العدالة وحرية التعبير... خطوات الوصول للسلم الأهلي في المجتمع مميز

الأحد، 02 أيلول/سبتمبر 2018 عدد القراءات 198 مرة
الكاتب  د. معاذ عليوي

 

العدالة وحرية التعبير... خطوات الوصول للسلم الأهلي في المجتمع

 

د.معاذ عليوي

إن قضية السلم الاجتماعي ليست قضية ترف اجتماعي، بل هي مسألة ترتبط أساساً بالضرورات الخمس التي جاءت الشريعة الإسلامية وجميع الشرائع الإسلامية لتحقيقها، قال الإمام الشاطبي رحمه الله: ومجموع الضرورات خمس وهي: حفظ الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل، وقد قالوا: إنها مراعاة في ملة. يمكننا أن نعرف السلم الاجتماعي بأنه: توافر الاستقرار والأمن والعدل الكافل لحقوق الأفراد في مجتمعٍ أو بين مجتمعات أو دول. فالسلم الاجتماعي إذن هو حالة السلم والوئام داخل المجتمع نفسه، وفي العلاقة بين شرائحه وقواه. وعليه فإن صفاء أجواء المجتمع من العدوات والصراعات يجعله مهيئاً للتعاون والانطلاق ويحفظ قوته من الهدر والضياع، وهذا لن يتحقق السلم الاجتماعي بين جميع قواه ابتداء من الدولة وانتهاء بالفرد حتى يعم التسامح والودّ بينهما، وإلا أصبح الاقتتال شعاراً تتبناه الدولة مما يؤدي بهما إلى إحداث انفصال في منظوماتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية مما يهدد الوحدة الداخلية بالخطر. فأبجديات السلم الأهلي حتى نحقق سلماً أهلياً داخل أي مجتمعٍ من المجتمعات لابد أن تكون من الآتي:

الإدارة السلمية للتعددية:

كما تعرفون أن المجتمعات لا تسير على خطٍ متوازٍ، وهذا يعود إلى طبيعة المجتمعات وبنائها الداخلي أي التركيبة التي تنبثق منها، فهناك مجتمعات ذو تعددية آثنية ومذهبية، مما ينعكس بشكلٍ مباشر على مسيرة تقدمها الاجتماعية والفكرية والثقافية، وكذلك على مسيرة بقائها وديمومتها. فعندما نتحدث عن التعددية في هذا النطاق، نتحدث عن البيئة الأساسية للتعددية أيّ عن الركائز العملية لممارسة التعددية، كطبيعة النظام السياسي القائم وأيديولوجيته، وقدرته على ممارسة التعددية كمفهوم واقعي وليس كجزئية مفروضة يتم التعامل معها في ظروف آنية وسرعان ما تتلاشى ولم تستطع بمقدور تلك المجتمعات إحداث أيّ تقدم في عجلة مسيرة حياتها بأكملها. فضلاً عن التنوع البشري داخل المجتمعات، وكما هو معلوم لديكم أن المجتمعات بأسرها يوجد بداخلها تنوع من كافة الأطياف والأجناس، فمنها ينحدر من أصولٍ عرقية، ومنها من أصولٍ ثقافية، واجتماعية، ومدى وعي النظام السياسي بتلك الأقليات واحترامه لها، مدى تقدم تلك المجتمعات وريادتها، فالمسألة مترابطة ولا يمكن تجزئتها أو انفصالها، والمجتمعات التي لا تؤمن بالحوار والتعايش السلمي فيما بينهما على أساس الإيمان بأحقية البقاء ستستمر تلك المجتمعات بالتقاتل، ويدبّ الصراع فيما بينهما وعندئذ لا تقوى على تقديم أي رؤية أو برنامج لنهضة مجتمعها من الداخل.


في هذا الإطار علينا إلا ننسى أن التعددية لا تقتصر فقط على مفهوم الممارسة بل تحتاج إلى وجود أطر دستورية قانونية تهيئ المناخ لوجود التنوع المؤسسي والتنظيمي داخل المنظومة السياسية الناشئة، بل توثق مبدأ الفصل بين السلطات، وتكفل المساواة، وحرية التعبير للمواطنين كافة من دون تمييز والاستجابة للأعراف والمواثيق الدولية الخاصة باحترام كرامة أبناء المجتمع، مع مراعاة أن تجري هذه الترتيبات كلها بطرق سلمية تتحلق حولها جميع القوى السياسية وغير السياسية في المجتمع. من ناحية أخرى قد تتوافر الدعامات الديمقراطية لنجاح مسار التعددية بكل مكوناتها، لكن في المقابل قد لا تنجح عملياً على أرض الواقع نتيجة التمسك بالموروثات التقليدية القديمة مثل العائلة، والقبلية، وغيرها مما ينتج عنه في غالبية الأحيان صراع محتدم بين كافة أفراد المجتمعات ينتهي بإنفصال تدريجي لذاك المجتمع أو غيره، والسبب ليس في قلة الوعي السائدة لدى النخبة السياسية بل نتيجة غياب الوعي بمفهوم الممارسة والتداول السلمي للسلطة، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن القبلية متأصلة في مجتمعاتنا ونمت وأصبح لها جذور راسخة، وقد يصعب استئصالها، أو ووضع آليات جديدة للحكم السياسي بديلاً عنها.

الاحتكام للقانون

يمثل الاحتكام للقانون والالتزام به قيمة أساسية لدى الكل المجتمعي في مدى الرقي بالوعي الحضاري نحو أهمية الالتزام بمفهوم القانون كأداة إيجابية نحو تعزيز قيم المساواة والعدالة داخل أيّ مجتمع من المجتمعات. وحتى يعمّ السلم الأهلي داخل أي مجتمع من المجتمعات يجب الأخذ بعين الاعتبار مسألة الحقوق والواجبات على أنها مسألة كلية شمولية وليست جزئية، فالأمن بشموليته وليس بجزئيته، والأمن حتى يصبح عنصراً قوياً يجب أن يتبنى نظرية التساوي المطلق بين كافة الأفراد داخل المجتمع، متجاهلاً العناصر السادية كالجنس، واللون، والعرق، فكلها عناصر مفرقة وليست جامعة، والعقاب عندما يطبق لا ينظر لماهية الشخص وهيئته بل ينظرُ هل الشخص يستحق العقاب أم لا. لكن الشيء الأهم في المنظومة القانونية هو مقدرة المؤسسات القانونية تطبيق مفردات القانون داخل أروقة مؤسسات الدولة، متوشحة بمفاهيم العدالة، وحقوق الإنسان، والنزاهة المطلقة وليست النزاهة المُظلمة التي تختفي وراءها ستار الفساد، والظلم السياسي يشتى أنواعه. ولهذا السبب تطبيق الرقابة القانونية على جميع الأفراد دون تمييز مدخلاً مهماً نحو إعادة تشكل الوعي السياسي من قبل الأفراد نحو تغيير المفاهيم السلبية تجاه المؤسسة القانونية أيّ كان منبعها والطريقة التي تعمل بها.

حرية التعبير

في البداية أن التأصيل العملي والحقوقي للمفهوم يستغرق مناً وقتاً كبيراً لأن جزءً منا لا يستهان به إلى الأن لا يفهم مسألة الحرية إلا أنها حرية آنية لحظية تقتصرُ على الاقتراع في الانتخابات أو حرية شخصية لها علاقة في أن يمارس الشخص ما يشاء له أن يفعل. من الناحية النظرية كلام سهل وقادر كل فرد على تطبيقه بل تجاوزه قدر الإمكان، لكن على المدى البعيد يصعب تنفيذه وذلك للاعتبارات التالية:


إن حرية التعبير ليست مسألة جزئية بل شمولية متعلقة بتوافر الأرضية أو البيئة السياسية أو القانونية الفعلية لتطبيقها. قد تتوافر الديمقراطية المجردة كمفهوم للممارسة في أغلب البلدان التي تتبناها، لكن في الوقت ذاته قد تضعف في تنفيذها أو ممارستها، لكن الديمقراطية ليست الأداة الرئيسية المخولة لبناء منظومة اجتماعية مستقرة داخل أي مجتمع من المجتمعات، هناك محاور عدة إذا نظرنا إليها في هذا النطاق لعل أهمها: الفرد ككينونة وجزئية مهمة من أدوات الديمقراطية إذا تم اضطهاده بصورة مستمرة فكيف سيكون قادراً على التعبير عن حريته مع ذاته، ومع مجتمعه، وإذا تم تطبيقه مباشرةً داخل المجتمع السياسي ماهي الأدوات المتاحة للتعامل مع المفهوم؟ من أجل الكشف عن الأمراض الاجتماعية داخل مجتمعاتنا نحتاج اليوم إلى إعلام تواصلي مهني يعي أمور المجتمع وحقائقه، ففي الأغلب الأعم يوجد في مجتمعاتنا اليوم إعلاماً متجاهلاً حقوق المواطنين

 العدالة الاجتماعية

هي الأرضية المشتركة لتحقيق سلام اجتماعي بين كافة شرائح أو مكونات المجتمع، لا يمكن أن نحقق عدالة إجتماعية دون التخلص من كافة أشكالة الواسطة والمحسوبية التي تعدّ الأساس الناظم لبناء علاقات إجتماعية سلبية داخل المجتمع. عدّ ماركس العدالة الاجتماعية على أنها الفضيلة الأولى التي ينبغي أن تتجه إليها الحياة الأخلاقية، فمن خلال إقامة العدالة الاجتماعية تتحقق ذات الإنسان على أساس الإنسانية، بعبارة أخرى ينبغي أن يتقرر لكل إنسان قدر معين من الحقوق بغض النظر عن إسهامه في العملية الاجتماعية. 
أما من الناحية الدينية تم قراءة المفهوم بطريقة مغايرة تماماً فالإسلام رأى العدالة الاجتماعية كمفهوم للتعايش الجماعي الكلي بمعنى أن يعيش كل فرد في الجماعة معيشةً كريمة غير محروم ولا ممنوع، وأن يكون قادراً على استثمار مواهبه بما يفيد الجماعة ويزيد من إنتاجيتها. نستطيع القول إننا إذا أردنا أن نحقق عدالة اجتماعية بكليتها الجزئية والشمولية فلابد من الأخذ بعين الاعتبار المساواة العملية إلا وهي القيمة النافذة داخل المجتمع بحيث يتم التعامل مع الجزء ضمن إطار الكل وليس بطريقة منفصلة، إضافةً إلى التكافل الاجتماعي الناظم لشؤون حياتنا اليومية، فلا يعقل أن يكون لديك فائض من الطعام بينما الأخر يموت من الجوع.

إعلام المواطنة

من أجل الكشف عن الأمراض الاجتماعية داخل مجتمعاتنا نحتاج اليوم إلى إعلام تواصلي مهني يعي أمور المجتمع وحقائقه، في الأغلب الأعم يوجد في مجتمعاتنا اليوم إعلاماً متجاهلاً حقوق المواطنين لا يلتفت إلى القضايا الاجتماعية الطارئة منها والخفية، مما يؤدي إلى سرعة انتشارها وعدم وضع الحالة أمام المسؤولين فيؤدي إلى تفاقمها، مما يصعب حلها وعلاجها. خلاصةً لما سبق لا يمكننا بناء منظومة اجتماعية متماسكة دون العناصر السابقة التي ذكرتها، فالأمن الاجتماعي يحتاج إلى إدارة واعية بهموم المواطنين قادرة على التفاعل معها بعيداً عن أي مؤثرات من شأنها أن تزيد من تلك الأعراض فتتحول إلى أمراضٍ اجتماعية يصعب علاجها.

المصدر:

 

 

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)

أضف تعليقاً

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة