الأربعاء 3 سبتمبر 2014
الرئيسية | من نحن | خريطة الموقع | روابط | اتصل بنا |
كلمة المرور:
الديمقراطية والأحزاب العربية

صدر عن مركز دراسات الوحدة العربية كتاب "مفهوم الأحزاب الديمقراطية وواقع الأحزاب في البلدان العربية". تنسيق وتحرير: علي خليفة الكواري، عاطف السعداوي.

يجمع هذا الكتاب بين دفتيه أوراق ومناقشات ومداخلات وتعقيبات اللقاء السنوي العشرين لمشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية، الذي عقد في حرم جامعة أكسفورد، في 24/7/2010. 

للإطلاع على مسودات هذه الأوراق والتعقيبات والنقاشات بموقع الجماعة العربية للديمقراطية، اضغط هنــا. 

لزيارة صفحة الكتاب بموقع مركز دراسات الوحدة العربية، اضغط هنــا.

وقد تناول الكتاب ممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب العربية، مع اهتمام بدراسة هياكلها التنظيمية، وأنماط التفاعلات فيها، ومستوى الديمقراطية داخلها أو فيما بينها.
كما تم تسليط الضوء على أهمية الديمقراطية داخل الأحزاب، انطلاقاً من الأحزاب الديمقراطية التي تتميز من نظيرتها التي لا تتمتع بهذه الصفة، بأنها تعمّق من شرعية النظام السياسي، وتسهم في توسيع نطاق المشاركة السياسية، وتساعد على حلّ أزمة التكامل القومي، كما أنها أداة لحسم الصراعات الاجتماعية والسياسية في المجتمع، فضلاً عن كونها قنوات للتنشطة السياسية.

ويكتسب هذا الكتاب أهمية إضافية، نظراً إلى الحالة الاستثنائية التي يعيشها أو ستعيشها كل الشعوب العربية، حيث يقدم هذا العمل ما يشبه "الوصفة" اللازمة لبناء الأحزاب الديمقراطية ، مع ما يمكن أن تؤديه هذه الأحزاب من دور في بناء الدولة العربية الديمقراطية؛ فالثورات والانتفاضات والتحركات من أجل الحرية والديمقراطية على امتداد الساحة العربية اليوم، تجعل من ممارسة الديمقراطية، داخل الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، ضرورة عاجلة لا تستقيم نُظُم الحكم الديمقراطية المنشودة في البلدان العربية دونها.
يقع الكتاب في 431 صفحة.

كتب الأوراق الرئيسية كل من:

بوحنية قوي
عاطـف السعداوي
عبد الرزاق التكريتي
عبد الله الفقيه
عبد الناصر جابي
عبدالعزيز السيد
عمرو الشوبكي
نـمر سلطان 

وشارك في كتابة التعقيبات والمناقشات:

إبراهيم محمد ابراهيم المهندي/ قطر
أحمد الديلمي بريطانيا/ البحرين
أحمد الشاهي/ بريطانيا
أحمد صابر أحمد/ بريطانيا/ مصر
أسامة رشدي بريطانيا / مصر
أفراح محمد سعيد هيثم/ البحرين
جاسم حسين/ البحرين
جاسم علي خليفه الكواري/ قطر
جلال ورغي/ بريطانيا/ تونس
جمعة القماطي بريطانيا/ ليبيا
جورج القصيفي/ لبنان
حسين شهاب/ البحرين
خالد الشامي بريطانيا/ مصر
خالد العزري بريطانيا / سلطنة عمان
خديجة صفوت/ بريطانيا /السودان
خليفة عبد الله زيد المحمود قطر
خليل محمد خليل العناني بريطانيا/ مصر
راشد الغنوشي بريطانيا/ / تونس
رغيد الصلح/ لبنان
رفيق عبدالسلام بوشلاكه/ بريطانيا/ تونس
صباح المختار بريطانيا/ العراق
عاطف السعداوي الإمارات/ مصر
عبد العزيز حسين الصاوي/ بريطانيا / السودان
عبد الغني محمد رشاد/ هولندا/ مصر
عبد الفتاح محمد ماضي/ مصر
عبد النبي حسين العكري/ البحرين
علي خليفة الكواري/ قطر
علي فخرو/ البحرين
علي قاسم ربيعة/ البحرين
عمرو الشوبكي/ مصر
لحدان عيسى لحدان المهندي/ قطر
مجدوب عبد المؤمن/ الجزائر
محمد جابر بريطانيا/ العراق
مروان فرنسيس بريطانيا/ لبنان
نديم شحادة بريطانيا/ لبنان
نمر سلطاني أمريكا / فلسطين
وداد احمد كيكسو

خلاصة كتاب: مفهوم الأحزاب الديمقراطية وواقع الأحزاب في الدول العربية

بقلم عاطف السعداوي

الديمقراطية داخل الأحزاب ضرورة عاجلة

يجمع هذا الكتاب بين دفتيه أبحاث ومناقشات ومداخلات وتعقيبات اللقاء السنوي العشرين لمشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية والذي عقد في حرم جامعة أكسفورد العريقة في الرابع والعشرين من يوليو 2010، حمل هذا اللقاء عنوان " الأحزاب الديمقراطية وواقع الأحزاب في البلدان العربية"، وتطرق كما يبدوا من عنوانه لأهمية وكيفية وشروط ومقومات بناء أحزاب ديمقراطية في الدول العربية، في ذاك الوقت لم يكن يبدوا في الأفق أي بوادر قريبة لعمليات تحول ديمقراطي عميقة قد تشهدها أيا من الدول العربية، فواقع المجتمعات العربية عصيا على الإصلاح السياسي، ناهيك عن التغيير، مغلقا باب الأمل أمام أي أفق سياسي ديمقراطي، لذا خلصت معظم المناقشات في هذا اللقاء إلى أهمية الممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب العربية، وأهمية بناء أحزاب عربية على أسس ديمقراطية سليمة باعتبار أن ذلك قد يكون مدخلا مناسبا للإصلاح السياسي في الدول العربية انطلاقا من مقولة أن "ضمان ممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب هو أكبر ضمانة، أو هو في حد ذاته ضمانه، لممارسة الديمقراطية داخل الدولة"، فبدون أن تكون هناك جماعات ديمقراطية وأحزاب تمارس الديمقراطية نسبيا داخلها وفيما بينها، من الصعب أن يكون هناك انتقال سلمي للديمقراطية، كما ذهب إلى ذلك الباحث والمفكر القطري الدكتور علي خليفة الكواري في كلمته الافتتاحية، في حين ذهبت قلة قليلة من الآراء إلى نتيجة معاكسة مؤداها انه لا يمكن بناء أحزاب ديمقراطية في بيئة غير ديمقراطية، فقد رأى هؤلاء أن الاستبداد الذي يضرب بجذوره في كل ركن من أركان الدولة العربية هو أصل الداء، وهذا الاستبداد هو الذي حول الأحزاب العربية إلى أحزاب ورقية ديكورية شكلية تعمل فقط على تحقيق أهداف النظام السياسية المستبدة، وبالتالي فأن القضاء على الاستبداد هو شرط أولي لبناء أحزاب ديمقراطية.

لم يدر بخلد أصحاب هذا الرأي، ولا بخلد أي مراقب على ما اعتقد، انه بعد شهور قليلة من اجتماعنا هذا سيشهد العالم العربي موجة ثانية من الثورات الشعبية، وإذا كانت الموجة الأولى قد هدفت إلى التحرر من المستعمر الخارجي، فأن الموجة الثانية هدفت إلى التحرر من مستعمر داخلي ،أكثر خطورة ربما، تمثل في أنظمة سياسية عاثت في أرض بلادها طغيانا واستبداد وفسادا، فانطلقت شرارة تلك الثورات الديمقراطية من تونس إلى مصر إلى ليبيا واليمن والبحرين وسوريا والمغرب والجزائر، مزحزحة في طريقها، أو تكاد، عقودا من الاستبداد و المستبدين ، وفاتحة الباب على مصراعيه أمام عملية تحول ديمقراطي تاريخية، ووفرت بيئة مثالية ، لم يكن أكثر المتفائلين يحلم بها، لبناء أحزاب سياسية جديدة على أسس ديمقراطية سليمة، كما أجبرت الأحزاب القائمة على أن تعيد بناء هياكلها ولوائحها ومؤسساتها على تلك الأسس الديمقراطية لكي تواكب هذا الحدث الديمقراطي الوليد، ومن ثم يكتسب هذا الكتاب أهمية إضافية نظرا للحالة الاستثنائية التي تعيشها أو ستعيشها كل الشعوب العربية، حيث يقدم هذا العمل ما يشبه "الوصفة" اللازمة لبناء الأحزاب الديمقراطية، مع ما يمكن أن تلعبه هذه الأحزاب من دور في بناء الدولة العربية الديمقراطية، وهذا ما أشار إليه الدكتور علي خليفة الكواري، المنسق المشارك لمشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية، في مقدمة هذا الكتاب عندما أكد على أن الثورات والانتفاضات والتحركات من أجل الديمقراطية على امتداد الساحة العربية اليوم، تجعل من ممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني ضرورة عاجلة لا تستقيم نظم الحكم الديمقراطية المنشودة في الدول العربية دونها، مؤكدا أن ممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني في كل دولة تنتقل إلى نظام حكم ديمقراطي، هو أحد التحديات الكبرى لاستقرار نظم الحكم الديمقراطية الذي قامت الثورات من أجل تحقيقها، داعيا كافة أطياف الطيف الديمقراطي عبر التيارات الفكرية وفي جميع الأحزاب والحركات السياسة في الدول العربية أن يضعوا الممارسة الديمقراطية في الدول العربية ضمن أولوياتهم. مؤكدا أن ذلك هو الضمانة لنجاح الثورات والانتفاضات والتحركات الديمقراطية المباركة على الساحة العربية.

نفس الرأي يذهب إليه الكاتب والباحث اللبناني رغيد الصلح، المنسق المشارك لمشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية عندما أشار في كلمته الافتتاحية إلى أن الكل يحرص على أن يكون الحزب هو المؤتمن الرئيسي على النظام الديمقراطي وعلى حريات الشعوب، والكل يرى علاقة وثيقة بين الديمقراطية الداخلية في الأحزاب ودورها في صيانة الديمقراطية في المجتمع، مؤكدا أن نقد مظاهر "العجز الديمقراطي" الذين نلمسه في الحياة الداخلية للأحزاب العربية لا يمثل حكما متشائما على الأحزاب القائمة "فهذه الأحزاب تستطيع أن تحقق تطورا مهما لصالحها ولصالح المجتمعات العربية إذا سلكت طريق التجدد وتبنت الخيار الديمقراطي بكل أبعاده" مؤكدا أن الخطوة الأولى على هذا الطريق تبدأ بالتوصل إلى نظرات وأفكار مشتركة حول معنى تطبيق المبادئ الديمقراطية داخل الأحزاب العربية.

مؤشرات ومعايير الحزب الديمقراطي

الفصل الأول من هذا الكتاب تضمن دراسة نظرية حول مؤشرات ومعايير الحزب الديمقراطي أكد فيها الباحث عاطف السعداوي، مدير تحرير مجلة الديمقراطية بالأهرام، على أهمية الديمقراطية داخل الأحزاب انطلاقا من "أن النضال من أجل دولة ديمقراطية يبدأ بالأساس بالعمل من أجل بناء أحزاب ديمقراطية، فلا يمكن بناء ديمقراطية بقوي وتنظيمات غير ديمقراطية"، ثم تطرق إلى عوامل ومحددات وجود الديمقراطية داخل الأحزاب، وقد رأى أن هذه العوامل والمحددات تنقسم إلى محددات داخلية تتعلق بالأحزاب ذاتها من حيث أطرها الفكرية والأيدلوجية وهياكلها التنظيمية وبرامجها السياسية ونخبها القيادية وتماسكها الداخلي ووسائلها الاتصالية، وحجم عضويتها ومصادر وحجم تمويلها، وأنماط التفاعلات والعلاقات فيما بينها، ومحددات خارجية كالبيئة السياسية والقانونية والثقافية والاجتماعية التي تعمل بها الأحزاب وشكل نظام الحكم برلماني أم رئاسي، وطبيعة النظام الحزبي ومدى استقراره، وطبيعة النظام الانتخابي ، وطبيعة الإطار القانوني لعمل الأحزاب السياسية، وأنماط علاقة الأحزاب بالدولة أو بعض أجهزتها الرئيسية كالبيروقراطية أو المؤسسة العسكرية، واتجاهات الثقافة السياسية السائدة في المجتمع ومدى تحفيزها لفكرة المشاركة السياسية من خلال الأحزاب، هذا فضلا عن تأثير بعض المتغيرات والظواهر الاقتصادية والاجتماعية كمعدل التنمية الاقتصادية ومعدل التحضر ونسبة ومستوى التعليم السائد في المجتمع، وغيرها من العوامل التي يمكن أن تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على درجة الديمقراطية داخل حزب سياسي ما، واختتم السعداوي دراسته بمحاولة استنباط بعض المؤشرات والمعايير التي يمكن بناء عليها تحديد مدى ديمقراطية أو عدم ديمقراطية حزب ما، محددا في هذا الصدد 5 معايير رئيسية يتفرع عن كل منها عدد من المعايير الفرعية:

- طبيعة السلطة ونمط توزيعها داخل الحزب (البناء التنظيمي للحزب، التوزيع الهرمي للسلطة الحزبية، التوزيع الأفقي للسلطة الحزبية)
- طبيعة العلاقة بين النخبة والأعضاء في الحزب (أساليب تجنيد النخبة ومعدل دورانها، طريقة اختيار مرشحي الحزب في الانتخابات ، الأطر المؤسسية لمشاركة الأعضاء)
- أنماط التفاعلات داخل النخبة الحزبية وطريقة إدارته (كيفية إدارة التنافس على النفوذ داخل النخبة الحزبية، طبيعة الخلاف حول القضايا الفكرية والسياسية)
- نظرة الحزب للأخر (علاقة الحزب بالمجتمع، علاقة الحزب بغيره من الأحزاب، نظرة الحزب للدولة،
- عضوية الحزب (آليات الانضمام إلى الحزب، شروط الانضمام إلى الحزب، حقوق وواجبات الأعضاء، الدور الرقابي للأعضاء، مصدر ولاء الأعضاء.

وبناء على تلك المعايير والمؤشرات خلص الباحث إلى أن الحزب الديمقراطي هو:

• الذي ينتهج مزيدا من المشاركة الفعالة في صنع القرار من خلال انطواء هيكله التنظيمي علي توزيع معين للسلطات والاختصاصات الحزبية على مستوياته التنظيمية المختلفة ولا تحصرها فقط في مستواه القيادي، ومن ثم تحظي عملية صنع القرار فيه بمشاركة حقيقية من كافة مستوياته التنظيمية, أو علي الأقل تحظي القرارات المتخذة بالرضاء العام من كافة مستويات الحزب التي لم تشارك في صنعها
• الذي لا تحتكر فيه سلطة مركزية عملية صنع القرار، بل يتيح هيكل توزيع السلطة فيه لفروع ووحدات الحزب في الأقاليم سلطات واختصاصات حقيقية ولا تقصرها فقط على المركز الرئيسي للحزب، بحيث تكون السلطات الحزبية موزعة ما بين الوحدات الجغرافية المختلفة للحزب
• الذي يتمتع بدرجة عالية من المؤسسية التنظيمية، حيث تخضع فيه عملية صنع القرار لضوابط وإجراءات رسمية وواضحة
• من تشهد نخبته تجديدا دوريا وتداولا للسلطة في كافة مواقعها من خلال انتخابات دورية تنافسية تعكس مشاركة قاعدية منتظمة في اختيار النخبة الحزبية
• من يشرك أكبر عدد من مناصريه في اختيار مرشحي الحزب في الانتخابات
• الذي يتضمن آليات لإدارة التنافس على النفوذ داخل النخبة الحزبية
• الذي يحترم ثقافة الاختلاف و شرعية الاجتهاد ويحتضن الاتجاهات الفكرية المختلفة ويرعى حقها في الوجود والتعبير عن نفسها داخل الحزب وخارجه بكل الوسائل الممكنة بما يؤدي إلى إثراء الحزب بإبداعات أعضائه وبما يؤدي إلى أن يظل ممارسة حق الاختلاف داخل الوحدة الحزبية ويحول دون الاندفاع فيه إلى حد التناقض مع هوية الحزب وثوابت وجوده بحيث لا تأخذ ظاهرة الخلافات السياسية والفكرية طابع الأجنحة ولا تتحول إلى صراع على النفوذ يستقطب معظم النخبة الحزبية إليه بما قد يؤدي في النهاية إلى تفكك الحزب أو الانشقاق عنه على الأقل.
• من تكون آليات وطرق الانضمام إليه واضحة ومعروفة ومعلنة لمن يرغب في الانضمام إليه, وأن يكون منصوصا عليها في وثائقه الداخلية ولا تحمل أي قدر من السرية.
• من تكون عضويته مفتوحة أمام جميع المواطنين دون أي قيد أو مانع أو تمييز أيا كان نوعه أو مصدره ـ وهنا تثار قضية "المواطنة"وموقف الحزب منها ومدي حرصه عليها,فموقف الحزب من أقلياته من أهم ما يميزه كحزب ديمقراطي
• هو من تكون العضوية فيه هي وحدها مصدر الحقوق ومناط الواجبات، وهو من يتساوى جميع أعضائه أمام نظم الحزب ولوائحه وكذلك في الحقوق التي يتمتعون بها والواجبات التي عليهم تأديتها.
• الذي يؤسس فيه مبدأ الولاء على قواعد ومبادئ عقلانية تمثل كيان اعتباري يدين له الجميع بالانتساب والدفاع عنه بما يجعل فكرة المؤسسة سائدة ومهيمنة على أداء الحزب وليس الولاء أو الطاعة والخضوع للقيادات أو الزعامات أو الشخصيات النافذة
• الذي يقبل غيره من الأحزاب الموجودة في نفس الساحة السياسية دون إقصاء أو محاولة للاحتواء بالترهيب أو التغييب أو الإنكار، واعترافه بحق الأحزاب الأخرى في الوجود والتعبير عن نفسها واعترافه بحق بقية الأحزاب في التنافس معه للوصول إلى السلطة وتداولها سلميا دون أن ينظر إلى نفسه نظرة اصطفائية
• الذي يسعى إلى إدماج المواطنين أفرادا وجماعات في الحياة السياسية بحيث يقوم الحزب فعلا بدور الوسيط بين المواطن والحياة السياسية

الأحزاب المصرية: البيئة المحيطة وأزمة الديمقراطية الداخلية

القسم الأول من هذا الكتاب تضمن أوراق عمل قدمت أثناء اللقاء العشرين لمشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية وتعرضت لحال الممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب في بعض البلدان العربية، وتحديدا مصر وفلسطين والجزائر واليمن.

في الفصل الثاني من الكتاب وفي دراسة حملت عنوان "الديمقراطية في الأحزاب المصرية بين البناء الداخلي والبيئة المحيطة" تعرض الدكتور عمرو الشوبكي، الخبير بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، بالوصف والتحليل لأزمة الديمقراطية داخل الأحزاب المصرية، فتناول أولا النظريات والمقاربات المختلفة للديمقراطية داخل الأحزاب السياسية وكيف قرأتها المدارس المختلفة، مستعرضا في هذا الصدد مقولات النظرية التعددية ونظرية النخبة والنظرية الماركسية اللينينية حول الديمقراطية داخل الأحزاب، ثم تطرق بعد ذلك لطبيعة البيئة السياسية المحيطة التي تتحرك في داخلها الأحزاب المصرية وفق فرضية أساسية تقوم على استحالة الفصل بين تطور الديمقراطية داخل الأحزاب السياسية، وبين ديمقراطية البيئة السياسة المحيطة بها، مركزا في ذلك على تأثير عوامل من قبيل الطريقة الفوقية التي نشأت بها الأحزاب المصرية، ودور القضاء ودور لجنة شئون الأحزاب في التأثير على مسار الديمقراطية داخل الأحزاب المصرية، ثم تناول أخيرا خبرة أربعة أحزاب سياسية مصرية (الوطني والوفد والتجمع والجبهة الديمقراطية) في الممارسة الديمقراطية الداخلية كنموذج عملي لما يجري في الواقع، محللا النظم واللوائح الداخلية لتلك الأحزاب ثم محللا ممارسات تلك الأحزاب، خالصا إلى نتيجة مؤداها انه باستثناء تجربة الانتخابات الأخيرة لحزب الوفد، فأن تجربة بقية الأحزاب محل الدراسة خلت من أي ممارسة ديمقراطية داخلية وكان تاريخها كله مليئا بالصراعات والانشقاقات واحتكار نخبة تلك الأحزاب لعملية صنع القرارات الحزبية، كما كانت جميعها من مشكلة استكمال بناء المستوى القاعدي للحزب، ومن اختلال العلاقة بين النخبة والأعضاء داخل الحزب ومن تهميش دور المستوى القاعدي للحزب في اختيار نخبته، ومن الانخفاض الشديد في معدل دوران النخبة داخل الحزب ومن الصراع على النفوذ بين أعضاء النخبة. 

أثارت دراسة الشوبكي كما كبيرا من التعقيبات والمداخلات من حضور اللقاء، كان أبرزها ما أكد عليه الدكتور علي فخرو من أن الإشكالية الكبرى في العالم العربي الآن هي الهجمة على "الحزبية" نفسها، وعلى كلمة الحزب، وعلى الانتماء للحزب، مقارنة بما تحققه الحركات الاجتماعية غير الحزبية في العالم العربي، مطالبا إجراء دراسة مقارنة بين الأحزاب وحركات الاحتجاج الاجتماعية غير الحزبية في بلدين أو ثلاث بلدان عربية بحيث يمكن أن نصل لإجابة نهائية على سؤال: هل الأحزاب هي الأساس أم أن حركات الاحتجاج الاجتماعية سبحت البساط من تحت أقدام الأحزاب وأصبحت هي الأساس؟، هذا السؤال أجاب عليه "علي ربيعة" في مداخلته عندما أكد أن فشل الأحزاب السياسية في مصر وفي غيرها من البلدان العربية في تحقيق مطالب الناس وحل قضاياها أدى إلى فقدان ثقة الناس في هذه الأحزاب، وهو ما أدى بالتالي إلى بروز ظاهرة الحركات الاجتماعية والاحتجاجية الغير مرخصة، مؤكدا أن الحركات الجديدة أصبحت هي المعبرة عن نبض الشارع ورفضه لما هو موجود، مختلفا في ذلك في الرأي مع ما ذكره الشوبكي من أن هذه الحركات الاحتجاجية ليست إلا مجرد زوبعة ينتهي بها المطاف بنفس الأزمة التي تعيشها الأحزاب، مؤكدا أن هذه الحركات أصبحت ذات فعل سياسي مؤثر وترفع شعارات مطلبيه، وإنها ليست مقتصرة على مصر، بل إنها نجحت في البحرين في سحب البساط من تحت أقدام الأحزاب المرخصة وأصبحت هي التي تقود المعارضة الحقيقية في الشارع البحريني.

في مداخلته توقف رفيق عبد السلام عند الفرضية التي بنا عليها الشوبكي بحثه والمتمثلة في أن ممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب ستؤدي بالضرورة لانتقال ديمقراطي، مؤكدا أن هذه الفرضية تحتاج إلى توقف سواء كان من الناحية النظرية أم من الناحية الواقعية، معتبرا أن التسليم بهذه الفرضية يعد من قبيل "وضع العربة قبل الحصان" لأن ديمقراطية الأحزاب لم تؤدي من وجه نظره إلى عملية انتقال ديمقراطي في أي تجربة سياسية، بل أن ديمقراطية الأحزاب نتيجة طبيعية لديمقراطية الدولة والثقافة السياسية فيها.
بدوره عاب الشيخ راشد الغنوشي على ورقة الشوبكي أنها في تناولها للأحزاب المصرية لم تتطرق لتجربة الإخوان المسلمين رغم إنهم حصلوا على عشرة أمثال ما حصلت عليه بقية الأحزاب مجتمعة في الانتخابات النيابية الأخيرة، ويعدوا بالتالي الحزب الأهم في المعارضة المصرية أن لم يكن الحزب الأهم في مصر على الإطلاق كما يرى الغنوشي، وهو ما رد عليه الشوبكي بتأكيده أن عنوان ورقته هو الأحزاب السياسية، والإخوان المسلمون في مصر ليسوا بحزب سياسي رغم إنهم يمارسوا السياسة، مؤكدا أن الإشكالية التاريخية المتمثلة في أن الإخوان في مصر جماعة دعوية وسياسية في نفس الوقت لا زالت مستمرة ، وأن الفصل الذي حدث في دول عربية أخرى كالأردن والمغرب لم يحدث في مصر

الحركات الفلسطينية: جدلية الاستعمار والديمقراطية

الفصل الثالث من الكتاب جاء بعنوان "جدلية الديمقراطية والحزبية تحت الاستعمار: حالة الحركات الفلسطينية" وحاول فيه الباحثان الفلسطينيان عبد الرزاق التكريتي، باحث الدكتوراه بجامعة أكسفورد، ونمر سلطاني، باحث الدكتوراه بجامعة أكسفورد، تسليط الضوء على بعض جوانب النشاط السياسي الجماعيّ المنظم للفلسطينيين في فترة تاريخية محددة هي فترة ما بعد النكبة وخاصة بعد اتفاقيات أوسلو، لأنها –كما يرى الباحثان- التجربة الأقرب في التاريخ الفلسطيني إلى انتخابات متعددة الحزبية للتنافس على مقاعد برلمانية، وبطبيعة الحال اقتصر حديثهما على التنظيمان السياسيان اللذان برزا بعد النكبة ومن ثم في إطار أوسلو وهما: حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) وحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وتطرق الباحثان في ورقتهما إلى عدة إشكاليات أهمها إشكالية مفهوم الحزب في الحالة الفلسطينية، إشكالية الحزب والمجتمع، إشكالية الحزب والتحرر الوطني، إشكالية الحزب والديمقراطية، واختتما بمعيقات الديمقراطية الداخلية في داخل الحركات السياسية الفلسطينية وبالأخص فتح وحماس، ووجدا أن هناك سبعة عوامل تؤثر على واقع الحركات الفلسطينية ومدى ديمقراطيتها، وتتمثل هذه العوامل في:

