You are here:الرئيسية>مكتبة الديمقراطية>مقالات رأي>رمزان النعيمي: الإشكال في مسلمة الحتمية الديموقراطية

عماد شاهين: محصلة التحركات من أجل الديمقراطية: حالة مصر

الخميس، 26 حزيران/يونيو 2014 عدد القراءات 1256 مرة
الكاتب  عماد الدين شاهين

موقع الجماعة العربية للديمقراطية، 11 ديسمبر 2013



عنوان الورقة: محصلة التحركات الراهنة من أجل الديمقراطية في الدول العربية: حالة مصر

الدكتور/ عماد الدين شاهين - أستاذ السياسات العامة - الجامعة الأمريكة بالقاهرة، والأستاذ سابقا في جامعة هارفارد الأمريكية.

اللقاء السنوي الحادي والعشرون: محصلة التحركات من أجل الديمقراطية في الدول العربية
السبت 31 أغسطس 2013 في


Bernard Sunley Room, St. Cathrine’s College, University of Oxford, Manor Road, Oxford, UK.

تمهيد:

مر قرابة الثلاث أعوام وبدا وكأن ثورة 25 يناير 2011 قد أخفقت في تلبية توقعات وآمال ملايين المصريين في إحداث قطيعة حقيقية مع الدولة السلطوية البوليسية ومؤسسات القمع والاستبداد وفي تحقيق الأهداف التي انتفض من اجلها ملايين المصريين في الحرية والتمية المستديمة والكرامة الإنسانية. وأصبحت الثورة نفسها تتعرض للانكسار والتشويه من قبل ثورة مضادة تسعى لاستعادة النظام القديم وممارساته وآلياته. كما فشل التحول الديمقراطي حتى الآن بمرحلتيه، الأولى تحت إدارة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، والثانية تحت إدارة الرئيس محمد مرسي، والتي انتهت بتدخل المؤسسة العسكرية وعزلها لأول رئيس مدني منتخب بطريقة حرة وديمقراطية منذ تبني مصر النظام الجمهوري منذ أكثر من ستة عقود.

يسعى البحث إلى التركيز على محصلة "الربيع العربي" في مصر وتقويم المرحلة الانتقالية التي مرت بها والتي شهدت تغيرا في رأس السلطة وليس في نظام الحكم أو مؤسساته أو الآليات التي تحرك تلك المؤسسات. ولتحقيق ذلك يتناول البحث سجل نظام حكم الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك ووضعيته قبل التحركات الشعبية لإسقاطه والتي بدأت كمسار تراكمي منذ عام 2000. ويحلل طبيعة العلاقات القائمة، قبل التحركات الشعبية، بين القوى التي تنشد التغيير ومدى توافقها على إصلاح أو تغيير النظام، ورصد نشاطاتها المشتركة من أجل ذلك ومدى توافقها على شكل ومضمون النظام الديمقراطي البديل. كما يتناول القوى التي بدأت الحراك الذي أدى إلى تغيير النظام وطبيعة ومسار الحراك ونقطة بداية التحركاتوأدوار مختلف التيارات والقوى السياسية فيه. كما يحلل البحث المرحلتين الانتقاليتين التي مرت مصر بهما بعد سقوط الرئيس الأسبق حسني مبارك والممارسات التي تمت خلالهما في سبيل التأسيس لهما من أجل وضع البلاد على مسار تحول ديمقراطي يؤسس لنظام سياسي جديد يقوم على مقومات وثقافة ومؤسسات ديمقراطية. ويناقش التحديات التي واجهت المرحلة الانتقالية والتي أدت في النهاية إلى انهيار العملية الانتقالية وتدخل المؤسسة العسكرية في 3 يوليو 2013 (مدعومة بتأييد شعبي أو مستغلة الغضب الشعبي من إدارة الرئيس محمد مرسي) وإنهائها للمرحلة الانتقالية الثانية والتي جري خلالها انتخابات حرة ونزيهة لاختيار مجلس تشريعي ورئيس مدني والاستفتاء على دستور جديد للبلاد.

ثورة أم حالة ثورية؟

لعله من المهم مناقشة طبيعة الحالة الثورية التي تمر بها مصر منذ قرابة الثلاث سنوات كي نستطيع أن نحلل مسار المرحلة الانتقالية التي تلتها ونقوم أسباب تعثرها وعدم نجاحها في التغلب حتى الآن على التحديات التي واجهتها. خاصة وانه بعد الاحتجاجات المليونية في 30 يونيو وتدخل المؤسسة العسكرية في 3 يوليو لعزل الرئيس المدني المنتخب وتعطيل المؤسسات الدستورية أصبحت ثورة 25 يناير محل تساؤلات ومراجعات، حيث يجري إعادة تعريفها من قبل المناهضين لها وأنصار النظام القديم ووصفها كحركة فوضوية سعت للنيل من الدولة ومؤسساتها وأن الثورة الحقيقة هو ما جرى في 30 يونيو والتي مثلت لأنصارها ثورة تصحيحية تدشن لخارطة طريق ولمرحلة تأسيسية جديدة. وكي لا يلتبس مصطلح الثورة وما يتضمنه من صيرورة وإحداث تغييرات جذرية في بني ومؤسسات المجتمع، ينبغي التمييز بين الثورات الكبرى التي تفكك مؤسسات الدولة القديمة وتبني مؤسسات جديدة والحالة الثورية التي قد تنجح في إحداث ثورة كبرى أو تتحول إلى ثورة سياسية إصلاحية أو تنكسر أمام مؤسسات الدولة القديمة.

تقوم الثورات الكبرى (مثل الفرنسية أو الروسية أو الصينية أو الإيرانية على سبيل المثال) على تناقضات حقيقية في المجتمع أو على رؤية/قيم أساسية (أو الاثنين معا) تنطلق بالمجتمع نحو التغيير الجذري لمؤسساته وهياكله لعقود طويلة إلى الأمام. ما حدث في مصر في 25 يناير 2011 وان كان يطلق عليه مجازا انه ثورة إلا أنه أقرب "للحالة الثورية" الحية والنابضة والتي تتميز بالحركية السريعة والقابلية للتطور والانتكاس. وقد وصفها أحد أهم منظري الثورات بأنها "ثورة سياسية لم تكتمل" أو أنها حركة احتجاجية جماهيرية واسعة نجحت في إسقاط رأس النظام القديم دون أن تتمكن من الوصول للحكم وتفكيك مؤسسات الاستبداد والحكم التسلطي.[1] كما لم تستطع الثورة على الرغم من رفعها لقيمة الحرية والكرامة أن تغير ولو جزئيا من بعض الممارسات والقيم الثقافية السياسية التي كانت سائدة في عصر النظم السياسية الاستبدادية (عدم الثقة والقابلية للاستقطاب والتشرذم والفردية وعدم القدرة على العمل الجماعي الممتد وعدم القدرة على إدارة التنوع والاختلاف والرغبة في المغالبة والاستحواذ).
بالرغم من تطورها المفاجئ، لم تكنثورة25 يناير عملا عفويا، ولكنها كانت نتاج عملية تراكمية لجهود عدد كبير من الحركات والجماعات والشخصياتعلىمدىسنوات طويلة. أي أنها لم تكن مجردثورةشباب أو فيسبوك فقط، ولكن كانت ثورة استخدم الشعب فيها وسائل حشد وتعبئة تقليدية وحديثة بمهارة ملحوظة. فقدأشعلالشبابفتيلهذه الثورة، واحتضنها الشعب، ثم تحكم الجيش في مسارها. وأدت عوامل رئيسيةعديدة إلى نجاح ثورة25 يناير، العامل الاول والاكثر أهمية تمثل في التعبئة الجماهيرية، حيث تدفق ملايين المصريين وواجهوا قوات الأمن وعبروا بوضوح وقوة عن مطالبهم من أجل التغيير. لخص أحد المتظاهرين تأثير قوة التعبئة الجماهيرية في كلمات معبرة: "شعرنا منذ اليوم الأول أننا ثورتنا ستنجح بسبب الأعداد الهائلة المتجمهرة. عندما يقل العدد في الاحتجاجات، ينتابك الخوف و يجتاحك الذعر. لكن هذه المرة كان وضعنا مختلف. أدركنا على الفور أننا سننجح وشعرنا بثقة كبيرة."[2]

ثار المصريون عدة مرات في تاريخهم المعاصر: الثورة العرابية في 1882 و ثورة 1919 و وثورة 1952 وانتفاضة 1977 وثورة يناير 2011، ومع ذلك، تميزت ثورة 25 يناير عن تلك الثورات من حيث العدد الهائل للمشاركين فيها على طوال 18 يوما. فوفقا لأحد أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وصل عدد المتظاهرين الذين شاركوا في الثورة من جميع أنحاء البلاد قرابة 15 مليون شخص. حيث اعتبر البروفسور ديفيد كورترايت، وهو خبير مشهور في الحركات الاجتماعية غير العنيفة، أن هذه الثورة ستكون''واحدة من أكبر حركات المقاومة المدنية الجماهيرية في تاريخ البشرية"[3] في 11 فبراير، وهو اليوم الذي أعلن فيه حسني مبارك تخليه عن السلطة، تواجد في ميدان التحرير و المناطق المحيطة به أكثر من أربعة ملايين متظاهر. وكانت أقرب ثورة الى ذلك من حيث العدد الثورة البولندية عام 1989حيث شارك فيها10 ملايين شخص.

وتمثلت السمة الثانية الهامة لثورة 25 يناير في طبيعتها السلمية الغالبة حيث توقع منظمو احتجاجات25 يناير مواجهة عنيفة وقمعا شديدا من النظام، فتجنبوا الاشتباكات مع قوات الأمن منأجلعدم تفزيع المشاركين المحتملين ورفع حجم التعاطف مع قضيتهم. ومن هنا كان التركيز الشديد على رفع شعار "سلمية...سلمية"، خاصة عند مواجهة حملات القمع الوحشي من الشرطة.[4]

وسمة ثالثة للثورة تمثلت في طبيعتها اللاطبقية، أو بعبارة أخرى كانت هذه الانتفاضة انتفاضة شعبية بحق حيث أن الثورة لم تقتصر على فئة واحدة فقط أوتم التحريض عليها من قبل طبقة اجتماعية محددة، ولكن جمعت بين مختلف الطبقات الاجتماعية. فقد دعا شباب الطبقتين العليا والوسطى إلى الثورة وقادوها، ثم انضم إليهم بعد ذلك الفقراء والمهمشين والعمال والفلاحين والنساء والأقباط والمسلمين والشباب والشيوخ وسكان المدن وسكان الريف. الا أن ثورة يناير لم تكن تعبيرا عن وعي طبقي محدد كما لم تأت بمشروع سياسي أو اقتصادي يعكس مصالح أو طموحات طبقية. إنما كان المطلب الاساسي هو "العيش" ، أي تلبية المطالب الاساسية للمواطن في عيش كريم ، والعدالة الاجتماعية.

تمثلت السمة الرابعة الملحوظة للثورة في كونها دون قيادة أو رأس. لم تقد الثورة شخصية، أو مجموعة، أو طليعة، أو حركة. كما أنها لم تتبع أي نمط قيادي تقليدي اعتمد على هرمية الهياكل. بدلا من ذلك، كانت الثورة من عمل المجموعات والمنظمات المختلفة حيث لم يتقدم أي طرف لقيادتها أو لركوبها مباشرة بعد نجاحها. ومع ذلك، بلغت الثورة درجة عالية من التنظيم وقادها مطالبها الذي ارتفع سقفها على مدار ايام الثورة الثمانية عشرة الى أن وصلت الى شعارها الموحد: '' الشعب يريد تغيير النظام" حيث أبقت طبيعة هذه المطالب على وحدة الثورة وساعدت في توجه حركتها وتقدمها.

كان التنظيم أحد عوامل تميز ثورة يناير حيث تمثل في تنسيق مختلف الجهات وتفاعلها طوال الثورة. فقد أشترك في تنظيم الثورة عدة جهات حافظت على زخم الاحتجاجات وأصرت على مطالب واضحة، وتحول ميدان التحرير– في نظر بعض المحللين - الى "دولة" ترعى شئون واحتياجات المشاركين فيه من توفير المواد الغذائية والضروريات، والخدمات الصحية والدفاع والأمن والإعلام والاتصالات، والابداع الفني والترفيه للملايين من المتظاهرين. وكانت التكنولوجيات الحديثة مثل الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي ووسائل الاعلام من العوامل الرئيسية التي ساهمت في تعبئة و تنظيم هذه الثورة. كتب ديفيد روثكوف شارحا خاصية ثورة 25 يناير: "اعتدنا على الحركات السياسية التي تتطلب قيادة كاريزمية وبنية تحتية سياسية، و لكن ما حدث في مصر كان، وذلك بفضل الشبكات الاجتماعية وثقافة المعلومات الجديدة، ثورة قادتها مجموعات و أفراد مرتبطة تمكنت على الفور من توفير امكانات المستويات القاعدية للبنى التحتية القديمة عن طريق تطبيق التكنولوجيات الجديدة."[5]

وأخيرا، فإن ثورة25 يناير تمكنت – كما جرى القول – من اخراج افضل ما في المصريين من خصائص – حيث ولدت في حينها ولمدة قصيرة للأسف حالة غير عادية من التوافق والوحدة والتسامح، وقبول الآخر، والتعددية والتسامح مع التيارات الاخرى، والقيم التي كانت غائبة لفترات طويلة من حكم مبارك. جاء المتظاهرون من مختلف الخلفيات الايديولوجية والدينية والتوجهات السياسية، والمحافظات، وساد التسامح بينهم وقبل كل منهم الآخر وكانوا قادرين على تجاوز كل هذه الخلافات. ولعبت العقيدة والدين دورا ملحوظا في الثورة حيث يمكن النظر إلى أهمية هذه العوامل من خلال صلوات الجماعة، وخطب الجمعة والأحد، و صلاة وسجود الرجال والنساء لمواجهة وحشية الشرطة وقمعها. استخدمت الصلوات لكسر الخوف وتعزيز الشعور بالأمان والطمأنينة والدعم المتبادل. ولدت مشاهد آلاف المتظاهرين الراكعين على الأرض والقوات تحاصرهم و تطلق النار عليهم تعاطف عدد هائل من المصريين. و اشتهرت صور حماية شباب الأقباط للمسلمين أثناء تأديتهم صلاة الجمعة بالميدان ، وحماية المسلمين للأقباط في قداس يوم الاحد. وظهر بسرعة جو غير عادي من التماسك ووحدة الجماعة الوطنية لا ينكره أحد.5 و لم يسجل حادث واحد للسرقة أو التحرش الجنسي طوال 18 يوما.[6]إن جو التسامح والتراحم هذا هو ما وصفه المصريون في وقت لاحق "بروح التحرير". هذه الروح التي ينتظر أن تبعث من جديد في موجة قادمة من موجات الثورة.

أسباب الثورة: أزمات بنيوية:

على الرغم مناندلاعها المفاجئ، لم تكن ثورة 25 يناير عفوية أو وليدة لحظتها، لقد كانت عمليةتراكمية تنامت على مدى العقد الممتد بين عامي 2000 و2011 وتسبب فيها أزمات هيكلية ، وتزايد السخط السياسي، والاحتجاجات المتفرقة، والرغبة القوية في الإصلاح والتغيير. وكشفت ثورة 25 يناير عن مشاكل بنيوية عميقة أثرت على غالبية المصريين، وخصوصا الطبقات الوسطى الحضرية والمتعلمة، والشباب، والفقراء. وكان من أهم هذه المشاكل الأزمة الاقتصادية والركود السياسي، و تزوير الانتخابات وتنامي الحركات الاحتجاجية والشبابية الدافعة للتغيير، ومسألة التوريث وأثرها على الشعب وعلى المؤسسة العسكرية خاصة ، وتجاهل النظام غير المعقول للاحتجاجات العمالية ولارتفاع السخط الشعبي.

المظالم الاقتصادية

كان نظام مبارك يعتمد منذ أوائل التسعينات على سياسات اقتصادية نيوليبرالية ، و شرع في عملية اعادة هيكلة كبيرة وواسعة. ورغم احراز هذا البرنامج بعض النجاح ، فقد أضر بقطاعات كبيرة من الشعب أيضا. فبعد سنوات طويلة من الركود الاقتصادي، تحسن أداء اقتصاد البلاد ونما الناتج المحلي الاجمالي في مصر بمعدل 6 في المائة سنويا بين عامي 2007 و2011. وارتفع الاستثمار الأجنبي المباشر (FDI) في عام 2007 إلى 11 مليار دولار (قفزة ملحوظة من 400 مليون دولار في عام 2004)، وزادت الصادرات المصرية بنسبة 20 في المائة. في ذلك الوقت، احتل الاقتصاد المصري المرتبة الرابعة بين الدول العربية (128 مليار دولار في عام 2007) لا يسبقه إلا الدول الغنية بالنفط: المملكة العربية السعودية (381 مليار دولار)، الجزائر (135.2 مليار دولار)، والإمارات العربية المتحدة (129.7 مليار دولار).[7]بدا الاقتصاد في حالة جيدة، ولكن ظل غالبية المصريين في حالة سيئة، إذ أن أقلية من المقربين من الدولة فقط هو من استفاد من هذا النمو.

