز الاستقلال التام إذ حصل المغرب على استقلاله في 2 مارس 1956 واضطرت فرنسا تحت ضغط الحركة اليوسفية وأحداث الجزائر إلى تمكين بورقيبة من الاستقلال التام في 20 مارس 1956 بعد أن كان هذا الاستحقاق مؤجلا لعشرين عاما أخرى في اتفاقية الاستقلال الداخلي التي شقت الحركة الوطنية التونسية. لكن ومن الإنصاف أيضا أن نلاحظ أن وثيقة الاستقلال لم تكن لتعني نهاية المطاف بالنسبة لبورقيبة الذي واصل الضغط على فرنسا لتحقيق الجلاء العسكري في 15 أكتوبر 1963 وتأميم الأراضي الفلاحية المملوكة من الأجانب في15 ماي 1964 وتوخى في ذلك المزاوجة بين التصعيد والتهدئة وافتعال الأزمات ( حرب بنزرت لعام 1962) وتدويل النزاع(إقحام الولايات المتحدة الأمريكية في خلافه مع فرنسا) حتى تحقق الاستقلال السياسي عن الدولة المستعمرة.

الأسباب الاقتصادية والاجتماعية

تزامن الاستقلال مع إلغاء الوحدة الجمركية بين تونس وفرنسا وما صاحب ذلك من هجرة مفاجئة وجماعية للراسميل الأجانب وانهيار للاقتصاد في بلد لا يملك ثروات طبيعية و كان يقتصر النشاط الأهلي فيه على القطاع الفلاحي والتجاري وبعض الصناعات التقليدية الهامشية ولا يملك تقاليد صناعية ولا مؤسسات مالية.

في مثل هذا الظرف الذي كانت تحاول فيه الحكومة الوليدة طمأنة المستثمرين الأجانب بانتهاج سياسة تحررية خرجت عليها المنظمة النقابية( الاتحاد العام التونسي للشغل) في مؤتمرها لعام 1956 ببرنامج اشتراكي. هذا الحدث أدخل النظام في صراع مع المنظمة التي لعبت دورا حاسما لا في إسناد الحركة الوطنية وقت الاستعمار وحسب بل وألقت بثقلها أيضا إلى جانب النظام في صراعه مع صالح بن يوسف. ومن خلال سلسلة من الإجراءات بدأت بإقصاء الأمين العام للمنظمة النقابية، أحمد بن صالح، وبتعيين الموالين من الحزبيين على رأسها، أخضعت المنظمة النقابية إلى سلطة الدولة ورقابة حزبها وأسهم هذا الحدث بقسطه في تركيز الاستبداد منذ فجر الاستقلال.

وبعد أن فشلت الحكومة في استقدام الراسميل الأجانب عادت لتتبنى، منتصف الستينات، البرنامج الاشتراكي للمنظمة النقابية وتولى أحمد بن صالح، نفسه، مسؤولية الإشراف من داخل الحكومة على تنفيذ هذه السياسة التي اتسمت بمركزة شديدة وتأميم لوسائل إنتاج صغار الفلاحين والتجار واتسمت بتجميد الأجور مما أثار ضدها الفلاحين والتجار وعامة المواطنين. هذه السياسة الاقتصادية القسرية والتي كانت تحضا بتأييد البنك الدولي أسهمت بدورها في تنصيب نظام شمولي يقوم على كبت الحريات العامة وإخضاع كل التنظيمات الأهلية إلى هيمنة الحزب الحاكم على غرار ما كان يجري في بلدان الكتلة الشرقية.ولا يمكن إرجاع أسباب هذا الحدث إلى خلاف ثقافي فقد كان طرفاها (القيادة البورقيبية للحزب والدولة وقيادة الإتحاد العام التونسي للشغل) يشتركان في المرجعية الحداثية بل والعلمانية ولم يعرف خلاف بينهما حول هذا البعد.

ومثلت العلاقة بين الاتحاد العام التونسي للشغل والحكومة منذ ذلك الوقت أساس الاستقرار الاجتماعي ومحور الحياة السياسية، مدا وجزرا، وتخللتها أزمات ألقت بوطئها على الحياة الوطنية ( أزمة 1956 ، أزمة 1965 ، أزمة 1978 وأزمة 1986) ويعد تدجين الاتحاد العام التونسي للشغل منذ مطلع التسعينات أحد أبرز عوامل الجمود الاجتماعي وتراجع النشاط الأهلي والسياسي في البلاد.

يمكن القول إذن أن "الاستبداد الحداثي" تغذى في تونس كما في غيرها من البلدان من العوامل الاقتصادية والاجتماعية. إذ اضطرت الدولة في بلد لا يملك ثروات طبيعية وتسيطر الأمية على جموع سكانه وينتشر فيه الفقر ولم يعرف تراكما للرأسمال أو للمهارة التقنية والصناعية، اضطرت الدولة في مثل هذه الظروف إلى أن تقوم بأعباء الاستثمار في التجهيزات الأساسية والتجهيزات الاجتماعية من صحة وتعليم وفي إصلاح هياكل الإنتاج وبعث المؤسسات المالية والى تصور مخططات للتنمية تقوم على خلق الأقطاب الصناعية في الجهات فضلا عن تأمين الأمن الغذائي ومقاومة الفقر والتصحر وتنمية الثروة البشرية والمراهنة عليها. هذه المهام المتعددة والمتشعبة ومضاعفاتها على الاستقرار الاجتماعي والسياسي لعبت دورا في تشجيع أساليب الإخضاع والإكراه على حساب حرية المبادرة ووسائل المشاركة ولعبت الثقافة السائدة آن ذاك، شرقا وغربا، حول" دولة الرفاه" دورا في تنمية هذه النزعات. ومهما كان حكمنا على نظام بورقيبة وعلى اختياراته السياسية والثقافية فلا يملك المرء وقد غادر الرجل هذا العالم و دخل التاريخ سوى أن يعاين أنه نجح في كسب رهان التنمية البشرية كما لم ينجح غيره ممن كانت له ثروات طبيعية، في منطقتنا المغاربية على الأقل.

العوامل الخاصة بشخصية بورقيبة

يختلف الناس في تحديد دور الشخص في التاريخ. ولا شك أن العوامل الاجتماعية والثقافية وغيرها، هي التي تحدد مجرى الأحداث التاريخية لكن هذه العوامل تمر دائما عبر أشخاص يعبرون عنها وعن حاجياتها ويصبغون الأحداث بصبغتهم الخاصة. فلا أحد يشك في أن نهضة الحركة الوطنية في تونس خضعت لعوامل بنيوية اجتماعية وثقافية وسياسية تتجاوز دور الأفراد لكن لا أحد ممن واكب التاريخ التونسي الحديث يمكنه أن ينكر الدور الخاص الذي لعبته شخصية بورقيبة وتكوينه في نحت الأحداث السياسية منذ مطلع الثلاثينات من القرن الماضي وفي التأثير على مجرياتها.

وإذا ما استعرض المرء الأحداث الكبرى التي مرت بها هذه الحركة يكتشف أن قناعات بورقيبة الليبرالية لم تكن تتعدى في الواقع المقاربة النفعية التي تسعى إلى الاستفادة من الديمقراطية وآلياتها لتحقيق الأهداف الوطنية حتى إذا ما تمكنت الحركة من أغراضها عادت إلى طبيعتها الاستبدادية. وبعبارة أخرى فإن الليبرالية لم تكن لترتقي عند بورقيبة ورفاقه إلى مستوى القناعة الفلسفية أو المشروع المجتمعي الذي يستهدف الفرد أو المواطن في حد ذاته وإنما كانت مجرد خطاب يرمي إلى تحقيق الأهداف الوطنية في الاستقلال وتغيير موقع الجماعة أو الأمة في العلاقات الدولية، وفي هذا السياق تندرج كل المطالب الديمقراطية التي رفعت في فترة الاستعمار كالدستور والبرلمان وغيرها من المطالب التحررية. ولا غرابة في الأمر إذ لم تكن الحركة الوطنية تعبر عن حاجة المواطن كفرد وإنما عن حاجة المجتمع ككيان يطمح إلى استرجاع مقومات سيادته في العلاقات الدولية.
ولم يكن بورقيبة ديمقراطيا في التعامل مع خصومه أو حتى مع رفاقه داخل الحزب وإنما كان ينزع إلى العنف وسيلة لحل النزاعات. وتتجلى هذه النزعة الاستبدادية في أربع محطات على الأقل.

لم يعتمد بورقيبة الديمقراطية أسلوبا لحل خلافاته مع القيادة التقليدية للحزب الحر الدستوري التونسي بل جمع نفرا من أنصاره في مؤتمر بمدينة قصر هلال سنة 1934 ليعلن نفسه ورفاقه الشبان قيادة شرعية للحزب مستمدا هذه الشرعية من قناعاته التجديدية ومراهنا على التزكية الشعبية من خارج أطر الحزب. ولما احتدم الصراع مع هذه القيادة بعد عودة زعيمها الشيخ عبد العزيز الثعالبي من المهجر أقدمت المجموعة الشابة على محاولة اغتياله في مدينة ماطر.

واستعمال العنف في حل النزاعات مع المنظمة النقابية لم يبدأ مع الاستقلال بل هو قديم قدم هذه الخلافات. ففي سنة 1939 ولما رفضت قيادة الحركة النقابية بزعامة بلقاسم القناوي الانخراط في إضراب عام دعا إليه الحزب تضامنا مع ضحايا القمع في المغرب لم تتردد قيادة الحزب في اقتحام اجتماع للنقابة واستعمال العنف المادي لإسقاط قيادة القناوي وتعويضه بالهادي نويرة العضو القيادي في الحزب المقرب من بورقيبة مستندة في ذلك على نفر قليل من نقابيي مدينة بنزرت.

وفي علاقته بالتيار الزيتوني توخى حزب بورقيبة الأسلوب العنيف نفسه. فلما فكر الزيتونيون في تأسيس حزب خاص بهم في الأربعينات بزعامة الشيخ الفاضل بن عاشور تعرض هذا الأخير إلى التعنيف المبرح في طريق عودته من الجامع الأكبر. ولما نظم الطلبة الزيتونيون أنفسهم في جمعية صوت الطالب الزيتوني،مطلع الخمسينات، أسس الحزب الدستوري جمعية الكتلة الدستورية الموازية والتي تميزت بأعمال العنف بما فيه الاغتيال سبيلا لحل خلافاتها مع تيار صوت الطالب.

وفي مستوى العلاقات الحزبية فإن شعور بورقيبة بالتفوق وحبه للتفرد بالرأي وبالقيادة جعله يعاني الكثير من المنازعات الداخلية ما دفعه في الغالب إلى الاعتماد على قلة من أنصاره والمراهنة على التأييد الشعبي لتثبيت زعامته ولم يستتب له الأمر إلا بعد أن استلم الحكم واستنجد بسلطة الدولة لفرض هيمنته الشخصية المطلقة على قيادة الحزب وإخضاعه إلى انضباط حديدي. ولم يتردد بورقيبة في استعمال العنف مع رفاقه بما في ذلك الاغتيال الذي كان صالح بن يوسف ضحية له سنة 1963 بألمانيا.

هذه الأحداث المأخوذة من الفترة السابقة للاستقلال تلقي بشيء من الضوء على جذور الاستبداد في النخبة الوطنية والتي تعود إلى ضعف التقاليد الديمقراطية في بلداننا أكثر من كونها امتدادا لعلاقة المستعمر بالمواطن أو لعلمنة الحقل السياسي فالعنف ليس ميزة خاصة بالعلمانيين وإنما هي علامة عن تعطل آليات الديمقراطية وثقافتها.

العلمانية وجه من وجوه الأزمة الثقافية

تقوم أطروحة الباحث على أن" الدولة كانت جزء من النسيج الإسلامي العام" وأن "حركة العلمنة في البلاد العربية والإسلامية ولدت في تصدع بين النخب الحديثة وبين الفضاء الشعبي الواسع" بسبب "خطاب رمزي تداولي مقصور على النخب وفي تصادم مع الخطاب التداولي المحلي" ما جعل " النخب العلمانية تراهن على السيطرة الفوقية على المجتمع ومحاولة إلحاقه بالدولة ...( التي) لا ترى في الشعب المحيط بها سوى مادة قابلة لإعادة التشكيل والصياغة" ويستشف من هذه المقولة أن النخب العلمانية شكت من تصدع مع الفضاء الشعبي الواسع وأن هذا التصدع هو الذي دفع بها إلى المراهنة على الدولة كأداة لإخضاع الشعب إلى مشروعها الخاص.

وقبل تدقيق النظر في هذه المقولة على ضوء التجربة التونسية تتجه الإشارة إلى أن الباحث بقدر ما توسع في تعريف مفهوم "الاستبداد" وتتبع تطوره عبر العصور، من أرسطو إلى العصر الحديث، وخصص له الجزء الأكبر من البحث فإنه لم يتوقف ولو بعجالة على تحديد مفهومي "الحداثة" و " العلمنة" مما جعل البحث ينتقل من أحدهما إلى آخر دون مزيد من التوضيح.

العلمنة ليست سوى وجها من الوجوه الممكنة للحداثة وبعدا ممكنا من أبعادها ولا تختزلها بحال. فالحداثة هي تلك الحركة التي تأسست في نهاية القرن الخامس عشر على قيمتين أساسيتين، العلم والعقلانية من ناحية واكتشاف الفرد واعتباره حجر الزاوية في البناء الاجتماعي من ناحية ثانية. وتولدت عن هاتين القيمتين حركة لا زالت تفعل فعلها في حقل الاكتشافات العلمية وتطبيقاتها التكنولوجية في ميدان الإنتاج والسيطرة على الطبيعة من جهة، وفي حقل تحرير الفرد من كل أنواع الإستيلاب القديمة وجعل حقوقه وحرياته الأساسية غير قابلة للتصرف وإطارا منظما للكيان الاجتماعي من جهة أخرى. و وتطورت هذه الحركة في صراع عاصف بكل التقاليد واتخذت من أوربا والغرب عموما مركزالها في السعي لبسط ضلها على الكون بأسره وهي لا تزال ساعية إليه حتى يومنا هذا.

وإذا ما نظرنا إلى الحداثة كثورة تقانية وثقافية مستمرة قوضت وسائل الإنتاج ونمط حياة الإنسان وسلوكاته وهياكله الاجتماعية وتشريعاته في كل الساحات التي مرت بها لا يمكننا أن نتجاهل تأثيراتها المختلفة على بلداننا منذ أن وفدت إليها من الغرب أو أن نحصرها في الحقل السياسي (الأدوات مقابل المؤسسات) دون تأثيراتها الأخرى على البنية الاقتصادية وما يتبع ذلك ضرورة من تحول في حقل العلاقات الاجتماعية وفي حقل المعرفة والثقافة ونمط التفكير. وقد وعت نخبنا بتحدياتها منذ فترة اتصالها الأولى بها وذهب المصلحون من داخل الفضاء الإسلامي ينادون بالنهل من علومها والاقتباس من تنظيماتها لإخراج العالم الإسلامي من سباته وجعله يواكب التطورات العصرية وبكلمة أخرى جعله يتجدد عبر إدماج الحداثة من خلال حركة شاملة للإصلاح الديني وتجديد الفكر والتشريع. وبالطبع لم يكن هؤلاء المفكرين ليعوا كل أبعاد هذه الحركة ونتائجها ولكنهم لم يديروا الظهر لها ووعوا بتحدياتها.

هذا الفهم للحداثة ولتحدياتها يجعلنا نفهم اتحاد النخب في تونس علمانيين ومصلحين على ضرورة الإصلاح والتحديث فبرزت حركة لإصلاح التعليم التقليدي بإدخال العلوم واللغات الأجنبية ووسائل التدريس (المدرسة الصادقية 1875 والمدرسة الخلدونية 1897 وحركة إصلاح التعليم الزيتوني منذ زيارة محمد عبده إلى تونس 1903) وتقبلت النخب على اختلافها المبادئ التحررية والفكر الدستوري في المجال السياسي ولم تر فيه تعارضا مع الإسلام. وبهذا الفهم أيضا يمكن أن ندرك أن الدولة الوطنية وإن صادرت الحقوق والحريات السياسية فلا يمكن أن نختزل دورها في ذلك أو أن ننكر عليها ما قامت به من إصلاح وتحديث في مجالات نشر التعليم ومقاومة الأمية والفقر ودعم التجهيزات الصحية وتطوير البنية الاقتصادية وإصلاح الهياكل الاجتماعية وتحقيق نوع من العدل الاجتماعي وهي أعمال لا تشكل مجالا للتصدع أو الخلاف بين النخب والشعب وإن هي فعلت ذلك فحول اتساعها ونسق سرعتها ومتانتها وعدالتها وليس حول مبدئها وضرورتها.

ومن هذه الزاوية يمكن أن نفهم الشعبية الواسعة التي حضت بها الحركة الدستورية بزعامة الحبيب بورقيبة في مرحلة الكفاح من أجل الاستقلال أو الحركة الناصرية على مد العالم العربي وغيرها من رواد القومية العربية في مرحلة ما بعد الاستقلال. وسوف تبقى عودة الحبيب بورقيبة إلى تونس في غرة جوان 1955 وجنازة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر في سبتمبر 1970 من أكبر التظاهرات الشعبية التلقائية المعبرة عن الالتفاف الشعبي حول هذه الزعامات الحداثية والتي تعبر عن طموح الأمة وإجماعها على التحررعن طريق التحديث. ومما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق أن الصراعات العنيفة التي واجهت هذه النخب ببعض التيارات التقليدية ممن جعلوا المدونة التقليدية ورمزيتها التداولية مرجعا لهم لم تؤثر على شعبية هذه الزعامات. فلا الصراع الدامي بين عبد الناصر والإخوان المسلمين (على جوره) أثر على السند الشعبي الذي حضي به ولا تمكنت حركة الإخوان المسلمين أن تحدث لها مرتكزا في تونس أو أن تتوسع على الرغم من محاولات الشيخ محمد صالح النيفر في النصف الثاني من الأربعينات. والمتأمل في تاريخ الثورة الجزائرية يلحظ أن النخب الحداثية وحدت الشعب حول برنامجها التحرري وهو ما لم تنجزه الحركات الإصلاحية الدينية (جمعية علماء المسلمين) على الرغم من إسهامها في يقضة الوعي الوطني في الجزائر.

أما العلمانية بوصفها حركة تنزع إلى فصل الدين عن الدولة وحصره في مجال الاعتقاد الشخصي دون الحقل العام فهي لم تعرف طريقها بهذا التعبير سوى إلى دساتير تسع دول إفريقية من مستعمرات فرنسا القديمة وفي تركيا من دون باقي الدول الأعضاء بالأمم المتحدة.

العلمانية بالمفهوم الفرنسي (اللائكية) قامت في ظروف اتسمت باحتداد الصراع بين مؤسسة الكنيسة ومؤسسة الدولة في بداية الثورة الفرنسية واستندت على انفصال هاتين المؤسستين (الكنيسة والدولة) في الديانة المسيحية وتغذت من التاريخ الطويل للكنيسة الكاثوليكية في معاداة العقل ومصادرة حرية الاعتقاد مما ولد انقساما داخل الكنيسة ذاتها وحروبا دينية دامية في أوربا. لذلك عنت اللائكية السلم الأهلية وحرية المعتقد والعقل والبحث العلمي. أما في بلداننا الإسلامية حيث لا فصل بين ملكوت الأرض والسماء ولا فصل بين ما هو لله وما هو لقيصر وحيث يحتل الدين موقع التوجيه لسلوك الفرد في الحياة الدنيا إرضاء لمشيئة الله في استخلاف الإنسان في الأرض والمعبر عنها في لقرآن والسنة وحيث تقوم الدولة على عقد بين الإمام والأمة لتطبيق الشريعة في العلاقات الاجتماعية وحيث لم تتعارض العلوم العقلية مع العلوم النقلية بل أن الأولى ازدهرت بفضل الثانية(الحقبة العباسية) وقدمت أحيانا عليها (ابن رشد)، في بلداننا هذه لم تطرح حركة التحديث في شكل صراع حاد مع المعتقد الديني بل اتخذت شكل إصلاح للفكر الديني. و بورقيبة نفسه الذي كان يعبر أحيانا عن نظرة ازدرائية من الدين فلم يقدم إصلاحاته( أو لم يجرؤ على تقديمها) على أنها بديل عن الموروث الديني وإنما قدمها كاجتهاد يتحمله النص الديني ذاته ( منع تعدد الزوجات وغيرها) ولم يعمل بورقيبة على منع التعليم الديني في المدارس العمومية كما هو الحال في فرنسا مثلا بل أعلن في الفصل الأول للدستور أن تونس دولة إسلامية ولغتها العربية وتحملت الدولة على ذلك الأساس رعاية شؤون الدين من مساجد وأئمة وتشجيع لحفظ القرآن وغيرها.

لكن العلمانية تعني في البلدان الانغلو- سكسونية تراجع التأثير الديني في الحقل العمومي لفائدة القيم الدهرية (سكولاريزم).وبهذا المعنى عرفت مختلف البلدان العربية والإسلامية حركة تراجع لتأثير الدين على التشريع والسلوك الاجتماعي وهو ما مثل مصدرا للتوتر والتمزق الفكري والثقافي الذي تحدث عنه الأستاذ رفيق عبد السلام في ورقته.
فالتشريع استنباط في تقاليدنا الإسلامية وقد وضع الأوائل مبادئه وأساليبه (أصول الفقه) لكن الحداثة أخذت تعصف بكل البنى الاقتصادية والاجتماعية التي تكونت وعاشت عليها بلداننا ما جعل القياس الذي قام عليه الفقه أمرا متعسرا أكثر فأكثر والعلماء (علماء الدين) يعجزون عن مواكبة هذه التطورات لأنهم لم يكونوا مهيئين علميا وفكريا لاستيعابها واستنتاج ما تفرضه من مراجعات لا للفقه وحسب بل ولأصوله أيضا، فتفرقوا بين مقاصديين وأصوليين واستقل حقل التشريع عنهم بالكامل وانفردت به مؤسسات وضعية (البرلمان). وفي الحقل الثقافي الذي يؤسس لسلوك الناس (الفن، اللباس، والسلوك الجنسي، الخ..) تطور التثاقف في العقود الماضية وبخاصة في مرحلة العولمة إلى درجة جعلت المسلمين ينقسمون على أنفسهم في هذا الحقل أيضا بين "متغربين" و "متحصنين" بالتقاليد.

انقسمت النخب تحت تأثير الحداثة إذن إلى تيارين كبيرين: تيار تحديثي ، علماني أو مقاصدي حسب الحالة، دفع في اتجاه الإسراع بنسق الاندماج في علوم العصر وفنونه وتنظيماته وثقافته وتيار أصولي حاول الحفاظ على خصوصيات المجتمع تشريعا وثقافة وفنا وهياكل اجتماعية وسياسية، دون أن يقوم جدار صيني بين التيارين ينفي أحدهما الآخر (علوم العصر وعقائد الدين) بالمطلق. وحاول كل من التيارين استعمال الدولة وأجهزتها لتحقيق مشروعه الاجتماعي-الحضاري.

وإذا كان المرء لا ينكر أن الحدثيين اعتمدوا على الدولة وأجهزتها القمعية لإكراه الناس وحملهم على السير في طريقهم والقبول بمشروعهم كما بين ذلك المحاضر بإسهاب فإن الأصوليين لم يكون أقل استعمالا لها ولأجهزتها الحديثة (أو أقل سعيا لاستعمالها) للوصول إلى أهدافهم الخاصة. فتجربة إيران وأفغانستان والسودان تثبت أن النخب الأصولية جنحت هي الأخرى إلى استعمال الدولة وأجهزتها القمعية الحديثة لحمل الناس على القبول ببرنامجهم ومشروعهم ولم يكن القمع فيها أقل شناعة وظلما مما كان عليه في الدول العلمانية. ولا دخل هنا للسند الشعبي فهو لا يبرر القهر لحمل الناس على سلوك مسلك معين ولا هو حكر على فريق دون الآخر.

هذه الملاحظات إن دلت على شيء فإنما تدل على أن العلمانية (ومهما كان موقفنا منها) ليست هي السبب في بروز ظاهرة الاستبداد الحداثي وإنما التمزق الثقافي الذي يعيشه المجتمع في العصر الحديث وهو الذي يفسر تنازع التيارات المتقابلة لفرض هيمنتها على الدولة وبواسطتها فرض مشروعها على المجتمع سواء حضت بسند شعبي (إيران ومصر الناصرية) أو لم تحض (السودان وتونس).

العلمانية ليست إذن سوى وجه من وجهي الظاهرة التي تسهم في بروز ما أسماه الكاتب " بالاستبداد الحداثي" ونعني بها الأزمة الثقافية التي ولدتها الحداثة في بلداننا والتي تمثل الأصولية وجهها الآخر وهي في كل الحالات لا تفسر وحدها هذه الظاهرة بل تتضافر معها عوامل أخرى، اقتصادية واجتماعية وسياسية داخلية وخارجية لتؤسس لها وتفسرها.

استخلاص: نحو مفاهمة تاريخية جديدة

"الاستبداد"، استعمل المدونة الحداثية أو اعتمد الخطاب التداولي التقليدي، ظاهرة توظف جهاز الدولة الحديث لإخضاع المجتمع وتميز عالمنا العربي والإسلامي عن بقية أصقاع الدنيا التي انتهجت، في العموم، الديمقراطية نظاما سياسيا وانضوت ضمن تكتلات إقليمية إطارا للنهوض ورفع تحديات العولمة. وتتغذى هذه الظاهرة من الأزمة الثقافية التي باتت تتطلب حلا يقوم على توافق مجتمعي جديد.

قليلون اليوم الذين لا يرون في الديمقراطية طريقا لخروج مجتمعاتنا الإسلامية من حالة التخلف والجمود التي هي عليها. لكن الديمقراطية آلية لإدارة شؤون البلدان شديدة الالتصاق بمفهوم الحرية وتتطلب توافق وطني حول الملامح الكبرى لمشروع المجتمع الحديث الذي نريد. وفي بلداننا تتوقف هذه المفاهمة على مسألتين أساسيتين:

تتعلق الأولى بمفهوم الديمقراطية والتي كثيرا ما تقدم على أنها سيادة الشعب دون التذكير بأنها سيادة محدودة للشعب، تحدها الحقوق والحريات الأساسية للمواطن التي لا تقبل التصرف. فالاتفاق على هذه الحقوق والحريات وتحديدها بكل دقة في مواثيق ودساتير محترمة من الجميع وجعلها الأساس والإطار الذي تمارس فيه سيادة الشعب يفتح لنا طريق الديمقراطية الحديثة ويضع الحد الفاصل بينها وبين الشمولية (والشعبوية) التي تبيح للدولة وللجماعات التصرف في حقوق الفرد وحرياته( باسم الشعب أحيانا وباسم التكليف الإلاهي أحيانا أخرى).

أما المسألة الثانية فتتعلق بموقع الدين من الدولة والتشريع وترشيد السلوك. فمن حق المسلمين أن يحافظوا على رابطتهم الروحية وأن يجعلوا منها مرشدهم في الحياة ومن حقهم أيضا دخول الحداثة من بوابتهم التاريخية الخاصة والحفاظ على هويتهم دون أن يعني ذلك انغلاقا أو جمودا فالحداثة حركة مستمرة للابتكار والابداع والتجديد تتطور في صراع مع التقليد. وتمثل هذه المسألة الجزء الثاني من المفاهمة التاريخية الجديدة و تطرح بالدرجة الأولى قدرة الفكر الديني على التجدد واستيعاب حقائق الحداثة وقدرته على استنباط الأحكام الخاصة بها وعلى صياغة أصولا جديدة للفقه. وهي مسألة تتوقف على استيعاب مجتمعاتنا للعلوم والتقنيات الحديثة على اختلافها وعلى حدوث نهضة فكرية وثقافية عامة تشترك فيها سائر النخب، على حد تعبير الشيخ حسن الترابي في إحدى محاضراته سنة 1980 بالكويت. ومما يسهل التوصل إلى هذه المفاهمة وتوافقها مع المنظومة الديمقراطية الحديثة أن الإسلام لا يعرف مؤسسة دينية مستقلة عن المجتمع و يقر بحرية الاجتهاد وبأن الإنسان مكلف بعقله.

وختاما فقد وضع الأستاذ رفيق عبد السلام يده على جانب مهم من أسباب ما أسماه "بالاستبداد الحداثي" والمتمثل في ما توخاه الاتجاه العلماني من وسائل الإكراه الحديثة المعتمدة على الدولة لكن الاقتصار على هذا المظهر من الاستبداد في عصرنا الحديث يحجب عنا عمق الشرخ الثقافي الذي أحدثته الحداثة في جسمنا الحضاري وواجب معالجته عن طريق مفاهمة اجتماعية جديدة تأخذ بعين الاعتبار مقتضيات الحداثة ومشروعية الحاجة إلى الحفاظ على الهوية الخصوصية لمجتمعاتنا والتي شكل الإسلام جوهرها المؤسس.



رفيق عبد السلام : رد على تعقيب احمد نجيب الشابي*

لا أجدني اختلف كثيرا مع تعقيب الأخ الأستاذ أحمد نجيب الشابي، فقدكان له فضل تعميق بعض النقاط التي لم تنل حظا كافيا من التحليل والتوسع في الورقة. فالأستاذ أحمد نجيب بحكم متابعته الثاقبة لمجريات الحياة السياسية التونسية سواء في الحقبة البورقيبية، أوفي المرحلة الراهنة، ومن موقع انخراطه المباشر في تيار المعارضة السياسية التونسية، فضلا عن خلفيته القانونية الثاقبة، كل ذلك يجعله جديرا بتدارك ما اعترى مساهمتي من ثغرات ونقائص .

أولا تحدت الأستاذ أحمد نجيب في معرض تعقيبه على الورقة، تحدث عن التحولات الإدارية والتشريعية التي أقدم عليها النظام البورقيبي عند بدايات الاستقلال خلال مدة وجيزة لا تتجاوز الثلاث سنوات ( ما بين 56-59)( ) هذه نقطة مهمة تحتاج فعلا إلى مزيد التوقف ، فقد بينت هذه الإجراءات السياسية والتشريعية التي أقدم عليها بورقيبة جانبين اثنين، أولا الطابع الفوقي لهذه "الاصلاحات"،بحيث أن جل الإجراءات التي اتخذها بورقيبة لعبت فيها الدولة الدور الأعظم بعد تذويبها في الإرادة الفردية البورقيبية، مع تغييب شبه كامل للمجتمع وشل قواه الفاعلة، ومن ثم لم تكن هذه الإصلاحات استجابة لحاجيات، أو مطالب القوى الاجتماعية والفكرية المحلية بقدر ما كانت معبرة عن مطامح وأهواء بورقيبة الشخصية، ومعبرة عن مصالح واستراتيجيات الخارج الفرنسي الحريص على تثبيت مواطئ قدميه في مستعمراته السابقة. ثانيا كانت هذه "الإصلاحات" خاطفة وسريعة، إذ يبدو الأمر وكأن بورقيبة أراد طي مسافات التاريخ، واختصار حركة الزمن في إطار فعل إرادي اشبه ما يكون بالفعل الخارق الذي يتجاوز معقولية الزمن التاريخي وقوانين الاجتماع السياسي، وذلك بهدف إحداث طفرات سريعة وعميقة في بنيان المجتمع ونظم القيم والثقافة العامة بقوة صدمات الدولة، فالتغيرات الهائلة التي أحدثتها الثورة الفرنسية- بما هي النموذج الأعلى الذي استولى على وعي بورقيبة- والتي تظافرت سنون طويلة على انجازها، وفي أجواء وصراعات صاخبة لا علاقة لها بالواقع المحلي التونسي، أراد بورقيبة أن يختصرها في بضع سنوات قليلة، ولا ننسى هنا أن بورقيبة كان منتوج الثقافة السياسية لعصره، فهو من جهة كان شديد التاثر إلى حد التوله بالنموذج اليعقوبي الفرنسي الذي يرى الدولة أشبه ما يكون بالقوة السحرية والمتعالية عن المجتمع والضامنة لوحدته وانسجامه العام، فضلا عن التجربة الفاشية القائمة على طلائعية للدولة في إحداث التحولات الاقتصادية والاجتماعية المطلوبة، وهذا ما يفسر النزعة الدولتية التي حكمت التجربة البورقيبة. لقد كان بورقيبة حداثيا بوجه من الوجوه،ولكنه لم يأخذ من هذه الحداثة إلا أبعادها الأداتية التي تتيح له السيطرة على المجتمع واحتواء حركته.

كما كان بورقيبة بوجه من الوجوه منتوج الايديلوجيات الشمولية الحديثة التي تتسم في صورتها الغالبة بتغييب الحدود الفاصلة بين الممكن والخيال في مجال السياسة، أي تحويل السياسة إلى ضرب من التجريب الخيالي للتطلعات والأحلام بدل أن تكون استجابة لممكنات الواقع وحاجياته،فقد كان بورقيبة معبأ بطموح ضخم لتغيير الوجه الثقافي والتاريخي لتونس عبر إجراءات فوقية وسريعة أشبه ما يكون يالانقلابات العسكرية الخاطفة التي يتولاها عسكريون مغامرون ، وهوطموح ينوء بحمله العالم العربي مجتمعا بله أن يتحمله بلد صغير الحجم والامكانيات مثل تونس.

ليس عيبا أن يقدم بورقيبة على إدخال تعديلات وإصلاحات سياسية وتشريعية في وقت كانت البلاد التونسية، شانها في ذلك شأن الكثير من البلاد العربية والإسلامية في حاجة إلى الإصلاح والتطوير ، ولكن العيب أولنقل الخلل الرئيس يتمثل في كون هذه الإصلاحات كانت محكومة بمنزع هدمي وتدميري أكثر مما كانت محكومة بروح بنائية وتراكمية، فقد عملت البورقيبية على تفكيك المؤسسات الاجتماعية القائمة، والتي كانت توفر على أخلالها وسلبياتها نوعا من اللحمة العامة وحماية الأفراد من غائلة تسلط الحكم، ولكن البورقيبية ما كان لها العزم ولا القدرة على إقامة مؤسسات نظم اجتماعي وسياسي بديلة، فالهياكل والعصائب التقليدية أمثال نظام العائلة الممتدة ورابطة الجيرة والحارة، ونظام الحسبة والسوق التقليدية وغيرها لم تأخذ مكانها هياكل حديثة مثل الأحزاب والنقابات والجمعيات الطوعية وما شابه ذلك. ما كان يعني بورقيبة بدرجة أولى هو دق معول الهدم في بنى "العالم التقليدي" التي اعتبرها عقبة امام مشروعه "التحديثي" ، ومن ثم وتحويل المجتمع إلى ذرات فردية خاضعة لإرادة الزعيم الفوقية صانع "الأمة" وضامن وحدتها ، أي إحداث تجويف في الجسم السياسي والاجتماعي إلى جانب إزاحة كل قوى الكبح السياسي التي تقف في وجهه مستغلا أجواء الصراع مع خصمه العنيد صالح بن يوسف والقوى العروبية والتقليدية المتحالفة معه، بما أتاح له السيطرة الفوقية على المجتمع ومد اذرع تحكم الدولة إلى مختلف مناحي المجتمع. لعل هذا ما يفسر الفقر المؤسسي الذي تعانيه تونس إلى يومنا هذ، هذا الفقر الناتج عن اختلال التوازن بصورة كبيرة بين دولة شديدة التضخم والجبروت وبين مجتمع شديد التذرر والتشظي. واحدة من العقبات الرئيسية التي تحول دون ضمان انتقال ديمقراطي حقيقي وجاد في البلاد التونسية يعود إلى ضعف المجتمع المدني إزاء دولة شديدة التغول والشراسة الأمنية، بما يجعل هذه الدولة ممتنعة عن الاعتراف بالمجتمع وقواه المعارضة بله الدخول معها في حالة مساومة سياسية.

من المعلوم هنا أن الكثير من الإصلاحات السياسية والتشريعية التي أقدم عليها بورقيبة كانت تندرج في مجملها ضمن مطالب تيار الإصلاحية الإسلامية منذ حقبة خير الدين التونسي الذي جمع حوله لفيفا من رجالات الإصلاح الزيتونيين في أواسط القرن التاسع عشر، وقد استمر هذا التيار يمد جذوره ويوسع آفاقه تفاعلا مع الإصلاحية الإسلامية التي قادها السيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده وبقية تلاميذهما ، والتي كان لها صدى ملموسا في تونس وبقية أقطار الغرب الإسلامي، "، لا ننسى هنا أن مجلة الأحوال الشخصية التي اعتبرها بورقيبة عنوانا "لثورته الثقافية" اعتمدت في أغلبها على المدونة التشريعية التي ضبطها مفتي الديار التونسية الشيخ عبد العزيز جعيط بدايات القرن العشرين، كما أن قضية إصلاح أوضاع المرأة والمؤسسات الاجتماعية كانت ضمن مشاغل وأجندة الإصلاحيين الإسلاميين أمثال عبد العزيز الثغالبي والاخوان باش حانبه والبشير صفر والشيخ الطاهر بن عاشور وغيرهم من رموز الإصلاح ولم تكن اكتشافا بورقيبيا، وإن كان الأختلاف يطال مسألة المرجعية والمسوغات النظرية لهذا الإصلاح، فبينما كان الإصلاحيون حريصين على تسويغ عملهم الإصلاحي ضمن وعاء الشريعة وروح الشرعية العربية الإسلامية كان بورقيبة يراهن على تقديم مشروعه باعتباره ثورة جامحة على الموروث العربي الإسلامي وخروجا على وعاء الشرعية الإسلامية، وعليه من المغالطة التاريخية القول بأنه لولا "انبجاس العبقرية البورقيبية"لبقيت تونس غارقة في ظلمات الجهل والتخلف ولظلت سجينة التقليد والجمود.

جماع القول إ ن كل ما فعله بورقيبة كان عبارة عن محاولة استيلاء على تراث الإصلاحيين و الانعطاف به نحو وجه تغريبية نخبوية وليس أكثر من ذلك، ولذلك كان من بين أول القرارات التي اتخذها بورقيبة بعد إعلان الاستقلال إغلاق الجامعة الزيتونية التي تعتبر أعرق المؤسسات التعليمية في العالم الإسلامي بهدف تجفيف منابع "توليد النخبة" العربية الإسلامية واستبدالها بجيل جديد من النخب "الحداثية" البورقيبية، بينما كان رموز الإصلاح العربي والإسلامي يراهنون على استيعاب المعارف والعلوم الجديدة داخل وعاء التعليم العربي الإسلامي، وهذا الأمر ليس مستحيل المنال إذا علمنا أن كبريات المؤسسات التعليمية في أوروبا أمثال أكسفورد والسربون وكمبريدج وغيرها من الجامعات التي لعبت دورا متقدما في بلورة العلوم والمعارف الحديثة كانت هي نفسها على امتداد القرون الوسطى معقلا للتعليم الكنسي والتراث السكولاستيكي الجامد.

كل ما فعله المشروع البورقيبي لا يزيد عن تعميق التمزق الاجتماعي والاستقطاب الثقافي، من ذلك تعميق ثنائية التحديث والتقليد، والمحلي والوافد، والعربي الإسلامي والغربي الفرنسي، وبذلك أتت التجربة البورقيبة على "استراتيجية" المواءمة بين المجال التداولي العربي الإسلامي والوافد الغربي الحديث التي نهجتها النخبة الإصلاحية الإسلامية وعلى نحو ما جسدتها تجربة الإصلاحات التي قادها خير الدين التونسي في الإيالة التونسية قبل أن ينتقل لتولي شؤون الوزارة الأولي أو الصدر الأعظم في اسطمبول، ولعل هذا ما يفسر فشل النخبة التونسية فيما نجحت فيه بعض بلاد الجوار المغاربي مثل المغرب الأقصى مثلا الذي نهج منهحا تحديثيا توليفيا بما جعل تجربته السياسية أكثر هدوء ووتيرته الاجتماعية أكثر استقرارا.

ودون مزيد الإطالة في هذه النقطة أقول بأن الأمر لا يتعلق بالاعتراض على مبدا التحديث أو الإصلاح في حد ذاته بقدر ما يتعلق بمنهجيته وروحه العامة، إذ لا يتعلق الأمر بأن نصلح أو لا نصلح، وأن نحدث أوضاعنا العامة أم لا، بقدر ما يتعلق بالكيفية التي نحدث بها ونوعية المسالك التي يجب توخيها في العمل الأصلاحي، والمسوغات النظرية التي تقوم عليها.

ثانيا نبه الأستاذ أحمد نجيب الشابي إلى نقطة على قدر كبير من الأهمية ولكنها للأسف لم تنل حظا كافيا من التحليل والتعميق لضيق الوقت، ثم لملاحقات رئيس الجلسة الشديدة، وهي النقطة المتعلقة ببعث هيئة تأسيسية لوضع دستور جديد أواخر العهد الملكي، هذه الهيئة التي راهنت على تقوية صلاحيات المؤسسة التشريعية، ولكن بورقيبة أراد أن يسير في اتجاه مغاير يقوم على الغاء أي دور للمجلس النيابي وإعطاء موقع الرئاسة سلطة مطلقة، فقد عمل بورقيبة على ملئ الفراغ المؤسسي الذي خلفته سلطة الحماية بتقوية مركز سيطرته، وبسط يده على مؤسسات الدولة بصورة متزايدة ومتلاحقة.

ما أريد قوله هنا هو أن "تفكيك" سلطة الحماية الفرنسية قد ترك نوعا من الفراغ المؤسسي في هياكل الدولة وبنى المجتمع، كان بورقيبة قد اتجه إلى ملئه بسلطاته الفردية والاطلاقية، مستغلا زخم شرعية التحرير التي يتمتع بها، ومن هذه الناحية يمكن القول أن الجهد البورقيبي كان عبارة عن تعميق المسار التفكيكي، والتحديثي الفوقي الذي زرعت بذوره سلطة الحماية الفرنسية وليس أكثر من ذلك. ثالثا ذكر الأستاذ نجيب أن الورقة لم تحدد مفهومي العلمانية والحداثة الأمر الذي جعل القارئ أو المستمع لصاحب الورقة ينتقل من مفهوم إلى آحر بصورة غير منضبطة وواضحة. فعلا الورقة تجنبت الخوض في متاهة التعريف وذلك لسببين رئيسيين: أولا الطابع الإشكالي لهذه المصطلحات، الأمر الذي لا تسعف فيه التعريفات المدرسية أو القاموسية السريعة، وفعلا لو أنني أدرجت هذا الأمر ضمن مشاغل الورقة لأخذ حيزا غير قليل من حجم البحث، ولأثار من السجال ما يصرف النظر عن الموضوع الأصلي المتعلق بموضوعة الاستبداد السياسي في التجربة التونسية. ثانيا الطابع الاستقطابي والخلافي لهذين المفهومين الناتج بدوره عن حالة الاستقطاب السياسي والفكري الذي يشق الساحة العربية، ولعل محاولة التعريف التي قدمها الأستاذ الشابي كفيلة بإقناع المرء بالطابع المجازف والإشكالي لهذا التعريف، فقد حاول الأستاذ الشابي تدارك ما اعتبره نقصا اعترى الورقة الأصلية ولكنه فتح ثغرات نظرية تحتاج بدورها إلى تعقيب، وأبدا هنا بالعلمانية ثم انتقل إلى مسألة الحداثة:

عرف الأستاذ الشابي العلمانية جريا على عادة التعريفات السائدة في الساحة الفكرية العربية بأنها فصل الدين عن الدولة، أوفصل الدين عن السياسة، لكن يبدو لي أن هذا التعريف أشكل من حيث أراد أن يتلمس مسالك العلاج (أي علاج غياب التعريف في الورقة الأصلية)، فتعريف العلمانية بأنها فصل الدين عن الدولة أو فصل السياسة عن الدين تعريف ينطوي على قدر غير قليل من الاختزال، صحيح أن الوجه السياسي يعد أكثر الوجوه إفصاحا وتعبيرا في موضوعة العلمنة، وهذا ما يفسر ميل الكثير من المثقفين والسياسيين العرب إلى تعريف العلمانية باختصار الوقوف عند مظهرها السياسي، ولكن يبدو لي أن هذا الامر ينطوي على قدر من التهرب- واع أو غير واع- من تحمل تبعات تعريف "العلماني"، وما قد يثيره الأمر من حساسية عامة في الوسط العربي الإسلامي،المتوجس من الحل العلماني. صحيح أن العلمانية تراهن على اقامة خط التمايز بين الدين والدولة وفي بعض الحالات بين حقلي السياسة والدين، ومن الصحيح أيضا القول بأن فصل الديني عن السياسي يعد بعدا مكينا ورئيسيا في حركة العلمنة ، ولكن العلمانية تظرية وحركة تظل أوسع من ذلك. فعلمنة الحقل السياسي مثلا التي تنادي بها حركات العلمنة ليست إلا جزء لا يتجزأ من علمنة حقول أخرى كثيرة تراهن على إدخالها حركة العلمنة بما في ذلك حقول الاقتصاد والثقافة العامة والتشريع إلى جانب مجالات التعبير الجمالي والفني، وإذا كانت حركة العلمنة ضمن سياقاتها الغربية عامة قد فرضت نفسها ووسعت مجالات فعلها بما لا يجد معه أهل الفكر والسياسة غضاضة في التأكيد على الطابع "المركب" والواسع لمسار العلمنة، فإن الكثير من مثقفينا وسياسيينا يخيرون المخاتلة، أوالاكتفاء بالتوقف عند الوجه السياسي أو المطالبة السياسية بفصل الدين عن الدولة مع تجنب الخوض في الأبعاد الأخرى لمفهوم العلمانية ولحركة العلمنة (وأنا هنا لا أتهم الأستاذ الشابي بالمخاتلة النظرية ولكن أتهمه بالغفلة).

ولكن يبدو لي أن الأستاذ الشابي قد نقض مقمدماته بنتائجه، فأتى في آخر مداخلته على ما كان قد ثبته في أولها، فهو قد عرف العلمانية بأنها فصل الدين عن لدولة ثم خلص في الأخير إلى القول بأنها استقلالية التشريع عن الدين، وكأنه أراد أن يقول في نهاية المطاف إن الرهان العلماني يتجاوز الجانب الحصري الذي يخص علاقة الدولة بالجهاز الديني ليطال مجلات أوسع وأشمل، فحينما نتحدث عن استقلالية التشريع عن الدين فهذا معناه أننا نتحدث عن أبعاد تتعدى علاقة الدين بالدولة لتمس مجالات أوسع من علاقة الدين بالدولة، فالتشريع القانوني يمس نظام الدولة والحياة العامة بها بقدر ما يمس الحياة الخاصة والعلاقات الفردية من زواج وطلاق ومواريث وما شابه ذلك، ولعله لهذا السبب بالذات حافظت الدول العربية بما في ذلك تلك الأكثر تلييكا (نسبة إلى الائكية الفرنسية) وعلمنة على نوع من العلاقة بالشريعة، إدراكا منها لمخاطر وتبعات هذه الخطوة على مستوى شرعيتها العامة. لعله من المهم ، هنا وقبل أن أدلف إلى تقديم مقاربة تعريفية للعلمانية لفت الانتباه إلى أن الكثير من المماحكات الفكرية والصراعات السياسية والايديلوجية عندنا تتأسس على مطالب نظرية مجردة لا علاقة لها بأرض الواقع ومشكلاته، من ذلك مثلا تصوير المشكلة عندنا وكأنها تتلخص في سيطرة الدين والمعممين على شؤون الحكم وعالم السياسة، بينما واقع الحال يشهد على تسلط الدولة على الدين ومؤسسات المجتمع توازيا مع الاستيلاء على مقدراته المادية، بما يجعل من المطلب الأقرب إلى الواقع عندنا، وخاصة في البلاد التي أتت تجربة التحديث الأهوج على مؤسساتها المادية الرمزية، هو مطلب تحرير الدين من قبضة الدولة بدل مطلب تحرير الدولة من الدين التي هي من أصلها إطلاقية ومتحررة من كل شيء عدى قيمها ومصالحها الخاصة. لا يوجد عندنا دين حصري ومؤسسي يقبض انفاس الدولة ويحول دون إطلاق حركتها بقدر ما توجد دولة كابحة لحركة المجتمع ومتسلطة على المجتمع ومصادر تعبيره الرمزي ومؤسساته العامة. لا يهمني كثيرا الأمر ما إذا كان هذا المطلب يتساوق من بعض الوجوه مع المطلب العلماني أم لا.

وبعيدا عن حذلقات بعض الدهريين الذين يطالبون بإبعاد ا لدين جملة عن عالم السياسة وشؤون الحكم من موقع حرصهم في الدفاع عن "طهورية" الدين وقدسيته الروحية من خلال إبعاده عن الشؤون الزمنية والدنيوية على حد قولهم، وهم يتمنون في دواخل نفوسهم في حقيقة الأمر القضاء على الدين وهز بنيانه من القواعد بقوة الدولة ، أقول ودون تردد أنا ممن يتبنون ضرورة تحرير الدين من سيطرة الدولة، بمعنى أن تكون شؤون الدين العامة ومؤسساته جزء مكينا من حركة المجتمع الأهلي وقواه الفاعلة بدل أن يكون جزء من بيروقراطية الدولة، فالدولة وأي كان شكلها ونوعية الشرعية التي تتأسس عليها إسلامية كانت أم علمانية، حداثية أم تقليدية لا يمكن ائتمانها على الدين وادعاء تمثيله أو النطق باسمه، لأن الدولة بطبيعتها تميل إلى الاستيلاء على أسس الشرعية الرمزية والمعنوية بقدر حرصها على الاستحواذ على الثروات المادية، وإذا كان الملك يميل بطبعه إلى الانفراد وطلب المجد كما يحدثنا العلامة ابن خلدون فكيف يمكن له أن يكون حارسا أمينا للدين.

ورغم أن الفكر السياسي الإسلامي التقليدي وما يسمى بالآداب السلطانية القديمة درجت على اضفاء نوع من الهالة القدسية على دور "الخليفة"، إلى جانب إعتبار الدولة أو السلطان حارسا للدين، إلا انه عند تأمل التجربة التاريخية الحية يتبين أن الدولة السلطانية كانت كلا على الدين وأهله أكثر مما كانت حارسا قويما وأمينا لشأنه، ولعل هذا ما يفسر دعوة العلماء منذ وقت مبكر ومنذ استيلاء بني أميه على الحكم، ثم بصورة أوضح مع تجربة المأمون الذي عمل وقتها على فرض الاعتزال بقوة الدولة على المجتمع، دعوتهم إلى كف يد الدولة عن التدخل في مجال الدين وتحويله إلى ما يشبه الايديلوجيا الرسمية للدولة، فقد دعوها إلى الألتزام بالحدود العامة للشريعة مع ضمان حيادها في مسائل الاجتهاد الديني والاعتقادي، وكان من نتائج ذلك ظهور ما أسماه المؤرخ الأمريكي القدير أيرا لابيدوس بالتمايز والانفصال بين فضاء القصر وفضاء المجتمع الأهلي، فقد كانت القصور الملكية والأميرية حقلا لتجسيد الأبهة السلطانية والمواريث الساسانية والرومانية القديمة التي تم إحياؤها في قالب من الشرعية الإسلامية، في حين كان المجتمع الأهلي حاضنا للدين مؤسساته ومختلف مدارسه الفقهية والكلامية، وهذا ما يفسر ظاهرة المفارقة العجيبة التي حكمت التاريخ السياسي الإسلامي بين دولة شديدة التقلب والصعود والأفول ومجتمع شديد الثراء الاستقرار.

وإذا عدنا هنا إلى مسألة التعريف، أقول بشيء من الاختصار، رغم أن كلمة علماني ومشتقاته من بين المصطلحات التي كانت رائجة في الخطاب الكلامي المسيحي الوسيط إلأ أن هذا المصطلح قد شهد تحولات دلالية في العصر الحديث بما أخرجه عن دائرة الاستعمال المسيحي الوسيط رغم الاحتفاظ بجملة من الثنائيات المترسبة فيه منذ حقبة التكوين، فقد استخدم نعت علماني ضمن السياق المسيحي الوسيط للدلالة على الجانب الزمني والدنيوي تمييزا له عن الحقل الديني المنعوت بالروحي والمتعالي. فقد استعمل هذا المصطلح في بواكيره الأولى مثلا لوصف الألعاب الفروسية التي كانت تنظمها الكنيسة على رأس نهاية كل قرن مسحي، ثم لوصف طبقة من رجال الالكليروس الذين يقومون على خدمة المسيح في هذا العالم الدنيوي (أي خدمة الشؤون اليومية للمتدينين المسيحيين) تمييزا لهم عن طبقة الرهبان الذين يرابطون في الأديرة تفرغا لشؤون العبادة والتبتل الخالص، ولكن منذ بدايات القرن السابع عشر، ثم بصورة أوضح في القرن الثامن عشر توازيا مع اتساع حركة العلمنة على الأرض، بدأ المصطلح يتخلص تدريجيا من حمولته السلبية المنطبعة في مراحل التشكل الأولى، كما بدأ ينحو أكثر نحو اكتساب دلالة اجتماعية سياسية، وذلك لوصف حركة نقل الملكية الكنسية والتعليم الديني من سلطة الكنيسة إلى الحقل "المدني" الذي يقع تحت إشراف السلطة الزمنية للدولة، ولذلك لم يكن مستغربا أن يشيع استخدام هذا المصطح أولا بين المؤرخين قبل أن يتحول لاحقا إلى موضوع بحث في مجال ما تعارفنا عليه اليوم بعلم الاجتماع الديني وعلم الاجتماع الثقافي.

أما نظرية العلمنة أو نظريات العلمنة عامة فهي مولود حديث العهد لا يزيد عمرها عن مائتي سنة من الزمن، وتتأسس هذه النظرية على اختلاف صياغاتها وتنوع القائلين بها على جملة من المسلمات النظرية الكبرى التي تم إنزالها منزلة اليقين المطلق، من ذلك القول بأن التاريخ الحديث يتجه ضرورة نحو التخلص تدريجيا من مرتكزاتها الغيبية والدينية لصالح مرجعية دنيوية سواء في مجال القيم والثقافة العامة، أو في مجالات الاقتصاد والسياسة والتعبير الفني، وأن البنى والهياكل الدينية لا يمكنها أن تصمد كثيرا أمام المسار الإكراهي والكاسح لحركة التحديث، ودون مزيد الخوض هنا في تفصيلات نظريات العلمنة وهناتها الواضحة، خاصة فيما يتعلق بادعاءاته الوثوقية التي لا تصدقها معطيات الواقع والتاريخ الراهن، أكتفي بالتشديد هنا على اتساع دلالة مفهوم العلماني باتساع الرهان العلماني نفسه. ولعل أكثر المقاربات شمولا لمفهوم العلماني، المقاربة الدلالية التي قدمها عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، فقد عرف فيبر العلمانية تحت عنوان كبير أسماه نزع الهالة السحرية والقدسية عن العالم، ولا يقصد فيبر هنا مجرد التخلص من التصورات السحرية والأسطورية للعالم بقدر ما يقصد بذلك التحول من المرجعيات الدينية المتجاوزة لصالح رؤية دنيوية دهرية قوامها الضبط الحسابي ونشدان النجاعة العملية في هذا العالم مع نفي كل أبعاد التعالي الغيبي. فالعلمانية سواء من جهة كونها إدعاءات نظرية أوكحركة اجتماعية سياسية تقوم على إحلال سلطة المحايثة الدنيوية محل المرجعيات والإحالات الروحية المتعالية، وإعادة تأسيس النظام الاجتماعي السياسي بعيدا عن المريكزات الدينية، ولعل هذا ما يفسر مخاوف اتجاهات كثيرة في الغرب نفسه من داخل الكنيسة وخارجها من تداعيات ومخاطر هذه الرؤية الدنيوية الدهرية على الأفراد والمجتمع والعلاقة بنظام الطبيعة والكوكب.

وأخلص من كل ذلك إلى القول إذا كان لابد من مناقشة مسألة العلمانية هنا فيجب إدخال هذه الأبعاد ضمن دائرة النقاش وحركة السجال العام وعدم الاكتفاء بتناول البعد السياسي الذي قد يكون أقل العناصر استشكالا في مجال موضوع العلمنة، أذ أن الكثير من العناصر التي تدعي العلمانيات أنها من مكوناتها الصميمية، يمكن امتصاصها وتشغيلها داخل أرضية دينية متجاوزة. لا يهم كثيرا هنا أن نقبل أو نرفض العلمانية بقدر ما يهم الوعي الكافي بأبعاد وتداعيات حركة العلمنة وإدخال ذلك إلى حركة التداول والنقاش العام بدل ملازمة الصمت والتجاهل إزاء الأبعاد الثقافية والأخلاقية للعلمانية، ويبدو لي أن تعقيب الأستاذ الشابي لم ينتبه إلى هذه الأبعاد بما فيه الكفاية فتركز نقاشه على البعد السياسي للعلمنة.

أما مقولة كون العلمانية كانت حلا للحروب والصراعات الدينية فهذه مقولة صحيحة إلى حد ما ولكن لا يمكن تعميمها بإطلاق،فكل من له دراية يعلم انه من رحم الحروب والنزاعات الدينية التي بدأت تشق أوروبا مع ظهور الحركة البروتستانتية في القرن الخامس عشر أخذت أسس "الاجماع" السابق الذي كانت تشد خيوطه الكنيسة البابوية المتعاضدة مع سلطة الاقطاع في التفكك المتلاحق، وقد حاولت الكنيسة في مواجهة هذا التمزق الديني والسياسي الذي خلفته اللوثرية والكالفينية التي فرضت نفسها في الشمال الأوروبي ومنه أخذت في التسرب نحو الجنوب، حاولت "استعادة" أسس الاجماع المفقود بطاقة هائلة من العنف والقتل في أطار ما سمي وقتها بحروب التفتيش، ولكن كل مافعلته البابوية وقتها أن زادت في ت�ميق الندوب وتويلع التمزقات ا�دينية والسياسية�ل. وهكذا ا جاء الحل العلماني كضرب من التسوية الدينية والسياسية لاستنبات أسس "اجماع" جديد خارج الإطار الديني الذي تحول إلى عامل تمزيق واسع للجسم السياسي والاجتماعي. ورغم أنه لا يمكن القول أن العلمانية كانت دائما قرينة الاستقرار والسلم المدني ودليل ذلك أن اليعقوبة الفرنسية والفاشية الايطالية والنازية الألمانية والستالينية السوفياتية كلها حركات علمانية ولكنها لم تجلب الاستقرار المدني والسياسي، ولكن مع ذلك قدمت العلمانية حلا مخصوصا لأوضاع تاريخية خصوصية، وهذا ما جعل العلمانية تأخذ ألوانا متنوعة بحسب تنوع الملابسات التاريخية وسياقات االتجربة الحية التي تشكلت واشتغلت في أجوائها، فالعلمانيات الأوروبية مثلا وجدت صعوبة كبيرة بحكم بواعث النشأة والولادة من تمديد مفهوم التسامح خارج إطار الطوائف المسيحية ليشمل اليهود ، وذلك إلى غاية الحرب العالمية الثانية، كما أنها إلى يومنا هذا مازالت تمانع بأشكال متفاونة في قبول "المغاير" الإسلامي وشمله بقيمة التسامح العام. وأنا هنا أميل إلى القول بأن المسيحية قد تعلمنت ليس لأنها من طبيعة روحية زهدية تدعو إلىإعطاء ما لله لله، وما لقيصر إلى قيصر على ما يقول الكثير، بل لأنها عجزت في ظل أوضاع تاريخية محددة عن ضمان أسس الإجماع والوحدة العامة، ومن ثم تحولت إلى عامل تقسيم وشرذمة دينية واجتماعية فكان أن تشكلت تسوية سياسية ودينية خرجت بموجبها الكنيسة من حقل الحياة العامة بعد أن اضطرت أن تعطي الكثير من وظائفها للدولة المدنية باعتبارها راعية الوحدة والسلم الأهلي العام، والدليل على ذلك أن المسيحية نفسها وبروحها الزهدية المتعالية هي نفسها التي كانت تسيطر على الدولة وتستحوذ على إدارة الشأن السياسي على امتداد قرون متتالية في العصور الوسطى، أي إن المسألة لا علاقة لها برؤية المسيحية للشأن السياسي بقدر ما تتعلق بأوضاع تاريخية انهزمت فيها الكنيسة أو اضطرت إلى التراجع تحت مطارق القوى الزمنية والعلمانية .

وأخلص مما سبق بيانه إلى القول إلى أن قيمة التسامح وضمان شروط الاستقرار الأهلي العام وقبول التعدد الديني والطائفي ليس أمرا لصيقا بالعلمانية وجودا وعدما، وبعيدا عن القراءات التمجيدية أو الترذيلية للذات والتاريخ أقول أن الحضارة العربية الإسلامية لم تجد صعوبة تذكر في قبول التسامح والتعايش مع المغاير في الدين والملة في إطار الشرعية الدينية، صحيح أن هذا ليس النموذج الأمثل الذي يستجيب لحاجيات العصر ومكتسبات الاجتماع السياسي الإنساني ولكنني أقول أنه يمكن البناء عليه وتطويره داخل إطار النظام القيمي ومضلة الشرعية الأسلامية العامة، دونما حاجة إلى الحل العلماني الذي يبدو أنه جلب من التمزقات الاجتماعية والسياسية أكثر مما جلب من الانفتاح والتسامح، فالعلمانية السياسية في الأرض العربية والأسلامية كانت إلى جد كبير قرينة التفتت الاجتماعي والتسلط السياسي أكثر مما هي جالبة للسلم المدني والديمقراطية السياسية، ولعل الظاهرة التي تستحق متابعة ورصدا في هذا المجال هي كون الدول العربية الأكثر علمنة أو تلييكتا(نسبة إلى اللائكية الفرسية) تبدو الأكثر انغلاقا والأقل انفتاحا وتسامحا، في حين أن أخواتها المنعوتة بالتقليدية والمحافظة كما هو واقع الحال في المغرب والكويت والأردن ولبنان تبدو أقدر على التطور والانفتاح، ولعل ما اثرته إعلاه قد يحد مساحة التقاء وتقاطع مع ما طرحه تعقيب الأستاذ نجيب , مع وجود بعض مساحات التباين والاختلاف.

وهنا نأتي إلى المسألة الثانية التي تتعلق بموضوعة الحداثة التي عرفها الأستاذ الشابي بأن عمادها أو قادحها العقل واكتشاف الذات وسمتها الحركية والتغير والصراع ضد القديم، ورغم أن هذا التعريف قد التقط بعض مناحي الحداثة إلا أنه لم يكشف النقاب عن عناصر أخرى عدت لصيقة بالحداثة من طرف منظريها ، كما أنه خلط بعض الشيء بين الحداثة والتحديث، فسمة التغير والحركة والصراع ضد القديم تعد من ملامح التحديث أو بعض تجارب التحديث على سبيل الحصر وليست ميزة الحداثة بإطلاق، فالتحديث في أمريكا الشمالية وإلى حد ما في بريطانيا ثم بصورة أوضع فيما بعد في اليابان مثلا لم ينح منحى الصراع أوالتصادم بين القديم والجديد بقدر ما كان أقرب إلى المواءمة والتوفيق، فقد نظر الآباء المؤسسون للولايات المتحدة الأمريكية مثلا إلى أن مهمتهم عبارة عن إعادة اكنشاف وأحياء أمجاد روما االقديمة وأثينا اليونانية أكثر مما هي "تأسيس"لحظة تاريخية جديدة، أو والقطع مع ماض ثقيل وكابح لحركة التقدم، (لأن أمريكا ليس لديها ماض تقطع معه أو مواريث ثقيلة تشتبك معها). وعند التأمل التاريخي الثاقب تبدو خاصية الصراع الحاد وإرادة القطع مع الموروث القديم تبدو حالة فرنسية خاصة، ومن التعسف تعديتها إلى بقية التجارب التحديثية الأخرى، وربما يعود هذا الأمر إلى ثقل التاريخ المؤسي الديني الكاثوليكي الفرنسي المتحالف من سلطة الاقطاع والاطلاقيات الملكية، بما جعل من حادثة الثورة الفرنسية ظاهرة انفجارية في مسار التاريخ الثقافي والسياسي الفرنسي، ومن ثم حينما نقول إن الحداثة تتسم بالصراع ضد القديم، فهذه ليست حالة عامة، الأمر الذي يثبت أن مسالك الحداثة وطرق التحديث كانت تختلف من تجربة إلى أخرى بما في ذلك ضمن السياقات الغربية عامة، لذا يجب أن يتحلى المرء بروح النسبية والتواضع في قراءة التاريخ بدل التعلق بالإدعاءات الشمولية والإطلاقية التي تجد للأسف سوقا رائجة في عالم النخب العربية.

أما حينما نتحدث عن الحداثة فنحن نتحدث هنا على سبيل التدقيق عن القيم الثقافية والفكرية الكبرى المؤسسة للحداثة، أي عن نظريات الحداثة وخطابها العام على نحو ما صاغها كبار منظريها، وذلك خلافا لكلمة التحديث التي تحيل إلى الحركة التاريخية الحية للحداثة (أي الحداثة التي استحالت تحديثا) فعالم الإجتماع الألماني ماكس فيبر مثلا يطابق بين الحداثة والعقلانية أو ما يسميه بالعقلانية القصدية التي يتقوم أساسا على مبدأ الضبط الحسابي الذي ينشد المردودية والنجاعة على نحو ما وجدت تعبيرها المكثف في مجال السوق الرأسمالية الحديثة وبيروقراطية الدولة، أما بالنسبة للفيلسوف الألماني هابرماس والذي يعد واحدا من أهم وأشهر رموز مدرسة فرنكفورت فهو يعتبر العقلانية والنزعة الذاتية وأيديلوجيا التقدم ثم يردف إلى ذلك العلمانية باعتبارها من بين القيم الكبرى المؤسسة للحداثة، ورغم أن هابرماس حاول أن يشق طريقا وسطا بين من يسميه بالأتباع النيتشويين الذي يعملون على تذويب قيم الحداثة جملة لصالح متاهات الفراغ العدمي، وبين النزعة الحداثية الأنوارية القائمة على إطلاقية العقل والذات والمتعلقة بايديلوجيا التقدم إلا أنه في نهاية المطاف بقي يتحرك ضمن المربع الأنواري بعد محاولة تمطيطه بعض الشيء.

ودون مزيد الخوض في أكثر في الجانب النظري لهذه المسألة العويصة التي لا تحتملها طبيعة هذه الورقة ، أكتفي بالتشديد على نقطتين اثنتين، أولا إذا اعتبرنا أن واحدا من الأسس المكينة للحداثة تتمثل في العقلانية على نحوما شدد ذلك الأستاذ الشابي، فإنه لا توجد عقلانية جوهرية وكلية يمكن تعميمها على جميع البشر، العقلانية هي فاعلية حية شديدة الصلة بالخزان التأويلي واللغوي وكذا الشروط التاريخية التي تشتغل ضمنها، ومن ثم يمكن القول أن العقلانية عوالم وأحوال مختلفة، أي هي عقلانيات وليست عقلانية واحدة. ثانيا إذا فهمنا من العقلانية بعدها الأداتي أو ما يسميه فيبر بالعقلانية القصدية Purposive Rationality أي العقلانية الحديثة التي هي شديدة الصلة بالعلم والتقانة، فهذه بدورها ليست من نمط واحد وشكل واحد، ودليل ذلك أن توظيفات العلم والتكنلوجيا التي تختلف من فضاء ثقافي وقيمي إلى آخر، فالمقابلة هنا لا تتعلق بين عقلانية سحرية وتقليدية وأخرى حديثة بل من العقلانية الحديثة هي بدورها عقلانيات متنوعة وليست عقلانية واحدة.

أنا ممن يقولون بتعدد الحداثات لا بوجود حداثة واحدة جامعة مانعة، الحداثة عندي هي انفناح على امكانيات متعددة وهي من ثم عوالم غنية ومتنوعة وليست عالما واحدا ومطلقا، وهذا ما يجعل من التعسف الفكري والتبسيط التاريخي القول بنموذح واحد وكلي للحداثة. ثمة آفة قاتلة للفكر ومقعدة للإبداع استولت على كثير من المثقفين العرب، أعني بذلك آفة الجمود على المنقول دون بذل الحد الأدنى من النقد وإعادة الاجتهاد، من ذلك تصور الحداثة وكأنها مدونة مغلقة ومكتملة لا يمكن إعادة التفكير في مسلماتها ومقولاتها، والغريب في الأمر أن هؤلاء على كثرة ما يثيرونه من ضجيج ومديح لفضائل النقد الجذري والابداع الحداثي إلا أنهم ظلوا أسرى الجمود والتقليد ولم يتحملوا أعباء الاجتهاد في الحداثة.

التنظيمات: لا يتعلق الأمر بنظرة سلبية أوايجابية لحركة التنظيمات بقدر ما يتعلق بمجريات هذه التجربة والتداعيات التي تمخضت هنها بحلوها ومرها، وبما أن الورقة قد تناولت ما أسمته بالاستبداد الحداثي فقد ساقها التحليل إلى الكشف عن مواطن التقاطع والالتقاء بين تجربة التنظيمات وهذا النمط من الاستبداد الجديد، وحتى لا نحمل تجربة التنظيمات أكثر مما تحتمل فإننا نقول بأن الأمر لا يتعلق بتجربة التنظيمات في حد ذاتها بقدر ما يتعلق بملابسات التجربة التاريخية التي تنزلت ضمنها والتي كانت في صورتها العامة تتسم بالتأزم الداخلي والتهديد الخارجي، ومن مظاهرها تمزق عرى اللحمة الأهلية الداخلية بسبب تزايد الضغوطات العسكرية ثم الاقتصادية والسياسية الغربية سواء في العاصمة التركية أو في بقية الولايات والايالات في بلاد الشام ومصر وتونس، فقد استشعرت النخبة الإصلاحية العثمانية حجم المخاطر الغربية واتساع الهوة بينها وبين مكنة التسلح والقوة العسكرية لدى الممالك الأوروبية الصاعد فكان أن تركز الجهد الأكبرللاصلاح على تقوية أذرع الدولة وعلى رأس ذلك أجهزة الجيش والبيروقراطية ثم الأجهزة البوليسية لاحقا. واحدة من النتائج المباشرة والخطيرة التي تمخضت عن تجربة التنظيمات اختلال التوازن بصوورة كاملة بين الدولة والتكوينات الأهلية المستقلة، ولعل هذا ما يفسر حركة الانشطار بين رجالات الإصلاحية الإسلامية ورجالات التنظيمات في الاستانة، خصوصا مع تكشف الوجه المخيف لما سمي وقتها بالاستبداد الحميدي، فجمال الدين الأفغاني مثلا والذي كان شديد الحماسة لتجربة التننظيمات ولم يدخر وسعا في مدها بالمسوغات الفكرية والدينية تأزمت علاقته في نهاية المطاف بالسلطان عبد الحميد،واضطر الخروج متخفيا من العاصمة العثمانية بعد أن اشتدت مخاوفه من حالة الاستبداد العثماني الجديد.

وفي الأخير أخلص إلى النقطة الأخيرة التي أثارها الأستاذ الشابي حول المقاربة التي نهجتها الورقة، وهي التركبز على البعد الثقافي للاستبداد مع تجاهل أبعاد أخرى، وهذا الأمر صحيح إلى حد ما، فقد ركزت الورقة مثلا على العلمنة ولكن من زاوية أبعادها وتداعياتها السياسية في إحداث فجوة واسعة بين الدولة والمجتمع، وفي تعميق الهوة بين النخبة السياسية الرسمية وعموم الجسم الشعبي، ولكن من المهم التنبية هنا إلى أن الثقافة ليست عالما من الرموز المجردة بقدر ما هي شديدة الصلة بواقع الاجتماع السياسي، أن نتحدث عن الثقافة وكما يعلمنا ذلك الفيليوف النمساوي فيتجنشتاين هو أن نتحدث عن المسلكيات وأنماط الحياة. ولكن من المؤكد أن هناك أبعاد أخرى فاعلة ومغذية لظاهرة الاستبداد سواء ما تعلق منها بالأبعاد الاقتصادية والاجتماعية، ربما يكون من الزملاء الاقتصاديين والاجتماعيين من هو أقدر منا على استكمال هذا الجهد الأولي، وتبقى هذه الورقة مجرد اجتهاد يعتريه قدر غير قليل من النقائص التي تحتاج إلى التدارك مستقبلا.

 

الأفكار الواردة في التعقيبات لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها.

ويرحب الموقع بأي تعليقات على الأفكار المطروحة.

التقييم الحالي
بناء على 0 آراء
أضف إلى
أضف تعليق

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما تعبر عن رأي أصحابها. يرجى قراءة ضوابط التعليقات المنشورة
الاسم
عنوان التعليق
التعليق

Warning: array_search() expects parameter 2 to be array, null given in /home/arab4d/application/democracy/controllers/PagesController.php on line 47