• التدخل الخارجي بما في ذلك الاعتقالات والاغتيالات لقيادات وكوادر الحركات الفلسطينية من قبل إسرائيل، ومدى سماح إسرائيل أو منعها لعقد اجتماعات ومؤتمرات تلك الحركات
• التبعية الوظيفية والارتباط ألمصلحي: بمعنى إلى أي مدى يتم توزيع البرلمان وجهازا لضمان التبعية السياسية، مثل تعيينات المقربين والكوادر في مؤسسات السلطة بعد صعود حماس إلى الحكم
• عملية صناعة القرارات وتوزيع القوة أو إساءة توزيعها داخل تلك الحركات وخاصة المناصب القيادية، وصراع القوى بين القيادات
• وضع المؤسسات الفلسطينية الجامعة، بمعنى هل هناك مؤسسات دولة مثل البرلمان وجهاز المحاكم وحتى منظمة التحرير قادرة على احتضان وحماية أو توجيه العمل السياسي والحزبي والتفاعل معه بشكل صحيّ؟
• مدى الالتزام بالأنظمة الداخلية للحركة، مثل الالتزام بالمواعيد المقررة للانتخابات الداخلية أو مواعيد عقد المؤتمرات الحزبية
• الفصل أو عدمه بين السلطة الفلسطينية ومؤسساتها وبين الحركة الحاكمة، فالتطابق شبه الكامل بين الحركة التي تعتلي مقاليد الحكم وبين جهاز الحكم يفرض طابع عمل آخر على الحركة الحاكمة نفسها إذ تصبح الحركة أقرب إلى الحزب الإداري التكنوقراطي منها إلى الحزب الإيديولوجي، كما أن مثل هذا التماهي قد يؤدي إلى تنازع بين هوية الحركة كحزب سلطوي وبين هويتها كحركة تحرر وطني، كما أن من شانه أن ينشر مزيدا من ظاهرة الفساد في النظام الحزبي والسلطوي على حد سواء
• الشقاق الفلسطيني بين حماس وفتح، فاعتقال فتح لقيادات وكوادر حماس وإغلاق مؤسساتها في الضفة الغربية، واعتقال حماس لقيادات وكوادر فتحاوية في غزة وكذلك منع ممثلي فتح في غزة من الخروج من غزة للمشاركة في مؤتمر فتح العام الذي عُقد في بيت لحم، يؤثر على الوضع الداخلي للحركات الفلسطينية.

اتفقت معظم التعقيبات والمداخلات حول هذه الورقة على خصوصية الحالة الحزبية الفلسطينية، نظرا لخصوصية الحالة الفلسطينية التي فرضتها ظروف الاحتلال وظروف مقاومته، فالدكتور عبد الفتاح ماضي أكد على أن التركيز في الحالة الحزبية الفلسطينية يجب أن يكون على الهدف من الحزب وليس بنيته، وباعتبار أن والهدف هو التحرر الوطني بكافة الوسائل سواء كانت السلمية أو العنيفة أو الإعلامية، فهو يرى أن وظيفة الحزب أهم من أي شيء أخر، فيما ذهب خليل العناني إلى أن هناك خطورة في الحديث عن أحزاب تحت الاحتلال، لأن ذلك يعطي شرعية للاحتلال وليس للأحزاب، كما انه يحدث خلل في فهم حقيقة الوضع هل نحن أمام حركة تحرير أم حزب سياسي، كما أشار العناني إلى سبب أخر غير الاحتلال لخصوصية الحالة الحزبية الفلسطينية، يتمثل في أن الحركات والأحزاب الفلسطينية قامت قبل قيام النظام الفلسطيني ذاته، نتيجة عملية أوسلو 1993، كما أن النظام السياسي الفلسطيني مشوّه، وبالتالي كل ما ينتج عنه من عملية سياسية مشوه، وبالتالي يرى أن الحالة الفلسطينية حالة خاصة جداً يصعب وضعها نظرياً ضمن الحالة الحزبية العربية، أيضا يذهب جمعة القماطي إلى رأي مشابه وهو أن ما ينطبق على الأحزاب العادية لا ينطبق على حركات التحرر، على أساس انه في كثير من الأحيان يزعم قادة حركات التحرر إنهم يخوضون معركة وجود، وبالتالي يرفعون شعار لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، وبالتالي تأجيل الحديث عن المؤسسية والممارسة الديمقراطية إلى ما بعد النصر، كذلك يذهب راشد الغنوشي إلى أن الحديث عن تعددية سياسية في ظل الاحتلال أمر يحتاج إلى مصداقية، لأن التجربة المستقاة من حركات التحرر لا تشهد بايجابية لهذه التعددية، فالتعددية في حركات الجهاد في أفغانستان أدت من وجهة نظره إلى كوارث وعودة الاحتلال، ومن ثم يخلص إلى أن التعددية حتى في ظل الاحتلال أمر ضعيف المصداقية.

الجزائر: الماهية الحزبية الحائرة

في الفصل الرابع تطرق الباحث عبد الناصر جابي، أستاذ بقسم علم الاجتماع بجامعة الجزائر، إلى الممارسة الديمقراطية داخل لأحزاب الجزائرية، معتمدا في دراسته على عينة من ثلاثة أحزاب سياسية (جبهة التحرير الوطني ، جبهة القوى الاشتراكية، وحركة مجتمع السلم) لقياس مدى التسيير الديمقراطي للحزب السياسي في التجربة الجزائرية ،من خلال محاور دراسته السبع التي حاول من خلالها التحقق من أن أعضاء الحزب هم مصدر السلطات فيه ولا وصاية لفرد أو قلة من أعضاء الحزب أو غيرهم على خياراته وقراراته، وأن يعكس الحزب النسيج الاجتماعي والسياسي الوطني، وأن يكون الفيصل بين المنخرطين داخل الحزب هو نظم الحزب ولوائحه، وأن يكون هناك ما يضمن حرية التعبير في الحزب وإتاحة الفرصة لنمو التيارات والأطياف داخله ، التأكد من تداول السلطة في الحزب وفق آلية انتخابات دورية حرة ونزيهة وفعالة من القاعدة إلى القمة و قبول الحزب لوجود غيره من الأحزاب وضبط فكره ومنهجه وبرنامجه في ضوء حق الرأي والمصلحة الأخرى في التمثيل.

وبعد تطبيق هذه المؤشرات السبع على الأحزاب الثلاثة يخلص عبد الناصر جابي إلى نتيجة مؤداها أن كل الأحزاب الجزائرية موضع الدراسة تعاني من أزمات كبيرة فيما يتعلق بالممارسة الديمقراطية الداخلية، وهذه الأزمات كما يقول "لا تجعلنا متفائلين في إمكانية مساهمة الأحزاب في إخراج النظام السياسي الجزائري من أزماته المتعددة التي تتسبب بدورها في تعميق أزمة الحزب جراء الخوف الذي تبديه السلطات من إمكانية ظهور أحزاب قوية تستطيع تجنيد المواطنين" مؤكدا أن الحزب السياسي الجزائري لا يزال مغلقا أمام الكثير من الفئات الاجتماعية الحية وعلى رأسهم الشباب والمرأة والكثير من الفئات الحضرية الوسطى المتعلمة التي ابتعدت عن العمل السياسي الحزبي المنظم .الفئات الوسطى التي تعيش حالة اضطراب جدي، مؤكدا أن ضعف الثقافة الحزبية لدى جيل الشباب يزيد من صعوبة عمليات إصلاح المنظومة الحزبية التي تبدوا كهياكل فارغة، مقابل الحراك الاجتماعي الواسع الذي تقوده حركات اجتماعية احتجاجية مختلفة، بقيت حتى الآن من دون آفاق سياسية واضحة وقد يكون مآلها الانتكاسة واللجوء إلى العنف وتكرار نفسها "إذا غاب التفكير في حلول ذكية لحل هذا الإشكال الذي تعيشه أكثر من حالة عربية.. أحزاب من دون قواعد ولا ادوار وجماهير، من دون تنظيم ولا آفاق سياسية".

في تعقيبه على هذه الدراسة أثار الدكتور بوحنية قوي، عميد كلية الحقوق والعلوم السياسية بجامعة قاصدي مرباح بالجزائر، ملاحظتين: الأولى هي عدم وضوح معنى الحزب في التجربة الجزائرية، بمعنى أن الماهية الحزبية الجزائرية لا تزال بين الجمعية وجماعة المصالح، فالمشرع الجزائري ظل لسنوات يعرف الحزب على أساس انه جمعية ذات طابع سياسي، وحتى بعد الإصلاحات الدستورية والسياسية ظلت علاقات التماهي في الممارسة الحزبية قوية بين الحزب والجمعية التي تشكل ذراعا لهذا الحزب، لذا يرى أن هناك ضرورة ملحة لشرح والتنظير لمفهوم الحزب والحزب الديمقراطي في الحالة الجزائرية قبل الولوج إلى مساحات تنظير أخرى، الملاحظة الثانية تتمثل في أن ثقافة الانشقاق داخل الأحزاب تعود بالأساس إلى نقصان أو انعدام الديمقراطية الداخلية، ومن ثم يرى "بوحنية قوي" أن أزمة الديمقراطية الداخلية هي ما تفسر موجات التنقل السياسي من حزب لآخر وموجات الرغبة في تأسيس أحزاب أخرى.

بدوره أشاد علي نجم الدين، من الأمانة العامة لمؤتمر الأحزاب العربية، في تعقيب آخر بدراسة الدكتور "جابي" مؤكدا أنها نجحت في تشخيص الواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي والاقتصادي الذي عاشته الجزائر منذ استعمارها وحتى اللحظة الآنية 2010 وعلاقته بالمحددات التاريخية التي أثرت على تركيبة ومنهج وأهداف ومواقف الأحزاب السياسية خلال الفترة الاستعمارية وأثناء الثورة وما بعد الاستقلال وإفرازاتها ونتائجها على القيادات والكوادر والقواعد الحزبية، مضيفا أن الباحث كان موفقا في تشريحه لواقع الأحزاب الجزائرية وإبراز إخفاقاتها ووضع يده عليها بشكل مباشر وصريح ما أدى إلى وصوله إلى نتائج ومعطيات موضوعية وواقعية لا تعكس فقط تاريخ وواقع المجتمع الجزائري فحسب، بل يمكن تطبيق منهجيته على مجمل المجتمع العربي من منظور علم الاجتماع التاريخي، ومن هنا يتفق "نجم الدين" مع ما وصل إليه "جابي" من استنتاجات في ختام دراسته من أن التجربة الحزبية الجزائرية "تجعلنا بحاجة إلى انتظار المزيد من جهد الأحزاب الجزائرية والمجتمع بعامة، لإخراج النظام الجزائري والعربي ككل من أزمته الحزبية والسياسية الراهنة ، وخاصة فئات الشباب والمرأة والطبقة المتوسطة والمتعلمة وإدماجهم في العمل الحزبي".

في المناقشات التي دارت حول الدراسة أكد "جلال ورغي" أن ما جاء في الورقة لا ينطبق فقط على أحزاب الجزائر ولكنه يمكن أن ينطبق على حالات عربية كثيرة، لاسيما الدول التي اكتسبت شرعية التحرير وخاضت تجربة ما بعد التحرير وتجربة ما يسمى بالحزب الواحد الذي يرفع كل الطاقات من اجل تحقيق التنمية في ما بعد الاستقلال، وفي تقدير "ورغي" فأن هذه الأحزاب هي جزء في الأزمة التي تعاني منها الديمقراطية اليوم، لأنها أحزاب تشكلت من اجل عملية التحرير التي تقتضي الانضباط وتقتضي الكثير من الحزم ولا تقبل كثيرا من الاختلاف كحزب الاستقلال في المغرب وجبهة التحرير الوطني في الجزائر والحزب الاشتراكي الدستوري في تونس، أيضا يتفق الدكتور مجدوب عبد المؤمن مع أن الحالة الحزبية الجزائرية ليست حالة استثنائية وإنما ينطبق عليها ما ينطبق على الدول العربية من حيث الديمقراطية الشكلية الموجودة بها مع غياب الديمقراطية الفعلية، ويرى أن ورقة "جابي" لم تعطي صورة كافية عن الأحزاب الجزائرية، حيث تناولت أربع أحزاب فقط جميعها ينطوي تحت لواء الحكومة ولا تتمتع بالاستقلالية الكاملة، فيرى مثلا أن حمس لا تعبر عن الحزب الإسلامي في الجزائر، وفي المقابل يرى أن الورقة أغفلت الورقة الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وهي الملاحظة التي يتفق معها "جمعة القماطي" حيث أكد في مداخلته على أن الجبهة الإسلامية للإنقاذ كانت الحزب الغائب الحاضر الذي لم يتم التطرق إليه في هذه الورقة، مؤكدا أن جبهة الإنقاذ فازت باكتساح في انتخابات حرة ونزيهة بشهادة المراقبين الدوليين، ودخلت في صراع مع الجيش وتم إقصائها ولكنها لم تنتفي من الحياة السياسية الجزائرية فهي لا تزال موجودة كتيار عريض ولا يزال لها أنصار ومؤيدين وبرنامج سياسي ورؤى وتتمتع بتعاطف كبير، مضيفا انه من غير الجائز أن نحصر أنفسنا فقط في الأحزاب التي تحظى برضى المؤسسة العسكرية، ويتفق الشيخ راشد الغنوشي أيضا مع هذا الاتجاه مؤكدا أن الحديث عن الحياة السياسية في الجزائر دون الحديث عن الجبهة الإسلامية للإنقاذ يشبه الحديث عن الحياة السياسية في مصر دون الحديث عن الإخوان .

اليمن: إصلاح الأحزاب أم إصلاح النظام السياسي؟

الديمقراطية في الأحزاب اليمنية كانت موضوع الفصل الخامس الذي أكد فيه الدكتور عبدا لله الفقيه، أستاذ العلوم السياسية بجامعة صنعاء، أن دراسته تهدف إلى تقييم مستوى الديمقراطية داخل الأحزاب اليمنية الرئيسية الثلاثة (المؤتمر الشعبي العام، التجمع اليمني للإصلاح، والحزب الاشتراكي اليمني) وفقا لمقياس اقترحه الباحث للديمقراطية الداخلية يبدأ من الصفر (حالة الغياب التام للديمقراطية) وينتهي عند 10 (الحضور التام للديمقراطية) معتمدا في هذا المقياس على سبع مؤشرات للديمقراطية داخل الأحزاب وهي (الأعضاء مصدر السلطة، سيطرة نظم الحزب ولوائحه، عدم الجمع بين السلطات، ضمان حرية التعبير، تداول السلطة، القبول بالأحزاب الأخرى، التحول الديمقراطي).

تناولت دراسة "الفقيه" أربع نقاط رئيسية، ناقشت الأولى مفهوم الحزب الديمقراطي وخصائصه والشروط اللازمة لقيامه، وركزت النقطة الثانية على الحزب المسيحي الديمقراطي الألماني كمثال على الحزب الديمقراطي، وتناولت النقطة الثالثة وضع الديمقراطية داخل الأحزاب اليمنية الثلاثة وفقا للمقياس السابق الإشارة إليه والذي انتهي إلى أن حزب المؤتمر هو الأكثر ديمقراطية من بين الأحزاب اليمنية الثلاثة موضع الدراسة تلاه حزب الإصلاح ثم حل أخير حزب الاشتراكي، فيما تناولت النقطة الربعة الإصلاحات المطلوب القيام بها لتعزيز وضع الديمقراطية داخل تلك الأحزاب اليمنية، وانطلاقا من أن الأحزاب اليمنية الثلاثة محل الدراسة تواجه في محاولتها لبناء الديمقراطية العديد من المعوقات الداخلية المتصلة بالأحزاب ذاتها، مثل الطابع النخبوي والتقليدي للقيادات المركزية العليا، وبناء الأحزاب من الأعلى إلى الأسفل، والمحسوبية السياسية، ومحدودية المعرفة بالديمقراطية سلوكا وممارسة، والمعوقات الخارجية المتصلة بالنظام السياسي مثل ضعف التأصيل الدستوري والقانوني للأحزاب ولحق الأحزاب في التأسيس والنشاط بحرية، ولدورها في تشكيل الإرادة العامة، وللديمقراطية داخلها، وانطلاقا من هذه المعوقات اقترح الباحث إصلاحات حتى تتمكن من بناء وتطوير الديمقراطية داخلها، مصنفا هذه الإصلاحات إلى إصلاحات تتعلق بالسياق الداخلي للأحزاب محل الدراسة وإصلاحات تتعلق بسياق النظام السياسي ككل، ومن أمثلة الإصلاحات المتعلقة بالأحزاب أشار "الفقيه" إلى ضرورة استهداف قواعد الأحزاب وقطاعات الشباب والنساء بالتدريب على الديمقراطية، و تشجيع القواعد الحزبية على تطوير وسائلها الإعلامية كالنشرات والملصقات والبث الإذاعي، وخلق قنوات اتصال بين الهيئات العليا للأحزاب وفروعها في المحافظات والمديريات، والتركيز على تدريب القيادات الحزبية العليا والوسطى ولفترات كافية على فوائد الديمقراطية بالنسبة للحزب وتعريض تلك القيادات إلى التجارب الحزبية الناجحة، والعلنية والشفافية في اجتماعات الهيئات الحزبية، وتقوية الالتزام الحزبي، وإعادة النظر في فترة خدمة المؤسسات الحزبية بحيث لا تزيد المدة عن عامين، وفيما يتعلق بالإصلاحات المرتبطة بالنظام السياسي اقترح الباحث تعزيز التأصيل الدستوري للأحزاب وللتمويل العام لأنشطتها وإزالة كافة القيود الواردة في قوانين الأحزاب والانتخابات والتي تحد من قدرة الأحزاب على التأسيس والنشاط والحركة، و تبني نظام انتخابي نسبي يعزز من مكانة الأحزاب، وتخصيص دعم سنوي كافي للأحزاب من الموازنة العامة للدولة، تخفيض فترة خدمة كل من رئيس الجمهورية ومجلس النواب وبما يؤدي إلى عقد الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمحلية كل 4 أو 5 سنوات على الأكثر، وتعزيز استقلال القضاء، و الفصل القانوني والفعلي الواضح بين الجهاز الإداري للدولة والمناصب السياسية التي يتولاها أعضاء الحزب أو الأحزاب الفائزة في الانتخابات.