وقوض سوء الإدارة والمحسوبية وسوء التوزيع والفساد المستشري و نظام التعليم المتدني، وارتفاع معدلات البطالة هذه الإنجازات وألهبت مشاعر الغضب لدى غالبية السكان. تحقق معظم هذا النمو عن طريق عمليات ريعية (زيادات في بيع الغاز الطبيعي، وتحويلات العاملين في الخارج، و إيرادات قناة السويس، وبيع المؤسسات العامة، والعقارات) وليس من خلال خلق قاعدة صناعية تنافسية أو غيرها من القطاعات الاقتصادية المنتجة. كان الاقتصاد يعاني من ارتفاع معدلات التضخم (17.1 في المائة في عام 2008) وارتفاع معدلات البطالة (20 في المائة في نهاية عام 2006)، من دين عام ضخم وصل الى 100 ​​ في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2007، وعجز تجاري بلغ 60.8مليار دولار من الواردات مقابل 34.5 مليار دولار من الصادرات في عام 2008.[8]

أصبح الفساد خلال السنوات الأخيرة من حكم مبارك مستشريا ومؤسسيا حيث احتلت مصر المرتبة 70 من أصل 163دولة من حيث الفساد حسب مؤشر منظمة الشفافية الدولية لعام 2006. فشل النظام في توفير 600 ألف وظيفة جديدة كانت البلاد تحتاجها سنويا لاستيعاب الوافدين الجدد الى سوق العمل، وفشل النظام التعليمي المتدهور في تلبية توقعات خريجي الجامعات الذين يفتقرون إلى المهارات التنافسية اللازمة واضطروا إلى الانضمام إلى جيش جرار من الشباب العاطلين عن العمل. وبلغ متوسط البطالة في صفوف ​​خريجي الجامعات 40 في المائة للرجال و50 في المائة للنساء.[9]

أنتجت سياسات الحكومة الليبرالية الجديدة عدد كبير من الخاسرين، وقليل من الفائزين. وكان أبرز الخاسرين الفقراء والعمال والطبقة الوسطى ذات الدخول الثابتة وسكان المناطق الريفية. كافحت كل من هذه المجموعات من أجل البقاء بدخلها الثابت ولم يكن بوسعها مواكبة ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية و الضروريات. وأصبحت مستويات الفقر هائلة تجتاح نحو 40 في المائة من السكان، وأصبحت الفوارق في نمط الحياة والدخل مثيرة للقلق بشكل متزايد. مجتمعات مسيجة ومحميات سكنية فاخرة ومستفزة انتشرت في ضواحي القاهرة وغيرها من المناطق الحضرية الكبرى، مما أدى إلى غضب المحرومين الذين زاد شعورهم بالتهميش والحرمان. و زاد عدد المناطق العشوائية أضعافا مضاعفة. ووفقا لمركز المعلومات ودعم اتخاذ الفرار ومؤسسات أخرى تحت رعاية الحكومة، اصبح هناك أكثر من ألف منطقة عشوائية في مصر انتشرت بين20 محافظة، وبلغ عدد سكانها 17.7 مليون نسمة.[10]

نمت بدءا من عام 2002 صلة قوية بين الدولة ورجال اعمال مقربين لها وخاصة مع صعود جمال مبارك باعتباره وريثا محتملا. فجمال كان يعتمد على الحزب الحاكم، الحزب الوطني الديمقراطي، والأعمال التجارية و المقربين من الدولة لبناء قاعدة سلطته الخاصة، وساعد هؤلاء في المقابل على التسلل الى الحكومة والحزب. تراكمت ثروة هؤلاء الشركاء في المعاملات الاقتصادية من خلال خصخصة الشركات المملوكة للدولة، والعقارات، والأعمال التجارية المشكوك في شفافيتها والاعفاءات المالية (على سبيل المثال: الإعفاءات الضريبية والقروض المصرفية وحوافز الأسعار). حينما كان ثراء أصحاب الأعمال في تصاعد جنوني، سحقت معدلات التضخم ونقص فرص العمل و اليأس في مقابل ذلك الفقراء والطبقة الوسطى والشباب والعمال بشكل متزايد. من المهم أن نلاحظ أن شرائح السكان هذه كانت قد شكلت تاريخيا العمود الفقري للمجتمع المصري، و هي الآن مهمشة وغير قادرة على تلبية احتياجاتها الأساسية وتتعرض لضغوط من التفكك الاجتماعي. أعمت إحصاءات التحسن الاقتصادي والعديد من الفرص الاقتصادية والسياسية التي كانت متوافرة أعين النظام من الغضب المتزايد لشرائح كبيرة من الشعب.

ركود سياسي

ينسب المصريون الركود السياسي إلى عهد مبارك حيث أبقى عناده المدهش الذي لا يلين في مواجه الضغوط من أجل التغيير في البلاد الحياة السياسية تحت رقابة مشددة حالت دون أي منافسة سياسية حقيقية من أجل السلطة أو أي تغيير في الهياكل الأساسية للنظام السياسي. و مارس الحزب الوطني الديمقراطي هيمنة كاملة على مؤسسات الدولة والبرلمان واحتكر العملية السياسية. ومع بروز جمال مبارك في عام 2002 كوريث لحكم والده، أصبح الحزب الوطني الديمقراطي أكثر هيمنة وشراسة في قمع المعارضة لهذه الخطة من أجل مستقبل مصر السياسي.

تسامح مبارك مع الأحزاب السياسية طالما أنها لم تشكل أية خطورة أو تهديد على سلطته. ورضخت المعارضة الشرعية للعب دور التابع نتيجة ضعفها وتشتتها و كانت غير قادرة من موقعها على ما يبدو أن تشكل تحديا خطيرا للنظام. و تعرضت الحركات الفاعلة والأحزاب ذات المصداقية، بما في ذلك جماعة الإخوان المسلمين، و حزب (الكرامة) الناصري، وحزب الوسط، وحزب (الغد)، للمضايقات أو حظرت. وكانت الأحزاب السياسية الشرعية مقيدة من قبل النظام الذي فرض قيودا قانونية و زاد من عجزها شيخوخة قيادتها، والافتقار إلى الابتكار، وانعدام الممارسات الديمقراطية الداخلية. و تم إخضاع العديد من هذه الأحزاب لخدمة النظام لبث هالة غير حقيقية من التعددية والديناميكية السياسية. و لأنهم فشلوا دائما في كسب ثقة الشعب وتعبئته بشكل مناسب، كان أداء المعارضة الرسمية ضعيفا في الانتخابات مما اضر بفاعليتها. كان النشطاء السياسيون بحلول عام 2004 بما في ذلك الشباب يبحثون عن قنوات أخرى للتعبير عن احتجاجهم وتجميع مطالبهم. و ظهرت حركات الاحتجاج البديلة كالحركة المصرية من أجل التغيير "كفاية" تلبية لحاجة النشطاء إلى تجاوز أسلوب الأحزاب السياسية الذي عفا عليه الزمن والذي أثبت عدم فعاليته.

ساهم ظهور عدد كبير من الحركات الاحتجاجية المؤيدة للتغيير كثيرا في تغيير المشهد السياسي في مصر. نشطت هذه الحركات على الساحة السياسية، و أنهت نسبيا حالة الركود الذي فرضه نظام مبارك منذ عقود طويلة على السياسة المصرية. تزايدت بشكل سريع وكبير أعداد الحركات الإصلاحية وجماعات الدفاع عن الحقوق الأساسية والحركات الاحتجاجية والصحفيين واساتذة الجامعات والنقابيين المنتقدين للوضع، و القضاة المستقلين، والنشطاء في وقت قصير نسبيا. ففي عامي 2004 و 2005، ظهرت أكثر من عشر جماعات معارضة لتجديد رئاسة مبارك لفترة رئاسية خامسة و محاولات تهيئة ابنه جمال خلفا له. وأصبح '' التغيير'' الكلمة الرائجة والقوة الدافعة وراء كل هذه الحركات، التي اعتمدت هذ الاسم مثل حركة كفاية، والتجمع الوطني من أجل التغيير الديمقراطي، و صحفيون من أجل التغيير، وأطباء من أجل التغيير، و مثقفون من أجل التغيير، و كتاب من أجل التغيير، وشباب من أجل التغيير. اتخذت كل من هذه الحركات المجال العام وخاصة الميادين العامة والشوارع ساحات للاحتجاج ضد سياسات الحكومة، وكسر حاجز الخوف، ووضع أسس واشكال جديدة للاحتجاج الشعبي، وتحدي تدابير الأمن والنظام. ويعكس نمو الحركات المؤيدة للتغيير استياء واسعا من الأحزاب السياسية القائمة والحاجة للتوصل إلى هياكل وتكتيكات بديلة للضغط على النظام من أجل إجراء إصلاحات.

من الواضح أن بعض هذه الحركات كانت أكثر تأثيرا من الأخرى، حيث أن من المعروف أن حركة كفاية كانت أكثر شعبية آنذاك. تم تشكيل هذه المجموعة في أغسطس 2004 وضمت مختلف الأحزاب والنشطاء السياسيين. ولتكوين قاعدة واسعة من الدعم، تبنت حركة كفاية مطالب الإصلاح الأساسية التي دعت إلى وضع حد لحالة الطوارئ وإنهاء احتكار النظام الحاكم للسلطة، وتعديل الدستور، وإنشاء نظام من شأنه أن يسمح بنقل السلطة. وأصبح شعار "لا للتمديد ولا للتوريث" شعارا لحركة التغيير مطلبا جماهيريا عريضا. بدأت الحركة تدريجيا في النزول إلى الشوارع للتعبير عن مطالبها، والأهم من ذلك، تحقيق تعبئة وكسر حواجز الخوف التي كانت سائدة بين المصريين. نجحت حركة كفاية في الواقع في تنظيم العشرات من المظاهرات في غضون سنوات قليلة، و تدريجيا وضع قائمة للتعبير عن الإصلاحات والمطالب التي تبناها و طالب بها العديد. ومع ذلك، لم تتمكن هذه المجموعة من حشد أعداد كبيرة من الناس. فمحدودية رؤيتها الإيديولوجية، وأنشطتها المتفرقة، ونزاعاتها الداخلية حالت دون تحقيق تعبئة جماهيرية واسعة. وكانت الحركة بحلول عام 2008 قد فقدت بعضا من جاذبيتها، مما دفع العديد من الشباب للبحث عن وسائل بديلة للاحتجاج.

انتخابات نوفمبر 2010 التشريعية

يعد تزوير الانتخابات عاملا شائعا في تفجر العديد من الثورات المؤيدة للديمقراطية وليست مصر استثناء من ذلك. تجاهل النظام تنامي الضغوط الداخلية حيث أن النخب السياسية والاقتصادية أصبحت معزولة تماما عن المجتمع، وكانت أكثر تصميما على تأييد توريث الحكم لجمال مبارك على الرغم من المعارضة الشعبية المتزايدة لهذه الخطة. وسعى أحمد عز - رجل الإعمال الثري ومسئول التنظيم في الحزب الوطني الديمقراطي والمقرب من جمال – إلى وصول صديقه إلى الرئاسة بسهولة، حيث أشرف على واحدة من أفسد الانتخابات البرلمانية وأشدها تزويرا في تاريخ البلاد في العقود الأخيرة.

كانت انتخابات نوفمبر 2010 البرلمانية آخر نقطة تحول رئيسية ساهمت في سقوط نظام مبارك، حيث زور الحزب الوطني فيها عمليات التصويت بشكل واسع واستخدم الترهيب والقمع لضمان أغلبية برلمانية ساحقة بلغت 97 في المائة. وكانت عمليات التزوير واضحة واستفزازية حيث ظهر عدد من أنصار النظام وهو يقومون بحشو صناديق الاقتراع ونُشرت صورهم الفوتوغرافية ومقاطع فيديو لهم على شبكة الإنترنت. ونتيجة استبعاد أحزاب المعارضة الكلي تقريبا من البرلمان، زاد النظام من عدم شرعيته. وعلق توماس دملهوبر مستخلصا في ديسمبر 2010 أنه "من الواضح ألا ينبغي أن ينظر الى هذا التلاعب بالانتخابات على أنه يعكس مدى قوة النظام، أو كعلامة لعمل حكومي كفئ. على العكس من ذلك، هو تعبير عن الضعف، اذ أن الأنظمة الاستبدادية المستقرة في الوقت الحاضر لا تزال قادرة على مواجهة القوى المتصاعدة للمعارضة."[11]

أكد الاحتيال في انتخابات نوفمبر تشرين الثاني أيضا الاعتقاد بتكرار التزوير في الانتخابات الرئاسية المقبلة التي كان من المقرر عقدها في سبتمبر 2011. وزاد مبارك الطين بلة عندما سخر علانية من المعارضة، التي كانت قد شكلت برلمانا موازيا احتجاجا على الانتخابات المزيفة، خلال جلسة الافتتاحية للبرلمان المنتخب حديثا. لقد اهان المصريين و أظهر العداء لهم وأقصى أي إمكانية للإصلاح مسلطا الضوء على الحاجة الملحة للتغيير السريع.

الحركات الشبابية

أشعل الشباب المصري ثورة 25 يناير واحتضنها الشعب وركبها الجيش، حيث لعبت الحركات الشبابية المختلفة دورا محوريا في الدعوة للتظاهر وتنظيم التعبئة الجماهيرية التي حولت الاحتجاجات في 25 يناير الى ثورة شعبية. استفاد الكثير من هذه الحركات الجديدة من الخبرة السياسية والتنظيمية التي كانت قد اكتسبتها من مشاركتها السابقة مع جماعات الاحتجاج التي كانت قد ظهرت منذ بضع سنوات، فضلا عن اعتماد استراتيجيات جديدة وتكتيكات المواجهة مع النظام. رغم استفادة هذه الجماعات من التجارب السابقة، الا انها ابتدعت أيضا تقنيات جديدة لتحدي نظام مبارك. فكما سنرى لاحقا، نجحت هذه الحركات في التحرك بسهولة بين الواقع الافتراضي لوسائل التواص الاجتماعي، مثل الرسائل القصيرة و المدونات و يوتيوب و الفيسبوك وتويتر، والعالم الحقيقي على أرض الواقع. أنتجت هذه الدينامية الجديدة كتلة حرجة كانت ضرورية لاندلاع هذه الثورة الناجحة. عبر "أحمد عيد" واحد من النشطاء الشباب عن تجربته قائلا: ”أنا أعتبر نفسي والجماعات الرئيسية التي شاركت في ثورة 25 يناير مواليد السياق الذي نشأ عن ظهور حركة كفاية. وبذلك أنا أرى 25 يناير بمثابة تتويج لحالة النشاط السياسي والاجتماعي الذي بدأ في عام 2004 مع تأسيس حركة كفاية.“[12]

تقاسمت مجموعات الشباب الذين دعوا إلى الثورة و قادوها مميزات معينة ساعدت في نجاحها. وقد تم تشكيل عديد من هذه الحركات مؤخرا، حيث كان أقدمها حركة 6 أبريل التي تأسست في عام 2008 أي قبل ثلاث سنوات فقط من الثورة. وشملت المجموعات الأخرى التي شكلت حديثا حملة دعم البرادعي، ومجموعة كلنا خالد سعيد، و شباب من أجل العدالة والحرية، وشباب جماعة الإخوان المسلمين، و شباب حركة كفاية، و شباب حزب الغد، و شباب حزب الجبهة الديمقراطية. وانضم إلى هذه المجموعات في وقت لاحق شباب حزب التجمع اليساري و الحزب الناصري و الحركة الشعبية من أجل التغيير الديمقراطي وشباب حزب العمل وشباب حزب الوفد و جبهة الشباب القبطي. كفل التشكيل الحديث لهذه الجماعات عدم الإعلان عن أعضائها للنظام وقوات الأمن التابعة له. كما قلل النظام من شأن هذه الجماعات و قدرتها على تشكيل تهديد له أو ممارسة أي نفوذ أو تملكها القدرة على حشد الجماهير الكبيرة. سخر جمال مبارك من حركة 6 أبريل وأعضائها ورفض حتى النظر في إمكانية الحديث مع الشباب المصري في اجتماع علني نشر في مقطع يوتيوب وعمم على نطاق واسع بضعة أشهر قبل الثورة.

على عكس الجيل السابق من الحركات الاحتجاجية والأحزاب السياسية التي تعايشت مع نظام مبارك على مدى عقود طويلة، كانت لهذه الحركات الشبابية رغبة وارادة قوية في التغيير ونجحت في نهاية المطاف في تخليص البلاد من نظام مبارك.[13] كانت إمكانية صعود جمال بعد والده إلى السلطة بالنسبة لهم شيئا غير مقبول تماما،فعلى عكس الأحزاب السياسية، تميزت الحركات الشبابية أيضا بسعة الحيلة، والتركيز على الجوانب العملية، والقدرة على التنسيق بينها وبين القوى السياسية الأخرى، على الرغم من اختلاف توجهاتها الأيديولوجية وخلفياتها الفكرية. وكانت هذه المرونة من العوامل الهامة التي ساعدت هذه الحركات على حشد مختلف القوى السياسية والاجتماعية، وتنسيق جبهة قوية وان بدت متنوعة، والمضي بالثورة قدما. واثبتت هذه الحركات قدرتها على الحفاظ على هذا المستوى العالي من المرونة والتحرك عبر الأحزاب والتنظيمات، والتي زادت من شبكة أنشطتها، ومهاراتها التنظيمية و قدراتها على التعبئة حيث تأتي أغلبية قادة هذه الحركات والمنتسبين لها من الشباب المتعلم من الطبقتين الوسطى و الوسطى العليا. لم تقتصر مطالبهم على تحسين الظروف الاجتماعية والاقتصادية فحسب، و إنما كانوا يتطلعون أيضا إلى ترسيخ قيم الديمقراطية وحكم القانون وتداول السلطة والمشاركة الشعبية. أخيرا، استخدمت هذه الحركات وسائل الاعلام الاجتماعية بمهارة وعلى نطاق واسع لعدة سنوات من أجل رفع مستوى الوعي العام، وفضح السياسات القمعية للنظام، وبناء وتنظيم فضاء واقعي وافتراضي واسع من مختلف قطاعات المجتمع.

حركة 6 أبريل

لعبت عدة مجموعات شبابية متمثلة في حركة 6 أبريل، و حملة دعم البرادعي، و شباب الإخوان المسلمين، وشباب حزب الغد، وشباب العدالة والحرية وشباب الجبهة الديمقراطية الأدوار الرئيسية في الدعوة الى الاحتجاجات و تنظيمها خلال الأيام الأولى للثورة. وتمثل حركة 6 أبريل أول حركة للاحتجاج على الانترنت في مصر. تأسست هذه المجموعة في عام 2008 دعما لإضراب العمال في المحلة الكبرى (المدينة الصناعية والعمالية الكبرى في دلتا النيل)، وتعبيرا عن استيائهم من اتخاذ تدابير قاسية اعتمدت من قبل النظام لقمع العمال المضربين.استخدمت الحركة صفحتها بالفيسبوك، والتي بلغ عدد أعضائها آنذاك 70 ألف شخص، من أجل الدعوة الى تنظيم اضراب عام. اختار النشطاء 6 أبريل كيوم لبدء الإضراب و اسم للمجموعة على حد سواء من أجل احياء ذكرى تاريخ انهاء غاندي "مسيرة الملح" السلمية في عام 1930. ولا يمكن بالطبع تجاهل الرسائل الرمزية التي تكمن وراء اختيار هذا الاسم. تتمثل واحدة من هذه الرسالات في استعداد الحركة لخوض معركة طويلة ضد حكم مبارك محاكاة لممارسات غاندي، وتتجسد أخرى في نيتها في استلهام واضح لنضال غاندي من خلال اعتماد استراتيجية مقاومة سلمية ومناهضة للعنف، حيث شاع قيام بعض أعضاء الحركة بالتدرب على تقنيات احتجاج غير عنيفة في صربيا.[14]

لم تنشئ حركة 6 أبريل هيكلا تنظيميا جامدا، وانما تصف نفسها في موقعها الشبكي "كمجموعة من الشباب المصري الذين لا ينتمون الى اتجاه سياسي معين ويسعون إلى تغيير سياسي" حيث ضمت الحركة الشباب من مختلف الأحزاب السياسية والحركات والمنظمات، فضلا عن أفراد مستقلين. وكانت الحركة نشطة على الإنترنت وبين الشباب في مختلف الدوائرحيث أنها عملت على تحسين تقنيات الاحتجاج استعدادا لتعبئة جماهيرية كبرى، ومع ذلك فان الإضراب العام الثاني من عام 2009 لم يكن ناجحا، وكانت لا تزال قدرته على حشد شريحة واسعة من السكان محدودة. صرح أحمد صلاح، أحد المؤسسين للحركة قائلا: "لقد كنا نحاول منذ فترة طويلة بناء الثقة لاختيار اللحظات المناسبة والخروج للمظاهرات، ولكن كان الحد الأقصى لعدد الأشخاص الذين كانوا سيحضرون بضعة آلاف فقط."[15] وقدلعبت الحركة دورا حاسما في حشد الشعب لاحتجاجات 25 ينايرحيث وزعت أكثر من خمسين ألف منشور، شارحين للناس لماذا كان عليهم الانضمام للاحتجاجات، ونظمت حملات توعية في المناطق الفقيرة لتوعية المواطنين بحقوقهم الاجتماعية والقانونية. [16]

الحملة الشعبية لدعم البرادعي

ساهم تطور هام في عام 2010 في تنشيط الحياة السياسية في مصر و بشكل غير مباشر في ثورة 25 يناير، حيث سعت مجموعة من الشباب الى تكوين تأييد شعبي لمرشح رئاسي توافقي كان بإمكانه تحدي مبارك في انتخابات عام 2011 ووضع حد لفرص خلافة جمال. سعى هؤلاء الشباب الى رفع مستوى الوعي بالحاجة إلى التغيير وتوفير وسيلة جديدة من أجل التغيير الديمقراطي الشعبي. واحتشدوا وراء محمد البرادعي كمرشح محتمل، وشكلوا حملة شعبية لدعم البرادعي رئيسا في عام 2011. ومن أجل حشد تأييد عريض ، نشطت هذه المجموعة في العديد من المحافظات لتعبئة الرأي العام لدعم حملتهم حيث تمكن هؤلاء النشطاء الشباب من جمع أكثر من مليون توقيع، وشحذ عزائم الناس لإحداث تغيير ديمقراطي سلمي يبدأ من القاعدة الشعبية لينتهي في أعلى هرم السلطة، والأهم من ذلك تمكنوا من تعلم مهارات هامة لتجاوز إجراءات النظام القمعية. شكلت هذه الإنجازات عوامل مساعدة كبيرة في ثورة 25 يناير حيث حثت الحملة الشعبية الناس من خلال موقعها الشبكي على الانضمام إلى الاحتجاجات في 25 يناير وكان عدد كبير من أعضاءها الشباب من بين قادة الثورة الأوائل.

شارك شباب الحركات والأحزاب الأخرى كذلك في وقت مبكر من أيام الاحتجاجات. كان لشباب جماعة الإخوان المسلمين تاريخ طويل من النضال في حرم الجامعات، فضلا عن مواجهات عديدة مع أعوان النظام. وعرفت هذه المجموعة بانضباطها الكبير وقدرتها التنظيمية، فوفقا لروايات عدة، لعب شباب جماعة الإخوان المسلمين دورا هاما خلال الأيام الأولى للثورة وكانت مواجهاتهم مع قوات الأمن في وقت مبكر حاسمة في إنقاذ الثورة.واجه هؤلاء الأفراد قوات الأمن والبلطجية التي ترعاها الدولة ببسالة ملحوظة. وكان لكل من شباب حزب الغد، شباب من أجل العدالة والحرية، وشباب حزب الجبهة الديمقراطية أيضا دور فعال في الدعوة للتظاهر وحشد الآلاف من الناس من مختلف الأحياء.

دور الإخوان المسلمين

كان نظام مبارك ينظر إلى جماعة الإخوان المسلمين و يتعامل معها كمنافس رئيسي لاستقراره، فتصدى لأعضائها بصرامة وبشكل منتظم. وعلى عكس الأحزاب السياسية المصرح بها، تحدت جماعة الإخوان المسلمين مضايقات النظام و واصلت أنشطتها، لكنها دفعت ثمن تحديها وبصفة منتظمة. وأصبحت الفترة التي تمتد بين عامي 1995 و 2000 معروفة بفترة'' تكسير العظام" من مراحل القمع، والتي كثف خلالها النظام حملته متابعا أعضاء الحركة قضائيا أمام المحاكم العسكرية، والتي حكمت عليهم بعقوبات سجن قاسية. واعتمدت جماعة الإخوان المسلمين استراتيجية حازمة في تحدي النظام وتوجها عمليا في جدول أعمال الإصلاح التي اقترحتها. أصبح هذا النهج ملحوظا تماما في أوائل عام 2005، عندما أكدت الحركة حضورها مجددا في العملية السياسية وتحدت حظر النظام للمظاهرات مهددة حتى باعتماد برنامج عصيان مدني.تعاونت جماعة الإخوان المسلمين أيضا مع القوى السياسية الأخرى التي لم تشاركها وجهات النظر الإيديولوجية والذين أطلقوا معا جبهات إصلاحية متعددة. استمرت الاعتقالات والحملات اللاحقة في منع عمل الحركة من التحول إلى تهديد لهيمنة النظام لا يمكن السيطرة عليه. وزادت المواجهات مع الجماعة وقمع النظام لها قسوة خلال سنوات مبارك الأخيرة.

لم يحرض الاخوان المسلمون مباشرة على ثورة 25 يناير، إلا أنهم شاركوا فيها لاحقا بشكل فعال. وتلقت المجموعة تحذيرات جدية من أمن الدولة بعدم دعم الاحتجاجات المزمعة أو الانضمام إليها. وازاء القلق من امكانية استخدام النظام مشاركة المجموعة لصباغة الاحتجاجات بالطابع الاسلامي المتشدد ، مما قد يقدم ذريعة لمزيد من القمع، أعلنت القيادة أن الجماعة لن تشارك رسميا في المظاهرات مع عدم تقييد أعضائها من اتخاذ قرار المشاركة في الثورة على أساس فردي. ولتهدئة الوضع قدمت الجماعة مطالب محددة للنظام وحثته على إدخال إصلاحات على الفور. شملت الاصلاحات المقترحة إنهاء حالة الطوارئ، وحل البرلمان الذي أتى عن طريق التزوير، وإجراء انتخابات جديدة، وإدخال تعديلات دستورية. اتخذت شريحة الشباب في جماعة الإخوان المسلمين موقفا مختلفا وشاركت بشكل كامل في الثورة من بداياتها. كما انضم بعض الأعضاء البارزين في جماعة الاخوان المسلمين الى الاحتجاجات في وقت مبكر بل لعبوا دورا بارزا فيها. شاركت جماعة الإخوان بشكل كامل في 28 يناير، يوم الجمعة يوم الغضب. ونظرا لتنظيم الجماعة المحكم وشعبيتها، استطاع الاخوان المسلمون حشد أعداد كبيرة من أتباعهم، وكان لهم دور فعال في مواجهة وحشية قوات الأمن والبلطجية التي ترعاها الدولة. و وفقا لروايات كثيرة، كان أعضاء في جماعة الاخوان المسلمين في الخطوط الامامية خلال اشتباكات عنيفة بين قوات مكافحة الشغب والمتظاهرين. واعتمد الإخوان المسلمون طوال الثورة موقفا عمليا تصالحيا مع باقي الاطراف كما وافقوا على عدم رفع أي من شعاراتهم الدينية وأعطت الجماعة ضمانات بعدم التقدم بمرشح أو بتمثيل نفسها بأكثر من 35 في المائة من المقاعد في البرلمان بعد الاطاحة بالرئيس حسني مبارك.

دور النقابات العمالية

شهدت السنوات القليلة السابقة على انهيار نظام مبارك زيادة في عدد إضرابات العمال. وكانت الطبقة العاملة واحدة من اكبر الخاسرين من السياسات الاقتصادية النيوليبرالية التي اعتمدتها الحكومة منذ منتصف التسعينات. وتأثرت شريحة العمال بصورة غير متناسبة بعملية الخصخصة و تسريح العمال المتكرر، وخفض قيمة الأجور، وانعدام الأمن الوظيفي. واعتمد رجال الأعمال سياسة العقود المؤقتة في توظيف العمال، ورفضوا منحهم تعيينات ثابتة. و عانى العمال أيضا بسبب ارتفاع معدلات التضخم و زيادة تكاليف المعيشة. بدأت الاحتجاجات العمالية والإضرابات تنتشر في جميع أنحاء مصر ابتداء من عام 2007 حيث نظم العمال في تلك السنة ما يقرب من 1000 اضراب واعتصام في القطاعين العام والخاص. وتأسست حركة 6 أبريل في عام 2008 لدعم مطالب العمال وإضراباتهم حيث بلغ عدد الإضرابات العمالية والاحتجاجات 800 اضرابا في عام 2009.[17]
كان دور العمال مهما طوال الثورة، لا سيما خلال الأيام الأخيرة من عهد الرئيس مبارك حيث تعرضت قيادة النقابات العمالية للترهيب لفترة طويلة من قبل النظام للحيلولة دون مشاركتها في الاحتجاجات والإضرابات.حتى أن النقابات فرضت على العمال المشاركة في التظاهرات المؤيدة والداعمة لمبارك. ومع ذلك انضم الآلاف من العمال الى المتظاهرين في ميدان التحرير ونظموا تظاهرات احتجاجا على أوضاعهم المتردية ومطالبين بتحسين الأجور وظروف العمل. في 9 فبراير و قبل يوم واحد من تنحي الرئيس مبارك، كثف العمال احتجاجاتهم واضراباتهم في عدة محافظات، الشيء الذي هدد بتعطيل البلاد. وانتشرت الإنباء عن احتجاجات في المدن الصناعية الرئيسية والمستشفيات ومصانع الصلب، ومراكز الاتصالات السلكية واللاسلكية، ومطار القاهرة، وشركتين إستراتيجيتين وبالغتي الأهمية في قناة السويس. بعثت مشاركة العمال في الثورة إشارة قوية لكثير من المصريين بأن سقوط النظام بات وشيكا.

دور الجيش

مثلت المؤسسة العسكرية القاعدة والقوة الرئيسية لجميع الأنظمة في الدولة منذ عام 1952، فمنذ انقلاب "الضباط الأحرار" العسكري في يوليو1952، عزز الجيش شعوره كمؤسسة قوية تمتلك البلاد حيث يستند هذا الشعور بالملكية على إرث تاريخي في مركزية الجيش في عملية قيام الدولة المصرية الحديثة (تجربة محمد على) وعلى شرعية ثورية (ثورة يوليو) ونظرة الشعب المصري إلى الجيش كمؤسسة وطنية (جيش الشعب). جاء كل رؤساء مصر على مدى السنوات الستين الماضية من المؤسسة العسكرية. ولذلك كانت مسألة خلافة جمال مبارك، وهو شخص مدني، دون موافقة الجيش موضع شك، على الرغم من أن المؤسسة العسكرية لم تظهر أبدا ​​موقفها بشأن هذه المسألة علنًا. في الواقع أدت استمالة جمال واعتماده المتزايد على وزارة الداخلية ودائرة صغيرة من المقربين (عمر سليمان وصفوت الشريف، وأنس الفقي وغيرهم) للدفع بهذا السيناريو الى الشقاق داخل مؤسسات الدولة. وترأس جمال واحد من أهم هذه الفصائل والذي تألف من الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم، و وزير الداخلية حبيب العادلي، و بعض رجال الأعمال المقربين ، وعدد من اعضاء الحكومة، وغيرهم من المدنيين (كمحرري الصحف، و مديري وسائل الإعلام المملوكة للدولة، والعديد من المثقفين وأساتذة الجامعات في لجنة السياسيات للحزب الوطني الديموقراطي الحاكم).جند جمال هذه العناصر لبناء قاعدة سلطة بديلة عملت على تضخيم دوره وتعزيز امكانية توليه الحكم. بدأ هذا الفصيل منذ عام 2002 بالتغلغل وفرض نفوذه و السيطرة على مؤسسات و سياسات و اقتصاد البلد. تعارضت احيانا بعض هذه السياسات، لا سيما خصخصة الاقتصاد المستمر وانتشار الفساد، ومصالح المؤسسة العسكرية.وبطبيعة الحال مثل الجيش فصيل آخر داخل الدولة رافضا على ما يبدو كلا من سيناريو الخلافة هذا والاتجاه الذي كان البلاد تسير نحوه. وقد يفسر الصراع الأساسي بين هذين الفصيلين الدور الذي اعتمدته المؤسسة العسكرية خلال الثورة.

الخلاصة

تراكم زخم ثورة 25 يناير على مدى عدة سنوات من القمع السياسي، وسوء الإدارة الاقتصادية، والظلم الاجتماعي، وحشية الشرطة، وتصاعد الحراك والنشاط السياسي. الا أن الثورة أطاحت في نهاية المطاف برأس نظام احتكر السلطة و العملية السياسية، وقمع المبادرات الفردية والجماعية لثلاثة عقود. وعلى الرغم من سنوات الجمود السياسي الذي فرضته الحكومة، بلورت الحركات الاحتجاجية الشعبية والشخصيات العامة والصحافة المعارضة جدول أعمال واضح المعالم للإصلاح ودعمت تدريجيا التعبئة الجماهيرية من أجل تحقيق ذلك. نجحت هذه الحركات في توسيع حجم المعارضة و انتقاد النظام بما في ذلك رأسه، وكسر حاجز الخوف و تحريض قطاع كبير من المواطنين على النزول إلى الشوارع والاحتجاج متحدية بذلك آلة النظام القمعية.تميزت ثورة 25 يناير بمزايا فريدة حيث شارك فيها مختلف الطبقات الاجتماعية والمجموعات والحركات و تجاوزت بذلك جميع الخلافات الأيديولوجية وركزت على العامل المشترك بينهم و المتمثل في المطالب التي وحدت المتظاهرين خلال أيام الثورة الثمانية عشر وحافظت على قوة دفع الاحتجاج و حيويته. عكست الثورة درجة كبيرة من التعددية والتسامح كانت مفقودة على مدى عقود في المجتمع المصري، وتم ترسيخ هذه القيم في روح وطنية جديدة لقبها المصريون بـ "روح ميدان التحرير".

لعب الشباب دورا أساسيا في تمهيد الطريق لهذه الثورة الشعبية، فقد كانوا منذ عام 2004 المشاركين الرئيسيين في عديد من الحركات الاحتجاجية مما أمدهم بخبرة سياسية و تنظيمية هامة، طور الشباب تلك التجارب مجتمعة بالمهارات التنظيمية الحديثة لتحقيق تعبئة جماهيرية أدت الى نجاح الثورة. تزايد خلال هذا العقد استياء هؤلاء الشباب من النمط التقليدي للأحزاب السياسية القديمة، و من عدم قدرة عديد من الحركات الناشئة المؤيدة للتغيير تحقيق أي انجازات حقيقية.

نجحت الثورة في إبراز وتجميع مظالم الشعب المصري السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية. و كان لتضافر الأبعاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية دور في احداث هذه الانتفاضة الجماهيرية. في هذا الشأن، كانت الثورة التونسية هامة للغاية في رفع مستوى الآمال والارشاد بنجاح الى كيفية الاطاحة بنظام استبدادي من خلال وسائل غير عنيفة وسلمية. و بالتأكيد أسهمت الاستراتيجية السلمية التي اعتمدها منظمو الاحتجاجات في نجاح الثورة. ساهم الالتزام بالأعنف عامة و الاحتجاج السلمي في حشد دعم الملايين من المصريين، فضلا عن احترام العالم الخارجي، و أبرزت مجابهة المتظاهرين العزل السلمية للأساليب القمعية لنظام مدى الوحشية والقمع التي لجأ اليها هذا النظام ، وبالتالي نزعت الشرعية عن الرئيس مبارك وولدت ضغوطا محلية و دولية عجلت في رحيله.

الثورة المصرية وأدبيات التحول الديمقراطي

لعل المتابع لأدبيات التحول الديمقراطي يلحظ أمرين. أولا: أنه على الرغم من كثرة الكتابات والنظريات التي تسعى لتقديم تفسيرات وتأصيل لعملية التحول الديمقراطي، الا ان هناك صعوبة في الاتفاق على ملامح أو عناصر نظرية أو إطار نظري محدد ومجمع عليه. وأكدت "فاليري بنس" أحد الباحثات البارزات في هذا المجال على هذا المعنى حيث ذهبت إلى من بين الكم الهائل من الآراء حول عملية "الدمقرطة" والتحول الديمقراطي ، هناك خمسة ثوابت رئيسية في نظريات التحول، تتمثل في:

1. أهمية الاتفاق على اطار وحدود (Boundaries) النظام السياسي (تحديد طبيعة وهوية النظام – هوية الدولة – مسألة المواطنة)،
2. أهمية دور الفاعلين (agents ) في عملية التحول ودرجة فاعلية أداءهم وفهمهم تمسكهم بالقيم والممارسات الديمقراطية،
3. الحالة الاقتصادية المواكبة لعملية التحول ودرجة النمو الاقتصادي والقدرة على التعامل مع حالة الركود الاقتصادي التي عادة ما تصاحب حالة الثورات والتحول الديمقراطي،
4. أفضلية النظم البرلمانية على النظام الرئاسي كعامل مساعد في نجاح عملية التحول، حيث يتم البعد عن الممارسات الفردية والسلطوية في الحكم،
5. وضوح الإجراءات وثباتها فيما يعرف بمسار التحول والاتفاق على قواعد المسار وعدم تغيير تلك القواعد أثناء عملية التحول.[18]

كما يركز العديد من المنظرين على مسار العملية الانتقالية نفسه والخطوات الاجرائية المتعلقة بها مثل:

1. أهمية تراضي واتفاق والتزام النخبة السياسية حول مسار التحول الديمقراطي.
2. توقيت وترتيب العمليات الانتخابية (أيهم الأنسب إجراء انتخابات تشريعية أو رئاسية أولا ، أم تأسيس دستور والاستفتاء عليه قبل بناء تلك المؤسسات ، أو انتخاب رئيس أولا للإشراف على تلك العمليات؟).
3. دور القضاء ومدى التزامه بالحيادية والنزاهة ومقاومة محاولات تسيسه.
4. قدرة المؤسسات على اداء دورها بكفاءة واستقلالية.
5. قبول المؤسسة العسكرية للخضوع للسيطرة المدنية والتزامها بالحرفية وعدم الخوض في العملية السياسية.

ويعرج البحث الحالي الى أهمية هذه العوامل في تحليل محصلة المرحلة الانتقالية في في مصر والتحديات التي أدت الى انهيار تلك العملية وتدخل المؤسسة العسكرية في النهاية.

الملاحظة الثانية في فيما يتعلق بأدبيات الديمقراطية والتحول الديمقراطي هي ندرة الدراسات التي تتناول المنطقة ودولها في اطار مقارن وكحالة تدخل ضمن دراسات مناطق التحول ، على الرغم من تشابه بعض أحوال دول المنطقة مع تلك الموجودة في دول مناطق أخرى كأمريكا اللاتينية مثلا أو الفيليبين (دور المؤسسة العسكرية – دور المؤسسات الدينية – ظروف المجتمع المدني – الحركات السياسية والاحتجاجية – وأيضا الدور الخارجي المؤثر).[19] ولا يتسع مجال البحث لإجراء مقارنات إقليمية (Comparative Regionalism) ، الا انه سيتم ربط ما خلصت اليه تلك الادبيات بحالة الانتقال الديمقراطي في مصر.

إذا أردنا ربط التجربة المصرية بأدبيات الديمقراطية والتحول، فان عملية التحول الديمقراطي في مصر قد عانت من:

1. طول المرحلة الانتقالية.
2. عدم وجود خطة خريطة متفق عليها بين القوى السياسية للتحول الديمقراطي.
3. عدم التوافق حول حدود النظام السياسي بين الاطراف السياسية (الدولة: مدنية أو مدنية بمرجعية اسلامية – الهوية).
4. الانقسام السياسي السريع حول المسار Process في البدايات.
5. الاستقطاب الإيديولوجي وتحويل الخلافات السياسية الى قضايا وجودية وتصدير تلك الخلافات الى الشارع مما ادى الى الصدام والعنف.
6. عدم كفاءة أو مهارة الأطراف الرئيسية الفاعلة في إدارة التحول (المعارك الصفرية – المقاطعة والإفشال المتبادل).
7. بالإضافة إلى العامل الخارجي (الغرب: إدارة الثورات – بعض القوى الإقليمية: إفشالها وإجهاضها).

وكمايأخذ البحث الحالي هذه الأمور في الاعتبار، فإنه ينظر إلى عملية التحول الديمقراطي كعملية مرحلية وكمسار لا يمضي بالضرورة في خط مستقيم أو باتجاه محدد من البداية، وإنما قد يعتريه عدم اليقين والانتكاسات. الامر الذي يؤكد على أهمية التعامل مع التحديات التي قد تواجه عملية التحول والتي قد تؤدى الى انتكاسة تصيبها بالتراجع او الانكسار. وأشار الكثيرون من منظري التحول الديمقراطي إلى مراحل المسار وخصائص كل مرحلة. ومن المهم أن نوجزها لأهميتها في التعرف على طبيعة عملية التحول الديمقراطي في مصر والأزمات التي أدت إلى فشلها.[20]

المرحلة الأولى: سقوط النظام القديم وسيطرة النظام الجديد على السلطة. تتميز هذه المرحلة بحالة كبيرة من السيولة وعدم اليقين، وتكون عرضة للأحداث غير المتوقعة والإجراءات غير المحددة ، والنتائج غير المقصودة. كما تعاني من الاختيارات المتسرعة والمضطربة والتحالفات الهشة. وهنا يبرز سؤالا هاما وهو: هل تمكنت فعلا ثورة 25 يناير من إسقاط النظام والتمكين لنظام جديد؟ لعل إجابة هذا السؤال تلقي الضوء على أحد أهم الأسباب وراء انتكاسة التحول في مصر. فبالتأكيد لم تتمكن الثورة من إسقاط النظام القديم أو تفكيك مؤسساته القمعية والاستبدادية، وبالتالي لم يُتح لها الفرصة في الوصول الى الحكم والتمكين من أجل تنفيذ مطالبها (خاصة تلك المتعلقة بإدماج شباب الثورة وتطهير الداخلية وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة).

المرحلة الثانية: مرحلة إقامة النظام الديمقراطي. تتميز بالسعي والتمكن من إقامة مؤسسات وآليات سياسية جديدة تعبر عن وتحمي مصالح الأطراف السياسية والقطاعات المجتمعية المختلفة وتضمن حل النزاعات والخلافات من خلال تلك الآليات. وفي هذه المرحلة تبدأ العلاقات بين الدولة والمجتمع في الاستقرار كما تبدأ عملية تعلم الديمقراطية كقيم ومؤسسات واليات وممارسات.

وقد زاوجت مصر بين هاتين المرحلتين دون إكتمال أي منهما ، مما اصاب عملية التحول الديمقراطي برمتها بالهشاشة وعدم الاستقرار وعدم القدرة على المضي للمرحلة الثالثة ، وهي استقرار أو رسوخ الديمقراطية.

المرحلة الثالثة: استقرار الديمقراطية. قدم شميتر واودانل وسيلة مبسطة لاختبار اذا ما كانت الديمقراطية قد رسخت أم لا، حيث يعرفوا هذه المرحلة بأنها المرحلة التي تكون فيها الديمقراطية (قيما وممارسة) هي "الخيار الوحيد المقبول ممارسته من الجميع" أي أن يحترم الجميع القواعد والممارسات الديمقراطية ولا يخرجوا عن هذه القواعد. وتتميز هذه المرحلة باحترام والالتزام بالقيم الديمقراطية الأساسية (سيادة القانون – المساواة –المواطنة - التعددية وقبول الأخر– الانتقال السلمي للسلطة – حرية التعبير والتجمع) وحق الأغلبية في تمكينها من الحكم وحماية حقوق الأقلية وسيطرة المدنيين على المؤسسة العسكرية وعدم اللجوء للعنف كوسيلة للتغيير.[21]

تجربة التحول الديمقراطي في مصر

المجلس الأعلى للقوات المسلحة وادارة المرحلة الانتقالية الاولى

اتسمت المرحلة الانتقالية الاولي التي ادارها المجلس الاعلى للقوات المسلحة والتي بدأت بعد سقوط مبارك في 11 فبراير 2011 وحتى انتخاب الرئيس مرسي كأول رئيس مدني لمصر في يونيو 2012 بغموض نوايا المؤسسة العسكرية بالنسبة للثورة والثوار، واذا كان لديهم رغبة في حكم البلاد ام فقط تسليم السلطة بعد التأكيد من المحافظة على مصالح المؤسسة العسكرية والوضعية المميزة للجيش وتأسيس ذلك في الدستور الجديد للبلاد. وقد أصر المجلس على وضع سياق معين لمسار للمرحلة الانتقالية (انتخابات تشريعية ثم رئاسية ثم كتابة الدستور) وخريطة طريق غير ثابتة مما اربك الاطراف السياسية وادى الى درجة عالية من الاستقطاب وعدم الشعور بالأمان وعدم الثقة بين القوى السياسية. فانقسمت النخب السياسية والثوار حول المسار والاهداف ووسائل التمكين للثورة وأهدافها واضطراب المواقف خلال تلك المرحلة التي انتهت بمواجهات عنيفة بين المجلس والثوار.

بالرغم من ادارته المباشرة لتلك المرحلة الانتقالية، فأنه لا يمكن اعتبار المجلس العسكري من المؤسسات الثورية أو من المؤمنين بمطالب الثورة. فهو مجلس معين من مبارك والمفترض أن يكون ولاءه الكامل له، بالرغم من اضطراره للتخلي عنه من أجل الحفاظ على المؤسسة العسكرية ومصالحها وتجنبا لاحتمال فقدان مكانتها وامتيازاتها بسبب الثورة الشعبية ولتجنب أيضا احتمال ظهور شرعية ثورية تؤسس لمرحلة جديدة أو لجمهورية ثانية في مصر. إذن كان تخلي المؤسسة العسكرية وانحيازها لمطالب الشعب هو القرار المناسب لها كي لا تفقد المؤسسة العسكرية وضعيتها المميزة وسيطرتها على البلاد ولكي تتمكن من السيطرة على الثورة الشعبية وادارتها. ومن هنا حرصت بيانات المجلس الاولى على ابراز انحياز المؤسسة لمطالب الشعب المشروعة وتصوير المؤسسة العسكرية على أنها الحامية للثورة والضامنة لها ولمسيرتها. كما ركزت حول التفاف الشعب حول الجيش وانهما "أيد واحدة". الا ان الخطوات التي اتخذها المجلس العسكري ولجؤه لاستخدام العنف تسببت في اتساع الفجوة بينه وبين الثوار وقطاعات عريضة من الشعب والتي خرجت تطالب بسقوط المجلس واعدام المشير.

فقد ظهر استخدام المجلس لعدد من الاستراتيجيات لإدارة المرحلة الانتقالية ولأضعاف الثورة واحتواءها ان لم يكن اجهاضها. أولا لجأ المجلس أثناء ادارته للمرحلة الانتقالية الاولى الى التدخل المباشر للسيطرة على مسارها. فقد أصر المجلس على الابقاء على حكومة أحمد شفيق المعين من قبل الرئيس المخلوع ، الامر الذي اثار سخط الثوار. كما اصر على عدم كتابة دستور جديد للبلاد كخطوة أولى للقطيعة مع النظام البائد. عوضا عن ذلك شكل لجنة لتعديل بعض مواد دستور 1971 وعرض تلك التعديلات على الاستفتاء الشعبي لضمها لدستور 1971 في حالة موافقة الشعب عليها ثم تفعيله. وبالفعل اقرت أغلبية المصوتين في الاستفتاء تلك التعديلات ، الا ان المجلس بدلا من تفعيل دستور 1971 كما تم اعلن سابقا قام بأصدر اعلانا دستوريا من 62 مادة والغى دستور 1971، مما أثار بذور عدم الثقة في نوايا المجلس وأيضا حالة الاستقطاب بين القوى المختلفة.

ثانيا، بدأ المجلس في كسر ارادة الثوار. فقد وقعت صدامات عنيفة بين المؤسسة العسكرية والشباب المعتصمين في ميدان التحرير، حيث سعى المجلس إلى فض الاعتصامات وانهاء الحالة الثورية. وقام المجلس باعتقال واهانة عدد كبير من الثوار واحالتهم إلى محاكمات عسكرية بتهم البلطجة والتخريب. ثم جاءت فضيحة "كشوف العذرية" التي قام بها أفراد من الجيش إزاء عدد كبير من شابات الثورة كوسيلة لإذلالهم المعنوي والجسدي. ولجأ المجلس في كثير من الاحيان الى فض الاعتصامات والمظاهرات بالقوة وتعريض الشباب أثناء ذلك للإهانات اللفظية والانتهاكات الجسدية.

ثالثا، تفتيت الائتلافات الثورية وتشجيع العشرات منهم على الظهور. لم يكن للثورة قيادة مركزية أو تنظيم موحد يقودها، وانما نشأت بعض الكيانات التي يمكن حصرها في البداية. ولكن المجلس ومن خلال الحوارات المرتبة مع العديد من الشباب أخذ في تشجيع بعضهم على تشكيل ائتلافات وكيانات ثورية من أجل تقسيم جبهة الثوار ة والحيلولة دون احتكار الرموز الحقيقية للثورة الحديث باسمها وتمثيلها.

رابعا، اطالة المرحلة الانتقالية دون مبرر ضروري. ومن المعروف أنه كلما طالت المرحلة الانتقالية كلما زاد تعقد المشهد السياسي وتفاقمت الخلافات والاستقطاب بين القوى السياسية. فقد طالت المرحلة الانتقالية الاولى من ستة أشهر كما حددها المجلس فور توليه ادارة شؤون البلاد الى 18 شهرا. كما جرى تأجيل موعد الانتخابات أكثر من مرة. فقد تأجلت الانتخابات الرئاسية من يناير 2012 الى ابريل 2012 ثم أخيرا تم اجراءها في يونيو 2012.

خامسا، لجأ المجلس الى رفع الكلفة الاقتصادية والاجتماعية للثورة دون داع وذلك بعدم الاستجابة لمطالب الثورة والتراخي في استرجاع الامن والامان. لقد تباطأ المجلس في الاستجابة لمطالب الثوار والتي جاء على رأسها المحاكمات العادلة لرموز النظام السابق والقصاص من قتلة المتظاهرين وتعويض أهالي الضحايا والمصابين وتطهير وزارة الداخلية والقطاع الامني. وكان يتم الاستجابة الجزئية لبعض تلك المطالب فقط بعد الضغط بالمظاهرات والاعتصامات والمليونيات. مما أظهر البلاد وكأنها تعاني من حالة كبيرة من السيولة وعدم الاستقرار التي لا يمكن التحكم فيه. وكذلك من الطبيعي بعد الثورات ان يرتفع سقف التوقعات والطموحات في تحسن الاوضاع بشكل سريع. وعادة ما يلجأ العديد من الفئات الاجتماعية والتي قد لا تكون ثورية بالضرورة الى التعبير عن مطالبها المشروعة في أوضاع وحياة أفضل. ولم ينجح المجلس في ايجاد الية للتعامل مع هذه المطالب بشكل فعال.

كما ادى انهيار الداخلية عقب ثورة يناير ثم تقاعسها بعد ذلك في استعادة الامن وتفاقم مشكلة البلطجة والسرقة والتعدي على الممتلكات الخاصة والعامة إلى دخول مصر في حالة من الهشاشة السياسية والاقتصادية والأمنية. ونجح الاعلام في ربط هذا الازمات بالحالية الثورية التي تمر بها البلاد لحالة وتحميل الثورة مسئولية تلك المشاكل مما ولد لدى قطاعات كبيرة من الشعب شعور سلبي تجاه الثورة والثوار وحتى كراهيتها في بعض الحالات.

سادسا، التساهل مع النظام القديم وعدم تطهير المؤسسات وتعطيل العدالة الانتقالية. يعد المجلس العسكري من مؤسسات النظام القديم، كما أن رئيسه المشير طنطاوي كان معينا من قبل الرئيس مبارك والذي أبقاه في منصبه كوزير دفاع لما يزيد عن عشرين عاما. كما شغل المشير طنطاوي منصب رئيس الحرس الجمهوري لفترة طويلة قبل ذلك. وقد تقاعس المجلس في الاستجابة لمطالب الثورة في محاكمة مسئولي النظام القديم ممن أفسدوا الحياة السياسية واضطر لتقديم مبارك ونجليه ووزير الداخلية الأسبق ومعاونيه للمحاكمة فقط بعد ضغط جماهيري ومليونيات عديدة. كما أبقى المجلس على عدد كبير من رموز النظام القديم في مناصبهم بعد الثورة ومنحهم وقتا كافيا للتخلص من أدلة إدانتهم أو تهريب أموال للخارج. فقد تفاجأ الشعب أن زكريا عزمي رئيس ديوان رئاسة مبارك ظل طليقا ويذهب إلى مقر وظيفته لعدة أشهر بعد الثورة. الأمر الذي منحه فرصة كبيرة للتخلص من أي أدلة قد تدينه أو تدين الرئيس مبارك. بالرغم من أن مطلب تطهير المؤسسات كان على رأس مطالب الثورة إلا إن المرحلة الانتقالية الأولى التي أدارها المجلس العسكري لم تشهد أي تطهير للمؤسسات وظل كبار أعضاء جهاز الدولة والذي عين معظمهم من قبل مبارك ويدينون بالولاء للنظام القديم في مناصبهم. وكانت الداخلية ومؤسساتها الامنية والقمعية والجهاز الإعلامي أحد تلك المؤسسات التي لم تشهد تطهيرا على الرغم من مطالبة الثوار الملحة بتطهير الداخلية واعادة هيكلتها الى ان وصلت الاحتجاجات ذروتها في احداث محمد محمود في نوفمبر 2011 والصدامات الدامية الى ادت الى وفاة العشرات واصابة المئات اثر محاولة المحتجين الوصول الى مقر وزارة الداخلية واقتحامه من أجل تطهيره. كما تقاعس المجلس في اتخاذ اجراءات فعالة بخوص القصاص من قتلة المتظاهرين وتعويض اهالي الشهداء والجرحى والبدء في تنفيذ العدالة الانتقالية للكشف عن التجاوزات التي حدث أثناء حكم مبارك ومحاسبة المسئولين عنها واصلاح المؤسسات والبدء في انتقال ديمقراطي سليم.

وفد علق البرفسور ناثان براون على اداء المجاس العسكري بقوله : "حتى الآن خالف المجلس العسكري الحاكم كل ما توصي به كتب التحول نحو الديمقراطية من خطوات ويتعين عليه في المرحلة المقبلة ألا يحاول انتهاج النموذج التركي الذي احتفظ من خلاله جنرالات الجيش لعقود طويلة بنفوذ سياسي هائل باعتبارهم حماة الدستور العلماني، كما يتعين ألا يحاول الإخوان المسلمون من خلال حصولهم على أكبر نسبة من مقاعد مجلس الشعب المصري إعادة صياغة النظام السياسي المصري ليتناسب مع رؤيتهم الخاصة، بل اتباع النموذج التونسي في التحول الديمقراطي حيث اختارت الأغلبية المنتمية للإسلاميين أن تعمل عن كثب مع القوي السياسية الأخرى التي لا تنتمي للتيار الإسلامي بدلا من أن تحاول أن تلقي بثقلها على العملية السياسية."[22]

دور القضاء

لعب القضاء دورا كبيرا في تقويض المرحلة الانتقالية الاولى في مصر عن طريق التدخل المباشر في مسار العملية الديمقراطية وعدم مبالاة كثير من الجهات السياسية الفاعلة (سواء الاحزاب السياسية الليبرالية أو الحركات الثورية) ازاء هذا التدخل، بل وجد دعما من المعارضة المدنية. فقد ساهم القضاء في تقويض يعض المؤسسات المنتخبة والتمسك ببعض رموزه التي سبق تعينها من قبل الرئيس مبارك كما ساهم العديد من اعضائه في تقديم الاستشارات للمجلس العسكري من اجل مساعدة المؤسسة العسكرية في التمسك بالسلطة. كان التدخل الاول من القضاء في 10 ابريل 2012 حيث عطل تشكيل الجمعية التأسيسية الاولى لوضع الدستور، بدعوى هيمنة الاسلاميين على تركيبها. فقد تم توجيه انتقادات للجنة صياغة الدستور ، لهيمنة الاسلاميين عليها حيث أن أكثر من نصف أعضائها من حزب الحرية والعدالة وحزب النور. وفي أعقاب ذلك دب خلاف بين العلمانيين والاحزاب الاسلامية في اللجنة. وادى الخلاف الى انسحاب بعض ممثلي القوى الليبرالية والمسيحية واليسارية. وسعدت الحركات والاحزاب العلمانية بقرار المحكمة الإدارية القاضي ببطلان تشكيل اللجنة التأسيسية للدستور، وأعلنت أحزاب الاحرار والوفد والحزب الديمقراطي الاجتماعي أن قرار المحكمة يعد "فوزا دستوريا". من جهة أخرى انتقدت الاحزاب الاسلامية قرار المحكمة لمخالفته مبدأ الفصل بين السلطات. وجاء التدخل القضائي الثاني بعد الاطاحة بمبارك متعلق بمرشحي الرئاسة، لا سيما بعد استبعاد خيرت الشاطر وحازم أبو اسماعيل وأيمن نور وعمر سليمان واخرين من السباق الرئاسي.

ويعد حل مجلس الشعب المنتخب أبرز تدخل قضائي في مسار الديمقراطية. ففي 14 يونيو 2012 اعلنت المحكمة الدستورية العليا في مصر حل مجلس الشعب المنتخب ديمقراطيا. ومع ذلك استطاع برلمان الثورة ان يصمد في وجه تدخلات القضاء هذه لمدة ثلاثة أشهر فقط. من هذا المنظور، كان حكم المحكمة الدستورية فقط تأكيدا على الحكم السابق للمحكمة الادارية بان الانتخابات البرلمانية غير دستورية.

كما وقف القضاء بحزم أمام محاولات عزل افراد الحزب الوطني المنحل ورموز النظام السابق من الحياة السياسية. فقد قضت محكمة القضاء الاداري بوقف تنفيذ قرار لجنة الانتخابات الرئاسية بإحالة التعديلات القانونية التي صدق عليها البرلمان في الشهر السابق والتي ادخلت على قانون تنظيم مباشرة الحقوق السياسية (الخاصة بالعزل السياسي) الى المحكمة الدستورية العليا التي قضت بعد دستورية قانون العزل السياسي وبأحقية أحمد شفيق (الذي يعد من الرموز البارزة للفلول) في الاستمرار في السباق الرئاسي. وكان لهذا القرار تأثير مباشر على مسار الانتخابات الرئاسية. فقرارات المحكمة الثنائية لم تقض بحل البرلمان المنتخب ديمقراطيا قبل يومين فقط من الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية المقررة في الفترة من 16-18 يونيو، ولكنها أيضا سمحت باستمرار أحمد شفيق أحد رموز نظام مبارك بالاستمرار في سباق الرئاسة (حصل شفيق على 12347380 وحصل مرسي على 13230131 صوتا، بفارق 882751 صوتا فقط). وعقب الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية استمرت التدخلات العسكرية والقضائية في النظام الديمقراطي في مصر من خلال المجلس الاعلى للقوات المسلحة . ففي 17 يونيو ، أصدر المجلس أعلانا دستوريا مكملا للإعلان الدستوري الصادر في 30 مارس 2011 ، اسند به سلطة التشريع الى المجلس العسكري، ولم يقتصر الاعلان على تقليص صلاحيات الرئيس القادم فقط ولكن عزز دور الجيش في صياغة الدستور الجديد.

القوى الاخرى

وضح أن جماعة الاخوان المسلمين كانت هي الأكثر تنظيما من بين القوى السياسية الأخرى والقدرة على حصد قدر كبير من المكاسب الانتخابية من خلال المسار الانتقالي والمضي في بناء المؤسسات والتي يمكن أن تحتل فيها مساحة كبيرة تجعلها أهم قوة مؤثرة في البلاد. لذا راهنت الجماعة على المسار السياسي الاصلاحي التدريجي وعلى سرعة إنهاء المرحلة الانتقالية وعلى عدم التصعيد مع المؤسسة العسكرية والامن خشية ان تؤدي المواجهات ضربات عنيفة ضد الجماعة مما قد يؤثر على تماسك التنظيم والمكاسب الذي قد يحصدها والى تعنت المؤسسة العسكرية وعدم تسليمها السلطة. ودفع ذلك التوجه الجماعة الى توسيع نطاق تحالفاتها مع التيارات الاسلامية الاخرى خاصة السلفية منها مما ساهم في النهاية في حصر التنافس بين التيار الاسلامي من جانب والتيار الليبرالي المدني والثوري من جانب أخر. وزاد هذا الاستقطاب من حالة الشعور بعدم الثقة بين أطراف عدة ومن حدة الاتهامات بين التيارات الثورية والاخوان المسلمين الذين اُتهموا بالتواطؤ واجراء الصفقات مع المجلس العسكري والتنكر لمطالب الثورة. في وقت دخلت فيه القوى الثورية في مواجهات دموية عنيفة مع المجلس العسكري وجرى اتهامهم بالعمالة والبلطجة. وتمسكت تلك القوى بتطهير مؤسسات الدولة قبل بناء المؤسسات الجديدة وبالشرعية الثورية أو "شرعية الميدان قبل شرعية البرلمان" وقللوا من أهمية البرلمان المنتخب امام الشرعية الثورية. كما احست القوى المدنية بضعفها ازاء الشعبية المتزايدة للتيار الاسلامي واخذ تدفع بقوة من اجل تمديد المرحلة الانتقالية بحجة منحها الوقت للاستعداد للمنافسة الانتخابية بل والحت على المجلس العسكري من أجل البقاء على رأس السلطة وأحيانا من أجل التدخل لتغيير قواعد المسار الانتقالي.

الرئيس مرسي وإدارة المرحلة الانتقالية الثانية

نظرا لحالة الاستقطاب الحادة بين القوى السياسية المختلفة فقد تباينت التفسيرات حول مسئولية فشل المرحلة الانتقالية الثانية والتي بدأت بانتخاب الرئيس محمد مرسي في يونيو 2012 وانتهت بعزله في 3 يوليو 2013 من قبل وزير دفاعه والمؤسسة العسكرية. فقد رأي البعض ان مرسي لم يكن رئيسا ديمقراطيا وادار ظهره للثوار ولمطالب الثورة واحتمى بحزبه وجماعته واختار ان يتصالح مع الدولة القديمة فأفشلته وابتلعته مؤسساتها في النهاية. ولعبت المعارضة بأسلوبها الممانع والانقلابي دورا كبيرا في تقويض المرحلة الانتقالية. كما لا يمكن اغفال دور اجهزة الدولة القديمة ومؤسساتها الممانعة والمتربصة (المؤسسة العسكرية والداخلية والقضاء والجهاز البيروقراطي والاعلام) بالإدارة الجديدة والتي نجحت في النهاية في ازكاء الغضب الجماهيري والحشد ضد ادارة الرئيس مرسي والذي انتهى بالمطالبة بانتخابات رئاسية مبكرة وبأحداث يونيو 2013 والتي وفرت الغطاء الجماهيري لتدخل المؤسسة العسكرية والانقلاب على الرئيس المدني المنتخب. وبطبيعة الحال فان مسئولية فشل المرحلة الانتقالية الثانية تقع على كافة تلك الاطراف وان كان بدرجات متفاوتة. فكما الحال في المرحلة الانتقالية الاولى ، تباينت الرؤى حول مسار المرحلة الانتقالية الثانية والتي عانت ايضا من حالة حادة من الاستقطاب وعدم الثقة وحتى التربص والافشال بين الفاعلين الاساسيين، كما لعب البعد الاقليمي والخارجي دورا في تقويض تلك المرحلة الانتقالية. فعلى ضوء الاستحقاقات الانتخابية وعلى رأسها وصول مرشح الجماعة لرئاسة الدولة ولتجنب الصدام العنيف مع أجهزة ومؤسسات النظام السابق مال الاخوان الى ضرورة التعجيل باستكمال المؤسسات الديمقراطية حتى ولو اعترى المسار بعض الخلل، ثم التطهير بعد ذلك. في حين رأى الثوار أنه ليس من المهم أو المنطقي المضي في استكمال بناء المؤسسات قبل القيام بالتطهير وتفكيك مؤسسات الاستبداد. أما المعارضة المدنية والعلمانية فقد جاهدت بعد ان تبددت فرصة الاتفاق مع النظام الجديد في افشال الاخوان وادارة الرئيس مرسي واصرت على تصدير الخلاف بينها بينه الى الشارع مما ادى الى الانقسام الحاد ونشوب العنف وعدم الاستقرار. كما بدا واضحا أن مؤسسات النظام القديم ظلت منذ الاطاحة بمبارك في حالة ترقب وممانعة وحتى تعمد إفشال الرئيس المدني المنتخب تحينا للفرصة لاسترجاع دولة مبارك. كما لعب البعد الخارجي من قبل دولا اقليمية دورا كبيرا في احتواء الثورة المصرية وافشالها لما تمثله تلك الحالة الثورية ليس في مصر وحدها بل في المنطقة عامة من خطر مباشر على استقرار بعض أنظمة الحكم الاستبدادية. ويركز البحث خاصة على دور الرئاسة والمعارضة في افشال المرحلة الانتقالية الثانية.

الرئاسة وأخطاء السلطة

واجه الرئيس مرسي تحديات عدة منذ اليوم الاول لتوليه السلطة تمثل اهمها في تقليص المجلس العسكري والقضاء لصلاحياته وتعطيلهم للمؤسسات المنتخبة (كحل مجلس الشعب) واطالة المرحلة الانتقالية وممانعة اجهزة الدولة ثم اشتعال دائرة العنف وعدم الاستقرار. فمع اقتراب تسليم السلطة اصدر المجلس العسكري اعلانا دستوريا في 17يونيو 2012 انتقص من سلطات الرئيس المنتخب ونقل سلطة التشريع للمجلس العسكري لحين اجراء انتخابات برلمانية جديدة. وقد وصفت هذه الخطوة "بانقلاب ناعم مكتمل الأركان."[23] فقد أُنتخب الرئيس محمد مرسي كأول رئيس مدني بفارق نسبة ضئيلة من الأصوات على منافسه الفريق أحمد شفيق مرشح النظام القديم وفي وضعية استقطابية حادة وفي مواجهة مؤسسة عسكرية بدت وكأن الحكم والسلطة قد انتزعا منها بعد أن كانت تسيطر على الدولة المصرية لقرابة الستة عقود . وكان هذا الامر يتطلب تفهما خاصا لطبيعة التحديات والمخاطر التي ستحيط ليس فقط بإدارة الرئيس المنتخب وإنما أيضا بمسار الثورة المصرية برمتها. مما يتطلب التمسك بمطالب الثورة والانحياز التام للشرعية الثورية والثوار في مواجهة الدولة القديمة.

وربما لاحت فرص للتوافق بين الرئيس والمعارضة المدنية خاصة بعد اتفاق "فيرمونت" قبيل اعلان نتائج الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، ومنح المعارضة الرئيس الجديد الفرصة لتنفيذ الوعود التي قطعها على نفسه في برنامج الـ100 يوم. وقد حاول الرئيس مرسي خلال تلك الفترة الاولى انتزاع بعض الصلاحيات التي تمكنه من الحكم من خلال مؤسسات منتخبه. فأعاد مجلس الشعب الذي حله القضاء (ثم أضطر للتراجع عن هذا القرار) والغى الاعلان الدستوري المكمل في نفس الوقت الذي احال فيه المشير طنطاوي والفريق سامي عنان الى التقاعد وعين مدير المخابرات الحربية اللواء عبد الفتاح السيسي وزيرا للدفاع ، كما شكل فريقًا رئاسيًا من مساعدين ومستشارين وكلف حكومة جديدة برئاسة الدكتور هشام قنديل. الا ان سقف المطالب، وخاصة المطالب الثورية، قد أخذ في الارتفاع، وعلى رأس تلك المطالب تطهير المؤسسات والعدالة الانتقالية بما في ذلك الاصرار على اعادة محاكمة المتهمين من عناصر النظام السابق والذين حصلوا على أحكام بالبراءة. كما زادت اعتراضات المعارضة على تشكيل اللجنة التأسيسية لكتابة الدستور وكثرة تمثيل العناصر الاسلامية فيها. وقد بدأ مؤشر الاستقطاب بين إدارة الرئيس مرسي ومناصريه من التيارات الاسلامية من جانب والمعارضة الليبرالية والمدنية والقوى الثورية في التصاعد فور انتهاء المائة يوم وبالتحديد فيما عرف بجمعة "كشف الحساب".

مما لا شك فيه أن ادارة الرئيس مرسي قد وقعت في اخطاء واضحة اضرت بمسار المرحلة الانتقالية الثانية. أولا، يبدو أن الرئاسة قد ظلت في حالة من التردد بين الحرص على الحفاظ على حالة التوافق المبدئي مع المعارضة المدنية من جانب، والحذر من الصدام مع مؤسسات الدولة العميقة (خاصة المؤسسة العسكرية والأمنية) من جانب أخر. كما بدى عدم الاكتراث بمتطلبات المرحلة الانتقالية من ضرورة استيعاب كافة القوى الوطنية والانحياز لمطالب الثورة والثوار كخط دفاع أساسي وسند رئيسي في عملية تفكيك مؤسسات الدولة العميقة وإعادة هيكلة الدولة وبناء المؤسسات الجديدة التي تُمكن للثورة. بطبيعة الحال فإن المراحل الانتقالية تختلف عن الوضع المستقر. وأحد أولويات المرحلة الانتقالية هو القدرة على بناء التوافق والأرضية المشتركة التي يمكن عليها بناء المؤسسات الجديدة المستقرة. وهذا ما فعلته القوى السياسية في تونس حيث حرصت على التمسك بالتوافق أولاً (صيغة الترويكا) مع بناء مؤسسات انتقالية إلى أن يَرسخ ذلك التوافق ويصيح من الصلابة بحيث يمكن أن يبنى فوقه مؤسسات دائمة. لكن الإخوان في مصر نحو منحا أخر حيث رأوا عكس ذلك خشية من إطالة المجلس العسكري للمرحلة الانتقالية واستمرارهم في الحكم. لذلك أظهروا حرصا كبيرا على المضي في بناء مؤسسات دائمة والانتهاء من المرحلة الانتقالية في أسرع وقت ثم يأتي التوافق بعد ذلك على أرضية تلك المؤسسات. إلا أن هذه الصيغة والهرولة لبناء مؤسسات مستديمة قد وقعت على أرضية مهزوزة تعاني من حالة كبيرة من السيولة والاستقطاب والخلافات وعدم تعاون أجهزة الدولة مما أدى الى فشل المرحلة الانتقالية الثانية برمتها.

ثانيا، عجزت إدارة الرئيس مرسي عن فهم طبيعة الدولة المصرية وفك رموزها بصورة تمكنهم من السيطرة عليها. فقد ظنوا أن هذا الجهاز الإداري العتيد سيخضع لإرادة الرئيس المدني كونه على رأس هذا الجهاز، وأنه يمكن اصلاح مؤسسات دولة مبارك بالتصالح معها وبالتدرج ومن الداخل. ولكن في حقيقة الامر فان جهاز الدولة ظل ممانعا ومقاوما خلال الفترة الانتقالية ولم يطمئن لمرسي وحزبه، خاصة بعد ان بدأ عناصر الحزب والجماعة في تولى بعض المناصب والتوغل في مؤسسات الدولة، فيما عرف من قبل المعارضة ومناهضي مرسي بمحاولة "أخونة الدولة". لم تحدث هذه المحاولة التصالحية الاصلاحية أثرا كبيرا في أداء ذلك الجهاز الذي تمكن هو من إفشال الرئيس المنتخب وإظهاره وسياساته في صورة العجز والتخبط وعدم القدرة على حل المشاكل الأساسية.

ثالثا، عانت ادارة الرئيس مرسي من كثير من المشاكل المتعلقة بالقيادة والرؤية والقدرة على التواصل ، مما زاد الفجوة بينها وبين قطاعات عريضة من الشعب ، ليست من مناصريه في الاساس ، وانما ربما قد صوتوا له ووضعوا عليه الامل في احداث تغيرا ملموسا. فبالرغم من الدعوات المتكررة، غاب عن خطاب الرئيس مرسي المصارحة والوضوح ومكاشفة الشعب منذ البداية بحجم المشاكل والتحديات والمعوقات أمام أدارته. كما افتقد ذلك الخطاب لرؤية واضحة للخطوات العملية التي ينوي نهجها للتغلب على تلك المشاكل. وكان مستوى التواصل خاصة في الأزمات دون المطلوب وبدلا من حشد عموم الشعب للالتفاف حوله عمق القصور في التواصل من الفجوة بين الرئيس وعموم الشعب. فقد عاني الخطاب من البطيء في الاستجابة وعدم توخي الصراحة والشفافية وعدم الاقرار بالخطأ مما ادى الى اهتزاز الثقة. كما ادى سوء اختيار المكان المناسب للحديث الى الشعب (مثال القاء خطابات هامة امام مناصريه فقط وأمام قصر الاتحادية) الى شعور الكثير من الشعب أن هذا الرئيس ليس رئيسا لكل المصريين وإنما رئيسا "لجماعته وأهله وعشيرته" هو فقط ، الامر الذي لم تتردد المعارضة في استغلاله للتشكيك في اخلاص الرئيس مرسي.

رابعا، عانت ادارة الرئيس مرسي طول مدتها من سوء عملية صنع القرار. فقد اتخذ العديد من القرارات الهامة والحرجة ثم تم التراجع عنها بكل سهولة. مما ولد انطباعا أن الرئيس لم يكن هو من يصدر تلك القرارات، أو ان القرارات تصدر بصورة منفردة دون الرجوع لمشورة الفريق الرئيسي، أو ان هذه الادارة من الضعف والتردد وعدم الاتساق بحيث انها تتراجع عند اول ضغط عليها. وقد تكرر هذا الامر بخصوص قرار الرئيس مرسي اعادة مجلس الشعب المنحل ثم الرجوع سريعا عن هذا القرار (ولعل هذا التراجع كان من الاخطاء الاستراتيجية التي أضرت بالمرحلة الانتقالية)، وقرار تعيين النائب العام عبد المجيد محمود سفيرا لدى الفاتيكان ثم الرجوع عنه، وقرار اعتماد حزمة من الضرائب ثم الرجوع عنه، ثم تراجع مرسي عن وعده الخاص بإعادة تشكيل التأسيسية بل اتجه إلى تحصينها ، ثم اخيرا قرار اصدار الاعلان الدستور الذي حصن قرارات الرئيس ثم الرجوع عنه، وكان سببا في تردي الاوضاع وزيادة حالة الاستقطاب وعد الاستقرار. وقد اثار تكرار هذا التراجع حفيظة القوى الثورية والمدنية والتساؤل حول النوايا الحقيقية وراء الرئاسة وحول عملية صنع القرار لديها والجهة التي تتخذ القرارات، هل هي الرئاسة فعلا ، أم الحزب ، أم مكتب الارشاد أم مرشد الجماعة. ومرة أخرى استغلت المعارضة والاعلام هذا الامر لأقصى مدى لتصوير أن الدولة مختطفة من قبل الجماعة وان الرئيس يأتمر بأوامر المرشد وانه غير مؤهل للحكم. ومن الأمور التي ظلت غامضة حتى الآن وأثرت على إدارة الرئيس مرسي للمرحلة الانتقالية الثانية هو طبيعة العلاقة بين الرئاسة والحزب والجماعة. فقد بدا وكأنه ليس هناك فصل بين الرئاسة والجماعة، أو بين برنامج الرئيس وبرنامج الجماعة. كما أثار عدم الاستعانة بمن هم خارج الجماعة وغلبة التيار الإسلامي على تشكيل الحكومة والمؤسسات الجديدة حنق القوى الثورية والمدنية. وافقد ذلك الرئاسة كثير من حلفاءها الطبيعيين مثل حركة 6 ابريل وشباب الثورة وكثير من الشخصيات التي بدأت بالتعاطف مع الإخوان ثم انتهت بالبعد عنهم وفقد الثقة فيهم.

خامسا، ركود الأداء الاقتصادي. كان احد أهم عناصر البرنامج الانتخابي للرئيس مرسي هو "مشروع النهضة" والذي تم تصويره على أنه مشروعا متكامل الملامح سيحمل الخير لمصر وسيعالج الأزمات الخانقة التي يعاني منها الاقتصاد والمواطن المصري. كما أطلق الرئيس مرسي عدة وعود تمس مباشرة الظروف المعيشية والمعاناة اليومية لجموع المصريين. إلا أنه بمرور الوقت اتضح ان مشروع النهضة لم يكن مشروعا مكتمل الاركان أو جاهزا للتطبيق ، بل أصبح مثاراً للسخرية والتهكم والتقليل من مصداقية إدارة الرئيس مرسي ، كما أن فشل الرئيس مرسي في تنفيذ الوعود التي قطعها على نفسه خلال المائة يوم الأولى (سواء بسبب سوء التنفيذ أو لمقاومة أجهزة الدولة) قد زاد من الشكوك حول أداء وفاعلية النظام في حل أو حتى التخفيف من الأزمات الاقتصادية. ولعل هذه البدايات غير الموفقة وفرت ذخيرة للإعلام والمعارضة للتقليل بعد ذلك من شأن أي أداء اقتصادي ايجابي أو نجاح للرئيس مرسي خلال الفترة الانتقالية الثانية. وبالفعل فقد قام الرئيس مرسي وأفرد حكومته بعدة زيارات خارجية للحصول على مساعدات ولجذب الاستثمارات وإبرام عقود واتفاقات تجارية وصناعية جديدة لتشجيع مناخ الاستثمار ولدفع أداء الاقتصاد. كما وضعت حكومة الدكتور هشام قنديل خطة مفصلة للاصلاح الاقتصادي والاجتماعي وقطعت خطوات طويلة للحصول على قرض بأكثر من أربعة مليار دولار من صندوق النقد الدولي والذي كان تنظر الحكومة إليه حال إبرامه على أنه صك ثقة في عافية الاقتصاد المصري من المحتمل أن يتبعه المزيد من المنح والاستثمارات الخارجية المباشرة. وقد نجحت إدارة الرئيس مرسي بالفعل في معالجة بعض الازمات الاقتصادية (أزمة أنابيب البوتاجاز وأزمة الخبز وأزمة السولار) وتحقيق انجازات في بعض المجالات ، الا أن غياب الاستقرار الأمني والسياسي وتعمد الاعلام ابراز السلبيات واخفاء الايجابيات فاقم من الشعور بالتدهور الاقتصادي وعدم الامان والامل في الخروج من النفق الاقتصادي المظلم في تلك المرحلة.

وهكذا ساهمت أخطاء إدارة الرئيس مرسي وتواضع أداءها في تعاظم دور المعارضة. فعدم ثورية الإدارة والحكومة وعدم شفافية عملية صنع القرار والتخبط في عدة قرارات والعجز عن بناء تحالف سياسي واجتماعي عريض هو الذي ساعد المعارضة على تنامي دورها وعلى قدرتها في تحدي سلطاته.

نجاح المعارضة ومؤسسات الدولة القديمة في إسقاط الرئيس المدني وإفشال المرحلة الانتقالية الثانية

لم يمارس رموز المعارضة للرئيس محمد مرسي معارضة بناءة ومسئولة وإنما معارضة ممانعة معيقة من اجل إفشال إدارته وحكومته حتى لو أدى ذلك إلى إفشال المرحلة الانتقالية الثانية وتركيع مصر اقتصاديا والى تدخل عسكري وحتى دوليا. بعد أسابيع قليلة فقط من انتخاب مرسي خرجت التصريحات التالية التي حرضت على الانقلاب العسكري المباشر على السلطة المنتخبة:

لن يأتي إنقاذ مصر مما هي مقبلة عليه من دمار الا بوحدة الجيش والشعب وتشكيل جبهة انقاذ وطنية تضم قادة سياسيين وعسكريين واقامة دولة مدنية بحماية الجيش تماما مثل النظام في تركيا. اذا لم يحدث هذا خلال الايام المقبلة، ستنهار مصر وسنندم على ما ضيعناه من أيام قبل الاعلان عن الدستور الجديد. إن المظاهرات الشعبية السلمية واجب وطني ضروري إلى أن يستجيب الجيش ويعلن دعمه للشعب.[24]

لم تتصرف المعارضة كمعارضة منصفة ومسئولة وانما كمعارضة مناكفة وانقلابية. ففي المراحل الانتقالية التي تمر بها أي بلد كما هو حال مصر يمكن ان تلعب المعارضة دورا محوريا في غرس القيم والممارسات الديمقراطية السليمة، ونقد الحكومة وتقديم البدائل، وتجميع وحشد الأصوات. الا ان قطاع رئيسي في المعارضة تعمدت اطالة المرحلة الانتقالية واعاقت استكمال المؤسسات المنتخبة، مما أضر بمصالح مصر الاقتصادية، وأستدعي العنف، وزاد من حنق قطاعات عريضة من الشعب ادى في النهاية الى تدخل المؤسسة العسكرية.

فخلال المرحلة الانتقالية الثانية لم تحظ مصر بالاستقرار السياسي أو هبوط في مستويات العنف:

ازدادت حالات الانفلات الأمني ومظاهر عدم الاستقرار السياسي فخلال ٢٠١٢، سجلت الساحة المصرية ٨٥١ وقفة احتجاجية، و٥٦١ حالة قطع طرق، و٥٥٨ حالة تظاهر، و٥١٤ إضراباً عن العمل، و٥٠٠ حالة اعتصام، و١٦٣ حالة تجمهر، و١٣٥ حالة إضراب عن الطعام، و٦٤ حالة اقتحام مكتب مسئول، و١٤٠ مسيرة، و٣٠ حالة احتجاز مسئول داخل مكتبة، و٢٦ حالة إغلاق لمقرات حكومية، و١٣ حالة إضراب عن الدراسة، و١٣ محاولة انتحار أو إحراق للنفس. فنلاحظ أن معدل الاحتجاجات ارتفع إلى أكثر من الضعف في النصف الثاني من ٢٠١٢ متزامنا مع فترة حكم مرسي. فزاد عدد الاحتجاجات من ١٨٥ في شهر يناير، و١١٩ في فبراير، و١٧٠ في مارس، و٢٧٠ في أبريل، و٢٠٦ في مايو، و١٥٧ في يونيو، إلى ٥٦٦ إحتجاجاً في شهر يوليو "مع تولي الرئيس مرسي"، و٤١٠ في أغسطس، و٦١٥ في سبتمبر، و٥٠٧ في أكتوبر، و٥٠٨ في شهر نوفمبر.[25]

كما صورت المعارضة في كثير من الاحيان للخارج ان ادارة مرسي ساقطة لا محالة وأنها هي التي يتوفر لها جذور واثر في الشارع وأنها يمكن أن تحقق نصرا انتخابيا يضعها كبديل لمن في الحكم حاليا. وكما هو معلوم فأن انهيار المراحل الانتقالية لا يأتي بالضرورة بالمعارضة ، وإنما بالعسكر أو برجال النظام للقديم (هذه ما حدث بالفعل بعد أحداث 30 يونيو و3 يوليو).

لجأت المعارضة إلى عدة أساليب أدت إلى خلخلة استقرار النظام المنتخب خلال الفترة الانتقالية وتشكيك قطاع كبير في أداء إدارة الرئيس مرسي وقدرته على النجاح واستكمال مدته. أولا، ركزت المعارضة على التشكيك المستمر في شرعية المؤسسات الدستورية المنتخبة من الشعب ، بدءا من إثارة الشكوك حول فوز الرئيس مرسي في انتخابات الرئاسة وادعاء وترويج أن شفيق كان المرشح الرابح ولكن - وبتبني نظرية المؤامرة - انقلبت النتيجة لصالح شفيق. وفي حقيقة الأمر انه لولا تجنيد وحشد أجهزة النظام البائد لما حصل شفيق على حتى ربع ما حصل عليه من أصوات. كما رحبت أو على الأقل لم تعترض المعارضة على حل البرلمان المنتخب، كما حرضت على حل اللجنة التأسيسية الأولى وبذلت كل ما وسعها لإلغاء القضاء للجنة الثانية ومحاولة تعطيل الاستفتاء ومقاطعته. كما انصبت أعينهم على مجلس الشورى وطالبوا بحله أيضا.

ثانيا، أبدى بعض عناصر المعارضة ورموزها الاستهانة بأصوات الشعب المصري والتعالي عليه كمصدر للشرعية والسيادة. فمن منادٍ باحتساب صوت المتعلم بصوتين وغير المتعلم بصوت واحد، إلى من خفف الأمر بعض الشيء وطالب باستفتاء المتعلمين فقط دون "الجهلة". مما يعكس النخبوية والاستعلاء على الشعب وعدم الاكتراث أو احترام المسار الانتخابي وصوت الشعب المصري. اتخذ كثيرون من عناصر المعارضة من علمانيين وليبراليون مواقف مناهضة للديمقراطية مثل موقفهم من حل البرلمان وامتنعوا عن أداء دور فاعل في صياغة الدستور. فكثير من الذين وصفوا مرسي بالدكتاتور بعد الإعلان الدستوري، هم أنفسهم الذين صفقوا للجيش والقضاء بعد حل البرلمان.

ثالثا، لجأت بعض الفصائل الرئيسية في المعارضة وبعد شهور قليلة فقط من تولي الدكتور مرسي إلى تكرار الدعوة للمؤسسة العسكرية للتدخل والإطاحة بالرئيس المدني المنتخب. وكأن هذا هو طريق النجاة والخلاص لمصر. وبغض النظر أن مصر قد جربت بالفعل حكم المؤسسة العسكرية بقيادة المجلس العسكري لمدة ثمانية عشر شهرا وعانت من أثاره السلبية على عملية التحول، إلا أن هذا يعد من أعجب تناقضات المعارضة "الليبرالية المدنية"! فبالرغم من دعواتها المستمرة إلى دولة مدنية باعتبارها معيار التقدم والحضارة والتمدن ، إذا بهم يتجاوزون عن أن الدولة المدنية - ان صحت هذه التسمية - هي في الأساس ضد الدولة العسكرية وضد حكم العسكر وضد عسكرة المجتمع.

رابعا، لم تنأ المعارضة عن استدعاء الخارج للتدخل في حل أزمات ساهمت هي في خلق كثير منها إلى حد كبير. وتعجب بعض أقطاب المعارضة من عدم ضغط الغرب على حكومة الرئيس مرسي، وهدد البعض الأخر باللجوء إلى القضاء الدولي والمنظمات الدولية للتدخل في أزمات داخلية هي نتاج عقود من الزمان، واستنجد البعض باوباما للضغط على إدارة الرئيس مرسي.

خامسا، تماهت المعارضة في بعض الأحيان مع العنف ومع تصدير المشاكل السياسية إلى الشارع ولجأت إلى الانسحاب والمقاطعة والتشكيك المستمر. فقد رفض بعض الأطراف الرئيسية في المعارضة وهي ترى مباني وفنادق مصر ومقرات الاخوان وحزب الحرية والعدالة تحترق المطالبات المتكررة أن توقف الاحتجاجات وان تأخذ خطوة واحدة إلى الخلف ولمدة ٧٢ ساعة فقط حتى يظهر من يقف وراء العنف محرضا ومدبرا ومنفذا. فعلت المعارضة ذلك فقط عندما أدركت أن العنف يؤثر سلبا في صورتها امام الشعب ، وانه ليس في مصلحتها أن تبدو في الداخل والخارج وكأنها تقف وراء العنف.

سادسا، خرجت المعارضة الليبرالية بمبادرات وطلبات وشروط عديدة على ادارة الرئيس مرسي مثل تغيير الوزارة وخاصة الوزراء ذوي الأداء الجيد وعلى رأسهم وزير التموين المتميز باسم عودة، وعدم محاولة إصدار قانون السلطة القضائية، وتعديل الدستور، وإقالة النائب العام، وتغيير قانون الانتخابات، عدم قيام مجلس الشورى بالتشريع. في مقابل أن السماح للرئيس المدني المنتخب شرعيا أن يُكمل مدته.

أخيرا، لعل اخطر الاساليب التي لجاءت اليها المعارضة ، وادت الى اجهاض عملية التحول الديمقراطي برمتها، هو الاصطفاف مع الفلول (عناصر واجهزة ومؤسسات نظام مبارك) والاستعانة بأموال رموز النظام البائد وبلطجيتهم. حافظ مجموعة من السلفيين والصوفيين والمسيحيين والعلمانيين والبرجوازيين ووسائل الاعلام على علاقات مع "الجبهة السياسية التي يقودها النظام القديم". وادى هذا في النهاية الى تمكن تلك العناصر بالتحالف مع المؤسسة العسكرية من إن تنقلب على ثورة يناير نفسها واحداث حركة انقلابية أو ما يسمى بثورة 30 يونيو ازاحة بها ادارة الرئيس المدني المنتخب وشرعنة تحكم المؤسسة العسكرية مرة أخرى في الحياة السياسية.

خاتمة

أضاعت الأطراف السياسية في مصر حتى الأن فرصة تاريخية للتحول الديمقراطي. وارتكبت أخطاء اساسية في عملية الانتقال والتحول من نظام استبدادي الى نظام ديمقراطي. ولعل أحد الاسباب الجوهرية هو عدم تمكن الثورة نفسها من الوصول الى الحكم ووضع مطالبها موضع التنفيذ (تفكيك مؤسسات الاستبداد – تطهير المؤسسات – اعادة هيكلة الدولة – العدالة الانتقالية كمنظومة متكاملة تبدأ بالحقيقة والمصارحة وتنتهي بالانتقال الديمقراطي). فقد افتقدت ثورة 25 يناير لمشروع سياسي محدد المعالم. كما حال دون ذلك سيطرة المؤسسة العسكرية على عملية الانتقال الديمقراطي وتمكينها لعناصر ورموز النظام القديم الذي ثار عليه الشعب من البقاء وحتى استعادة عافيتها لتعود لتنقض على ثورة 25 يناير ومطالبها. وكان عدم اتفاق الفاعليين السياسيين على خارطة للمرحلة الديمقراطية اثره في وقوع الاستقطاب وتصدير الخلافات السياسة بين القوى المختلفة الى الشارع ، مما استدعى العنف وأشاع حالة من السيولة السياسية والهشاشة الأمنية وعدم الاستقرار. كما عجزت ادارة الرئيس مرسي للمرحلة الانتقالية الثانية من استيعاب القوى السياسية المختلفة وإحداث حالة من التراضي والاستقرار تسمح بعبور المرحلة. فقد غلب الحرص على باستكمال بناء المؤسسات الدستورية جهود الوفاق وبناء التراضي مما زاد من حالة الشقاق واصرار المعارضة على اطالة المرحلة الانتقالية. فالمعارضة بممانعتها ومقاطعتها واستدعاءها للمؤسسة العسكرية وحتى الخارج للتدخل وتعاملها مع رموز النظام القديم ساهمت بدورها في احتداد حالة الاستقطاب وافشال المرحلة الانتقالية الثانية. وبذلك ضاعت على مصر فرصة تاريخية لإحداث تحولا ديمقراطيا وللقطيعة مع النظام القديم وبناء مؤسسات ديمقراطية حديثة وفعالة.

الهوامش:
--------------------------------------------------------------------------------

[1] Jack A. Goldstone, “Understanding the Revolutions of 2011: Weakness and Resilience in Middle Eastern Autocracies,” Foreign Affairs, May/June 2011, http://www.foreignaffairs.com/articles/67694/jack-a-goldstone/understanding-the-revolutions-of-2011.
[2]تم الاستفادة في هذا الجزء من البحث من دراسة للمؤلف سابقة بعوان "الثورة المصرية: قوة التعبئة الجماهيرية وروح ميدان التحرير" في ريكاردو ريميه لاريمونت ويوسف محمد الصواني ، الربيع العربي: الانتفاضة والاصلاح والثورة (بيرون: منتدى المعارف ، 2013): 86-116.أحد الشباب في لقاء مع المؤلف وديفيد كورترايت في القاهرة يوم 8 يونيو 2011.
[3] David Cortright, “Glimpses of the Revolution in Egypt,” Peace Policy, July 6, 2011, http://peacepolicy.nd.edu/2011/07/06/glimpses-of-the-revolution/ (accessed August 29, 2011).
[4]في أهمية وفاعلية الاستراتيجية السلمية للحركات الاحتجاجية، أنظر Chenoweth, Erica and Maria J. Stephan, “Why Civil Resistance Works. The Strategic Logic of Nonviolent Conflict,” International Security Vol. 33, No.1 (2008): 7-44.
[5] David Rothkopf, “Foreign Policy: Overthrowing the Old Egypt Experts.” National Public Radio, February 15, 2011,http://www.npr.org/2011/02/15/133771699/foreign-policy-handling-egypt-with-little-experience.
[6]في يوم من أيام الاحتفالات بإطاحة الرئيس السابق حسني مبارك، أفادت تقارير بحادثة اعتداء الجنسي في حق صحفية أمريكية. وكان الجناة من الغوغاء المجهولين الذين يزعم أنهم كانوا يدعمون مبارك حيث حاول البلطجية تخويف الصحافيين الاميركيين لمنعهم من تغطية الأحداث في ميدان التحرير. للمزيد حول الجوانب الحضارية للثورة، أنظر نادية مصطفى، صحيفة الثورة المصرية: نموذج الحضاري (القاهرة: مركز الحضارة للدراسات السياسية، 2011).
[7] Nathan Brown and Emad El-Din Shahin, “Egypt,” in Politics and Society in the Contemporary Middle East, ed. Michele Penner Angrist (New York: Rienner, 2010), 213.
[8] Economist Intelligence Unit, Egypt Country Report (London: Economist Intelligence Unit, 2008), 8.
[9] Economist Intelligence Unit, Egypt Country Report (London: Economist Intelligence Unit, 2007), 32.
[10] Alastair Sharp, “Cairo's Poorest Live Life on the Edge,” Reuters, September 27, 2008.
[11] Thomas Demmelhuber, “Parliamentary Elections and the Mubarak Regime: Long Live the Pharaoh!” Qantara.de, December 15, 2010, http://en.qantara.de/Long-live-the-Pharaoh/7116c154/index.html (accessed August 29, 2011).
[12]عمر هاشم ربيع، ثورة 25 يناير، قراءة أولية و رواية مستقبلية (القاهرة: مركز الدراسات السياسية الاستراتيجية، 2011)، 437.
[13]لتحليل مفصل لدور الأحزاب والقوى السياسية البديلة تحت نظام مبارك، انظر:
Emad El-Din Shahin, “Political Parties in Egypt: Alive, but Not Kicking,“ in Political Parties and Democracy, ed. Kay Lawson et al. (Santa Barbara: Praeger, 2010), 3-26.
[14]ذكر عصام امين في تحليلاته الهامة لثورة يناير ، أن محمد عادل، وهو قيادي في حركة شباب 6 أبريل، " كان قد أرسل إلى صربيا لمقابلة بوبوفيتش سرجا، وهو من دعاة المقاومة اللاعنفية وزعيم حركة (أوتبور) للمقاومة، وهي مجموعة من الناشطين الشباب الذين ساعدوا في الاطاحة بسلوبودان ميلوسيفيتش في عام 2000.عاد إلى القاهرة بأقراص فيديو رقمية و مواد تعليمية و تدريبية أخرىتبين بالتفصيل بعض منوسائل العصيان المدني غير العنيفة و التقنيات المستخدمة للحث على التغيير السياسي." انظر عصام الأمين، "ظروف و عواقب: تشريح الثورة في مصر، كاونتر باتش، 17 فبراير 2011،http://www.counterpunch.org/2011/02/17/anatomy-of-egypt-s-revolution/
[15]أحمد صلاح، " احد مؤسسي حركة 6 أبريل، المركز الدولي للصراع اللاعنفي، http://www.nonviolent-conflict.org/index.php/learning-and-resources/on-the-ground/
[16]أحمد التهامي عبد الحي، "خريطة الحركات الشعبية التحاورية في مصر"، مركز الجزيرة للدراسات [الشباب في 25 يناير]، 10 فبراير 2011. www.al-jazeera.net/NR/exeres/5898A077-3AAE-4319-BE5D-E89972395162.htm
عماد عبد المنعم، "شباب 25 يناير"،OnIslam.com، 6 فبراير 2011،
http://www?.asharqala?rabi.org.u?k/ruiah/b-?taqarir-53?2.htm
[17] “Escalating Strikes: A New Fad in Egypt,” Ikhwanweb.net, April 23, 2010, http://www.ikhwanweb.com/article.php?id=24439 ikhwanweb.net،
انظر أيضا: أميمة عبد اللطيف، "الثورة الشعبية في مصر"، المركز العربي للبحوث و الدراسات السياسة، فبراير 2011.
[18] Valerie Bunce, “Comparative Democratization: Big and Bounded Generalizations,” Comparative Political Studies, Vol. 33, No. 6/7 (August-September, 2000): 703-734. Adam Przeworksi. “The Minimal Conception of Democracy: A Defense” in Ian Shapiro and Casiano Hacker-Cordon ed. Democracy’s Value (New York: Cambridge University Press, 1999): 23-55. O’Donnell, Guillermo and Philippe C. Schmitter, Transitions from Authoritarian Rule: Tentative Conclusions about Uncertain Democracies (Baltimore and London: Johns Hopkins, 1986).
[19]انظر بعض الدراسات التي قدمت مؤخرا تحليلا لتجارب المناطق والدول الاخرى:
د. عبد الفتاح ماضي ، "مداخل الانتقال إلى نظم حكم ديمقراطية" في لماذا انتقل الاخرون الى الديمقراطية وتأخر العرب؟ (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية ، 2009). وبول سالم ، "الربيع العربي من منظور عالمي: استنتاجات من تحولات ديمقراطية في أنحاء أخرى من العالم" مؤسسة كارنيجي (نوفمبر 2011). والمنتدى الدولي حول مسارات التحول الديمقراطي: تقرير موجز حول التجارب الدولية والدروس المستفادة والطريق قدما برنامج الامم المتحدة الانمائي (5-6 يونيو 2011).
[20]عن مفهوم ومراحل الانتقال الى الديمقراطية، انظر: د. علي خليفة الكواري، "نحو مفهوم جامع يعزز الانتقال إلى الديمقراطية في البلاد العربية" (24 يناير 2007). http://arabsfordemocracy.org/democracy/pages/view/pageId/148
ود. حسنين توفيق إبراهيم، "الانتقال الديمقراطي: إطار نظري" مركز الجزيرة للدراسات (4 فبراير 2013). http://studies.aljazeera.net/files/arabworlddemocracy/2013/01/201312495334831438.htm
ومحمد العسال وايمان بومزبر ووردة رزاق، "مراحل التحول الديمقراطي (24 يناير 2013). http://raed30.amuntada.com/t18-topic
[21]انظر فيليب شميتر، "التحول الديمقراطي ذو الوجهين وتأثيراته على منطقة الشرق الاوسط وشمال أفريقيا" سياسات ، عدد 22 (2012).
Philippe C. Schmitter, “Twenty-Five Years, Fifteen Findings,” Journal of Democracy, Vol. 21, No. 1 (January 2010): 17-28. (January 2010): 17-28. Philippe C. Schmitter, “What Democracy Is…and Is Not.” Journal of Democracy, Vol. 2, No. 3 (Summer 1991): 75-88.
[22]هاني مجلي، توصيات الخبراء من أجل تحسين عملية الانتقال الى الديمقراطية في مصر (فبراير 2012). http://middleeastvoices.voanews.com/2012/02/%D8%AF%D9%88%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%AF%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AA%D9%82%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A8%D9%86%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%85%D9%82-55/
[23](نيفين محمد توفيق، المرحلة الانتقالية بين مطالب الثوار وأداء النظام. وحدة الدراسات والبحوث البرلمانية. http://egyda.org/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%AD%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D8%AA%D9%82%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%89-%D9%85%D8%B5%D8%B1/ : 13) وياسر الشيمي، "تحديات مصر في المرحلة الانتقالية الثانية،" الشرق الاوسط (30 يونيو 2012).
[24]الدستور 11 أغسطس 2012.
[25]وفاء داود، التحول الديمقراطي الى أين؟ اليوم السابع (28 مارس 2013). http://www.youm7.com/News.asp?NewsID=996085#.UqHhbOI4mHQ

المناقشات

رئيس الجلسة الثانية: عبد الرزاق التكريتي

2-1 عبد العزيز الصاوي:

في الحقيقة لدينا مشكلة في أن مصر نموذج كلاسيكي، يعني تعريف ماحدث، هل ماحدث هو انتفاضة أم ثورة، الثورة في تقديري في النهاية إذا لم تؤسس لنظام ديمقراطي قابل للحياة، فهي لم تحدث ثورة. والذي حدث منذ 11 فبراير من تونس إلى سوريا، هو انتفاضة مدفوعة أساسًا بحالة الكبت والاستبداد وعوامل متعددة، لكنها في النهاية هي انتفاضة، هي ليست حركة للتغيير نحو الهدف الذي نعتبره ثورة في النهاية وهو تأسيس لدولة ديمقراطية.

العقبة الأساسية أن الأنظمة الاستبدادية تخلق حالة من ضعف الوعي العام الديمقراطي، بحيث لا توجد قوة ديمقراطية تحقق الثورة في النهاية وتقيم النظام الديمقراطي، وهذا هو ماحدث في مصر بصورة واضحة وكل الانتفاضات التي حدثت. عدم وجود قوى ديمقراطية يرجع أساسًا إلى طبيعة الأنظمة الاستبدادية وإلى عدم وجود الشرط الأساسي والذي أنتجته التجربة الأوروبية وهو سيادة العقلانية والعقلية النقدية والتنوير وأشياء من هذا القبيل، فهذه تجارب لم نمر بها نحن.

مصر كان بها أكبر قدر ممكن من هذا الرصيد التنويري، وما حدث أن عملية تغيير الأنماط التي حدثت في الخمسينيات حققت أشياءً كثيرة جدًا ولكن على حساب هذا الرصيد التنويري، بددت هذا التنوير وأضاعته ولذا لا يوجد قوى ديمقراطية، وهذه هي المشكلة الأساسية، ولذا فهي تحتاج إلى التدرج، فعندما تحدث الإنتفاضة القيادات لا تساير الجو والرومانسية الثورية والتغيير السريع، فنحتاج أن نعود كي نتدرج بشكل عقلاني مدروس لإنتاج هذه القوى الديمقراطية. شكرًا.

2-2 منذر نعمان الأعظمي:

آمل أن يتطرق دكتور عماد إلى الطابع الطبقي للجيش المصري، أعتقد أننا نحتاج إلى فهم الجيوش العربية ودراسة الإنطباع السائد بأن الجيوش في العالم الثالث تلعب دورًا كبيرًا. يجب أن تعالج هذه المسألة بنوع من العمق، ففي أي مرحلة يلعب الجيش هذا الدور الوطني والتحرري؟ وفي أي مرحلة يتحول إلى جزء من نظام طبقي معقد؟ فما أود المناقشة فيه هو الفهم الذي لدينا منذ تحول الجيش المصري في أوائل السبعينيات مثلًا إلى نوع من الطبقة المسيطرة وخاصة في ظل نظام شمولي، يعني عبد الناصر أنشأ التنظيم الطليعي، وكان لديه جماعات أو أشخاص في جميع قطاعات الاقتصاد والدولة من العسكري إلى القضائي إلى الجامعات إلى الإعلامي إلى الفلاحين إلى العمال إلخ، واستلم السادات هذا التنظيم الطليعي، وأفرغه عمليا من محتواه الوطني وأصبح طبقة متسلطة، ثم عندما جاء التخصيص ورث هؤلاء وأولادهم القضية كلها ليصبح لديهم نفوذا اقتصاديا كبيرا، وليسيطروا على نسبة تصل إلى 30% من الإقتصاد المصري، وصار لديهم تاكثير من العمال والمزارعين والتجار، ولديهم أيضا شبكة من العلاقات مع الطبقة الرأسمالية كنظام إقطاعي رأسمالي يربط الدولة بالعولمة، هذا هو الجيش المصري في اعتقادي.
هل هذا صحيح أم أن الجيش المصري لايزال جيشًا وطنيًا يستطيع محاربة إسرائيل؟ أنا لا أعتقد وجود أي دور وطني للجيش المصري بعد ثلاثين سنة من التطبيع. وهذا ينطبق، ربما بأشكال مختلفة، على بقية الجيوش العربية. شكرًا.

2-3 عبد الرزاق الفارس:

في الحقيقة لا يمكن أن نفصل مايحدث حاليًا عن تراثنا التاريخي، يعني مهما حدثت الثورات، فلا يمكن أن ننفصل في لحظة عن التراث الذي ورثناه، تراثنا الذي ورثناه خلال 1400 سنة، وهو تراث وراثي، هو تراث الحكم في معظم العالم الإسلامي ومعظم العالم العربي، الحكم ينتقل عن طريق الوراثة ونهائيًا لم نعرف ثقافة الإنتقال السلمي أو ثقافة الإنتقال المنتظم، وبالتالي فالتحول من هذا إلى نظام به تداول للسلطة يحتاج إلى وقت طويل كي نستطيع أن نتوافق مع هذه المفاهيم.

أنا فقط أريد أن أشير إلى شيء في مصر. في مصر في التاريخ الإسلامي منذ سنة 250هـ لم تعرف سوى الحكم العسكري الوراثي، وهذا حقيقة شيء مهم جدًا لأنه في كثير من الأحيان يكون لدينا أحلام نحو مصر، مصر كانت تحكم سابقًا من قبل الولاة، فعندما جاء أحمد بن طولون سنة 250هـ أسس لحكم وراثي. ولماذا الحكم الوراثي مهم بمصر؟ سأضرب مثالا واحدا: قبل بن طولون كان خراج مصر 800 ألف دينار وبعد أن جاء بن طولون أصبح خراج مصر خلال سنتين أربعة ملايين ونصف. ما أريد أن أقوله أن مصر منذ أقدم التاريخ منذ 1200 سنة كان لديها نظام استبدال الأمن بالإزدهار، بمعنى أنها تسمح بالإضطهاد من أجل أن تعيش في إزدهار، لأن أحمد بن طولون قتل في سجونه 18 ألف شخص، وبعد الطولونيين، جاء الإخشيديون ثم الفاطميون ثم الأيوبيون ثم المماليك ثم العثمانيون، كل هؤلاء مؤسسات عسكرية على الإطلاق، ومن ثم كان التوقع أن الذي سيواجه المؤسسة العسكرية هي مؤسسة أخرى، ولا يوجد أحد منظم غير الإخوان. لذا أعتقد أنه الحقيقة والمنطق يؤدي إلى هذا الشكل، ولذلك الآن الذي يواجه الإخوان هم العسكر والذي يواجه العسكر هي القوة المنظمة الأخرى. شكرًا.

2-4 حيدر إبراهيم:

في البداية أريد أن أؤكد على نقطة عامة، يعني دار حديث عن شيطنة الإسلاميين ومرات نتكلم عن جلد الذات.. إلخ، أنا لا أدري لماذا لا يستخدم العقل العربي كلمات مثل النقد والنقد الذاتي؟ يعني ليس هناك أي إتجاه لشيطنة أي جهة أو غيره. ولذلك أعتقد أن هذا نوع من النقد ويجب أن نضعه في هذا الحجم. هذه ملاحظة عامة أعتقد أنها ضرورية.

وبالنسبة لورقة دكتور عماد أقول له بالنسبة للتجربة المصرية، الإسلاميون عامة هم معارضون جيدون وحكام سيئون، لسبب بسيط جدًا وهو أن الفكر السياسي الإسلامي ضعيف من نواحي عديدة، يعني حتى لو تابعنا الفقه الإسلامي تاريخيًا، اهتمامه بمسألة الحكم وتداول السلطة ضعيف جدًا. لذلك الإخوان المسلمين (وهذه كانت غلطتهم الأساسية) ماكانوا يتحدثون عن تداول السلطة في مصر، كانوا يتحدثون عن التمكين، ويرتكزون على الآية: "الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الذكاة.." إلى آخر الآية. وهناك فارق كبير في العقلية التي تأتي إلى السلطة وهي تتحدث عن تداول السلطة.

لذلك هناك خطأ أساسي منهجي في تعاملنا مع التجربة المصرية، وهي أننا نتعامل مع النتائج وليس مع الأسباب، لذلك أنت تحدثت عن فترة مرسي، لكن فترة مرسي مليئة بالأخطاء والتجاوزات والإقصاء، وهذه كانت مشكلته، من إجتماع فندق فيرمونت، وكما ذكرت، اتفق المجتمعون على شيء وفعل مرسي ما فعله، ولهذا فهذه نقطة مهمة ويمكن تعميمها. هل يأتي الإسلاميون إلى السلطة من أجل تداول السلطة؟ وأعتقد أن هذه صعبة، لأنه عندما يأتي الإسلاميون ويطبقوا الشريعة، هل إذا جاء نظام ليبرالي يستطيع أن يلغي الشريعة؟ هذه مسألة ضرورية.

نقطة أخيرة ماحدث في مصر في المصطلح والسياق السوداني لا يسمى إنقلابا ولا يسمى ثورة، هناك مصطلح سوداني يسمى: "إنحياز الجيش لصالح الشعب" وقد حدث هذا في أكتوبر 1964، وفي أبريل 1985، وقد يحدث مجددا خلال الفترة القادمة، وهي تسمى كذلك، وأنا أعتقد أن هذه أيضًا تحتاج إلى شكل من أشكال الإستدراك بدلًا من التعامل معها كأبيض أو أسود. شكرًا.

2-5 يوسف الشويري:

في الحقيقة لدي سؤال للدكتور عماد، لأن الورقة غير مكتوبة، والإستنتاج لم يكن واضحًا، فأنا لا أعرف إذا كان متفائلًا أم متشائمًا بالنسبة للإنتقال إلى نظام ديمقراطي، لأنه يبدوا أنه هناك عدم رضا عن الإخوان، ومؤيدي الجيش المصري، فهل ستؤول الأمور إلى نظام عسكري جديد؟ أم أن الديمقراطية ستعود إلى مصر؟

المسألة الثانية تتعلق بنظريات العلوم السياسية، هل هناك نظرية سياسية معينة تنطبق على هذا الإنتقال الديمقراطي سواء في تونس أم مصر؟ هل يجب أن نبدع نظريتنا السياسية العربية لنفهم مايحدث؟ أم أنه هناك نظريات متوفرة يمكن استخدامها للتوصل إلى فهم مايجري؟ شكرًا.

2-6 عماد شاهين (تعقيب)

سأتحدث عن ثلاثة نقاط: وهي قضية الجيش المصري وطبيعة الجيش المصري فالحديث عنه مهم، والقضية الثانية: هي الخطأ المنهجي والجوهري في أخطاء الإسلاميين والإخوان، ثم قضية النظريات.

بالنسبة للجيش المصري: الجيش المصري أعتقد أن طبيعته معقدة جدًا، يعني كما ذكر دكتور عبد الرزاق يمكنك أن تعود بأصوله إلى أيام الإخشيديين وهكذا، ويمكن أن تعود بجذوره إلى تأسيس الدولة المصرية، هو في النهاية بالطبع معقد لأنه إنعكاس للدولة والمجتمع في نفس الوقت، أي أن الدولة المصرية لو عدنا لمحمد علي فقد تم بناء الدولة وتأسيسها لخدمة الجيش وتكوين الجيش، سواء بالتعليم أو الصناعات أو المدارس أو تحديث نظام الإدارة أو حتى نظام المصارف والري، يعني كل هذا الأمر استحدث وبني من أجل تأسيس هذا الجيش القوى الذي يستطيع أن يمتد إلى الخارج ويؤسس لحكم مطلق لمحمد علي وأولاده. وهنا يوجد ارتباط بين تكوين ونشأة الدولة المصرية الحديثة والجيش.

النقطة الثانية: غالبية الشعب المصري حتى الآن، وبالتحديد حتى 14 أغسطس، ظلت تنظر إلى الجيش على أنه جزء لا ينفصل عن المجتمع المصري، يسمونه جيش الشعب، جيش الفلاحين، جيش العمال، أولاد الموظفين، أولاد المدرسين، أي أن الطبيعة الطبقية للجيش تخترق بشكل رأسي كافة الطبقات الإجتماعية في المجتمع المصري، طبعًا إدارته وتكوينه وهيكلته من الداخل من الممكن أن تكون مختلفة وأعقد من ذلك. لماذا ذكرت منذ أسبوعين، لأن الجيش المصري لم ينظر له أبدًا على أنه قاتل للشعب، لكن يمكن أن ينظر له بعض الناس الآن على أنه لم يصبح جيش الشعب بشكل واضح، لكن أصبح سلاحه وعقيدته موجهة لقتل الشعب، وهنا حدث خلل يجب إصلاحه في أقرب فرصة.

النقطة الثالثة هي قضية الندرة الإقتصادية للجيش، كما تفضلتم تتراوح ملكية الجيش للأنشطة الإقتصادية من 15% إلى 40% من الإقتصاد المصري، ولكن ليس هذا المهم، ولكن المشكلة هي في أن يكون الجيش المصري كمؤسسة عسكرية أو كجيش ممتلكًا للدولة المصرية بكل بساطة، الأمر أشبه بمقال كان عن الجزائر بأن كل دولة لديها جيش أما في الجزائر فالجيش لديه دولة، نفس الشيء تمامًا مع التعقيدات التي قمت بذكرها.

2-7 علي ربيعة:

في البداية أود أن أشكر دكتور عماد على الورقة القيمة، وهناك نقد للورقة والمتمثل في عدم تطرقها للعامل الخارجي في مسار الثورة، والعامل الخارجي في اعتقادي هو عامل مهم جدًا وإلى الآن مازال تأثير العامل الخارجي هو المتحكم في سير العملية الانتقالية في مصر. هناك قوى عظمى لا تريد ديمقراطية حقيقية تؤدي إلى خلخلة موازين القوى في الساحة، وبالتالي الحديث عن ديمقراطية حقيقية في مصر في اعتقادي تواجهه صعوبات جمة لأن الغرب، أو المصالح الغربية، لا يمكن أن تقر في يوم من الأيام بوجود ديمقراطية صحيحة تضر بالمصالح الغربية، شكرًا.

2-8 صباح المختار:

أولًا أشكر الدكتور على هذا البحث القيم، إما لأنه قيم جدًا، وإما لجهلي، فلم أقرأ لمصري أو لم أستمع لمصري يتحدث بهذه الموضوعية عما جرى في مصر فهناك تطرف من الجانبين. فيما يتعلق بالنقطة التي ذكرتها حول تركيا، أنا أخشى من هذا التعبير، فهل نتحدث عن تركيا الآن في ظل حكم أردوغان أم نتحدث عن تركيا حينما جاء أتاتورك، لأنه إذا تحدثنا عن تركيا أردوغان فأعتقد أنه قياس غير صحيح، فالثورة في تونس وفي مصر كلها عمرها سنة واحدة، وفي تركيا الفترة كانت طويلة.

وفيما يتعلق بنقطة الجيش، فما أعرفه عندما كنا كشعب نصطدم مع الشرطة وحينما تريد الدولة أن تهدئ الأوضاع ينزل الجيش للفصل بيننا وبين الشرطة، وبالتالي كان الجيش دائمًا لحماية الشعب، ولكن للمرة الأولى كان الجيش هو الذي يقوم بقتل الناس.
النقطة الأخيرة هنا هي الحديث عن أن الغرب أو الدول الأخرى لا تريد ديمقراطية حقيقية، أنا أزعم أن الغرب لا يريد أية ديمقراطية حقيقية ولا غير حقيقية، وبالأساس لا يوجد ديمقراطية غير حقيقية، والديمقراطية بالنسبة لهم غير مقبولة لتعارض المصالح الوطنية للدول، شكرًا.

2-9 منصور يوسف العجب:

أنا في الحقيقة أحترم الورقة، لكن لدي خلاف أساسي وفكري، المسألة الأولى ومن خلال السياسة العملية، فلقد جربنا الإسلاميين، وانت استخدمت مصطلح الدولة الناهبة، وهي مرتبطة لدي بمسأتين: الأولى هي المرجعية الفلسفية، وهي أصبحت المصدر الأساسي للصراع في مصر، الطبقة الوسطى في مصر والسودان قد سحقتا تمامًا، وفي تقديري هذه هي المشكلة، وهناك مدرسة شيكاجو والمدرسة الهيكلية، وحسب مدرسة شيكاجو في رأيي، محنة مصر، للأسف الشديد، هي الفهم الخاطئ للديمقراطية على أنها حكم الشعب وللشعب وبالشعب، وللشعب هذه لم تحصل بالأساس أن طُبقت في دولة من دول العالم الثالث، فالانتخابات تزور، وبالشعب أيضًا غير موجودة ففكرة الديمقراطية التشاركية غير واردة.. الإسلاميون هؤلاء يؤمنون باقتصاد السوق من خلال مايسمى التمكين، تمكين لمن؟ له هو. السوق للأسف الشديد بمفهومه هذا المتخلف والذي هو السوق الناهب قاد إلى الدولة الناهبة، فالسوق الحر في غياب تطبيق القانون هو عبارة عن مسألة غاية في السوء، الإسلاميون للأسف الشديد إقصائيين، وهذه أنا جربتها في الحكومة السودانية وخارج الحكومة. شكرًا.

