You are here:الرئيسية>مكتبة الديمقراطية>مراجعات كتب>شحاته محمد ناصر: سياسات النظم الحاكمة
الدستور الديمقراطي

الدستور الديمقراطي (3)

الإثنين, 21 آب/أغسطس 2017 20:30

مفهوم الدستورالديمقراطي

الكاتب

 

 

مفهوم الدستورالديمقراطي

  تعريف الدُّستور:

 للدُّستور تعريفات كثيرة تختلف عن بعضها البعض، وذلك وفقاً لطبيعة النّظام الدُّستوريّ، وظروف الدّولة السياسيّة والاقتصاديّة، وينقسم الفقه في تعريفه للدُّستور إلى معيارين أساسيين وهما: المعيار الشّكلي، والمعيار الموضوعيّ، ويعتمد المعيار الشّكلي على وجود وثيقة دُستوريّة تحتوي على مجموعة من القواعد والأحكام دون النّظر إلى طبيعتها، أمّا المعيار الموضوعي فهو يعتمد على مضمون القواعد الدُّستوريّة سواء كانت مكتوبة في الوثيقة أو غير مكتوبة، ويُفرّق المعيار الموضوعي بين القاعدة الدّستوريّة والقاعدة القانونيّة، فهو يأخذ بعين الاعتبار مُحتوى النّص وليس مكانه.[١] إذاً إنّ الدُّستور عبارة عن مجموعة قواعد مكتوبة وغير مكتوبة، تحمل المبادئ والقيم المُنظّمة للمُجتمع، وتُحدّد صلاحيّات وحُدود السُّلطة السياسيّة، كما تُنظّم السُّلطات وعلاقاتها ببعضها البعض، مع الحفاظ على حُقوق وواجبات الأفراد، ويُنظّم الدُّستور الأمور الداخليّة والخارجيّة للدّولة، كما يُحدّد شكل الدّولة وحكومتها، وهو الذي يُمثّل قُوّة المُجتمع، وأي وثيقة أخرى تتعارض مع الأحكام الواردة فيه تُعد باطلة.[٢] وتعريف الدُّستور في المبادئ العامّة للقانون الدُّستوري: (مجموعة من المبادئ الأساسيّة المُنظّمة لسُلطات الدّولة والمُبيّنة لحقوق كلّ من الحُكّام والمحكومين فيها، والواضعة للأُصُول الرّئيسيّة التي تُنظّم العلاقات بين مُختلف سُلطاتها العامّة)،[٢] ويقول الدّكتور إبراهيم أبو خزام في الدُّستور أنّه مجموعة من القواعد التي تصدُر عن مُشرّع دُستوري، وهي تُنظّم عمل السُّلطات العامّة في الدّولة، وتُراعي حقوق وحُريّات المُواطن وتحميها.[١]

عناصر الدُّستور: يضُم الدُّستور أربعة عناصر رئيسيّة، وهي:[٢] المُقدّمة: وتُسمى أيضاً الدّيباجة، وهي جُزء يخلو من القوانين، وإنّما يحُث مشاعر المُواطنين. الجُزء التّنظيمي: وهو الجُزء المسؤول عن العلاقة بين السُّلطات، فهو يتضمّن بياناً يذكُر المُؤسسات والإجراءات التي يلجأ لها المُواطن لتحقيق أهدافه بطرق قانونيّة. الجُزء الخاص بحقوق وحُريّات المواطن: وهو الجُزء الذّي يشتمل على حُقوق المُواطن، مثل حقّ المُساواة بغضّ النّظر عن اللون أو الجنس أو المُعتقدات، وحقّ الانتخاب، وحقّ الإضراب والتّظاهُر، كما يشتمل على حُريّات المُواطن مثل حريّة تكوين الأحزاب السياسيّة. الجُزء الخاص بأحكام تعديل الدُّستور: حيث تتمتّع بعض الدّساتير بالمُرونة، وإمكانيّة تعديل بعض أحكامها، وذلك بشرط عمل استفتاء عام للشّعب وموافقة الهيئة التّشريعيّة على ذلك.

أنواع الدّساتير: تنقسم الدّساتير إلى عدّة أنواع تبعاً لأمور مُعيّنة، فمن حيث التّدوين تنقسم إلى مكتوبة أو عُرفيّة، ومن حيث المُرونة في تعديل الأحكام فهي مرنة أو جامدة، ومن حيث الإطالة في التّفاصيل فهي دساتير مُطوّلة أو مُوجزة، أمّا من حيث ديْمُومتها فهي دائمة أو مُؤقتّة، والدّساتير حسب طريقة وضعها تكون ديمُقراطيّة أو غير ديمقراطيّة، وحسب نظام الدّولة تكون ملكيّة أو جُمهوريّة، إضافة إلى تقسيمات أخرى غيرها، وفيما يلي توضيح بسيط للأساسي منها:[٣]

 الدّساتير المكتوبة والدّساتير العُرفيّة: وتُدعى أيضاً المُدوّنة وغير المُدوّنة، فالدُّستور المُدوّن هو الذي تصدُر أحكامه على شكل نُصوص شرعيّة في وثيقة واحدة أو أكثر، وتكون صادرة عن هيئة مُختصّة بذلك، ولا يُشترط أنْ تكون جميع الأحكام مكتوبة وإنّما غالبيّتها،

أمّا الدّساتير غير المُدوّنة أو العُرفيّة: فهي التي تكون أحكامها ومبادؤها عُرفيّة، وغير صادرة عن هيئة رسميّة مُختصّة، والأصح أنْ تُسمّى بالدّساتير غير المُدوّنة؛ وذلك لأنّها لا تشتمل على الأعراف فقط، وإنّما على أحكام القضاء أيضاً.

الدّساتير الجامدة والدّساتير المرنة: الدُّستور الجامد هو الذي لا يُمكن إجراء تعديلات على أحكامه بسُهولة ويُسر، وليس المقصود به استحالة التّعديل، وإنّما يكون تعديل الأحكام أكثر صُعوبة من القوانين العاديّة، وتُحال إجراءات التّعديل إلى هيئة غير تلك المسؤولة عن القوانين العاديّة، وجُمود الدُّستور ينطبق على جميع قوانينه حتّى تلك التي تحمل طبيعة غير دُستوريّة، مثل نُصوص الأُسرة والمُجتمع، ولا ينطبق الجُمود على النُّصوص الدُّستورية المُنظّمة في قوانين خاصّة مثل قانون مجلس النُّواب أو الأحزاب السّياسيّة. وبالنّسبة للدُّستور المرن فهو الذي يُمكن تعديل أحكامه بالطّريقة نفسها التي تُعدّل فيها القوانين العاديّة، وتقوم بذلك السُّلطات المسؤولة نفسها عن تعديل القوانين العاديّة، وغالبا تكون الدّساتير غير المُدوّنة دساتير مرنة؛ لأنّها نشأت عن طريق الأعراف أو الأحكام القضائيّة السّابقة وبذلك يتم تعدليها بإصدار تشريع جديد يُخالف القديم.

الدّساتير الدّائمة والدّساتير المُؤقتة: الدُّستور الدّائم هو الذي يتم وضْع أحكامه لتُنظّم أوضاع الدّولة لأجل غير مُحدّد، وقد ظهر هذا المُصطلح ليتم تمييز الدّساتير المُدوّنة عن غير المُدوّنة؛ وذلك لأنّ الدّساتير غير المُدوّنة لا يُمكن أنْ تكون إلّا دائمة؛ كونها تصدُر من الأعراف والأحكام القضائيّة السّابقة، أمّا الدُّستور المُؤقت فهو الذي يصدُر بهدف تنظيم الدّولة خلال فترة انتقاليّة، أو لفترة مُؤقتة إلى حين سَنّ دُستور دائم للدّولة، ولا يُصرّح بفترة ديمومته وإنّما يُشار في أحكامه إلى أنّه مُؤقت، وتُسنّ مثل هذه الدّساتير في فترات الانقلاب أو الثّورة بحيث تكون الأوضاع غير مُستقرّة فتلجأ الهيئة التّشريعية لذلك.

الدّساتير المُوجزة والدّساتر المُطوّلة: الدُّستور المُوجز هو الدُّستور الذي تُنظّم أحكامه الدّولة دون إسهاب، بحيث يكون عدد النّصوص مُحدّداً ولا تخوض في التّفاصيل، وتتْرُك هذه الدّساتير المسائل الفرعيّة والدّقيقة للأعراف، أمّا الدُّستور المُطوّل فهو الذي يخوض في التّفاصيل، ويُسهب في القضايا الفرعيّة، ويُعالج قضايا من اختصاص المُشرّع العادي، كما أنّه ليست هناك أيّ علاقة بين إيجاز الدّستور وديمومته، فالدّستور المُوجز هو دُستور إمّا دائم وإمّا مُؤقت.

الدّساتير الدّيمقراطيّة والدّساتير غير الدّيمقراطيّة: تُقسّم الدّساتير إلى ديمقراطيّة وغير ديمقراطيّة، وذلك تبعاً لأسلوب وضعها، وتضع هذه الدّساتير الجمعيّة التأسيسيّة أو الاستفتاء الدُّستوري، حتى وإن كانت الصّلاحيّات بيد هيئة واحدة، أمّا الدُّستور غير الديمقراطي فيُوضع بأسلوب العقد، وهو بذلك غير ديمقراطيّ حتّى وإنْ كانت الصّلاحيات مُوزّعة على السُّلطات الثّلاث، وتحتوي على مبادئ ديمقراطيّة في نُصوصها. القواعد التي يُعالجها الدُّستور من أهم القواعد التي يُعالجها الدّستور سواء كان شكلياً أو موضوعياً:[١] القواعد المنظّمة لعمل السُّلطات التشريعيّة، والتنفيذيّة، والقضائيّة، من حيث صلاحيّاتها، وطُرق ممارستها لها والعلاقة بينها. الحُريّات والحقوق الأساسيّة للمُواطنين، وكيفيّة حمايتها.

 أساليب نشأة الدُّستور: سواء كانت أساليب ديمقراطيّة، أو غير ديمقراطيّة. طرق وضع الدّساتير يتم وضع الدُّستور وسنّ قوانينه وأحكامه بطرق ديمقراطيّة وغير ديمقراطيّة، والطرق الديمقراطيّة هي:[٤] طريقة المنحة: وفيها يكون الملك هو صاحب السُّلطة المُطلقة، ولكنّه يتنازل عن جُزء من صلاحيّاته بسبب ظُروف مُعيّنة. طريقة العقد: وهي طريقة يتعاقد فيها الحاكم مع مُمثّلي الشّعب ويتم إصدار الدُّستور بعدها. وبعد تطوُّر المُجتمعات وظُهور الأنظمة الدّيمقراطيّة أصبحت الدّساتير تُوضع بنظام ديمقراطي يتمثّل بطريقتين هُما:[٤] الجمعيّة التّأسيسيّة المُنتخبة: وفيها ينتخب الشّعب أشخاصاً يمثّلونه بهذه المُهمّة. الاستفتاء الدّستوري: بحيث تُوضع أحكام الدُّستور عن طريق جمعية نيابيّة مُنتخبة من قبل الشعب، وبعد ذلك يتم عرض الدُّستور على الشّعب ولا يُصبح نافذاً إلّا بعد موافقة الشّعب عليه. سُموّ الدُّستور يُقصد بسُموّ الدُّستور أنّ أيّ قاعدة دُستوريّة تعلو على كافّة القواعد القانونيّة التي تُطبّق في الدّولة سواء شكلياً أو موضوعياً، وبالتالي فإنّ نظام الدّولة محكوم بهذه القواعد الدُّستوريّة، وعلى كافّة سُلطات الدّولة أنْ تُمارس أيّ اختصاص وفق تلك الأحكام والقواعد، ومن نتائج سُموّ الدُّستور أنّ قواعد الدستور وأحكامه تُصبح أكثر ثباتاً من القوانين العاديّة، ولا يُمكن إلغاء أي قاعدة إلا باستبدالها بقاعدة أخرى، كما أنّه لا يُمكن أنْ تُخالف القوانين العاديّة أي قاعدة دُستوريّة.[٥] ويختلف السُّمو الموضوعي عن السُّمو الشّكلي للدُّستور،

السُّمو الموضوعي للدُّستور: يكون السُّمو الموضوعي للدّستور في الأمور التي تُنظّمها قواعده، مثل أُسس وقواعد نظام الحُكم، وتحديد الفلسفة الاقتصاديّة، والسياسيّة، والاجتماعيّة لنظام الحُكم، وبإنشاء السُّلطات العامّة في الدّولة، وتحديد كيفيّة تعاملها ومُمارسة وظائفها، ويُسمّى أيضاً بالسُّمو المادّي، ومن نتائجه أنّه يُعزّز مبدأ المشروعيّة، حيث يخضع الحاكم والمحكوم للقوانين والأحكام الصّادرة عنه، كما تقوم السُّلطات الثّلاث، التّشريعيّة والتنفيذيّة والقضائيّة بمهمّاتها وفق أحكام وشُروط الدُّستور، ويُمنع أيضاً تفويض أيٍّ من مهمّات السُّلطات الثّلاث التي منحها إيّاها الدّستور لأي جهة أخرى.

السُّمو الشّكلي للدُّستور: يتحقّق هذا النّوع من السُّمو عندما تكون إجراءات تعديل أيّ من أحكام الدُّستور مُعقّدة، ومن نتائج ذلك أنّ يُصبح الدُّستور في قمّة الهرم، ولا تستطيع أيّ هيئة أن تسنّ أيّ قانون مُخالف لأحكامه، وهذا يشمل جميع قواعد الدُّستور في الدّساتير الجامدة، أمّا المرنة منها فلا يتحقّق هذا النّوع من السُّمو لها؛ لأنّه من المُمكن أن تُعدّل أحكامها بإجراءات تعديل أيّ قانون آخر.

المصدرhttp://mawdoo3.com/%D8%AA%D8%B9%D8%B1%D9%8A%D9%81_%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B3%D8%AA%D9%88%D8%B1

الإثنين, 21 آب/أغسطس 2017 20:26

فصل السلطات

الكاتب

 

 

فصل السلطات

لم يلهم فكر "مونتسكيو"قادة الثورة الفرنسية حين شددوا على التنصيص في المادة السادسة عشرة من دستور 1791 على أن "كل مجتمع لا يتوفر على ضمانات للحريات وفصل للسلط هو مجتمع بدون دستور.." ، فقد كانوا، علاوة على تقديرهم لفكر صاحب "روح القوانين" ،(1748) مدركين أهمية فصل السلطات في إعادة بناء الدولة والسلطة على قدر من التوازن لم يألفوه قبل إنجاز ثورتهم (1789) . فالتوازن يحدد دائرة السلطة ويرسم حدود المسؤولية، ويضمن الاحترام السليم للحقوق والحريات.

في وجوب أن تحد السلطة السلطة

يعتبر فصل السلط مبدأ دستوريا موجها للحد من الاستبداد وضمان الحرية، فكل مناهضي السلطة ناصروه ودعوا إلى إقراره، وإن اختلفت تصوراتهم إزاء المفهوم وتطبيقاته25 .

أ-في مغزى المفهوم ومضمونه

ينطوي مفهوم" فصل السلط" -كغيره من المفاهيم التي أطرت الحركة الدستورية الكلاسيكية وساهمت في تطورها- على مغزى يتعلق بانشغال الدولة القومية الحديثة، منذ بداية تشكلها في القرن السادس عشر، بكيفية إعادة تأسيس نظام الحكم على قدر من التوازن يجعل التعايش بين السلطة والحرية ممكنا. فالسلطة التي أضحت ملازمة للدولة، وضرورية لتنظيمها وضمانة لفرض الاحترام بداخلها، هل يقدر الساهرون عليها التوفيق بين ممارستهم إياها واستمرار تمتع الأفراد بحقوقهم وحرياتهم الطبيعية؟ لذلك، فالتساؤل عن المغزى من "فصل السلط" هو في الواقع تساؤل عن إمكانية التوازن داخل الدولة، وفي علاقة هذه الأخيرة بالمجتمع26.

لقد شغلت فكرة التوازن équilibre مجمل تيارات الفكر السياسي الأوروبي خلال القرون الفاصلة بين السابع عشر والتاسع عشر27 ، كما شكلت محور اهتمام النخب السياسية التي أطرت الحركة الدستورية الكلاسيكية وقادت تطورها. فالتوازن أصبح يعني خلال الحقبة أعلاه (ق 17- 19) بناء المجتمع على قدر من التوافق، يضمن لمكوناته، على اختلاف مصالحها، درجة من الانسجام والتماسك،الشيء الذي افتقدته مجتمعات سابقة عن تشكل الدولة القومية الحديثة 28 ، كما يقضي بان تحكم الحياة السياسية وتؤطر ممارسة فاعليها بمبدأ يسمح بإمكانيات "تعاقب الأكثرية والمعارضة على الحكم"، ويتطلب التوازن، في مستوى ثالث، توزيع الاختصاصات بين "السلطة المركزية والسلطات المحلية"، وداخل السلطة المركزية بين الحكومة والبرلمان.29

فإذا كان المغزى من الدعوة إلى تبني مبدأ "فصل السلط" إقامة نوع من التوازن داخل مؤسسات الدولة، وفي علاقتها بالمجتمع، فإن أفكار "مونتسكيو" (1689- 1755).وتصوراته حول هذا الموضوع وآليات تطبيقية ، قد اتسمت بنوع من الشمولية والتعقيد،والغموض أحيانا،الأمر الذي يبرر سيل الدراسات التي تناولت تراث هذا المفكر وحللت أبعاد نظريته، والدلالات التي إكتساها مبدأ "فصل السلطات" لحظة انتقاله من الإطار النظري إلى صعيد الواقع والممارسة30 .يذكر ان أرسطو يتحدث في كتابه "السياسة" عن ضرورة تمييز السلطات عن بعضها البعض، والأمر نفسه دعا إليه "ج.لوك" في مؤلفه "محاولة في الحكم المدني" (1690)، حين أشار إلى وجود ثلاث سلط في الدولة: سلطة سن القوانين والتشريعات، والسلطة التنفيذية ، ثم السلطة الفيدرالية المنوط بها إدارة العلاقات الخارجية، غير أن مساهمة "مونتسكيو" كان لها الدور البارز في تأصيل المفهوم وفتح إمكانيات ارتقائه إلى صعيد الممارسة.

ينطلق مونتسكيو من أن الحرية السياسية" هي أصل الحريات وشرط تحققها، فبانعدامها تتعذر ممارسة " حرية الفكر والعقيدة والتملك"31 .لذلك، شدد يقول:" الحرية السياسية،عند المواطن ، هي راحة البال المتأتية من شعور الفرد بالأمن ولكي تتوفر هذه الحرية، على الحكومة أن تكون حاضرة، بحيث لا يخشى مواطن مواطنا آخر.. والحريةالسياسية لا توجد إلا في الحكومات المعتدلة. ولكنها ليست دائما في الحكومات المعتدلة.إنها لا توجد إلا إذا لم يسئ استعمال السلطة. ولكنها تجربة خالدة أن كل إنسان يتولى السلطة محمول على إساءة استعمالها وسيتمادى حتى يجد حدا يقف عنده..."،ليضيف "ولكي لا نسيء استعمال السلطة يجب بحكم طبيعة الأشياء ، أن توقف السلطة السلطة.."32

يحيل هذا النص على التلازم الموجود بين الحرية السياسية وفصل السلطات، علما أن "مونتسكيو" كان واضحا حيال مدلول الحرية السياسية وطبيعتها. فأن يكون الشخص حرا سياسيا معناه أن يتصرف وفق ما تسمح به القوانين والأنظمة السائدة، إذ أن كل تصرف يحصل خلافا لذلك، يعرض الحريات إلى الضرر والانتهاك ، وهذا بتقدير مونتسكيو، مصدر نشوء الاستبداد في التاريخ السياسي الحديث. فعلى قاعدة التلازم بين الحرية وفصل السلطات ميز مونتسكيو بين ثلاثة أشكال للحكم: النظام الجمهوري، حيث تكون السلطة العليا بيد الشعب إذا كان ديمقراطيا، أو بيد فئة قليلة من الشعب إذا كان ارستقراطيا، والنظام الملكي،حيث تمارس السلطة من لدن فرد واحد هو الملك، والنظام الاستبدادي وهو من أسوأ وأخطر أشكال الحكم 33.

ففي الواقع لم يقف مونتسكيو عند شكل واحد لأنظمة الحكم بغية تقديمه بديلا صالحا لتنظيم العلاقة بين " المحكومين" و "الحكام"، وليجعل السلطة قابلة للممارسة في الحدود غير المضرة بالحريات، بل قام، خلافا لذلك، بنمذجة هذه الأنظمة وتصنيفها، وإن أبدى إعجابه بالنظامين الجمهوري34 والملكي،35 وشدد على سوء النظام الاستبدادي وخطورته36 . لذلك ، كان المدخل لعلاج ظاهرة الاستبداد، وصيانة الحريات، وإرساء نوع من التوازن السياسي، هو"فصل السلطات"، بقدر يجعل حدود كل واحدة واضحة ومعروفة ومحترمة، ففي كل دولة، يقول مونتسكيو، "يوجد ثلاثة أنواع من السلطة: السلطة التشريعية، والسلطة المنفذة للأمور المتعلقة بحقوق الإنسان ،ثم السلطة المنفذة للأمور المتعلقة بالقانون المدني . فبموجب السلطة الأولى يتولى الملك أو الحاكم سن القوانين لمرحلة أو بشكل دائم، ويعدل أو يلغي القوانين القائمة، وبواسطة الثانية يقر السلم أو يعلن الحرب،ويرسل ويتقبل السفراء،ويقر الأمن ويحتاط للغزوات، وبالثالثة، يعاقب الجرائم في الخلافات بين الناس .وتسمى هذه السلطة الأخيرة السلطة القضائية،والأخرى السلطة التنفيذية للدولة"37.

فمما تجدر ملاحظته أن رغم انطلاق مونتسكيو من وجود ثلاث سلط، تستقل كل منها بمجالها الخاص، فقد ذهب إلى أن "كل ممارس للسلطة ميال بطبعه إلى سوء استعمالها. لذلك وجب تحديد السلطة بالسلطة. فإذا اجتمعت السلطة التشريعية مع السلطة التنفيذية في هيأة واحدة أو بين يدي شخص واحد، زالت الحرية، أو يخشى أن يسن نفس الملك أو نفس المجلس قوانين جائرة لكي ينفذها بصورة جائرة... ويزول كل شيء إذا مارس الإنسان الواحد أو مجلس الأعيان أو مجلس النبلاء أو الشعب ذاته، هذه السلطات الثلاث، وهي سن القوانين ،وتنفيذ القوانين العامة، ثم الفصل في الجرائم أو الخلافات بين الناس38"

ب بصدد تأويل المفهوم

تنطوي قراءة كتابات مونتسكيو بخصوص فصل السلطات على ملاحظات تتعلق بطبيعة المفهوم والتأويلات الناجمة عنه على الصعيدين النظري والتطبيقي. فهل يحيل فصل السلطات عنده على مبدأ حقوقي له من العمق والقوة ما يجعله قاعدة قانونية، أم لا يتعدى كونه إجراءا فنيا لتنظيم العلاقة بين المؤسسات الدستورية بشكل يجنب ارتداء السلطة طابعا استبداديا، وبصون الحريات ويحافظ عليها ؟. وإذا كان الأمر بهذا المعنى، كيف تتمكن السلطة وقف السلطة والحد من تجاوزاتها؟. فبغض النظر عما إذا كانت نظرية "مونتسكيو" مبدءا حقوقيا وقاعدة قانونية، أم مجرد تفنية لتنظيم العلاقة بين سلطات الدولة، فإن مساهمتة كانت واضحة في تأصيل فكرة لم تكن معروفة ومأخوذا بها على قدر واسع، تتعلق بضرورة وجود هيئات وأجهزة وسيطة 39 ، قادرة على إقامة نوع من التوازن بداخل المؤسسات الدستورية للدولة. فمونتسكيو لم يدافع عن ضرورة "توزيع السلطات بين الأجهزة العليا للدولة وحسب، بل بين هذه الأخيرة والمجموعات المكونة للمجتمع الوطني، كالجماعات المحلية على سبيل المثال، وقد شدد على استقلال هذه الأخيرة التي نعتها ب"السلطات الوسيطة"، التي لا تقتصر على المدن، بل على القوى المتنوعة المؤثرة في المجتمع،كالنبلاء ورجال الدين والهيئات القضائية.

فمما يرجح ميل مونتسكيو إلى الأخذ ب "توزيع السلطات" وليس فصل السلط،40 هو طبيعة الآليات التي اعتمدها قاعدة لتحقيق فكرة التوازن بين المؤسسات الدستورية. فمنجهة، تتمتع كل سلطة ب"قدرة البت" la faculté de statuer، أي حقها المطلق في ممارسة الصلاحيات التي تدخل أصلا في نطاق اختصاصها. فهكذا، تكمن وظيفة البرلمان في سن القوانين، في حين يتولى الجهاز التنفيذي السهر على تطبيق هذه الأخيرة، أما السلطة القضائية فوظيفتها النظر في المنازعات وترتيب العقوبات والجزاءات. تتمتع السلطات الثلاث،إلى جانب ذلك،ب "قدرة المنع" la faculté d’empêcher ، أي صلاحية مراقبة الواحدة الأخرى، بشكل يحتم على كل منها الالتزام بدائرة الاختصاصات المسموح لها بممارستها.ومع ذلك، لم يكن قصد مونتسكيو إقامة طلاق بين السلطات بقدر ما كان يروم تحقيق قدر من التعاون فيما بينها، عبر السماح للسلطة التنفيذية بمشاطرة الجهاز التشريعي بعض اختصاصاته، والحق نفسه يعترف به للسلطة التشريعية في علاقتها بالجهاز التنفيذي.وإذا كان مونتسكيو قد أولى اهتماما مركزيا للسلطتين التشريعية والتنفيذية وجعلهما في صدارة مؤلفه "روح القوانين"، فإنه خلافا لذلك، لم يمنح السلطة القضائية الاهتمام نفسه، بل اعتبرها في إحدى مقاطعه معدومة. ففي سياق حديثه عن النظام الانجليزي، ذهب يقول:"من السلطات الثلاث، التي تذكرنا، نعتبر السلطة القضائية،إلى حد ما، معدومة،وهكذا لا يبقى إلا سلطتان"41 .هل يفهم من ذلك، أن الفصل يجب أن يكون قاطعا بين السلطتين السياسيتين التشريعية والتنفيذية من جهة، والسلطة القضائية من جهة ثانية، وخلافا لذلك، يجب أن يسود نوع من التوازن والمراقبة بين جهازي التشريع والتنفيذ طبقا لقاعدة "المراقبة والتوازن" check and balance؟. ففي الواقع، شكلت نصوص مونتسكيو موضوع جدل فقهي وقانوني عميق، سواء على صعيد الدراسات الحقوقية الكلاسيكية،42 أو على مستوى المقاربات المواكبة للتغيرات التي طالت المفاهيم الدستورية المعاصرة.43

لعل من النقط القوية التي تصلح أساسا لتأويل مفهوم فصل السلطات كما تم التعبير عنه في كتابات "مونتسكيو، الوظيفة التي تمكنت نصوص هذا الأخير من أدائها في سياق المناخ الفكري والسياسي للقرن الثامن عشر، أي قرن الثورة الفرنسية وما نتج عنها من تداعيات على صعيد تطور الوعي السياسي بظاهرة السلطة وبناء نظم الحكم44. فالواقع السياسي الانجليزي، الذي شكل حقلا تجريبيا لمونتسكيو- وهو بعدد صياغة نظرية حول الحرية السياسية وسلطان القانون وفصل السلطات45 .- ظهر خلال القرن الثامن عشر أكثر النظم السياسية تقدما على صعيد احترام الحريات، وتنظيم ممارسة السلطة، والتهيؤ للانتقال إلى وضع ديمقراطي تلعب المشاركة والمراقبة الشعبية في نطاقه دورا مركزيا46.

لقد تخللت الواقع الانجليزي،لحظة تفكير مونتسكيو في صياغة نظرية فصل السلطات، ثلاث قوى اجتماعية: التاج (الملكية)، والارستقراطية،وعموم فئات الشعب، فكان ضروريا إيجاد المسوغات الفلسفية والنظرية لخلق نوع من التعايش بينها على صعيد تأسيس السلطة وانتقاء آليات ممارستها.لذلك، ذهب الباحثون إلى أن مونتسكيو لم "يبدع شيئا جديدا، بقدر ما قام بتأويل خطاب الملك شارل الأول "، القائل بأن الملكية في بريطانيا خليط بين الحكم الملكي والارستقراطي والديمقراطي"، مما يعني أن الأساس الفلسفي للنظام السياسي يستند إلى ثلاث مشروعيات: التاج ،باعتباره تجسيدا للاستمرارية التاريخية، والارستقراطية، كتعبير عن قطاع مؤثر في الحياة الاجتماعية والسياسية الانجليزية، والشعب، الذي ترسخت مكانته وبدأ يبرز كبعد وازن في تطور النظام السياسي. فهل معنى ذلك أن مبدأ فصل السلطات عند مونتسكيو لا يعدو أن يكون وسيلة للتوفيق بينالمشروعيات المتنافسة؟47.

إننا نميل إلى اعتبار مبدأ فصل السلطات تقنية لجعل التعايش ممكنا بين المؤسسات الدستورية أكثر منه قاعدة قانونية لتحديد شكل معين للنظام السياسي. وحين نجعل هذا المبدأ أداة فنية لتوفير التعايش بين السلطات، فإننا نقصد بداهة التعايش بين قوى اجتماعية متباينة من حيث المواقع، مختلفة من حيث المشاريع الاجتماعية التي تروم تطبيقها حين حيازتها السلطة وامتلاك أدواتها. فمن هذه الزاوية بالذات ،يصبح المبدأ فعلا وسيلة للتوفيق بين المشروعيات المتنافسة والمتصارعة داخل المجتمع السياسي48.

2-في أن تكون الحقوق والحريات مضمونة

لم يكن الانخراط في إرساء دعائم حكم دستوري منفصلا عن الانخراط في تخويل الحقوق والحريات طابعا دستوريا . فالدستور، بما هو ضبط لقواعد ممارسة السلطة ، يصبح ضامنا للحقوق والحريات، عبر إفراده أحكاما خاصا بها، وتنصيصه على الوسائل الكفيلة بصيانة ممارستها وجعلها في منأى عن تعسف السلطة وشطط ممارسيها. لذلك، لا تقاس ديمقراطية الدساتير بمدى إقرارها للحقوق والحريات فحسب، بل تتحدد أيضا بدرجة حرصها على تأكيد الشرعية الدستورية، أي جعل ما هو مدرج في باب الحقوق والحريات محترما على صعيد التطبيق والممارسة. فقد قدمت التجربة الدستورية الفرنسية نماذج كثيرة في تاريخها عن ضعف شرط احترام الحقوق والحريات أمام إقرارها غياها في نص الدستور، قياسا للتجربتين الانجليزية والأمريكية، حيث ساهمت النصوص الدستورية المكتوبة منذ صدور وثيقة العهد الأعظم magna charta عام 1215، وما أعقبها من نصوص خلال القرون اللاحقة 49، وكذا التعديلات الأولى التي أدخلت على الدستور الأمريكي (1787)50 ، في تأكيد مفهوم الحرية وتعزيز المساعي الرامية إلى ترسيخه في الثقافة السياسية للمجتمعين معا. ونميل إلى الظن أن "خصوصية "المسار الدستوري والسياسي الفرنسي تحكم في ما يشبه الانفصام بين إقرار الحقوق والحريات في وثائق الدستور وصعوبة احترامها على مستوى الممارسة، إذ الجدير بالملاحظة أن الفرنسيين عاشوا مخاضا دام قرابة القرن (1789-1884) قبل أن يستقروا بغير رجعة على شكل النظام الذي اعتمدوه نموذجا لبلادهم، فقد جربوا النظام الإمبراطوري، والملكية، والجمهورية، ونظام القناصل51.

أدسترة الحقوق ومتطلبات دولة القانون

نقصد ب "الدسترة" constitutionnalisation تضمين الدستور حقوقا وحريات وتنزيلها منزلة الأحكام الخاصة بتنظيم السلطة والعلاقة بين المؤسسات. وإذا كان إقرار الحقوق والحريات في الوثيقة الدستورية أمرا إيجابيا وخطوة مهمة على سبيل الاعتراف بها ، فهل تكفي الدسترة لجعل منظومة الحقوق في منأى عن الشطط في استعمال السلطة؟. إن الدسترة في ذاتها لا تكفي لجعل الحقوق والحريات مضمونة ومصانة بل لا بد من مصاحبتها بضمانات تكفل لذويها القدرة على التمتع بها، كما تحتاج إلى قضاء مستقل ونزيه يحفظ للدستور علويته وسموه على كافة النصوص الأخرى، ويجعل أحكامه سارية على الأفراد والجماعات.

لقد أصبحت دسترة الحقوق والحريات ظاهرة عالمية،حيث أخذت جميع الدساتير، بما فيها الدول التي تأخرت في تبني فكرة الدستور، بالتنصيص إما في بيانات ملحقة،أو في ديباجة الدستور وصلبه على الحقوق والحريات المنوطة بالإنسان، لاعتبارات خاصة بقيمة الدستور ومكانته في البنيان القانوني والمؤسسي للدولة العصرية، ولان ديمقراطية هذه الأخيرة ومشروعيتها أصبحتا تقاسان بمدى احترامها لمنظومة الحقوق والحريات على صعيد الممارسة، وليس على مستوى التنصيص في الوثيقة الدستورية. فهكذا، لا تنحصر قيمة مبدأ تدرج القوانين hiérarchie des lois في تصدر الدستور رأس الهرم ووجوب أن تكون القواعد الأدنى درجة منه منسجمة مع روحه فحسب، بل إن التدرج ، علاوة، على ذلك يحمي الحريات ويحافظ عليها. لذلك، لم تكتف العديد من الدساتير بإقرار قائمة الحقوق والحريات، بل ألزمت المشرع وباقي السلطات، عبر جملة من الأحكام، باحترام الحقوق الأساسية. فالفصل الأول من دستور فرنسا لعام 1791 منع على الجهاز التشريعي إصدار القوانين التي من شأنها المس أو عرقلة ممارسة الحقوق الطبيعية المتضمنة في نص الدستور، وقد سارت على نهجه مجمل دساتير فرنسا اللاحقة (1793-1848-1958)، إضافة إلى أن المادة الخامسة من الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن لعام 1789 نحت المنحى نفسه حين قضت بأن "ليس للقانون الحق في منع سوى الأعمال الضارة بالمجتمع.فكل ما لا يحرمه القانون لا يمكن منعه ولا يمكن إجبار أحد على فعل مالمبأمر به القانون".

تحتاج حماية الحقوق والحريات وضمان سلامة ممارستها إلى جملة شروط تتجاوز مستوى اعتراف الدساتير بها وتضمينها في صلب أحكامها .فقد كشفت التجربة هشاشة الحرية كما تصورها بناة الديمقراطية الكلاسيكية في اوروبا والغرب عموما. فلكي تتحقق الحرية وتستمر ويحسن استعمالها تحتاج إلى حد أدنى من الإجماع حولها كقيمة وضرورة، فحين يتكون لدى الناس تمسك أكيد ودائم بالحرية، يتولد لديهم الوعي المطلوب للدفاع عنها وصيانتها من شطط السلطة وسوء استعمال الأفراد والجماعات لها. فلو أخذنا حقوق الأقلية السياسية على سبيل المثال ،للاحظنا المكانة التي تحظى بها في النظم الديمقراطية خلافا لغيرها من التجارب. ففي بريطانيا مثلا تشكل الأقلية جسما سياسيا قائم الذات، إنها جهاز رسمي للنظام، بل مؤسسة دستورية منوطة بها ممارسة وظيفة أساسية في الدولة، أي معارضة سلطة الأغلبية الحاكمة52 . فهكذا يكون احترام المعارضة بداية لاحترامحقوق الأفراد، كما أن الاحترام الأساسي للحريات يبدأ باحترام المعارضة. والحال أن الديمقراطية السليمة لا تشتغل جيدا وتصون الحريات إلا حين يمتد لبسط احترامها إلى الخطوط الكبرى لنظامها السياسي، أي القواعد الخاصة بتنظيم الحكم، بما في ذلك فصل السلطات والطريقة التي يمارس الشعب بواسطتها سيادته. مقصد القول أن احترام الحقوق والحريات رهين بمدى تحقق ما يشبه الإجماع حول الحرية مفهوما وممارستا أي ميلاد وعي مجتمعي ينزل الحرية في منزلة القيم الكبرى التي لا تخضع للمساومة أو المزايدة.

الإثنين, 21 آب/أغسطس 2017 20:20

الدستور الديمقراطي

الكاتب

 

 

الدستور الديمقراطي

يعني مصطلح "دستور، الذي يقابله في الفرنسية « Constitution »  ،"التأسيس أو البناء"، أي التنظيم أو القانون الأساسي " ، فهو يحيل على مرجعية مفادها البحث عن الأسس الكفيلة بتأصيل وضبط ممارسة السلطة وتنظيم مؤسسات الدولة ، وعلى خلفية ذلك يفسر لماذا ارتبط مفهوم الدستور بالد ستورانية الأوروبية الهادفة، مع مطلع القرن الثامن عشر، إلى إعادة بناء الدولة والسلطة على تصورات فلسفية وآليات تنظيمية جديدة.

فبغض النظر عن الجدل الفقهي بخصوص التعريف والتحديد، تثير مسألة "الدستور" العديد من الأسئلة الخاصة بتاريخية وجودها كفكرة، والدلالات التي اكتستها عبر حقب تطورها، والشروط التي سهلت إمكانية صيرورتها مفهوما مركزيا، وانتقالها من السياق القاري الأوروبي، إلى المستوى العالمي والكوني، وكلها قضايا بالغة الأهمية من الناحيتينالعلمية والعملية في فهم معنى الدستور وإدراك مركزيته. بيد أن أهم سؤال، نعتقد برجاحة طرحه، يتعلق بالشروط العامة التي قررت ميلاد فكرة الدستور وساعدت على انتشارها على الصعيدين القاري والدولي.

لعل من الصعوبة بمكان الإلمام بأصول فكرة الدستور وتمثل دلالاتها بمعزل عن التطورات المعتملة داخل المجتمعات الأوروبية على امتداد الفترة الفاصلة بين القرنين السادس عشر والسابع عشر.فقد شهدت أوروبا نهضة شاملة طالت نظامها الاقتصادي، وعلاقتها الاجتماعية، ونظمها السياسية ، وأسسها المعرفية والثقافية، فكانت المحصلة أن دخلت دولا ومجتمعات دائرة العقلانية والحداثة وبناء دولة القانون، التي يشكل المجتمع المدني ومشاركته عنصرا مقررا فيها. فعلى خلفية هذه التطورات، ولدت الحاجة إلى دسترة الحياة السياسية، أي إخضاع الدولة وممارسة السلطة والعلاقات بين المؤسسات لوثيقة تتضمن مجموعة من القواعد المكتوبة المحددة لفلسفة وشكل الدولة، والقادرة على تقييد سلطاتها العامة.2 بيد أن الربط بين فكرة الدستور والتغيرات المشار إليها أعلاه لايكفي وحده للتدليل على أصل الظاهرة الدستورية، بل يستلزم، إضافة إلى ذلك، تحليل العلاقة الطردية بين تشكل الطبقة الوسطى (الرأسمالية لاحقا) واستحكامها في مقومات النسيج الاقتصادي والاجتماعي ورغبتها في الاستحواذ على السلطة ومصادرها، وهو مشروع لم يكن في استطاعتها إنجازه دون وضع قواعد دستورية قارة وواضحة، تقيد السلطة وتضبطها من جهة، وتضفي المشروعية على ممارستها من زاوية ثانية، المعطى الذي عبرت عنه دساتير الجيل الأول في كل من الولايات المتحدة الأمريكية (1787)،وفرنسا (1791-1973-1795).

فالقاعدة إذن، أن تتوفر الدولة على دستور يحدد فلسفة حكمها وطبيعة نظامها ، وينظم علاقات سلطاتها، ويضمن حقوق وحريات أفرادها، أما الاستثناء فحين تنعدم هذه الوثيقة ولا تكترث الدولة بوجودها، وفي هذا السياق كان "اندريه هوريو" محقا حين شدد على أن "الرغبة في الدخول إلى المجتمع الدولي بدون دستور، هي تقريبا الدخول إلى حفلة ساهرة بثياب الحمام"3. بيد أن الدستور وحده لا يكفي لاكتساب الدولة المشروعية المطلوبة، بل تصبح المشروعية légitimité حقيقة مقبولة حين تتعزز وثيقة الدستور بالاحترام وتحاط بالشروط الكفيلة بضمان صيانتها ، أي حين تتحقق الشرعية الدستورية légalité constitutionnelle .

إن ما يميز الدستور الديمقراطي Constitution démocratique ويجعله جديرا بهذه الصفة استناده على جملة مقومات تضفي صبغة الديمقراطية عليه، وتبعده عن الدساتير الموضوعة إما بإرادة منفردة، كما هو حال الدساتير الممنوحة، أو عبر استفتاءات مفتقدة إلى شروط الاستقلالية والحياد والنزاهة. لعل أهم مقومات الدستور الديمقراطي (أولاً): تأسيسه علي مبداء المواطنة الكاملة المتساوية والتسليم بأن الشعب مصدر السلطات ولاسيادة لفرد أوقلة عليه, (ثانياً) : حكم القانون،(ثالثاً): أن يحترم فيه فصل السلطات (رابعاً): تؤكد فيه الحقوق والحريات (خامساً): ان يتم الاعتراف بالتداول السلمي للسلطة بين الأغلبية والمعارضة. هذا بالإضافة إلى الطريقة التي يوضع بموجبها الدستور من قبل جمعية وطنية تأسيسية منتخبة.

أولا:في أن يكون الشعب مصدر السلطات

يشكل هذا المقوم أحد دعامات الدستور الديمقراطي .فما معنى أن يكون الشعب مصدر السيادة ؟ ،وما هي الآثار المترتبة عن تحقق السيادة في الشعب؟

1- في معنى السيادة اللازمة للدستور الديمقراطي

يحيل مفهوم السيادة على معنى القدرة .فالدولة ذات السيادة هي "الدولة القادرة على اتخاذ القرارا ت والأعمال المتصلة بمصيرها على الصعيدين الداخلي والخارجي بحرية تامة" 4 ، أي أنها "سلطة حقوقية متفوقة"، تجعل الدولة إطارا وحيدا قادرا على امتلاك مشروعية استتباب الأمن والنظام بالداخل، وتملك حرية التعامل على صعيد العلاقات الخارجية. 5 و ينطبق المدلول نفسه على "الشعب". فهكذا ، تتحقق سيادة الشعب حين يصبح أفراده قادرين على تقرير مصيرهم بأنفسهم، دون شعور بالضغط أو الخوف، أو تقييد إرادتهم. فالشعب بهذا المعنى يكون مناط السلطات ومصدرها، حيث لا سلطة لفرد أو قلة عليه، أو بتعبير عبد الحميد متولي : "لا سيادة لفرد ولا لقلة على الناس."6.

يذكر أن نقاشا عميقا وواسعا طال مدارس الفكر السياسي الأوروبي الحديث حول مبدأ السيادة، وما إدا كانت الأمة nation أم الشعب peuple مصدرها، والحال أن الجدل كان يعكس في سياقه التاريخي تناقضا بين أطروحتين متباينتين بخصوص مسألة السلطة وآليات ممارستها، ولم ينظر قط إلى القضية باعتبارها اختلافا تقنيا حول وسائل الحكم وتدبير الشأن العام . فالقائلون ب "سيادة الأمة" (السيادة الوطنية) يرجحون إقرار النظام التمثيلي، الذي دون أن يجرد الشعب من المشاركة السياسية يقيد حجم مساهمته. أما أنصار نظريات "السيادة الشعبية"، فيسعون إلى توسيع فضاء مشاركة المواطنين بتخويلهم مجموعة من الوسائل المتراوحة بين تعميم حق الانتخاب وتنويع أدواته، والحق في الاعتراض على القوانين والمبادرة في اقتراحها ورفضها .

حول مبدأ سيادة الأمة

يقضي مبدأ السيادة الوطنية souveraineté nationale أن تتشخص السيادة في الأمة التي تتكون من كل الأفراد الذين يتشكل منهم عنصر الشعب، لكن تفوقهم وتسمو عنهم من حيث القوة الرمزية والعمق التاريخي.7 فالأمة كيان عضوي معنوي، يرمز للماضي والحاضر والمستقبل، كما يضم الأحياء والأموات والذين سيولدون غدا، إنها "تشخص استمرار الدولة والنظام".8 لذدلك، ذهب الفقه الدستوري إلى أن "السيادة الوطنية تأكيد المثالية الديمقراطية 9 ،أي هي " تأكيد حكم المجموع بالمجموع لمصلحة المجموع"،10 مما يفيد أن مبدأ سيادة الأمة يعني تحقيق وحدة الحاكمين والمحكومين بغية تجسيد مبدأ الصالح العام، ومن ثمة لا تكون "السيادة الوطنية إلا حيث يكون أساس الحكم كلمة الشعب".

يترتب عما سلف أن السلطات في الدولة يجب أن تمارس لمصلحة الجميع، لا لمصلحة الحاكمين الشخصية ولو كانوا يمثلون الأكثرية. السلطة والحكم وجدا بالضرورة من أجل الشعب، وليس الشعب هو الذي وجد من أجل الحكم. فحين يتمكن مجموع أفراد الشعب من تسيير أمورهم العامة، تتجسد السيادة في الأمة وتصبح مصدر السلطات. بيد أن التاريخ علمنا أن كل طبقة، أو شريحة، أو فئة تتملك السلطة تجنح بالضرورة إلى استغلالها لصالحها وليس لمصلحة الجميع، غير أن العقل البشري، باجتهاده، تمكن في نظم سياسية كثيرة من لجم أنانيات الأفراد والجماعات وجعل الانتصار للمشترك قيمة مجتمعية سامية. فحين يتحقق التعايش بين الميولات الفردية وضرورات العيش المشترك تتيسر سبل التعبير عن الطموحات الشخصية ويصبح المجتمع أكثر جاهزية لتقبلها والدفاع عن مشروعيتها. لذلك، تتطلب الديمقراطية في مثاليتها أمرين متلازمين على حد قول الفقيه جورج فيديلg.vedel :استقلال الفرد إزاء السلطة قدر الإمكان، وتملك الأفراد بمجموعهم هذه السلطة بالذات، و بصيغة أدق إن الديمقراطية هي التي " تتحقق فيها الحرية على صعيدين: حرية كل فرد ، أي سلطة تحديد نفسه بنفسه، وحرية المجموع، أي حرية الأفراد بأن يحددوا بأنفسهم نظام حياتهم المشتركة"11 ، ربما يبدو صعبا إن لم يكن مستحيلا الجمع بين طرفي ثنائية يبدوان في خط التعارض: حرية الفرد وسيادة المجموع. فمن أجل تحقيق ذلك يكون المجموع في أوكد الحاجة إلى إعمال قاعدة الإجماع وليس قاعدة الأكثرية، لأن الإجماع وحده كفيل بادراك مقصد الوفاق بين الفرد والمجموع، أي تحقيق الوحدة الكاملة بين الحاكمين والمحكومين، إذ يشترك الجميع في الحكم، ولا يطيع أحد غير نفسه مع ذلك."12

يصعب على صعيد الممارسة تجسيد قاعدة الإجماع. ففي مجتمعات مؤسسة على فلسفة الاختلاف في مظاهره المتنوعة الاجتماعية والسياسية والفكرية، وحتى اللاتنية واللغوية أحيانا ، يكون من قبيل الطوبي الانتصار لفكرة الإجماع، إذ بقدر ما يختلف الناس ويدافعون عن شرعية اختلافهم، بالقدر نفسه ينشدون الوفاق والتوفيق بين متناقضاتهم .لذلك، كان مفهوم المعارضة، أو "الحق في المقاومة" بتعبير "ج لوك" فاتحة عهد جديد في بناء السياسة والحكم وتدبير الشأن العام. لقد انسحب مفهوم الإجماع لصالح الأكثرية، التي لا تعني حكم الغلبة باسم الأغلبية، بل حكم الأكثرية باسم القانون، فالناس حين يمنحون أصواتهم بمحض إرادتهم، أي يفوضون سيادتهم لأكثرية، لايفوتون حقوقهم، فشتان ما بين التفويض والتفويت، إنهم يمنحون الأكثرية سلطة النيابة عنهم باسم القانون والشرائع المتوافق عليها، وقد كان "غرفيتش" محقا حين قال: "ليست الديمقراطية حكم العدد بل هي حكم القانون". ميزة النظم ذات الدساتير الديمقراطية أنها تحكم باسم الأكثرية دون التفريط في الأقلية (المعارضة)، فإذا كانت الأكثرية مالكة السيادة عبر التفويض، فإن للأقلية حقوقا مكفولةبالدستور وحكم القانون، ففي سياق من هذا النوع "تتحقق في المجتمع صورة اقرب ما تكون إلى حكم الفرد بالفرد والجميع بالجميع في وقت واحد"13، لعل أجود ما ابتكره الفكر الديمقراطي الحديث مواءمته بين الميولات الفردية الطبيعية في الإنسان، وضرورات العيش المشترك.

ب في معنى السيادة الشعبية وحدودها

يكتسي مصطلح "شعب" peuple معاني كثيرة، تختلف بحسب السياقات التي يوظف فيها. فالشعب ركن من أركان الدولة، وأحد دعامات نشوئها، إذ يتعذر ميلاد الدولة واكتساب الشرعية دون استنادها على جماعة بشرية متوفرة على حدة أدنى من التماسك والانسجام، ومع ذلك يتميز مصطلح "شعب" عن غيره من المفاهيم، كالأمة والسكان، أو الطائفة ، والزاوية، والعشيرة والقبيلة . فأفراد الشعب هم أحياء الأمة، يشكلون فرعا منها وتظل هي الأصل، فإذا كان من الصعوبة اليوم إقامة فواصل دقيقة ونهائية بين سيادة الأمة والسيادة الشعبية، فإن ثمة قيمة منهجية استوجبت إقامة فصل إجرائي بينهما، بغية فهم سياق التنازع والتعارض في التاريخ، واستنتاج الآثار الحقوقية المترتبة عنهما. فهكذا، لم يتردد أحد الذين مهدوا للثورة الفرنسية بأفكارهم وخدموا مشروعها السياسي بعد نجاحها عام 1789، "عمانويل جوزيف سييس"14 ، في توظيف مفهوم الأمة لجعل المشاركة السياسية مقيدة باعتبارات المال (الضرائب)، والجنس (المرأة) والسن ،والتعليم، فحيث أن أكثرية المواطنين في رأيه، "لا يتوفرون على التعليم والثقافة، ولا يملكون الوسائل الضرورية ليقرروا بأنفسهم في الشؤون العامة... ينبغي أن نكتفي منهم بأخذ رأيهم في تعيين النواب الذين هم أقدر الناس على اتخاذ القرارات، وبذلك يمكن لأولئك الذين لا يتوفرون على الأهلية لمزاولة شؤون الحكم أن يمنحوا ثقتهم إلى مواطنين آخرين هم أدرى بالصالح العام وبتأويل الإرادة الشعبية"15. بيد أن فكر "سييس" ، وبعض الذين ساندوا أطروحته، سرعان ما انتقد وتمت الدعوة إلى تجاوزه بالانتصار لنظرية السيادة الشعبية على خلفية توسيع دائرة المشاركة ورفع الشروط المقيدة لها، وفي هذا الصدد تقدم كتابات ج ج روسو دفاعا متميزا عن هذا المنحى، على الرغم مما يلف أفكاره من غموض والالتباس وتعقيد أحيانا16 .

تنهض أطروحة روسو ذات الشأن، كما تضمنها مؤلفه "العقد الاجتماعي" (1762)، على فكرة مفصلية تدور حول الرغبة في الوحدة. فبمقتضى العقد الاجتماعي يندمج الأفراد في الجماعة، ليكونوا شخصا جديدا هو "الإرادة العامة"، أو على حد قوله "كل منا يضع في الشراكة شخصه وكل قدرته، تحت سلطة الإرادة العامة، ونحن نتلقى ككل، أي كجسم، كل عضو وكأنه جزء لا يتجزأ من الكل. كل شريك يتحد مع الكل ولا يتحد مع أي شخص بشكل خاص، إنه لا يخضع هكذا إلا لذاته ويبقى حرا كما في السابق.." 17 فكأننا به يقول إن الشعب الذي توحد بطواعية وكامل السيادة، هو في الوقت ذاته سيد نفسه، حجته في ذلك حريته التي لم يفقدها في سياق إبرامه العقد الاجتماعي وتكوين الإرادة العامة، وهو ما نبه إليه بالقول: "والشعب الحر يطيع ولكنه لا يسترق، له رؤساء وليس له أسياد. يطيع القوانين، ولكنه لا يطيع إلا القوانين، وهو بقوة القوانين لا يطيع البشر"18 .

يتضح من المقطع أعلاه مدى الربط الذي يقيمه " روسو" بين "الحرية" و "المساواة" مختلفا مع ج . لوك الذي أقرن الحرية بالملكية، وجعل هذه الأخيرة شرطا للحرية ووسيلة للتمتع بها. لذلك، كان انحيازه للسيادة الوطنية، خلافا لروسو الذي انتصر للسيادة الشعبية. بيد أن روسو لا يكتفي بالربط بين الحرية والمساواة، بل يعتبر تكوين المجتمع السياسي (الدولة ومؤسساتها) من صنع الأفراد وإنجاز إراداتهم . فالشعب عنده "حصيلة مجموع الأفراد والمواطنين الموجودين فوق تراب دولة ما.وأن كل واحد منهم يملك في السيادة قسطا معادلا لقسط نظيره ."، من هنا كان ميله إلى أنظمة الحكم المؤسسة على قاعدة سيادة الشعب عبر مشاركة أوسع مكوناته، وليس الأمة مجسدة في نوابها وممثليها.

2- بصدد النتائج المترتبة عن أيلولة السيادة للشعب

يترتب عن ايلولة السيادة للشعب أن يصبح أفراده مالكي السلطات ومصدرها. فالسيادة الشعبية تفضي بالضرورة إلى الحكم المباشر، أي أن يتولى الشعب حكم نفسه دون وسيط يتدبر أموره بالنيابة عنه، إن مثل هذا النظام هو الصورة المثلى للديمقراطية ، والحال أنه ظل طوبى في التاريخ، أو تحقق في حالات محدودة جدا، قد لا تصلح نموذجا للإحالة والاسترشاد19 . مقصد القول في هذا المقام، أن ارتكازالدستور الديمقراطي على قاعدة أن "الشعب صاحب السيادة ومنبع السلطات"، يراد منه بناء شرعية السلطة على مبدأ المشاركة والقبول الطوعي والإرادي ، فحين يتحقق ذلك، وتغدو السلطة في منأى عن كل أشكال الاغتصاب، يختار المحكومون طرق التعبير عن سيادتهم ،بما تسمح به ظروفهم وأوضاعهم العامة. فقد يجنحون إلى اعتماد آليات الحكم المباشر الذي يعد الشعب مناطه، أوقد يرجحون طرق الحكم غير المباشر، الذي دون أن يجرد الشعب من أحقيته في السيادة والسلطة يسمح له بتفويض أمره لمن يراه جديرا بالنيابة عنه،وفي كل الحالات أصبحت خطوط التمييز بين نمطي السيادة إجرائية أكثر منها قطعية، بل إن العديد من الدساتير تنص على النوعين معا في أحكام وثائقها.20

في معنى الوكالة الإلزامية

تستمد نظرية "الوكالة الإلزامية" mandat impératif " أسسها من مقتضيات القانون الخاص، حيث تنشأ علاقة تعاقدية بين "الموكل" و "الوكيل" يسمح بواسطتها للثاني بالتصرف في أمور الأول ولحسابه، شريطة أن يبقى الوكيل خاضعا للموكل وتابعا لرغباته ومصالحه.21 فأخذا بهذه النظرية يكون "الناخبون في وضعية من يصدر مسبقا تعليمات ملموسة وأمرية، أي يحدد الناخبون القرارات التي يتحتم على الناخب أن يتخذها وكذلك الاتجاه الذي ينبغي أن يظل متمسكا به،.."22 مما يعني أن على النائب أو الوكيل أن يرتبط بالناخب أو الموكل بمجموعة من الواجبات تفقده كل استقلاليته لأداء وظيفته وممارسة نشاطه.فالنائب ،في هذه الحالة، لا يمثل الوطن ككل، بل الدائرة التي انتخبته، مما يعني أنه ملزم بحدود الدائرة التي صوتت عليه واختارته بهذه الصفة ، وكل خروج عن هذا الإطار يكون تحت طائلة المحاسبة التي قد تصل حد الإقالة، كما هو معتمد صراحة في العديد من الدساتير23

ب-حول قاعدة التفويض

يختلف التفويض عن التفويت في احتفاظ المفوض بحقه كمالك أصلي للسلطة، في حين يفضي التفويت إلى انتقال الحق من شخص إلى آخر كما تنتقل الملكية أو ما شابهها. فالمفوض له ليس مالكا للسلطة ، إنه ممارس لها بما قضت به اتفاقات التفويض.. ربما كانت نظرية التفويض أكثر النماذج إجرائية لاستحالة إدراك الديمقراطية في صورتها المباشرة. لذلك، ارتبطت فكرة التفويض بنمط الحكم التمثيلي،حيث "تمثل الأمة في ممارسة السيادة هيئات منتخبة تفوض بممارسة سلطات الدولة ، فالشعب في هذا الحكم لا يتخذ مقرراته بنفسه وإنما يسمي الذين يقررونها مكانه وباسمه، ويكون عمله انتخابيا محضا24".

تجدر الإشارة إلى أن نقد أطروحة السيادة الوطنية، المؤسسة على مفهوم الأمة، كان مرده احتراز أنصار هذه النظرية من فكرة المشاركة السياسية الواسعة وسعيها إلى إحاطتهابقيود وموانع متعددة كما أسلفنا القول. بيد أن تقدم الممارسة الديمقراطية وترسخ آلياتها، وتراكم الثقافة السياسية المعبرة عنها ، ساعد على قبول أن تفوض الأمة سلطاتها لاستحالة ممارستها مباشرة من الناحبتين العملية والموضوعية، ويمكن القول أن الإصلاحات العميقة التي طالت النظم الانتخابية البريطانية خلال أواسط القرن التاسع عشر دفعت في اتجاه لاستيعاب التدريجي لقاعدة التفويض وإقرار مفهوم التمثيلية la représentation .

يقضي مبدأ التفويض أن تسري أثاره على ممارسته وليس على أصله. فالقاعدة أن تبقى السيادة لاصقة بالأمة ولا يمكن النزول عنها، فلها حق تعديل التفويض متى شاءت، أو توقيفه أو إنهائه بمحض إرادتها كلما شعرت بوجود ضرورة أو حاجة إلى ذلك. لعل الذي يمنح تفويضا السلطة طابعه الحقوقي بأسلوب التمثيل، ومؤاده أن أعمال ممثلي الأمة المنتخبين لا تعبر عن إرادتهم بل عن إرادة الأمة، ولا تجري لمصلحتهم بل لمصلحة الأمة"، غير أن مبدأ التمثيل وإن كان يقترب في مدلوله في الحقوق الدستورية من الوكالة في الحقوق الخاصة، فإن ثمة ما يجعلهما مختلفين،إذ يستمد الممثل المنتخب شرعيته من سلطة الاقتراع،وإن ذهب اتجاه في الفقه الدستوري إلى أن العلاقة بين الناخب والمنتخب هي نفسها الموجودة بين الوكيل والموكل، مما يعني أن هناك وكالة شخصية وأمريه تلزم كل نائب بالارتباط بدائرته. ففي الواقع لم يجد هذا الاتجاه ما يسنده داخل الفقه الدستوري، حيث رجحت الغالبية أن يكون للوكالة (التفويض) مدلول في الحقوق العامة مختلف عما هو عليه في الحقوق الخاصة، وقد تم تفسير ذلك بأن "الوكالة تعطى من الأمة بمجموعها إلى البرلمان بمجموعه، على الرغم من تجزئة الانتخاب على دوائر انتخابية بدافع الضرورة العملية، وهي بذلك تكون تمثيلية لا أمرية أو إلزامية، يتحول النائب من خلالها ناطقا باسم الأمة ككل وإن حظي بتصويت الناخبين في دائرته المحدودة والمحددة.

فهكذا ، تبدو أهمية أن تكون السيادة لشخص اعتباري معنوي، أكان الأمة بالمعنى الواسع، أم الشعب كفرع منها، وليس لفرد طبيعي بعينه، أكان ملكا أم أميرا أم حاكما بصفات أخرى. فحين تتجسد السيادة في الأمة أوفي الشعب، يكون الولاء لشخص اعتباري مجرد، يدين له الجميع، فتكون العلاقة عندئذ مبنية ليس على الامتيازات التي يهبها الحاكم، باعتباره شخصا طبيعيا، ولكن مؤسسة على نظام المواطنة الذي يجعل الناس متساوين قانونيا في الحقوق والواجبات. إن مسيرة الديمقراطيات الحديثة حبلى بمثل هذه النماذج التي انتقل فيها الناس من الولاء لشخص إلى الولاء للأمة، فحققوا بذلك مواطنتهم، ونزعوا عنهم صفة الرعية. لقد اخترقت روح الثورة الفرنسية(1789) قطيعتان :قطيعة استبدال الولاء لشخص الملك بالولاء للأمة (مات الملك عاش الملك)، وقطيعة إحلال المواطنة موضع الرعية..وفي الظن أن مثل هذه الروح هي التي أذكت جذوة التغيير في فرنسا وفتحت أفق التطور نحو بناء جديد للسلطة والحكم والمؤسسات.