في تعقيبه على الدراسة أكد عبده حمود الشريف، الأستاذ الجامعي المقيم في واشنطن، أن الدكتور عبد الله الفقيه أدرك مواطن الخلل في التجربة اليمنية بصورة تكشف عن الحاجة إلى مسارات جديدة مبتكرة لتطوير الديمقراطية داخل الأحزاب اليمنية، مشيدا بما أشارت إليه الورقة من أهمية تطوير أدوات قانونية جديدة لجعل هذه الأحزاب تلبي متطلبات الديمقراطية الفاعلة، ولكن "الشريف" يؤكد أن المعضلة هي انه حتى مع افتراض وجود قوانين لتنظيم الديمقراطية داخل الأحزاب اليمنية، تبقى المشكلة هي: من هي الجهة التي ستقع على عاتقها مسئولية تطبيق مثل هذه القوانين، خاصة أن النظام السياسي اليمني أكثر ميلا للتقاليد القبلية منه للتقاليد القانونية أو الدستورية، مشيرا إلى معضلة ثانية تتعلق بمسألة الحاجة إلى التحول من الانتماءات التقليدية إلى البرامج والأيدلوجيات الحديثة التي أشارت إليها ورقة "الفقيه"، وهي كيفية حدوث مثل هذا التحول في ظل النظام الأبوي patriarchic الذي يسيطر في الثقافة القبلية اليمنية، مؤكدا انه حتى مع وجود برامج مكتوبة تبقى هذه الأحزاب مشدودة إلى شخص الزعيم أو حتى رئيس القبيلة أكثر من تلك البرامج.

في تعقيب ثاني على الدراسة أشار سمير عبد الرحمن الشميري، أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة عدن، إلى آفات أخرى تعيب العمل الحزبي في اليمن، مشيرا إلى أن من المشاهد المألوفة في الحياة الحربية الداخلية: سيطرة الحرس القديم على مقاليد الأمور في الأحزاب السياسية فهو يدير الحياة الحزبية من خلف الكواليس وكان الأمور من بعــده ستنهار، وأن القوى الشابة غير قادرة على إدارة العملية الحزبية الداخلية والخارجية، وأن العمل الحزبي مدبوغ بالبصمة الأمنية، حيث تحولت الهيئات والمنظمات الحزبية من هيئات لقيادة العمل الجماهيري إلى هيئات سرية أو شبه سرية تدار بعقول أمنية، مؤكدا أن كل ذلك أضاف أعباء ثقيلة على مسيرة الديمقراطية الحزبية وديمقراطية المجتمع في ظروف قاسية تفشت فيها البطالة وساءت فيها ظروف المعيشة.

في تعقيب أخر أشار سمير العبدلي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة صنعاء، إلى عدة ملاحظات أبرزها أن المقارنة بين تجربة الأحزاب الألمانية وتجربة الأحزاب اليمنية مقارنة غير عادلة لتقييم تجربة الحزبية في اليمن، لا من حيث البيئة المدنية والحضرية في ألمانيا والبيئة القبلية والبطريركية في اليمن، أو من حيث الإمكانات المادية والدستورية والفكرية التي تعمل من خلالها الأحزاب الألمانية، أو مستوى التعليم، أو من حيث التاريخ الطويل لنشأة وممارسة تجربة الحزبية لديهم، وأشار "العبدلي" إلى انه كان من الأفضل اختيار بيئة عربية مقاربة لمقارنة نشأة الأحزاب وطريقة تنظيمها وعملها تكون اقرب لواقعنا العربي، خاصة وأن التجربة الألمانية قديمة ولها أرث تاريخي كبير بغض النظر عن كونها صبغت في مرحلة من مراحلها في ثلاثينيات القرن العشرين بصبغة عنصرية نازية، كما أعتبر "العبدلي" إيضاح تجربة الأحزاب والديمقراطية في اليمن كان يقتضي ألا يقتصر الأمر على دراسة الأحزاب اليمنية الثلاث المؤتمر والاشتراكي والإصلاح، وانه كان يجب أن يدرس معهم حزبين آخرين لاستكمال صورة الحياة الحزبية والعلاقات داخلها أو فيما بينها، الحزب الأول يمكن أن يكون احد الأحزاب القومية الناصرية أو البعث لما لها من رصيد شعبي، وتاريخ طويل في العمل الحزبي والسياسي سواء في مرحلة السرية أو مرحلة العلانية بعد إعلان التعددية السياسية في عام 1990م، والحزب الثاني كما يرى "العبدلي" كان يجب أن يكون حزب الحق أو اتحاد القوى الشعبية باعتبارها أحزاب تميل إلى البعد الديني ذو التوجه (الشيعي الزيدي) بهدف معرفة طبيعة العلاقات التنظيمية الديمقراطية في إطارها الداخلي أو العلاقات فيما بينها كأحزاب دينية.

أثارت ورقة "الفقيه" الكثير من النقاشات والمداخلات كان أبرزها ما طرحه رغيد الصلح، الذي أعلن اختلافه مع ما طرحه "الفقيه" حول موضوع حوكمة الأحزاب، أي منع الأحزاب غير الديمقراطية عبر سلسلة من القوانين والنصوص الدستورية، حيث أكد "الصلح" أن هذا جرى تطبيقه في ألمانيا وايطاليا واسبانيا والنتائج كانت مخيبة للآمال حيث كانت تنشأ أحزاب بأسماء جديدة لكنها كانت تحمل فكر نازي أو فاشي أو معادي للديمقراطية، كما أن النصوص الدستورية والقانونية التي تصدر عن الدولة تحت شعار حماية الأحزاب والمساعدة على تطورها تحمل إشكالية خطيرة، فأحيانا تطبق هذه النصوص لغير حرية الأحزاب السياسية، حيث يمكن تضمينها العديد من القيود والاشتراطات التي تحد عمليا من حرية إنشاء الأحزاب، مبرهنا على ذلك بمحاولتين جرتا في لبنان لإصدار قانون جديد للأحزاب السياسية، ولكن الأحزاب اللبنانية استشعرت أن القانون الجديد قد يتضمن قيود على عمل تلك الأحزاب، وهو ما دفعها لتنظيم حملات للإبقاء على قانون الأحزاب اللبناني الصادر أيام الإمبراطورية العثمانية في عام 1906 الذي اعتبر اقل تدخلا في شؤون الأحزاب من القوانين المقترحة.

فيما أشار عبد النبي العكري إلى أن هناك مهمتين كبيرتين تصدت لهم الأحزاب اليمنية، وهي مسألة الوحدة اليمنية ومسألة الديمقراطية والتنمية، مؤكدا انه بعد 20 عاما على نشأة الأحزاب اليمنية فإنها فشلت في انجاز كلتا المسألتين، فلا هي أنجزت الوحدة ولا هي أنجزت الديمقراطية والتنمية، فالوحدة تحولت إلى صراع وهناك رفض كبير في الجنوب للصيغة الحالية مع الشمال، أما الديمقراطية فالمصيبة اكبر، على حد وصفه، نفس الطرح تقريبا أكده "علي فخرو" في مداخلته، حيث أشار إلى أن غياب الديمقراطية في الأحزاب العربية يمكن أن يؤدي إلى كوارث وإلى تجاوز كل الخطوط الحمراء، مستشهدا بالحالة اليمنية وكيف أن قضية مقدسة مثل قضية الوحدة كانت الأحزاب مستعدة للتضحية بها والسبب هو تصارع هذه الأحزاب وافتقادها للديمقراطية.

إشكالية بناء أحزاب ديمقراطية في دول غير ديمقراطية

الفصل السادس من هذا الكتاب تطرف فيه الباحث عاطف السعداوي إلى أهمية وإشكالية بناء أحزاب ديمقراطية في دول غير ديمقراطية، مستهلا دراسته بتساؤل: هل يمكن بناء أحزاب ديمقراطية في دول غير ديمقراطية؟ وفي محاولته الإجابة على هذا التساؤل الجدلي أشار الباحث إلى أن هناك وجهتي نظر في هذا الشأن: الأولى تذهب إلى أن الأحزاب لا يمكن أن تقوم وتؤدي وظائفها وتتطور إلا إذا كان النظام السياسي الاجتماعي يقدم لها فرص هذا التكوين ويحدد لها دورا وصلاحيات محددة، وعليه من الصعب تصور وجود الفرد الحر المبادر أو الحزب السياسي الحديث الذي يعبر عنه ويجسد حريته من دون وجود فسحة أساسية من حرية العمل السياسي والتعبيري والتنظيمي ,أي وجود الدولة الديمقراطية وبالتالي لا يمكن أن نحلم بقيام أحزاب قوية ديمقراطية في نظام عام يقوم على التعسف والقهر وانعدام الحرية.

لكن هذا الرأي الأخير على وجاهته لا يروق للسعداوي ويرى انه لا يمكن تطبيقه على الحالة العربية بكل ما تحمله من خصوصية مسارها الديمقراطي، معتبرا أن الركون إليه سيعطي مبررا إضافيا للنظم الحاكمة العربية للاستمرار في جهودها الخلاقة لوأد المحاولات الديمقراطية، كما سيكون مدعاة لحالة من "الكسل" للأحزاب العربية في سعيها نحو ديمقراطية نظمها ولوائحها وممارساتها الداخلية، وستكون نتيجة الركون إلى هذا الرأي الذي يرهن ديمقراطية الأحزاب بديمقراطية الدولة هي الانتظار ربما مئات السنين حتى نرى أحزابا ديمقراطية في منطقتنا العربية، لذا يميل الباحث إلى تبني الرأي الأخر الذي يذهب إلى أن أي دعوة لبدء أو تعميق التطور الديمقراطي في أي مجتمع تفقد معناها إذا لم تلتفت للأهمية القصوى لديمقراطية منظمات المجتمع وعلي رأسها الأحزاب السياسية والنقابات المهنية والعمالية وجمعيات رجال الأعمال والنوادي والجمعيات الاجتماعية وصولا في النهاية للمؤسسات المجتمعية الأولية مثل المدرسة والأسرة، مؤكدا أن الديمقراطية لا تستقر في نظام الحكم ما لم تستقر أولا في منظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية، مؤكدا أن عامل الإرادة السياسية في التحول نحو الممارسة الديمقراطية الداخلية هو الفيصل في إمكانية أن نرى أحزابا ديمقراطية في الدول العربية غير الديمقراطية، فلو كانت لدى الأحزاب السياسة العربية والنخب التي تديرها رغبة صادقة وإرادة حقيقية في إدارة أمورها بشكل ديمقراطي لما استطاعت أشد النظم الاستبدادية إثنائها عن ذلك، ولكن ما يحدث غالبا –وفقا لما يرى الباحث- هو أن تتلاقى رغبة النظام في عدم إقامة حياة ديمقراطية مع رغبة نخبة الأحزاب في إدارتها بشكل مستمر ومنفرد وبتركيز عال للسلطة، ومن ثم يبرر كل طرف موقفه بموقف الطرف الأخر، فالدولة تتهم الأحزاب بأن ممارساتها غير الديمقراطية هي سبب حالة التأخر الديمقراطي العامة، والأحزاب تتهم الدولة بانها السبب في انشقاقاتها وانتكاساتها الديمقراطية، وتنتظرها حتى تمارس الديمقراطية لكي تبدأ هي في التفكير بالموضوع.

في المناقشات التي أعقبت هذه الورقة اتفق "عمرو الشوبكي" مع ما انتهى إليه "السعداوي" من أن وعلى الرغم من أن الرأي الذي يقول باستحالة بناء أحزاب ديمقراطية في دول غير ديمقراطية يلغي الواجب الذي على النش طاء الحزبيين القيام به، مؤكدا أن هذا القول يشبه مقولات أخري مثل القول بأن مصر لا يمكن أن تلعب دورا إقليميا طالما هي مقيدة باتفاقية كامب ديفيد، أو القول بأن العرب لا يمكن أن يلعبون دورا طالما هم مرتبطون بالولايات المتحدة، رغم أن تركيا استطاعت أن تلعب دورا إقليميا مهما رغم أن لها علاقات قوية بالناتو وإسرائيل، وبالتالي يطالب الشوبكي من الانتقال من خطاب المطلقات إلى الخطاب النسبي، مؤكدا أن بناء أحزاب ديمقراطية في دول غير ديمقراطية يخلق تحديات إضافية لابد للأحزاب العربية تحملها وتعيها، ولابد من تغيير النظرة الأحادية التي ترهن توافر الديمقراطية في الأحزاب بتوافرها في الدولة، وبالتالي فأن تحسين الأوضاع وارد وإحداث تراكمات مطلوب، هذا الرأي اختلف معه "عبد النبي العكري" في مداخلته حين أكد أن الدول العربية لن تترك الأحزاب لكي تتبنى نظما ديمقراطية ولن تشجع الممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب ، فالدولة العربية من وجهة نظره لاسيما في مصر واليمن تنحاز إلى قيادات معينة في الأحزاب وأجنحة معينة وتغدق عليها الأموال وتسهل لها الأمور مقابل تهميش الطرف الأخر، ضاربا مثالا بتدخل الدولة في اليمن أكثر من مرة لإحداث انشقاق في صفوف الحزب الاشتراكي، علي فخرو بدوره ذهب إلى رأي مشابه حين أكد في مداخلته أن لا يمكن بناء أحزاب ديمقراطية بدون أعضاء ديمقراطيين، مؤكدا انه حتى لو كانت القيادات الحزبية تريد الديمقراطية فانه في أحيان كثيرة لا تتوافر لدى الأعضاء لا الرغبة ولا الإرادة ولا القدرة للكفاح من أجل الديمقراطية لأنهم أنفسهم لم يتم تربيتهم على الديمقراطية، فيما انتقل "رغيد الصلح" بالحوار إلى منطقة جديدة حين لفت الانتباه إلى انه فيما يتعلق بمعايير الحزب الديمقراطي وغياب الممارسة الديمقراطية في الأحزاب العربية كان النقاش مركزا بشكل حصري على أحزاب المعارضة،ومن ثم تساءل "الصلح": ماذا عن الأحزاب الحاكمة؟هل يمكن أن تحدث تحولات ديمقراطية داخل الأحزاب الحاكمة أو بعضها؟ أو يخرج منها فصائل تتبنى النهج الديمقراطي؟ مؤكدا أن هذا حدث في عدة دول في العالم مثلما حدث في الأحزاب الشيوعية في أوروبا الشرقية أو الحزب الشيوعي في منغوليا، أو في تايوان والمكسيك واسبانيا، فهذه كانت أحزاب حاكمة ديكتاتورية لكنها تحت وطأة أزمة عامة تحولت لأحزاب ديمقراطية أو خرج منها فريق أو حزب ديمقراطي.

ما بين أحزاب السلطة وأحزاب المعارضة الأبدية: عودة لأزمة الديمقراطية في الأحزاب الجزائرية

القسم الثاني من الكتاب يضم الأوراق لم يتسن تقديمها في اللقاء العشرين لمشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية، وهي أوراق تناولت حال الممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب الجزائرية والمغربية، ففي قراءته النقدية لأزمة الحراك الداخلي في الأحزاب الجزائرية قدم الدكتور بوحنية قوي في الفصل السابع من هذا الكتاب ثلاثة ملامح رئيسية وجد أنها تميز الأداء الحزبي في الجزائر أولها أن هناك أحزابا تدور في فلك خطاب الرئاسة، وثانيها أن هناك أحزاب تمارس المعارضة السلبية أو المعارضة الأبدية حتى ولو كان ذلك على حساب حقائق التاريخ ووقائع الجغرافيا، أما الملمح الثالث فهو رفض الترخيص لأحزاب جديدة بشخوص قديمة، ويخلص الباحث إلى أن إنقاذ الحياة الحزبية في الجزائر يتطلب أولا معالجة القضايا الجوهرية التي تهدد النسق السياسي والبنائي الاجتماعي للدولة الجزائرية مثل الفساد، كما يتطلب تأسيس مدونة أخلاقية تحدد ضوابط وأخلاقيات الممارسة السياسية والعمل الحزبي ويتطلب كذلك التأصيل لقواعد قانونية شفافة تحارب الفساد الحزبي والسياسي على أسس الشفافية والمصداقية، مشددا على ضرورة الممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب وفيما بينها، وضرورة تجاوز احتكار الحياة السياسية الذي تمارسه أحزاب تحالفية أقرب ما تكون في تعاطيها مع الشأن العام بالأحزاب التوافقية، مختتما بحثه بالإشارة إلى مفارقة غريبة وهي انه بالقدر الذي حظيت به كرة القدم من إجماع الأحزاب السياسية في الجزائر دعما ومساندة ، فأن قضايا هامة أضحت تجد من يشكك فيها، مؤكدا أن الجهر بالعودة إلى القبلية أولا على حساب الوطن أضحى من الكتابات التي يقرأها المتتبع للشأن الجزائري يوميا، ومن هنا يرى أن الأحزاب السياسية الجزائرية في حاجة إلى حراك بهذا الاتجاه يدعم اللحمة الوطنية ويقوي البناء ويتصالح مع التاريخ ويعزز مفهوم شرعية ويقوي المشاركة كأداة والتزام سياسي بين المواطن والدولة.

في تعقيبه على هذه الدراسة أكد سمير الشميري، انه كان يتمنى على الباحث أن يتحدث ولو بصورة عابرة عن نشأة الأحزاب السياسية الجزائرية مع انتخاب عينة منها لتفكيك بنيتها الديمقراطية الحزبية، مضيف انه كان يتعطش لمعرفة : النظام الأساسي وقواعد الديمقراطية ، والعضوية والمواطنة الواحدة في الأحزاب ، والحراك التنظيمي ، والانتخابات ، والنخب الحزبية ، وتوزيع السلطات ، ومراكز صنع القرار ، والصراعات والانشقاقات الداخلية ، والصراعات الحزبية الخارجية في الفضاء السياسي العام ، وحرية التعبير ، والحوار الديمقراطي ، والقبول بالآخر وحق المعارضة ، وعثرات المشهد الديمقراطي ، وأهم الملامح الشمولية في هذه الأحزاب ، وآفاق التطورات الديمقراطية في الحياة الحزبية الداخلية ، مؤكدا أن الباحث بدلا من ذلك أسهب في استعراض الفساد في المجتمع الجزائري مع تلميحات عابرة للفساد الحزبي في الخاتمة، وأسهب أيضا في الحديث عن شخصنه الأحزاب والعلاقة ما بين الأحزاب و الناخبين في حين أهمل الانتخابات الداخلية الحزبية التي تشكل "مقوما من مقومات الديمقراطية الحزبية"

الأحزاب المغربية: تأثير قوانين الأحزاب على الفاعلية والممارسة الديمقراطية

في الفصل الثامن من الكتاب تناول الدكتور محمد منار، الباحث المغربي في العلوم السياسية والقانون الدستوري بجامعة الحسن الثاني تأثير قوانين الأحزاب على فاعلية الأحزاب في المغرب، مؤكدا أن خصوصية نظام الحكم في المغرب وطبيعته السلطوية ساهمت بشكل كبير في تحجيم دور وتأثير العمل الحزبي في الحياة السياسية المغربية وأن قانون الأحزاب رغم أهميته في بعض الجوانب، سيبقى في جميع الأحوال قانونا على المقاس، لا يكون له إلا تأثير إيجابي جد محدود ما لم يكن هناك تغيير جوهري في الإطار السياسي والدستوري الذي تشتغل داخله هذه الأحزاب السياسية، وما لم تتحقق نهضة ذاتية داخل هذه الأحزاب على المستوى التنظيمي والسلوك، أما أهم تجليات هذا التأثير الإيجابي "المحدود" لقانون الأحزاب على مستوى ديمقراطية الأحزاب فيتمثل كما يرى "منار" في الآتي: وضع جل الأحزاب السياسية لأنظمة أساسية وأنظمة داخلية ، احترام دورية انعقاد المؤتمرات الحزبية، الاتجاه نحو الشفافية في تدبير مالية الأحزاب، اعتماد آلية الانتخاب في تحديد قيادات الأحزاب، وأن كانت لا تخرج في الغالب عن كونها انتخابات شكلية ينحصر دورها في المصادقة على توافق قبلي، الاتجاه نحو وجود الشباب والمرأة في بعض مراكز القيادة.

معاناة الأحزاب السياسـية وهمومهـا: وجهة نظر قومية

الفصل الأخير من هذا الكتاب جاء بعنوان "معاناة الأحزاب السياسـية وهمومهـا: نظرة تقييمية لدور الأحزاب العربية وأوضاعها" والذي أكد فيه عبد العزيز السيد، الأمين العام لمؤتمر الأحزاب العربية، أن محاولته لاستقصاء المعوقات والسلبيات التي تعتور العمل الحزبـي القومـي لا تهدف بأي حال إلى التقليل من شـأن الأحزاب العربيـة، بل إنها تنطلق من الإيمان القومي بدور الأحزاب المأمول في العبور بالأمة نحو المستقبل، بمعنى أن الحديث عن الحاضر والواقع إنما هو قطعاً برسم المستقبل، مؤكدا أن مخرجات العمل الحزبي ليست في المحصلة سلبية بمقدار ما هي بحاجة إلى تطوير وإصلاح وتنمية سياسـية شاملة، شـأن المجتمع العربي، وذلـك علـى قاعـدة تعزيـز الإيجابيـات وتلافي السـلبيات، مضيفا أن عديداً من الأحزاب العربيـة التي انطلقـت من فهـم واعٍ واستراتيجي للواقع العربي في ظل المعطيات التي فرضتها التطورات العالمية الجديدة قد استطاعت أن تحقق انجازات هامة وانتصارات على مستوى الداخل القطري، وكذلك في معاركها مع "أعداء الأمة"، ذاهبا إلى انه إزاء عجز النظام العربي عن أداء دوره، قطرياً وقومياً، فأن انهيار الدور الشعبي عبر القوى الحية والأحزاب في مقدمتها ليس أمراً حتمياً، بل أن الرهأن على الدور الحزبي قائم وصائب، مختتما بقوله أن أهم ما ينبغي على الأحزاب الالتفات إليه هو إعادة تحديد لطبيعة المرحلة التي تعيشها الأمة وسماتها.

وأخيرا نختتم بما بدأنا به من تأكيد على رجائنا وأملنا في أن يقدم هذا الكتاب "خارطة طريق" للأحزاب العربية –القائم منها وما يستجد- الراغبة في استغلال اللحظة التاريخية الراهنة في بناء أو إعادة بناء لوائحها ونظمها وممارساتها الداخلية على قاعدة الديمقراطية، خاصة بعد أن سقطت الحجج وتداعت التبريرات بفعل الثورات الشعبية الديمقراطية الملهمة التي تجتاح العالم العربي، وبعد أن أصبحت البيئة أكثر من مهيأة في معظم البلدان العربية لانجاز هذه المهمة العاجلة والملحة.

والله ولي التوفيق

المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

التقييم الحالي
بناء على 3 آراء
أضف إلى
أضف تعليق

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما تعبر عن رأي أصحابها. يرجى قراءة ضوابط التعليقات المنشورة
الاسم
عنوان التعليق
التعليق
تعليقات الزوار
4 تعليق
احمد الاحمدي
اين الدراسات السوسيولوجيا 2013-09-27 - 11:41 م
هذه الدراسة لا تشمل كل دول العربية و بالتالي لا تعبر على العنوان و شكرا
سعيد المغربي
شكرا لكم على هذا الكتاب2012-07-12 - 1:29 م
لا شك سيكون هذا الكتاب مفيدا لانه يعرض التجارب الحزبية للعديد من البلدان العربية لكن عندي ملاحظة هي عدم ذكر اسم الباحث محمد منار من المغرب رغم ان اسمه وارد في غلاف الكتاب وعند تصفح الأوراق نجد ورقة مهمة للباحث بخصوص التجربة الحزبية المغربية أرجو من المشرفين تدارك ذلك
نعم للشورى لا للاحزاب
لا اؤيد وجود احزاب2012-05-13 - 1:43 م
ما هي ال ملهاة للشعوب وزيادة في تشتيتها ولا تنجح الا المدعومة منها حتى في ما تسمى دول ديمقراطية متقدمة
د. عبدالغني الماني
نواد لمجموعات ..2011-12-23 - 10:18 ص
لانستطيع تسمية ما هو موجود في الوطن العربي أحزاب أو تنظيمات أو حركات ... فانعدام تــــداول السلطة لا يتيح للمواطنـة العربية والمواطن العربي التفضيل ... أو الاختيار ...أو الترشيح أو الترشــح ... والمحاسبة ... الخ وهذا معنى من معاني تحقيــــق الديمقراطية ... فمعظم الدساتير العربيـــة لا تعدوا كونها عن دساتير منقولـة لم يتــــم صناعتها من الكفاءات الشعبية بناء على حـــراك المجتمع اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا ... فالعقد الاجتماعي لا يتـــم الوصول اليه بالكتابة والكلام ... فهو نتيجـة كفاح وكــد طويلين ...والمعذرة والسلام د. عبدالغني الماني والمعذرة والسلام د. عبدالغني الماني

Warning: array_search() expects parameter 2 to be array, null given in /home/arab4d/application/democracy/controllers/PagesController.php on line 47