2-10 علي فخرو:

أريد أولًا أن أقول بأنه كما أنه بعد فشل الثورة الناصرية دخلت الأمة العربية خمسين سنة في وضع سيء للغاية، فإن فشل الثورة المصرية في هذه المرة ستبقى الأمة العربية في وضع بالغ الصعوبة لمدة مائة سنة وقد يكون أكثر من ذلك. ولذلك فنجاح هذه الثورة أصبح قضية حياة أو موت بالنسبة للأمة العربية وليس فقط بالنسبة لمصر. هذا فيما يتعلق بالنقطة الأولى.

النقطة الثانية: أنا أعتقد أنه هناك إشكالية: الإخوان المسلمون أضاعوا فرصة تاريخية لن تعوض قط، وأنا أعتقد أن هذا يعطي فكرة عن بلادة الحس السياسي لدى جماعة الاخوان المسلمين وفي الحزب الذي يمثلهم.

النقطة الثالثة والأخيرة: أنا أستغرب، هل هناك خلل ما في مصر يجعل المؤسسات لا تقوم بواجبها خير قيام. عبد الناصر خلق مؤسسات لكن المؤسسات لم تكن فاعلة فانتهت الثورة، واليوم الإخوان المسلمين أوجدوا مؤسسات، وهم أنفسهم مؤسسة، لكن لم تستطع هذه المؤسسات أن تفعل شيئا. وكنا ننتظر أن تقوم المعارضة ضد الإخوان المسلمين بالتصرف كمؤسسة، إما بمساعدتهم أو بتحقيق مصالحة بينهم وبين الإخوان المسلمين، لكن لم تفعل المعارضة هذا. اليوم الجيش أيضًا كمؤسسة بدأ يثبت أنه ليس فوق كل الأخطاء والخطايا بدليل ماتفضل به الأخ صباح من أن الجيش الذي كان يعبده الناس كجيش الشعب، ارتكب اليوم أخطاءً مختلفة بالغة السوء، وبالتالي هذا سيؤثر عليه لسنين طويلة. شكرًا.

2-11 ياسين العيتاوي:

أود قبل أن أبدأ المداخلة أن أشكر دكتور عماد على الحيادية والموضوعية، لدرجة أنني شككت أنه من الحزب الوطني، ثم شككت أنه من الأخوان، ثم اقتنعت في النهاية أن هذه هي الحيادية الأكاديمية، فشكرًا، لدي عدة نقاط أثارها البحث القيم:

أولًا: فيما يتعلق بما يسمى مأسسة الدولة في إطار عملية التحول الديمقراطية، وهذا شيء غاية في الأهمية وهو كيف يتم تأسيس دولة وبناء سلطة مؤسسة لها، يعني عند وضع الدستور، من يستحوذ على المشهد هو من سيقوم ببناء مؤسسات وفق الأيديولوجية المنتشرة والسائدة وفق معتقده، وهذه مشكلة مازلنا نحن نخوض فيها في العراق.

المسألة الثانية وهي متعلقة بالمشكلة التي واجهت الإخوان. الإخوان المسلمون ركبوا موجة الديمقراطية وهم بالأساس غير مقتنعين بها، فهم غير ديمقراطيين بالأساس وفق منهجهم الذي هو بالأساس منهج إسلامي مبني على الشورى وغيره، وهذه قضية خلافية في إطار المفاهيم السياسية الموجودة. لكن أنا لدي نقطة توضيحية لأخي دكتور عماد وهي أن المنهج الاخواني هو ليس استنساخا لتركيا، كون المنهج الاخواني هو واضح المرجعية وهو أشبه بالإيراني، ففي إيران المرجعية واضحة وهي قضية الولي الفقيه، لدى الإخوان المرشد وهناك في إيران الولي الفقيه، أما في تركيا فلا يوجد لديهم في حزب العدالة والتنمية مرجعية إسلامية يرجعون إليها، وهذا أيضًا شيء مهم، فالكثر يصورون الأمر على أنه مجرد استعارة لتجربة لتركيا.

النقطة الثالثة التي أريد التحدث بشأنها هي الجيش، فالجيش حين تدخل في هذا الموضوع فهو أطلق رصاصة الرحمة على دوره الوطني الموجود وعلى هيبته كجيش حيادي، لأن الحيادية تستوجب عدم التدخل كما هي الحال في الثورة في 25 يناير. إذن للجيش أدوارا سلبية كما أشار أخي منذر. شكرًا.

2-12 ناصر قلاوون:

لا أدري إذا كان جاء بالورقة مفهوم الانتهازية السياسية، لأن هذا شيء مشروع عند اللاعبين السياسيين والجيش منهم. أكثر الجيوش تلعب انتهازية سياسية، كانت تلعبها في عهد مبارك وعهد عبد الناصر بالطبع ضمن أطر مختلفة. الآن اللعب على المكشوف، وبالتأكيد اطلع دكتور عماد على دور الجيش المصري في السياسة لعدد من المؤلفين، ثم في البيروقراطية المصرية والدولة العميقة لنزيه الأيوبي وغيرها.

المسألة الثانية: أنا اشتركت منذ عام بالضبط في ندوة تليفزيونية في تليفزيون الحوار مع قيادي اخواني اسمه د/ محمد غانم لا أدري إن كان عضوا مكتب الإرشاد ولكن هو اقتصاد إسلامي، المهم في الأمر أنني قلت أنني قدمت للدكتور محمد مرسي بعد أن تم انتخابه مجموعة من النصائح منها تشكيل تآلف للحكم مع الأقباط ومع القوى الليبرالية، لأن فترة حكمه وتوكيله لمدة أربعة أعوام وليست مطلقة، وأن هناك لاعبين آخرين وهناك الجيش، والشعب سيحاسبك على الأربعة الأعوام، وكأنما قيل له لديك أربعة أعوام لتجدد التوكيل من 52% ليصبح 70%. وفي المقابل د/غانم لم يقل كلمة مصر ولو مرة واحدة، وكل ماقاله كان حول الاقتصادر الربوي والاقتصاد الاسلامي المقابل، يعني كلها مفاهيم ولم يدخل في التفصيل.

الكلمة الأخيرة التي أود قولها في هذا الأمر: أريد أن أقول أن رقصة التانجو تستلزم شريكان وفي النهاية رقص الاخوان وحدهم ولم يرقص معهم أحد. شكرًا.

2-13 عبد الفتاح ماضي:

أشكر الدكتور عماد، وأود أولا أن أطمئن الحضور، فبعض الأخوة علقوا بأنه موقف دكتور عماد هو انتقاد الطرفين، اطمئنهم بأن هناك آخرين في هذه المدرسة. وبالنسبة لي أنا انتقدت المجلس العسكري ثم الإخوان. ولأننا بصدد مرحلة ثالثة الآن، فلابد أن نسمي الأشياء بمسمياتها وأن نقدم كل النصائح الممكنة حتى نتجنب تكرار الأخطاء، وحتى لا نشهد موجة ثورية ثالثة. وهذه المدرسة محاصرة الأن في مصر، لأن الناس انقسموا إلى فسطاطين متحاربين.

ثانيا: في اعتقادي أنه هناك مشكلة أساسية في فهم طبيعة التغيير الذي حدث في مصر وتونس وغيرها، نحن دُفعنا دفعًا ولم نختر الثورة في حقيقة الأمر. والثورة كما تمثل فرصة للتغيير الشامل، فهي أيضا أسوأ طريق للتغيير السياسي من حيث التكلفة المادية والبشرية، وأصعبها في الوصول إلى الديمقراطية. فالثورات قد تصل بنا إلى أشياء كثيرة جيدة أو سيئة، والتحول الديمقراطي من أسفل عملية مكلفة جدًا وتفتح أبوابا كثيرة جدًا لا يمكن معالجتها بسهولة. وللأسف إدارة المرحلة الانتقالية في مصر كانت سيئة، فقد بدأنا بانتخابات وأوزان نسبية، ثم صار كل طرف يرتب على هذه الأوزان مواقفه المختلفة. ومن وجهة نظري كان هذا شيئًا سيئًا للغاية إذ أسهم في زرع الاستقطاب، وأفسح المجال للأجندات الحزبية الضيقة، وساهم في تجاهل أشياءً أخرى أساسية من ضمنها الأطر الدستورية والقانونية والسياسية والمؤسسية التي ترسي النظام الديمقراطي البديل وضماناته المختلفة، وكذا فكرة العدالة الانتقالية في إطار منظومة متكاملة.

أما مشكلة الجيش الاساسية في مصر هي أنه لم ينحاز إلى الشعب، وإنما انحاز لصالح فصيل ضد فصيل آخر، ما عمّق الإنقسام، بل وينذر بنتائج أخرى قد تهدد بقية مؤسسات الدولة وكيان الدولة ذاتها، وذلك ربما على عكس الحال في الحالة السودانية التي تحدث عنها الدكتور حيدر. لقد كان بإمكان الجيش أن يجمع الفصيلين على دائرة مستديرة لنخرج بحل يشترك فيه الجميع، لكن هذا لم يحدث.

وكل، أو بعض، محاولات الإصلاح الآن هي محاولة لجعل الجيش يجمع الطرفين لا أن يقصي طرف لحساب طرف آخر، لأن إقصاء طرف - يؤيده الملايين في الشوارع (كما حالة الإخوان في مصر) - يعني إشعال حراب أهلي ويعني أيضا فشل المسار الجديد في تحقيق الانتقال الديمقراطي. وبالتالي الحل الذي نريده هو المصالحة والطاولة المستديرة، ثم ضمانات لدولة ديمقراطية مدنية غير عسكرية وغير دينية في نفس الوقت، أي ضمانات لعدم استخدام الدين للحصول على مكاسب سياسية، وضمانات تمنع تسييس الجيش وتدفعه للانحياز لصالح طرف ضد طرف. شكرًا.

2-14 جورج القصيفي:

مثلما اقال دكتور فخرو، فإن تأثير مصر على الوضع العربي سيكون كبيرا جدًا، وهكذا كانت الحال منذ أيام عبدالناصر، وعندما ذهب عبد الناصر مع الأسف انتهى كل شيء ليس فقط على مستوى مصر ولكن على المستوى العربي. وبالتالي إذا - لا سمح الله -لم يستطع المصريون الوصول لمخرج صحيح ستخرب المنطقة العربية.

وأود أيضا أن تعطينا فكرة حول التيارات السياسية السلفية وعلاقتهم بالإخوان ولو بشكل سريع. والنقطة الأخيرة والتي أعتقد أنها مهمة والتي أشار إليها دكتور عبدالفتاح ماضي، وهي أنه وقد وصلنا إلى ماوصلنا إليه، فهل هناك إمكانية لتشكيل لجنة مصرية، أو مصرية عربية، من العقلاء لتضع الفريقين معا بشكل ناضج، الإخوان من جهة والليبراليين والديمقراطيين من جهة أخرى، وذلك للخروج بحلول عملية. أعتقد أن هذه النقطة مهمة للغاية ليس فقط في مصر ولكن في كل دول الربيع العربي في تونس وليبيا واليمن، وبالتأكيد في سوريا أيضًا. شكرًا.

2-15 عماد شاهين: تعقيب ختامي

سريعًا سأحاول الإجابة على الأسئلة الكثير منها كان ملاحظات وتعليقات مفيدة جدًا، وأعتقد أنها ستفيد في الصياغة النهائية للبحث، وعدم تعليقي عليها لا يعني عدم الإهتمام.

بالنسبة للأخطاء التاريخية أو المنهجية للاخوان: أنا أتفق مع الدكتور حيدر تمامًا، وأنا أعتقد سريعًا جدًا في أن المشكلة هي عدم قدرة الإسلاميين في أي مكان، باستثناء تركيا وماليزيا، على التحول من عالم السياسة والخطاب السياسي التحريضي الشعبوي إلى عالم السياسات polices يعني من الحديث عن الشريعة وأهمية الشريعة وهكذا لكن دون إدراك لتاريخية الشريعة وكيف كانت تطبق ومن كان يطبقها، إلى عالم السياسات، أي إلى تحويل الشريعة إلى سياسات ترتبط بالتنمية البشرية وبالصحة وهكذا، وبالطبع هذا فشل ذريع جدًا وأتفق مع حضرتك في هذا الموضوع.

الدكتور يوسف: هذا سؤال المليون دولار كما يقولون بأمريكا، أنا متفائل ومتشائم. وكل ما أستطيع قوله أنني شخصيًا كأستاذ جامعي أقوم بتعليم طلابي بأنه لابد أن نحتفظ بالأمل وأعمل على نشر هذا الأمل، حتى لو كان الأمل داخلي ضعيفا، لا بد أن نصنع التفاؤل والأمل للطلبة لأنهم أدوات التغيير في المستقبل. وبالنسبة لي ماحدث أنظر إليه كمسار قد يكون تعثرنا فيه تعثرا شديدا، ولكن إن شاء الله سنخرج منه لأنه هناك مكتسبات حدثت. يعني الدكتور عميرة تحدث عن المكتسبات التي حدثت بتونس، وأيضًا المحصلة النهائية لدينا بمصر ليست صفر، فنحن نتحدث عن مكتسبات اكتسبناها كثيرة جدًا، ومانسعى إليه الآن هو كما تفضل الدكتور عبد الفتاح الذي عرض ما يمكن أن ندعو الناس إليه: نظام ديمقراطي تشاركي تعددي ليس فيه أي مغالبة، القواعد الأساسية به واضحة، كسيادة القانون والتداول على السلطة وسيادة الشعب والتعددية، وحق الاختلاف وحق التعبير وحق التجمع، وكل هذه المطالب الأساسية وأن ندفع نحن لأجلها.

المشكلة الأساسية لدينا الآن، أنه دخل معنا طرف صعب جدًا خلخلته وزعزعته وسحبه أو إجباره على الإنسحاب من العملية السياسية، وهذا سيتطلب مقاومة وحشد وتصعيد، وسيتطلب ضغوطا من الخارج والداخل، وسيتطلب للأسف سقوط ضحايا إلى أن يقتنع هذا الطرف أن هذا المسار سيقود للعنف ولن يقود إلى الديمقراطية للأسف. والبديل كما تفضل الدكتور علي فخرو هو خمسين سنة من القهر والقمع ودولة بوليسية تجعلنا نترحم على أيام مبارك.

بالنسبة للغرب، سأختلف معكم فيما يتعلق بمسألة الغرب، أنا لا أرى أي دليل عملي على أن الغرب لا يريد ديمقراطية، والدليل العملي أن الغرب يريد طرف في المنطقة يتعامل معه على أساس هدفين استراتيجيين: الأول أن هذا الطرف يضمن استقرار المصالح الاستراتيجية للغرب في المنطقة، والثاني أن هذا الطرف يمكن التنبؤ بأفعاله. ولذا نجد الغرب يتعامل مع السعودية وقطر وباكستان وصدام حسين وقت ماكان، ومبارك، ويتعامل مع أي شكل من أشكال الحكم، فهو لا الديمقراطية تعنيه ولا الشمولية تعنيه ولا أي شيء يعنيه، مايعنيه هو طرف يستطيع أن يحقق له الاستقرار وطرف يستطيع أن يتنبأ الغربي بأفعاله. كان الغرب لا يحب القذافي ومن على شاكلة القذافي، لأنه من غير الممكن معرفة كيف يتصرف. والغربيون لا يحبون الإخوان، فهم لايعلمون إذا كان سيأتيهم نبي في المنام فيخرجوا لنا بفكرة جديدة وبالتالي لا يريدونهم، ولذا وجب إزاحتهم. في اعتقادي نحن من أفشلنا الديمقراطية في مصر، لابد أن نعترف بذلك ونبدأ منه، وليس الغرب، فنحن الذين أفشلنا الديمقراطية في مصر، لأنه مهما خطط ودبر الغرب، فقد كان هناك أناس في الحكم ليسوا من النظام السابق، وكان يجب عليهم إنجاح التجربة.

أشار الدكتور علي فخرو إلى نقطة مهمة جدًا فيما يتعلق بمسألة المرجعية، وأشار دكتور العجب إلى مدخل وطبيعة الدولة وعلاقتها بالمجتمع، وإذا كنا نستطيع إفراز دولة هي بالطبيعة نتاج لهذا المجتمع وإلا ستصبح دائمًا دولة مؤسساتها هي مؤسسات قمعية، مؤسسات للسيطرة والهيمنة على هذا المجتمع، وكل ما تحدثنا بشأنه عن الاقتصاد، وعن نظام الطبقات، وكيف أنه تصنع بشكل مهندس، أتذكر قصة في زلزال 1992 في مصر، حيث طلب الرئيس مبارك من رجال الأعمال أن يقوموا ببناء 4000 مدرسة في النهاية قاموا ببناء 400 مدرسة ثم دخل عليهم في اجتماع وهددهم وقال لهم: والله لو لم تبنوا هذه المدارس سأجعلكم تعودون إلى منازلكم بدون سياراتكم، والمقصود هنا أن الدولة هي التي تصنع الطبقة، وهي التي تدمر هذه الطبقة، وهذا معروف والدولة دائمًا مستقلة، وهذه موضوعات يطول الحديث عنها.

بالطبع الدستور كان بمثابة عقبة شديدة، وكيفية الوصول إلى التوافق على الدستور أو الاعلان الدستوري أو حتى الإجراءات. والانتهازية السياسية هي عامل واضح جدًا من عدم الاتفاق. وفي واقع الأمر هناك اختلاف واضح بين الإخوان والسلفيين، وبالنسبة للإخوان فللأسف التيار التنظيمي أو العقلية التنظيمية هي التي سيطرت فيما يتعلق بعملية التحول الديمقراطي وليس التيار الأكثر انفتاحًا على المجتمع والأكثر استعدادًا لذوبان الجماعة داخل المجتمع وتحولها من جماعة إسلامية إلى جماعة وسطية وطنية. للأسف التيار التنظيمي هو الذي كان مسيطرًا وهو مايسمى "القطبيون" أو "الخمسة الكبار"، وأسمائهم معروفة، وهم للأسف من تصدوا لعملية التحول. وهذه كانت نكبة كبيرة جدًا. هناك تيارات متعددة، والكثير من الأبحاث تحدثت عن الفوارق داخل الجماعة سواء الفوارق الجيلية أو الفوارق الأيديولوجية أو الفوارق حتى بالنسبة للتجربة السياسية وهكذا.

أما بالنسبة للسلفيين، فسأفقد موضوعيتي تمامًا، فلابد لي أن أجهر بهذا الرأي، السلفيون لا يجب أن يتعاطوا السياسة لأنهم خطر على السياسة، فهم نعم متنوعين جدًا ومختلفين جدًا، لكنهم للأسف ينظرون إلى الأمور بطريقة منجهية تعجز عن فهم الواقع. وبالتالي فالمنهجية المتبعة من قبلهم هي التي تحدد لهم وترسم لهم هذا الواقع، فهم مثلًا يطلقون على قائد الإنقلاب الآن أنه صاحب الشوكة والإمام الجويني يقول عليك طاعة صاحب الشوكة ... إلخ. وهذا رأي منحاز جدًا وأتحمل مسئوليته، ولكن أنا أعتقد أن السلفيين عليهم اعتزال السياسة في أسرع فرصة رفقة بالدين ورفقة بنا.

* د. عماد الدين شاهين أستاذ السياسات العامة - الجامعة الأمريكية بالقاهرة والأستاذ سابقا في جامعة هارفارد الأمريكية.


المواد المنشورة لا تعبر عن رأي موقع الجماعة العربية للديمقراطية وإنما عن رأي أصحابها

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة